635 – فتح الاحد الصمد شرح الصحيح المسند
جمع : أحمد بن علي ، وأسامة الحميري وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وعدنان البلوشي
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
قال الشيخ مقبل رحمه الله:
635 – قال أبو داود رحمه الله (ج 11 ص 266): حدثنا أبو توبة أخبرنا عبيد الله عن عبد الكريم الجزري عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم «يكون قوم يخضبون في آخر الزمان بالسواد كحواصل الحمام لا يريحون رائحة الجنة».
هذا حديث صحيحٌ، رجاله رجال الصحيح. وقد ذكرت الكلام حول هذا الحديث في “تحريم الخضاب بالسواد” رسالة مستقلة (1).
الحديث أخرجه النسائي (ج 8 ص 138)، وأحمد (ج 1 ص 273)، وأبو يَعْلى (ج 4 ص 471).
[حكم الألباني] : صحيح
بوب عليه أبو داود:
بَابُ مَا جَاءَ فِي خِضَابِ السَّوَادِ
بوب عليه مقبل في الجامع:
29 – الرد على المجبرة والشاهد من الأدلة إضافة الأفعال إلى أصحابها
60 – أسباب مانعة من دخول الجنة وهي محمولة في حق الموحد على وقت مخصوص
31 – تحريم الخضاب بالسواد
—-
«يَخْضِبُون»:
خَضَبَ الشيء يخضبه، خضبًا، وخضَّبَهُ: غيَّر لونه بحمرة، أو صفرة، أو غيرهما.
المحكم والمحيط الأعظم، لابن سيده (5/ 45)
«كحَوَاصِل»:
الحَوْصَل والحَوْصَلَة، والحَوْصَلَّة، والحَوْصَلَاء، ممدود، من الطائر والظَّلِيْم (نوع من أنواع الطيور): بمنزلة المعدة من الإنسان
لسان العرب، لابن منظور (11/ 154)
قال الملا علي القاري -رحمه الله-:
أراد جنسه (أي: جنس السواد) لا نوعه المعين، فمعناه: باللون الأسود، وكأنه كان متعارفًا في زمانه الشريف؛ ولهذا عبَّر عنه «بهذا السواد» (كما في لفظ)، أو أراد به السواد الصِّرف؛ ليخرج الأحمر الذي يضرب إلى السواد، كالكتم والحناء، ويؤيده تقييده لقوله: «كحواصل الحمام».
مرقاة المفاتيح (7/ 2828)
قال القاضي عياض -رحمه الله-:
اختلف السلف من الصحابة والتابعين في الخضاب وفي جنسه، فرأى بعضهم أن ترك الخضاب أفضل، وبقاء الشيب أولى من تغييره، ورووا حديثًا في نهي النبي -صلى الله عليه وسلم- عن تغيير الشيب، وأنه لم يغير هو شيبه ولا اختضب، وممن ذكر ذلك عنه: علي، وعمر، وأُبي في آخرين، قال: ورأى آخرون: الخضاب أفضل، وخضب جماعة من الخلفاء والصحابة والتابعين فمن بعدهم، واحتجوا بأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بالخضاب بالأحاديث التي ذكر مسلم وغيره في ذلك.
ثم اختلفوا: فكان أكثرهم يخضب بالصفرة؛ منهم علي، وابن عمر، وأبو هريرة، في آخرين، وكان منهم من يخضب بالحناء وبالكتم، ومنهم من يصبغ بالزعفران، وكان منهم من يخضب بالسواد، وذُكِرَ ذلك عن عمر، وعثمان، والحسن، والحسين، وعقبة بن عامر، ومحمد بن علي، وعلي بن عبد الله بن عباس، وعروة، وابن سيرين، وأبي بردة في آخرين، وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال: هو أسكن للزوجة، وأهيب للعدو، وكان بعضهم لا يخضب، وبه أخذ مالك، وذكره عن علي بن أبي طالب، قال: وتغيير السواد أحب إليَّ.
إكمال المعلم (6/ 624-625)
قال ابن قدامة:
فصل: ويُسْتَحَبُّ خِضَابُ الشَّيْبِ بغَيْرِ السَّوَادِ، قال أحمدُ: إني لأَرَى الشَّيْخَ المَخْضُوبَ فأَفْرَحُ به. وذَاكَرَ رَجُلًا، فقال: لم لا تَخْتَضِب؟ فقال: أسْتَحِى. قال: سُبْحانَ اللَّه، سُنَّةُ رَسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم! …
ويُكْرَهُ الخِضَابُ بالسَّوَادِ. قِيلَ لأبي عبد اللَّه: تَكْرَهُ الخِضَابَ بالسَّوَادِ؟ قال: إى واللَّه. قال: وجاء أبو بكر بأبِيهِ إلى رَسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم ورَأسُه ولِحْيَتُه كالثَّغَامةِ (114) بَيَاضًا، فقال رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: “غَيِّرُوهُما وجَنِّبُوهُ السَّوَادَ”. (115) ورَوَى أبو دَاودَ، بإسْنادِه عن عبد اللَّه بنِ عَبَّاس [قال: قال رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم] (116): “يَكُونُ قَوْمٌ في آخِرِ الزَّمَانِ يَخْضِبُونَ بالسَّوادِ كَحَواصِل (117)
الْحَمَامِ، لا يَرِيحُونَ رَائحَةَ الْجَنَّةِ”. (118) ورَخَّصَ فيه إسحاقُ [بن رَاهُويَه] (119) للمرأةِ تَتَزَيَّنُ به لزَوْجِها.
[المغني لابن قدامة 1/ 125]
وقال ابن القيم -رحمه الله- متعقبًا:
في ثبوته (أي: الخضاب بالسواد) عنهم نظر، ولو ثبت فلا قول لأحد مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وسنته أحق بالاتباع، ولو خالفها من خالفها.
