629 – فتح الاحد الصمد شرح الصحيح المسند
جمع : أحمد بن علي ، وأسامة الحميري وعمر الشبلي وأحمد بن خالد
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
قال الشيخ مقبل رحمه الله:
629 – قال أبو داود رحمه الله (ج 3 ص 408): حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَرِيفٍ الْبَجَلِيُّ أخبرَنَا أَسْبَاطٌ (1) عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ: صَلَّى بِنَا ابْنُ الزُّبَيْرِ فِي يَوْمِ عِيدٍ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ أَوَّلَ النَّهَارِ ثُمَّ رُحْنَا إِلَى الْجُمُعَةِ فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْنَا فَصَلَّيْنَا وُحْدَانًا وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِالطَّائِفِ فَلَمَّا قَدِمَ ذَكَرْنَا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: أَصَابَ السُّنَّةَ.
هذا حديث صحيحٌ على شرط مسلم.
——
قال عبدالحق :
بَاب إِذا اجْتمع الْعِيد وَالْجُمُعَة
النَّسَائِيّ: أخبرنَا مُحَمَّد بن بشار، ثَنَا يحيى، ثَنَا عبد الحميد بن جَعْفَر، حَدثنِي وهب بن كيسَان قَالَ: ” اجْتمع عيدَان على عهد ابْن الزبير فَأخر الْخُرُوج حَتَّى تَعَالَى النَّهَار، ثمَّ خرج فَخَطب فَأطَال الْخطْبَة، ثمَّ نزل فصلى رَكْعَتَيْنِ، وَلم يصل للنَّاس يَوْمئِذٍ الْجُمُعَة، فَذكر ذَلِك لِابْنِ عَبَّاس فَقَالَ: أصَاب السّنة “.
أَبُو دَاوُد: حَدثنَا مُحَمَّد بن طريف البَجلِيّ، ثَنَا أَسْبَاط بن مُحَمَّد، عَن الْأَعْمَش، عَن عَطاء بن أبي رَبَاح قَالَ: ” صلى بِنَا ابْن الزبير … “.
قَالَ أَبُو دَاوُد: ثَنَا مُحَمَّد بن الْمُصَفّى وَعمر بن حَفْص الوصابي – الْمَعْنى – قَالَا: ثَنَا بَقِيَّة ثَنَا شُعْبَة، عَن الْمُغيرَة الضَّبِّيّ، عَن عبد الْعَزِيز بن رفيع، عَن أبي صَالح، عَن أبي هُرَيْرَة، عَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم َ – أَنه قَالَ: ” قد اجْتمع فِي يومكم هَذَا عيدَان فَمن شَاءَ أَجزَأَهُ من الْجُمُعَة، وَإِنَّا مجمعون “.
قَالَ أَبُو دَاوُد: ثَنَا مُحَمَّد بن كثير، أَنا إِسْرَائِيل، أَنا عُثْمَان بن الْمُغيرَة، عَن إِيَاس ابْن أبي رَملَة الشَّامي قَالَ: ” شهِدت مُعَاوِيَة بن أبي سُفْيَان وَهُوَ يسْأَل زيد بن أَرقم: هَل شهِدت مَعَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم َ – عيدين اجْتمعَا فِي يَوْم؟ قَالَ: نعم. قَالَ: فَكيف صنع؟ قَالَ: صلى الْعِيد، ثمَّ رخص فِي الْجُمُعَة فَقَالَ: من شَاءَ أَن يُصَلِّي فَليصل “.
قَالَ أَبُو عمر بن عبد الْبر: قَالَ عَليّ بن الْمَدِينِيّ: فِي هَذَا الْبَاب غير مَا حَدِيث بِإِسْنَاد جيد عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم َ -.
[الأحكام الكبرى 2/ 474]
قال القاضي أبو يعلى:
173 – مَسْألَة: إذا وافق عيدٌ يومَ الجمعة، فالفضل في حضورهما جميعًا، فإن حضر العيد، أسقط عنه فرض الجمعة:
نص عليه في رواية المروذي… وبه قال إبراهيم، والشعبي.
وقال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي رضي الله عنهم: حضور العيد لا يُسقط الجمعة.
دليلنا: ما روى أبو بكر النجاد بإسناده عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه … فذكر الأحاديث السابقة ثم قال : وهذه الأخبار نصوص في إسقاط الجمعة بالعيد.
فإن قيل: لا حجة في هذه الأخبار؛ لأن أبا بكر النجاد روى بإسناده عن عطاء بن السائب عن أبيه رضي الله عنه قال: حضرت العيد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصلى، فلما قضى صلاته، قال: “قد قضينا الصلاة، فمن كان من أهل العوالي، فأحبَّ أن ينصرف، فلينصرفْ، ومن أحب أن ينتظر الخطبة، فليجلس”، وأهل العوالي لا تجب عليهم الجمعة، فالخطاب حصل لهم، فلم يكن فيه حجة على من تجب عليه الجمعة.
قيل: ولا يصح حملُ أخبارنا على أهل العوالي؛ لوجوه:
أحدها: أنه قال في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: “فمن شاء منكم، أجزأ العيدُ من جمعته”، وهذا الجمعة واجبة عليه، وأن العيد تجزئ عنها، وأهل العوالي ما كانت تجب عليهم الجمعة، فتجزئ عنها.
والثاني: قوله: “اجتمع في يومكم عيدان”، فجعل العلة في ترك الحضور اجتماع العيدين، وأهل العوالي كانت العلة في إسقاط الحضور غير هذا.
والثالث: أنا قد علمنا إسقاط الجمعة عن أهل العوالي من غير هذا الخبر، فلا معنى لحمله على حكم قد استفدناه من غيره، ووجب حمله على فائدة مجددة.
… ورأيت بخط أبي إسحاق: نا الحسين بن إسماعيل القاضي نا: محمد بن عمر بن حنان نا: بقية عن مقاتل بن سليمان، عن عطاء، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اجتمع عيدان في يوم، يقول: “من شهد معنا أولَ النهار، فهو بالخيار آخِرَه”.
وأيضًا: فهو إجماع الصحابة رضي الله عنهم أجمعين -:
وروى النجاد عن وهب بن كيسان قال: اجتمع عيدان في عهد ابن الزبير رضي الله عنهما، فأخَّر الخروجَ، ثم خرج فخطبَ، فأطال الخطبة، ثم صلى، ولم يخرج إلى الجمعة، فعاب ذلك عليه أناس، فبلغ ذلك ابنَ عباس رضي الله عنهما، فقال: أصاب السنةَ، فبلغ ابنَ الزبير، فقال: شهدت العيدَ مع عمر رضي الله عنه، فصنع كما صنعتُ.
وروى بإسناده عن أبي عبد الرحمن قال: اجتمع عيدان على عهد عليّ رضي الله عنه، فصلى بالناس، ثم خطب على راحلته، ثم قال: أيها الناس! من صلى منكم العيد، فقد قضى جمعته إن شاء الله. ولا يُعرف مخالف لهم.
والقياس: أنها صلاة، فجاز أن يسقط غيرها بفعلها؛ : صلاة الجمعة، تسقط بفعلها صلاة الظهر، وقد دل على صحة التسمية: قولُ النبي صلى الله عليه وسلم: “عيدان اجتمعا”، فسماهما عيدين.
فإن قيل: لا نقول: إن الجمعة أسقطت بفعلها الظهر؛ لأن الفرض المخاطب به يوم الجمعة هو الجمعة.
قيل له: العبد، والمرأة، والمسافر، فرضُهم يوم الجمعة الظهرُ، وسقط عنهم بفعل الجمعة.
فإن قيل: إنما سقطت الظهر بالجمعة؛ لأنهما صلاتا وقت واحد، وليس كذلك العيد والجمعة؛ لأنهما صلاتا وقتين.
قيل له: لا نسلِّم هذا في الأصل؛ لأن وقت الجمعة وقتُ الظهر؛ لأنه يجوز فعلُ الجمعة عندنا قبل الزوال، ولا يجوز فعلُ الظهر في ذلك الوقت، وإنما في الفرع، فهما صلاتا وقت واحد؛ لأنه يصلي الجمعة في الوقت الذي يصلي صلاة العيد، فلا فرق بينهما…
فإن قيل: العيد أضعف؛ لأنها فرض على الكفاية، والجمعة على الأعيان، وليس كذلك الجمعة والظهر؛ لأنهما صلاتا فرض على الأعيان، فجاز أن تُسقط إحداهما الأخرى.