عون المعبود (11/ 173)
قال ابن عبد البر -رحمه الله-:
وأما الخضاب بالسواد (ثم ساق بسنده إلى) جابر قال: «جيء بأبي قحافة يوم الفتح إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، وكأن رأسه ثُغَامَة (نوع من النبات أبيض)، فقال: اذهبوا به إلى بعض نسائه، فليغيرنه، وجنبوه السواد».
وقال عطاء: ما رأيت أحدًا من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يخضب بالسواد، ما كانوا يخضبون إلا بالحناء والكتم، وهذه الصفرة.
(ثم ساق بإسناده إلى) أيوب قال: سمعت سعيد بن جبير، وسئل عن الخضاب بالوشمة (نوع من أنواع النبات)، فقال: يكسو الله -عزَّ وجلَّ- في وجهه نورًا، ثم يطفئه بالسواد، وممن كره الخضاب بالسواد مجاهد وعطاء، وطاوس ومكحول، والشعبي، وروي ذلك عن أبي هريرة.
الاستذكار (8/ 441)
قال المازري -رحمه الله-:
لم يحرم مالك -رضي الله عنه- التغيير بالسواد، ولا أوجب الصباغ، ولعله يحمل النهي عن التغيير بالسواد على الاستحباب، والأمر بالتغيير على حالة هجن المشيب صاحبها، قال عبد الوهاب: يكره السواد؛ لأن فيه تدليسًا على النساء، فيوهم الشباب، فتدخل المرأة عليه.
المعلم بفوائد مسلم (3/ 135)
قال ابن القيم -رحمه الله-:
وأما الخضاب بالسواد فكرهه جماعة من أهل العلم، وهو الصواب بلا ريب؛ لما تقدم، وقيل للإمام أحمد: تكره الخضاب بالسواد، قال: إي والله.
وهذه المسألة من المسائل التي حلف عليها، وقد جمعها أبو الحسن، ولأنه يتضمن التلبيس بخلاف الصفرة، ورخص فيه آخرون، منهم: أصحاب أبي حنيفة.
عون المعبود (11/ 172)
قال ابن حجر -رحمه الله- ناقلًا كلام ابن أبي عاصم ومتعقبًا عليه:
واختاره (أي: القول بالجواز) ابن أبي عاصم في كتاب “الخضاب” له، وأجاب عن حديث ابن عباس رفعه: «يكون قوم يخضبون بالسواد، لا يجدون ريح الجنة» بأنه لا دلالة فيه على كراهة الخضاب بالسواد، بل فيه الإخبار عن قوم هذه صفتهم، وعن حديث جابر: «جنبوه السواد» بأنه في حق من صار شيب رأسه مُسْتَبْشَعًا، ولا يطرد ذلك في حق كل أحد، انتهى.
وما قاله خلاف ما يتبادر من سياق الحديثين، نعم يشهد له ما أخرجه هو عن ابن شهاب قال: كنا نخضب بالسواد إذ كان الوجه جديدًا، فلما نغض الوجه والأسنان تركناه.
وقد أخرج الطبراني وابن أبي عاصم من حديث أبي الدرداء رفعه: «من خضب بالسواد سود الله وجهه يوم القيامة» وسنده ليِّن. .
وقال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله- متعقبًا ابن حجر:
هذا عجيب من الحافظ، كيف يستشهد بفعل ابن شهاب وأصحابه من الصبغ بالسواد على معارضة ما صح عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من قوله: «جنبوه السواد»، هذا شيء عجيب.
ذخيرة العقبى (38/ 68)
قال ابن القيم -رحمه الله-:
الصواب: أن الأحاديث في هذا الباب لا اختلاف بينها بوجه، فإن الذي نهى عنه النبي -صلى الله عليه وسلم- من تغيير الشيب أمران: أحدهما: نَتْفُه. والثاني: خضابه بالسواد -كما تقدم-، والذي أذن فيه هو صبغه، وتغييره بغير السواد، كالحناء والصفرة، وهو الذي عمله الصحابة -رضي الله عنهم-.
قال الحكم بن عمرو الغفاري: دخلت أنا وأخي رافع على عمر بن الخطاب، وأنا مخضوب بالحناء، وأخي مخضوب بالصفرة، فقال عمر: هذا خضاب الإسلام، وقال لأخي: هذا خضاب الإيمان.
حاشية ابن القيم على سنن أبي داود (11/ 257-258)
قال محمد عبد الرحمن المباركفوري -رحمه الله-:
من أجاز الخضاب بالسواد استدل بأحاديث:
منها: حديث أبي هريرة المذكور، فإن قوله -صلى الله عليه وسلم-: «غيروا الشيب» بإطلاقه يشمل التغيير بالسواد أيضًا، ووقع في رواية البخاري وغيره: «إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم» قال الحافظ ابن أبي عاصم: قوله: «فخالفوهم» إباحة منه أن يغيروا الشيب بكل ما شاء المغير له، إذ لم يتضمن قوله: «خالفوهم» أن اصبغوا بكذا وكذا دون كذا وكذا، انتهى.
ومنها: حديث جابر، قال: «أتي بأبي قُحَافة، أو جاء عام الفتح، أو يوم الفتح، ورأسه ولحيته مثل الثُّغَام أو الثُّغَامة (وهي: شجرة بيضاء) فأمر أو فأمر به إلى نسائه، قال: غيروا هذا بشيء»، فإن قوله -صلى الله عليه وسلم-: «غيروا هذا بشيء» بإطلاقه يشمل التغيير بالسواد أيضًا.