قيل له: كونها أضعف منها لا تُسقط لا يمنع الإسقاط؛ بدليل: المسح على الخفين، يُسقط غسل الرجلين، وصلاة القصر يسقط الإتمام، وإن كان [أحد] الفعلين أضعفَ من الآخر …
واحتج: بأن كل من لزمته الجمعة إذا لم يصلِّ صلاة العيد، لزمته، وإن صلى؛ دليله: الإمام في صلاة الجمعة، وقد نص أحمد رحمه الله على أنها لا تسقط عنه في رواية الميموني، فقال: قال عليه السلام: إذا اجتمع عيدان في يوم، أما الإمام، فيجمعهما جميعًا، ومن شاء ذهب، ومن شاء قعد.
والجواب: إنما لم تَسقط عن الإمام؛ لأن في إسقاطها إبطالَ الجمعة في حق من لم يحضر صلاة العيد، وفي حقِّ من حضرها، إلا أنه يريد حضورها طلبًا للفضيلة؛ لأن فعلها يقف عليه، وليس كذلك غيره من الناس؛ لأنه ليس في إسقاطها عنه هذا المعنى، فلهذا فرقنا بينهما.
واحتج: بأنه لو جاز أن تسقط الجمعة بحضور العيد، لجاز أن يسقط العيد بحضور الجمعة.
والجواب: أنا لا نعرف الرواية في ذلك، ولا يمتنع أن نقول: إذا أخّر العيد بشرط العزم على حضور الجمعة: أنه يجوز له ذلك، ويحتمل أن يقال: لا يسقط؛ لأنها تسقط لا إلى بدل، وعلى أن الجمعة تُسقط الظهر، والظهر لا يُسقط الجمعة إذا فعلَها قبل صلاة الإمام.
واحتج: بأنه لو حضر الجمعة، لزمته، فيجب أن يلزمه، وإن لم يحضر، دليله: من لم يحضر صلاة العيد.
والجواب: أنه يبطل بالمريض إذا حضر، لزمه، ولا يلزمه بعدم الحضور، وكذلك من يلزمه حضور الجمعة من غير أهل القرى يلزمه بالحضور، ولا يلزمه بغيره؛ ولأنه إذا حضر، زالت مشقته، وإذا لم يحضر، فالمشقة موجودة. شوالله أعلم.
[التعليقة الكبيرة – أبو يعلى – من الصلاة للجنائز 3/ 309]
قال ابن قدامة:
فصل: وإن اتَّفَقَ عِيدٌ في يَوْمِ جُمُعَةٍ، سَقَطَ حُضُورُ الجُمُعَةِ عَمَّنْ صَلَّى العِيدَ، إلَّا الإِمامَ، فإنَّها لا تَسْقُطُ عنه إلَّا أن لا (14) يَجْتَمِعَ له من يُصَلِّي به الجُمُعَةَ. وقيل: في وُجُوبِها على الإِمامِ رِوَايَتَان وممَّن قال بِسُقُوطِها الشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، والأوْزَاعِيُّ. وقيل: هذا مذهبُ عمرَ، وعثمانَ، وعليٍّ، وسَعِيدٍ، وابنِ عمرَ، وابنِ عَبَّاسٍ، وابنِ الزُّبَيْرِ، وقال أكْثَرُ الفُقَهَاءِ تَجِبُ الجُمُعَةُ؛ لِعُمُومِ الآيَةِ، والأخْبَارِ الدَّالَّةِ على وُجُوبِها، ولأنَّهما صلاتانِ واجِبتانِ، فلم تَسْقُطْ إحْدَاهُما بالأُخْرَى، كالظُّهْرِ مع العِيدِ. ولَنا، ما رَوَى إيَاسُ بن أبي رَمْلَةَ الشَّامِيُّ، قال: شَهِدْتُ معاويةَ يَسْأَلُ زيدَ بنَ أَرْقَم: …. فذكر الأحاديث ثم قال : ولأنَّ الجُمُعَةَ إنَّما زَادتْ عن الظُّهْرِ بالخُطْبَةِ، وقد حَصَلَ سَمَاعُها في العِيدِ، فأجْزَأ (19) عن سَمَاعِها ثانِيًا، ولأنَّ وَقْتَهُما واحِدٌ بما بَيَّنَّاهُ، فسَقَطَتْ إحْدَاهُما بالأُخْرَى، كالجُمُعَةِ مع الظُّهْرِ، وما احْتَجُّوا به مَخْصُوصٌ بما رَوَيْنَاهُ، وقِياسُهم مَنْقُوضٌ بالظُّهْرِ مع الجُمُعَةِ، فأمَّا الإِمامُ فلم تَسْقُطْ عنه؛ لقولِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: “وإنَّا مُجَمِّعُونَ”. ولأنَّه لو تَرَكَها لامْتَنَع فِعْلُ الجُمُعَةِ في حَقِّ مَن تَجِبُ عليه، ومَن يُرِيدُها ممَّن سَقَطَتْ عنه، بخِلافِ غيرِه من النَّاسِ.