وأجاب المانعون عن هذين الحديثين: بأن المراد بالتغيير فيهما بغير السواد، فإن حديث جابر هذا رواه مسلم من طريق ابن جريج عن أبي الزبير عنه، وزاد: «واجتنبوا السواد» في هذه الزيادة دلالة واضحة على أن المراد بالتغيير في الحديثين المذكورين: التغيير بغير السواد.
وأجاب المجوِّزون عن هذه الزيادة: بأن في كونها من كلام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نظرًا، ويؤيده: أن ابن جريج راوي الحديث عن أبي الزبير كان يخضب بالسواد، كما ستقف عليه.
ومنها حديث أبي ذر المذكور: فإنه يدل على استحباب الخضاب بالحناء مخلوطًا بالكَتَم، وهو يسود الشعر.
وأجيب عنه: بأن الخلط يختلف، فإن غلب الكَتَم أسودَّ، وكذا إن استويا، وإن غلب الحناء أحمرَّ، والمراد بالخلط في الحديث: إذا كان الحناء غالبًا على الكَتَم جمعًا بين الأحاديث.
وفيه: أن الحديث مطلق ليس مقيدًا بصورة دون صورة، ووجه الجمع ليس بمنحصر فيما ذكر.
ومنها: حديث صهيب رواه ابن ماجه، قال: حدثنا أبو هريرة الصيرفي محمد بن فراس، حدثنا عمر بن الخطاب بن زكريا الراسبي، حدثنا دفاع بن دَغْفَل السدوسي، عن عبد الحميد بن صَيْفِي، عن أبيه، عن جده صهيب الخير قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إن أحسن ما اختضبتم به لهذا السواد، أرغب لنسائكم فيكم، وأهيب لكم في صدور عدوكم».
ويؤيد هذا الحديث: ما روي عن عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- أنه كان يأمر بالخضاب بالسواد، ويقول: هو تسكين للزوجة، وأهيب للعدو، وذكره العيني في العمدة.
وأجاب المانعون عن هذا الحديث بوجهين:
أحدهما: أن دفاع بن دَغْفَل وعبد الحميد بن صَيْفِي ضعيفان كما في التقريب.
وثانيهما: أن عبد الحميد بن صيفي، وهو عبد الحميد بن زياد بن صيفي، عن أبيه عن جده لا يعرف سماع بعضهم من بعض، قاله البخاري كما في الميزان.
وأجيب عن الوجه الأول: بأن دفاع بن دغفل ضعَّفه أبو حاتم، ووثَّقه ابن حبان، قاله الذهبي في الميزان.
وقال الحافظ في تهذيب التهذيب: قال أبو حاتم: ضعيف الحديث، وذكره ابن حبان في الثقات، فتضعيف أبي حاتم وقوله: ضعيف الحديث غير قادح؛ لأنه لم يبين السبب.
قال الزيلعي في نصب الراية في الكلام على معاوية بن صالح: وقول أبي حاتم لا يحتج به غير قادح، فإنه لم يذكر السبب، وقد تكررت هذه اللفظة منه في رجال كثيرين من أصحاب الصحيح الثقات الأثبات، من غير بيان السبب، كخالد الحذَّاء، وغيره. انتهى.
فتوثيق ابن حبان هو المعتمد، وعبد الحميد بن صيفي لم يثبت فيه جرح مفسر، وقال أبو حاتم: هو شيخ، وذكره ابن حبان في الثقات.
وأجيب عن الوجه الثاني: بأن قول الإمام البخاري لا يعرف سماع بعضهم من بعض مبني على ما اشترطه في قبول الحديث المعنعن من لقاء بعض رواته من بعض، ولو مرة.
وأما الجمهور فلم يشترطوا ذلك، والمسألة مذكورة مبسوطة في مقامها.
ومنها: حديث عائشة مرفوعًا: «إذا خطب أحدكم المرأة وهو يخضب بالسواد فليعلمها أنه يخضب» رواه الديلمي في مسند الفردوس.
وأجيب عنه: بأنه ضعيف؛ لضعف عيسى بن ميمون، قاله المناوي.
واستدل المجوزون أيضًا: بأن جمعًا من الصحابة -رضي الله تعالى عنهم- من الخلفاء الراشدين في غيرهم قد اختضبوا بالسواد، ولم ينقل الإنكار عليهم من أحد، فمنهم أبو بكر -رضي الله عنه- روى البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك، قال: «قدم النبي -صلى الله عليه وسلم- المدينة، فكان أسن أصحابه أبو بكر، فغلفها بالحناء والكتم حتى قنأ لونها» وفي القاموس: قنأ لحيته: سوَّدها كفنأها، انتهى.
وفي المنجد: قَنَأَ قُنُوء الشيء: اشتدت حُمرة اللحية من الخضاب، اسودت…
وأجيب عنه: بأن المراد بقوله: «حتى قنأ لونها» اشتد حمرتها، ففي النهاية في باب القاف مع النون مررت بأبي بكر فإذا لحيته قانئة، وفي حديث آخر: «وقد قَنَأَ لونها» أي: شديدة الحمرة. انتهى.
وقال الحافظ في الفتح: قوله: «حتى قَنَأَ» بفتح القاف والنون والهمزة، أي: اشتدت حمرتها. انتهى.
وقال العيني: أي: حتى اشتد حمرتها حتى ضربت إلى السواد. انتهى.
وروي عن قيس بن أبي حازم، قال: كان أبو بكر الصديق -رضي الله تعالى عنه- يخرج إلينا، وكأن لحيته ضرام العرفج من الحناء والكتم، ذكره العيني في العمدة.
قال الجوزي في النهاية بعد ذكر هذا الأثر: الضرم لهب النار، شبهت به لأنه كان يخضبها بالحناء.
وقال في مادة العرفج: شجر معروف صغير سريع الاشتعال بالنار، وهو من نبات الصيف.
ومنهم عثمان -رضي الله عنه-، قال الحافظ ابن القيم في زاد المعاد: قد صح عن الحسن والحسين -رضي الله عنهما- أنهما كانا يخضبان بالسواد ذكر ذلك ابن جرير عنهما في كتاب تهذيب الآثار، وذكره عن عثمان بن عفان، وعبد الله بن جعفر، وسعد بن أبي وقاص، وعقبة بن عامر، والمغيرة بن شعبة، وجرير بن عبد الله، وعمرو بن العاص -رضي الله عنهم أجمعين-، وحكاه عن جماعة من التابعين منهم عمرو بن عثمان، وعلي بن عبد الله بن عباس، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعبد الرحمن بن الأسود، وموسى بن طلحة، والزهري وأيوب، وإسماعيل بن معد يكرب -رضي الله عنهم أجمعين-.
وحكاه ابن الجوزي عن محارب بن دِثَار، ويزيد، وابن جريج، وأبي يوسف، وأبي إسحاق، وابن أبي ليلى، وزياد بن عِلَاقة، وغيلان بن جامع، ونافع بن جبير، وعمرو بن علي المقدمي، والقاسم بن سلام -رضي الله عنهم أجمعين-، انتهى.
قلتُ: وكان ممن يخضب بالسواد ويقول به: محمد بن إسحاق صاحب المغازي، والحجاج بن أرطاة، والحافظ ابن أبي عاصم، وابن الجوزي، ولهما رسالتان مفردتان في جواز الخضاب بالسواد، وابن سيرين، وأبو بردة، وعروة بن الزبير، وشرحبيل بن السِّمْط، وعَنْبَسة بن سعيد، وقال: إنما شعرك بمنزلة ثوبك فاصبغه بأي لون شئت، وأحبه إلينا أحلكه.
وأجيب عن ذلك: بأن خضب هؤلاء الصحابة -رضي الله عنهم- وغيرهم بالسواد ينفيه الأحاديث المرفوعة، فلا يصلح للاحتجاج، وأما عدم نقل الإنكار فلا يستلزم عدم وقوعه.
وفيه: أن الأحاديث المرفوعة في هذا الباب مختلفة فبعضها ينفيه، وبعضها لا، بل يثبته ويؤيده؛ فتفكر.
واستدل المانعون عن الخضاب بالسواد بأحاديث:
منها: حديث جابر الذي رواه مسلم من طريق ابن جريج عن أبي الزبير عنه قال: «أتي بأبي قُحَافة يوم فتح مكة، ورأسه ولحيته كالثُّغَامة بياضًا، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «غيروا هذا بشيء واجتنبوا السواد» فقوله -صلى الله عليه وسلم-: «واجتنبوا السواد» دليل واضح على النهي عن الخضاب بالسواد.
وأجيب عنه: بأن قوله: «واجتنبوا السواد» مدرج في هذا الحديث، وليس من كلام النبي -صلى الله عليه وسلم-، والدليل على ذلك: أن مسلمًا روى هذا الحديث عن أبي خيثمة، عن أبي الزبير، عن جابر إلى قوله: «غيروا هذا بشيء» فحسب، ولم يزد فيه قوله: «واجتنبوا السواد» وقد سأل زهير أبا الزبير هل قال جابر في حديثه: “جنبوه السواد؟”، فأنكر، وقال: لا.
ففي مسند أحمد: حدثنا عبد الله، حدثني أبي، حدثنا حسن وأحمد بن عبد الملك، قالا: حدثنا زهير، عن أبي الزبير، عن جابر، قال أحمد في حديثه: حدثنا أبو الزبير، عن جابر، قال: «أتي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأبي قحافة، أو جاء عام الفتح، ورأسه ولحيته مثل الثُّغام أو مثل الثُّغامة، قال حسن: «فأمر به إلى نسائه، قال: غيروا هذا الشيب، قال حسن: قال زهير: قلت لأبي الزبير قال: «جنبوه السواد»، قال: لا، انتهى.
وزهير هذا هو زهير بن معاوية، المكنى: بأبي خيثمة، أحد الثقات الأثبات، وحسن هذا هو: حسن بن موسى، أحد الثقات.
ورد هذا الجواب: بأن حديث جابر هذا رواه ابن جريح، والليث بن سعد، وهما ثقتان ثبتان عن أبي الزبير عنه مع زيادة قوله: «واجتنبوا السواد» كما عند مسلم وأحمد وغيرهما، وزيادة الثقات الحفاظ مقبولة، والأصل عدم الإدراج.
وأما قول أبي الزبير: لا، في جواب سؤال زهير فمبني عليه أنه قد نسي هذه الزيادة، وكم من محدِّث قال قد نسي حديثه بعدما حدَّث به، وخضب بن جريج بالسواد لا يستلزم كون هذه الزيادة مدرجة، كما لا يخفى.
ومنها: حديث ابن عباس رواه أبو داود وغيره عنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «يكون قوم يخضبون في آخر الزمان بالسواد، كحَوَاصِل الحَمَام، لا يَرِيْحُون رائحة الجنة»، فهذا الحديث صريح في حرمة الخضاب بالسواد.
وأجاب المجوزون عن هذا الحديث بوجوه ثلاثة:
الأول: أن في سنده عبد الكريم بن أبي المخارق أبا أمية، كما صرح به ابن الجوزي، وهو ضعيف لا يحتج بحديثه.
وقد رُد هذا الجواب: بأن عبد الكريم هذا ليس هو ابن أبي المخارق أبا أمية، بل هو عبد الكريم بن مالك الجزري، أبو سعيد، وهو من الثقات.
قال الحافظ ابن حجر في القول المسدد: أخطأ ابن الجوزي، فإنما فيه عبد الكريم الجزري الثقة المخرج له في الصحيح. انتهى.