[المغني لابن قدامة 3/ 242]
قال ابن رسلان:
وهذِه الرخصة مخصوصة عند الشافعي بأهل القرى الذين حول المدينة بما رواه الإمام الشافعي في “مسنده” عن عمر بن عبد العزيز قال: اجتمع عيدان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: “من أحب أن يجلس من أهل العالية فليجلس في غير حرج” [وقيده بأهل العوالي البيهقي من حديث سفيان بن عيينة، عن عبد العزيز موصولًا وهذا وإن كان مرسلًا [وصح، فإن ابن المنذر قال: هذا الحديث لا يثبت . هو [مخصص لحديث] هذا الباب. حديث إياس بن أبي رملة الموصول.
ورواه عبد العزيز بن رفيع (٪، عن ذكوان أبي صالح، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلًا [كما سيأتي] ، وقيل: عنه، عن أبي صالح، عن أبي هريرة موصولًا .
والمراد [بأهل العالية] مواضع بأعلى أرض المدينة كانوا يحضرون أيام العيدين لاستماع الخطبة فيشق عليهم الجلوس إلى أن تفرغ صلاة الجمعة لطول؛ تأخرهم عن أهاليهم في يوم العيد ، فرخص لهم أن ينصرفوا، والحرج: الضيق والمشقة. والذي ذهب إليه الشافعي أن العيد إذا وافق يوم جمعة لا تسقط الجمعة، عن أهل المصر . [وبه قال أكثر الفقهاء وأخذ أحمد بإطلاق الحديث قال: تسقط الجمعة عن أهل المصر أيضًا.
[شرح سنن أبي داود لابن رسلان 5/ 517]
قال ابن تيمية:
إذَا اجْتَمَعَ الْجُمُعَةُ وَالْعِيدُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ فَلِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ تَجِبُ الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ شَهِدَ الْعِيدَ. كَمَا تَجِبُ سَائِرُ الْجُمَعِ للعمومات الدَّالَّةِ عَلَى وُجُوبِ الْجُمُعَةِ. وَالثَّانِي: تَسْقُطُ عَنْ أَهْلِ الْبرِّ مِثْلَ أَهْلِ الْعَوَالِي وَالشَّوَاذِّ؛ لِأَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عفان أَرْخَصَ لَهُمْ فِي تَرْكِ الْجُمُعَةِ لَمَّا صَلَّى بِهِمْ الْعِيدَ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: وَهُوَ الصَّحِيحُ أَنَّ مَنْ شَهِدَ الْعِيدَ سَقَطَتْ عَنْهُ الْجُمُعَةُ لَكِنْ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُقِيمَ الْجُمُعَةَ لِيَشْهَدَهَا مَنْ شَاءَ شُهُودَهَا وَمَنْ لَمْ يَشْهَدْ الْعِيدَ. وَهَذَا هُوَ الْمَأْثُورُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ: كَعُمَرِ وَعُثْمَانَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَغَيْرِهِمْ. وَلَا يُعْرَفُ عَنْ الصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ. وَأَصْحَابُ الْقَوْلَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ لَمْ يَبْلُغْهُمْ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ السُّنَّةِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ لَمَّا اجْتَمَعَ فِي يَوْمِهِ عِيدَانِ صَلَّى