وقال الحافظ المنذري في الترغيب بعد ذكر هذا الحديث: ذهب بعضهم إلى أن عبد الكريم هذا هو ابن أبي المخارق، وضعف الحديث بسببه، والصواب: أنه عبد الكريم بن مالك الجزري، وهو ثقة احتج به الشيخان وغيرهما، انتهى.
ورد الذهبي والعلائي على ابن الجوزي أيضا
والحديث أخرجه ابوداود ، وليس من رجاله ابن أبي المخارق ، ثم تصحيح عدد من الأئمة للحديث يدل أنه الجزري فممن صححه ابن حبان والحاكم والذهبي وابن مفلح والعراقي وابن حجر
والألباني
قال صاحب موسوعة الطهارة ردا على من أعله بالاختلاف على مجاهد رفعا ووقفا :
أما رواية عبد الكريم الجزري عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، فهي طريق آخر لم يأت من طريق مجاهد، فيكون الحديث من هذا الطريق محفوظًا. وهذا القول وجيه جدًّا.
والثاني: أن الوعيد الشديد المذكور في هذا الحديث ليس على الخضب بالسواد، بل على معصية أخرى لم تذكر، كما قال الحافظ ابن أبي عاصم، ويدل على ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم-: «يكون قوم يخضبون في آخر الزمان بالسواد» وقد عرفت وجود طائفة قد خضبوا بالسواد في أول الزمان، وبعده من الصحابة والتابعين وغيرهم -رضي الله عنهم-، فظهر أن الوعيد المذكور ليس على الخضب بالسواد، إذ لو كان الوعيد على الخضب بالسواد لم يكن لذكر قوله: «في آخر الزمان» فائدة، فالاستدلال بهذا الحديث على كراهة الخضب بالسواد ليس بصحيح.
والثالث: أن المراد بالخضب بالسواد في هذا الحديث: الخضب به لغرض التلبيس والخداع لا مطلقًا؛ جمعًا بين الأحاديث المختلفة، وهو حرام بالاتفاق.
ومنها: حديث أنس، رواه أحمد في مسنده عنه، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «غيروا الشيب ولا تقربوه السواد».
وأجيب عنه: بأن في سنده ابن لهيعة، وهو ضعيف.
قال الحافظ في التلخيص: قال البيهقي: أجمع أصحاب الحديث على ضعف ابن لهيعة، وترك الاحتجاج بما ينفرد به. انتهى، ثم هو مدلس، ورواه عن خالد بن أبي عمران بالعنعنة.
ومنها: حديث أبي الدرداء مرفوعًا: «من خضب بالسواد سوَّد الله وجهه يوم القيامة» أخرجه الطبراني، وابن أبي عاصم.
ومنها: حديث ابن عمر مرفوعًا: «الصفرة خضاب المؤمن، والحمرة خضاب المسلم، والسواد خضاب الكافر» أخرجه الطبراني، والحاكم.
ومنها: حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده رفعه: «من غير البياض بالسواد لم ينظر الله إليه» ذكره الحافظ في لسان الميزان.
وأجيب عن هذه الأحاديث الثلاثة: بأنها ضعيفة لا يصلح واحد منها للاحتجاج.
أما الأول فقد ضعفه الحافظ في الفتح كما عرفت، وأما الثاني فقال المناوي في التيسير: إنه منكر، وأما الثالث ففي سنده محمد بن مسلم العنبري، وهو ضعيف كما في الميزان واللسان.
هذا وقد ذكرنا دلائل المجوزين والمانعين مع بيان ما لها وما عليها، فعليك أن تتأمل فيها.
تحفة الأحوذي (5/ 356-361)
قال ابن القيم -رحمه الله-:
فإن قيل: فقد ثبت في صحيح مسلم النهي عن الخضاب بالسواد في شأن أبي قُحَافة لما أتي به ورأسه ولحيته كالثُّغامة بياضًا، فقال: «غيروا هذا الشيب وجنبوه السواد»، والكتم يُسَوِّدُ الشعر.
فالجواب من وجهين:
أحدهما: أن النهي عن التسويد البحت، فأما إذا أضيف إلى الحناء شيء آخر، كالكتم ونحوه فلا بأس به، فإن الكتم والحناء يجعل الشعر بين الأحمر والأسود بخلاف الوسمة، فإنها تجعله أسود فاحمًا، وهذا أصح الجوابين.
الجواب الثاني: أن الخضاب بالسواد المنهي عنه خضاب التدليس، كخضاب شعر الجارية، والمرأة الكبيرة تغر الزوج، والسيد بذلك، وخضاب الشيخ يغر المرأة بذلك، فإنه من الغش والخداع، فأما إذا لم يتضمن تدليسًا ولا خداعًا فقد صح عن الحسن والحسين -رضي الله عنهما- أنهما كانا يخضبان بالسواد.
زاد المعاد (4/ 337)
وقال محمد عبد الرحمن المباركفوري -رحمه الله- معلقًا:
قلتُ: الجواب الأول هو أحسن الأجوبة، بل هو المتعين عندي.
وحاصله: أن أحاديث النهي عن الخضب بالسواد محمولة على التسويد البحت، والأحاديث التي تدل على إباحة الخضب بالسواد محمولة على التسويد المخلوط بالحمرة، هذا ما عندي -والله تعالى أعلم-.
تحفة الأحوذي (5/ 361)
قال الشيخ محمد بن علي الإتيوبي -رحمه الله-:
فوائده (أي: هذا الحديث):
منها: إثبات رائحة للجنة، وقد ثبت أنه يوجد من مسافة بعيدة، فقد أخرج البخاري في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما-، عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، قال: «من قتل معاهدًا، لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عامًا» والله تعالى أعلم.
ذخيرة العقبى (38/ 66-67)
قال الإتيوبي:
(المسألة الرابعة): فِي اختلاف أهل العلم فِي حكم خضاب الشيب:
قَالَ النوويّ رحمه الله تعالى: ويحرم خضابه -يعني الشيب- بالسواد عَلَى الأصح، وقيل: يكره كراهة تنزيه، والمختار التحريم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: واجتنبوا السواد”، هَذَا مذهبنا، وَقَالَ القاضي: اختلف السلف، منْ الصحابة، والتابعين فِي الخضاب، وفي جنسه …..
وأما الخضاب بالسواد، فكرهه جماعة منْ أهل العلم، وهو الصواب بلا ريب؛ لما تقدّم، وقيل للإمام أحمد: تكره الخضاب بالسواد؟ قَالَ: إي والله. وهذه المسألة منْ المسائل التي حلف عليها، وَقَدْ جمعها أبو الحسن، ولأنه يتضمّن التلبيس، بخلاف الصفرة.
ورخّص فيه آخرون، منهم أصحاب أبي حنيفة، وروي ذلك عن الحسن، والحسين، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن جعفر، وعقبة بن عامر، وفي ثبوته عنهم نظر، ولو ثبت فلا قول لأحد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسنّته أحقّ بالاتّباع، ولو خالفها منْ خالفها.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: لقد أجاد ابن القيّم رحمه الله تعالى فِي هَذَا الكلام، فإن الله سبحانه وتعالى أوجب اتّباع النبيّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ عز وجل: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} الآية [الحشر: 7]، فالواجب عَلَى المكلّف اتباع سنته، ولا ينظر إلى خلاف منْ خالفها، وإن كَانَ منْ الأكابر، بل يعتذر عن هؤلاء الذين ذكر أنهم صبغوا بالسواد -إن ثبت عنهم- بأن النهي لم يصل إليهم، فتبصّر بالإنصاف، ولا تتحير بالاعتساف، اللَّهم أرنا الحقّ حقًّا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه، آمين.
ورخّص فيه آخرون للمرأة تتزيّن به لبعلها، دون الرجل، وهذا قول إسحاق ابن راهويه، وكأنه رأى أن النهي إنما جاء فِي حقّ الرجال، وَقَدْ جوّز للمرأة منْ خضاب اليدين، والرجلين ما لم يُجوّز للرجل، والله تعالى أعلم. انتهى كلام ابن القيّم رحمه الله تعالى “تهذيب السنن” 11/ 172 – 173 منْ هامش “عون المعبود”.
قَالَ الجامع عفا الله تعالى عنه: هَذَا الذي وجّه به ابن القيم مذهب إسحاق رحمهما الله تعالى بأن المرأة تخالف الرجل فِي هَذَا الباب، حيث إن الشارع نهى الرجال منْ خضاب اليد والرجل، وأباحه للمرأة، فقصر النهي عن الخضاب بالسواد عَلَى الرجل فقط، دون المرأة وجه وجيه.
والحاصل أن الذي تدلّ عليه الأدلة الصحيحة الصريحة هو تحريمُ الخضاب بالسواد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
[ذخيرة العقبى في شرح المجتبى 38/ 66]
جاء في فتاوى اللجنة الدائمة:
لا يجوز صبغ اللحية بالسواد
الفتوى رقم 1444
س: هل يجوز صبغ اللحية بالسواد؟
جـ: الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه. . وبعد:
لا يجوز أن يصبغ الرجل لحيته بالسواد لورود الأمر باجتنابه والنهي عن فعله فقد روى أبو داود بسنده عن جابر بن عبد الله قال: «أتي بأبي قحافة يوم فتح مكة ورأسه ولحيته كالثغامة بياضا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: غيروا هذا الشيب وجنبوه السواد (1) » وقد أخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه وروى أحمد وأبو داود والنسائي عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يكون قوم يخضبون في آخر الزمان بالسواد كحواصل الحمام لا يريحون رائحة الجنة (2) » لكن يستحب تغيير الشيب بغير السواد لحديث جابر المذكور.
وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو … نائب الرئيس … الرئيس
عبد الله بن غديان … عبد الرزاق عفيفي … عبد العزيز بن عبد الله بن باز
[فتاوى اللجنة الدائمة – المجموعة الأولى 5/ 187]
في موسوعة أحكام الطهارة وطول في ذكر أدلة الفريقين وتخريجها حتى آثار الصحابة :
– روى ابن أبي الدنيا في العمر والشيب، قال: حدثنا أبو كريب، حدثنا زكريا بن عدي، عن زاجر بن الصلت، عن الحارث بن عمرو،
عن البحتري بن عبد الحميد، أن عمر بن الخطاب قال: نعم الخضاب
السواد هيبة للعدو ومسكنة للزوجة
[سنده ضعيف]
فيه البحتري بن عبد الحميد لم أقف عليه، والحارث بن عمرو لم ينسب فيتبين لي من هو. وأخرجه ابن قتيبة (٢/ ٥٣) من طريق زكريا بن يحيى بن نا فع الأزدي، عن أبيه، عن عمر. ولم أعرفهم.
– (٦٢٥ – ١٨٩) روى الطبراني في الكبير، قال: حدثنا أحمد بن رشدين المصري، ثنا نعيم بن حماد، ثنا رشدين بن سعد، عن يونس، عن ابن شهاب،
عن سعيد بن المسيب، أن سعد بن أبي وقاص كان يخضب بالسواد.
[سنده ضعيف
المعجم الكبير (١/ ١٣٨) رقم ٢٩٥، وسنده ضعيف، فيه نعيم بن حماد، ورشدين، وكلاهما ضعيف، ورواه الطبراني (١/ ١٣٨) رقم ٢٩٦ حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ثنا عبد الله بن عمر بن أبان، ثنا سليم بن مسلم، عن معمر، عن الزهري، عن عامر بن سعد أن سعدا كان يخضب بالسواد.
قال الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ١٦٢): «سليم بن مسلم لا أعرفه».
قلت: سليم بن مسلم هو الخشاب معروف، وترجمته في كتب الرجال مشهورة.
قال أحمد بن حنبل: قد رأيته بمكة، ليس يسوى حديثه شيئًا. الجرح والتعديل (٤/ ٣١٤).
وقال يحيى بن معين: ليس بثقة، كما في رواية الدوري عنه. المرجع السابق.
وقال أبو حاتم الرازي: ضعيف الحديث، منكر الحديث. المرجع السابق.
وقال أبو زرعة: ليس بقوي. المرجع السابق.
وقال النسائي: متروك. الضعفاء والمتروكين (٢٤٤).
وقال يحيى بن معين: كان ينزل مكة وكان جهميًا خبيثًا. الضعفاء الكبير (٢/ ١٦٤).
وقال ابن حبان: يروي عن الثقات الموضوعات، الذي يتخايل إلى المستمع لها وإن لم يكن الحديث صناعته أنها موضوعة. المجروحين (١/ ٣٥٤).
– روى الطبراني، قال: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ثنا محمد بن منصور الكلبي قال حدثني سليم أبو الهذيل قال:
رأيت جرير بن عبد الله يخضب رأسه ولحيته بالسواد
المعجم الكبير (٢/ ٢٩١) رقم ٢٢٠٩، قال الهيثمي في المجمع (٥/ ١٦٢): «سليم والراوي عنه لم أعرفهما».
– قال الهيثمي في المجمع: وعن عبد الله بن عمرو، أن عمر بن الخطاب رأى عمرو بن العاص وقد سود شيبه فهو مثل جناح الغراب، فقال: ما هذا يا أبا عبد الله؟ فقال: يا أمير المؤمنين أحب أن يرى في بقية، فلم ينهه عن ذلك ولم يعبه عليه.
قال الهيثمي: رواه الطبراني، وفيه راو لم يسم، قال سعيد بن أبي مريم: حدثني من أثق به، وعبد الرحمن بن أبي الزناد وبقية رجاله ثقات
– ما رواه ابن أبي شيبة، قال: حدثنا شبابة، قال: حدثنا ليث بن سعد، قال: حدثنا أبو عشانة المعافري، قال:
رأيت عقبة بن عامر يخضب بالسواد ويقول:
نسود أعلاها وتأبى أصولها ………
المصنف (٥/ ١٨٤) رقم ٢٥٠٢٥. وسنده صحيح، وقد أخرجه يعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ (٣/ ٢٠٤) من طريق الليث به.
– روى الطبراني في المعجم الكبير (٣/ ٩٨) حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني محمد بن عبد الرحيم أبو يحيى، ثنا حسين بن محمد، ثنا جرير بن حازم، عن محمد بن سيرين، عن أنس، أن الحسين بن علي كان يخضب بالوسمة. وسنده صحيح.
والوسمة: جاء في المصباح المنير (ص:): «الوَسِمة بكسر السين العظلم يختضب به»
والعظلم جاء في لسان العرب: «عن الزهري أَنه ذُكِرَ عنده الخِضابُ الأَسْودُ فقال: وما بأْسٌ بهِ؟ هأَنذا أَخْضِبُ بالعِظْلِمِ»
والعظلم من تَعَظْلَمَ الليلُ: أظْلَمَ، واسْوَدَّ جِدًّا. والعَظْلَمَةُ: الظُّلْمَةُ. والله أعلم.
وقال ابن أبي شيبة في المصنف (٥/ ١٨٤) باب من كره الخضاب بالسواد.
ثم ساق بسنده أن عطاء سئل عن الخضاب بالوسمة، فقال: هو مما أحدث الناس، فهذا صريح من ابن أبي شيبة أن الوسمة هي السواد.
فتبين منه أن الوسمة: هو الخضاب بالأسود.
ويؤيد هذا التفسير ما قاله ابن عبد البر في التمهيد (٢١/ ٨٦) قال: وذكر أبو بكر قال: حدثنا يحيى بن آدم، قال: حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، قال: سمعت سعيد بن جبير سئل عن الخضاب بالوسمة، فقال: يكسو الله العبد في وجهه النور فيطفئه بالسواد. ورجاله ثقات. فظهر أن الوسمة هو السواد.
وروى عبد الرزاق أيضًا، قال: عن معمر، عن الزهري قال: كان الحسن بن علي يخضب بالسواد
رجاله ثقات إن كان الزهري سمع من الحسين بن علي .
لكن روى الطبراني في الكبير (٢٥٣٥)، قال: حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، ثنا أبو كريب، ثنا معاوية بن هشام، عن محمد بن إسماعيل بن رجاء، عن جعفر بن محمد، عن أبيه أن الحسن بن علي رضي الله تعالى عنه كان يخضب بالسواد.
قال الهيثمي في المجمع (٥/ ١٦٢) رجاله رجال الصحيح، خلا محمد بن إسماعيل بن رجاء، وهو ثقة.
ثم قال :
هذا بعض ما وقفت عليه من أدلة الفريقين، والقول بالتحريم قول قوي، والقول بالكراهة أقوى، وهو قول السواد الأعظم من الأمة، بل إن التحريم إنما هو وجه عند بعض أصحاب الشافعي فقط، والوجه الآخر مكروه فحسب. وما عداهم من المذاهب الأربعة بين مجيز وكاره،
فهذا أبو يوسف ومحمد بن الحسن يريان الجواز، وقال ابن عابدين: ومذهبنا أن الصبغ بالحناء والوسمة حسن كما في الخانية. وهذا مالك يقول: لا أعلم فيه شيئًا.
وهذا الإمام أحمد يكره الصبغ، ويفسرها أكثر أصحابه بأنها كراهة تنزيه.
والصواب أن كل ما قيل: مكروه في كتب المذاهب الفقهية، ولم نعلم أنهم يريدون به كراهة التحريم، فإنه يحمل على كراهة التنزيه:
أولًا: لأن اصطلاح الكراهة عند الفقهاء يختلف اصطلاحه في نص الشارع، وإنما اشتهر هذا المصطلح أعني إطلاق الكراهة على كراهة التنزيه عند الفقهاء.
ثانيًا: أنهم صرحوا بالمقصود به، فلا نتكلف في صرفه
لكن إليك كلام الإمام أحمد نقله ابن تيمية :
قال ابن تيمية رحمه الله:
الوجه الخامس: أنه رتب الحكم على الوصف بحرف الفاء فيدل هذا على أنه علة له من غير وجه حيث قال: إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم. فإنه يقتضي أن علة الأمر بهذه المخالفة كونهم لا يصبغون فالتقدير: اصبغوا؛ لأنهم لا يصبغون وإذا كان علة الأمر بالفعل عدم فعلهم له دل على أن قصد المخالفة لهم ثابت بالشرع، وهو المطلوب يوضح ذلك أنه لو لم يكن لقصد مخالفتهم تأثير في الأمر بالصبغ لم يكن لذكرهم فائدة، ولا حسن تعقيبه به، وهذا وإن دل على أن مخالفتهم أمر مقصود للشرع فذلك لا ينفي أن يكون في نفس الفعل الذي خولفوا فيه مصلحة مقصودة مع قطع النظر عن مخالفتهم فإن هنا شيئين:
أحدهما: أن نفس المخالفة لهم في الهدى الظاهر مصلحة ومنفعة لعباد الله المؤمنين لما في مخالفتهم من المجانبة والمباينة التي توجب المباعدة عن أعمال أهل الجحيم، وإنما يظهر بعض المصلحة في ذلك لمن تنور قلبه حتى رأى ما اتصف به المغضوب عليهم والضالون من المرض الذي ضرره أشد من ضرر أمراض الأبدان.
والثاني: أن نفس ما هم عليه من الهدى والخلق قد يكون مضرا أو منقصا فينهى عنه، ويؤمر بضده لما فيه من المنفعة والكمال، وليس شيء من أمورهم إلا وهو إما مضر أو ناقص ؛ لأن ما بأيديهم من الأعمال المبتدعة والمنسوخة ونحوها مضرة، وما بأيديهم مما لم ينسخ أصله فهو يقبل الزيادة والنقص، فمخالفتهم فيه بأن يشرع ما يحصله على وجه الكمال، ولا يتصور أن يكون شيء من أمورهم كاملا قط، فإذا المخالفة فيها منفعة وصلاح لنا في كل أمورهم حتى ما هم عليه من إتقان بعض أمور دنياهم قد يكون مضرا بأمر الآخرة أو بما هو أهم منه من أمر الدنيا لمخالفة فيه صلاح لنا.
وبالجملة فالكفر بمنزلة مرض القلب وأشد ومتى كان القلب مريضا لم يصح شيء من الأعضاء صحة مطلقة، وإنما الصلاح أن لا تشبه ( مريض القلب في شيء من أموره، وإن خفي عليك مرض ذلك العضو لكن يكفيك أن فساد الأصل لا بد أن يؤثر في الفرع، ومن انتبه لهذا قد يعلم بعض الحكمة التي أنزلها الله فإن من في قلبه مرض قد يرتاب في الأمر بنفس المخالفة لعدم استبانته لفائدته، أو يتوهم أن هذا من جنس أمر الملوك والرؤساء القاصدين للعلو في الأرض، ولعمري إن النبوة غاية الملك الذي يؤتيه الله من يشاء وينزعه ممن يشاء، ولكن ملك هو غاية صلاح من أطاعه من العباد في معاشهم ومعادهم .
وحقيقة الأمر: أن جميع أعمال الكافر وأموره لا بد فيها من خلل يمنعها أن تتم منفعة بها.
ولو فرض صلاح شيء من أموره على التمام، لاستحق بذلك ثواب الآخرة، ولكن كل أموره إما فاسدة وإما ناقصة، فالحمد لله على نعمة الإسلام التي هي أعظم النعم، وأم كل خير كما يحب ربنا ويرضى.
فقد تبين أن نفس مخالفتهم أمر مقصود للشارع في الجملة، ولهذا كان الإمام أحمد بن حنبل وغيره من الأئمة يعللون الأمر بالصبغ بعلة المخالفة قال حنبل سمعت أبا عبد الله يقول: ما أحب لأحد إلا أن يغير الشيب، لا يتشبه بأهل الكتاب؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم : «غيروا الشيب، ولا تشبهوا بأهل الكتاب» .
وقال إسحاق بن إبراهيم سمعت أبا عبد الله يقول لأبي : يا أبا هاشم اخضب ولو مرة واحدة، أحب لك أن تخضب، ولا تشبه باليهود.
اقتضاء الصراط المستقيم ج١ ص١٩٧-٢٠١
تنبيه : ٢٠٦٦٠ – حدثنا هاشم، حدثنا عبد الصمد بن حبيب بن عبد الله الأزدي، قال: حدثني أبي، عن الحكم بن عمرو الغفاري، قال: دخلت أنا وأخي رافع بن عمرو على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وأنا مخضوب بالحناء، وأخي مخضوب بالصفرة، فقال لي عمر بن الخطاب: «هذا خضاب الإسلام»، وقال لأخي رافع: «هذا خضاب الإيمان»
قال محققو المسند:
إسناده ضعيف لجهالة حبيب بن عبد الله الأزدي، وضعف ابنه عبد الصمد بن حبيب. هاشم: هو ابن القاسم أبو النضر.