الْعِيدَ ثُمَّ رَخَّصَ فِي الْجُمُعَةِ وَفِي لَفْظٍ أَنَّهُ قَالَ: ﴿أَيُّهَا النَّاسُ إنَّكُمْ قَدْ أَصَبْتُمْ خَيْرًا فَمَنْ شَاءَ أَنْ يَشْهَدَ الْجُمُعَةَ فَلْيَشْهَدْ فَإِنَّا مُجْمِعُونَ﴾ . وَأَيْضًا فَإِنَّهُ إذَا شَهِدَ الْعِيدَ حَصَلَ مَقْصُودُ الِاجْتِمَاعِ ثُمَّ إنَّهُ يُصَلِّي الظُّهْرَ إذَا لَمْ يَشْهَدْ الْجُمُعَةَ فَتَكُونُ الظُّهْرُ فِي وَقْتِهَا وَالْعِيدُ يُحَصِّلُ مَقْصُودَ الْجُمُعَةِ. وَفِي إيجَابِهَا عَلَى النَّاسِ تَضْيِيقٌ عَلَيْهِمْ وَتَكْدِيرٌ لِمَقْصُودِ عِيدِهِمْ وَمَا سُنَّ لَهُمْ مِنْ السُّرُورِ فِيهِ وَالِانْبِسَاطِ. فَإِذَا حُبِسُوا عَنْ ذَلِكَ عَادَ الْعِيدُ عَلَى مَقْصُودِهِ بِالْإِبْطَالِ وَلِأَنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عِيدٌ وَيَوْمَ الْفِطْرِ وَالنَّحْرِ عِيدٌ وَمِنْ شَأْنِ الشَّارِعِ إذَا اجْتَمَعَ عِبَادَتَانِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ أَدْخَلَ إحْدَاهُمَا فِي الْأُخْرَى. كَمَا يُدْخِلُ الْوُضُوءَ فِي الْغُسْلِ وَأَحَدَ الْغُسْلَيْنِ فِي الْآخَرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
مجموع الفتاوى ٢٤/٢١٠
قال العباد:
أورد أبو داود حديث ابن عباس رضي الله تعالى …ولما أخبروه بالذي صنع ابن الزبير قال: [أصاب السنة] أي: في كون الجمعة ليست بلازمة على من حضر العيد، لكن بعض أهل العلم قال: إن الإمام عليه أن يجمع ويحضر معه من يحضر، وقد جاء في حديث أبي هريرة الذي سيأتي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وإنا مجمعون)
وقول ابن عباس رضي الله عنه: [أصاب السنة] أي: أصاب سنة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ والظاهر أن ابن الزبير صلى في بيته وما خرج إليهم للجمعة، لكن حديث أبي هريرة الذي سيأتي فيه أن الإمام يجمع وأن من شاء أن يتخلف عن الجمعة فله ذلك ولا يأثم، ولا يؤاخذ، ولا يعاقب، وهذا الذي جاء عن ابن الزبير رضي الله تعالى عنه وأرضاه فيه دلالة على أنهم ما تركوا صلاة الظهر، وإنما جاءوا من أجل الجمعة، ولكنه لما لم يحضر صلوا وحداناً، أي: صلوا الظهر؛ وعلى هذا فمن قال من أهل العلم: إن صلاة الظهر تسقط يوم العيد، وإن الإنسان لا يصلي الظهر في ذلك اليوم فقوله غير صحيح، وحديث أبي هريرة الذي سيأتي يدل على أنها لا تسقط، وكذلك حديث زيد بن أرقم يدل على أنها لا تسقط، وأثر ابن الزبير ليس فيه دليل على أنه ما صلى الظهر؛ لأن أصحابه جاءوا للصلاة.
وقوله: [(قال: فلم يخرج إلينا فصلينا وحداناً)] يفيد أنهم صلوا وحداناً، فيحتمل أن يكون معنى (وحداناً) أنهم كانوا يصلون جماعات متتابعة، ويحتمل أن كل واحد منهم صلى الظهر وحده، وابن الزبير صلى الظهر في بيته.
وقول ابن عباس: [أصاب السنة] يعني كونه ما حصل منه الإلزام بصلاة الجمعة، لعل هذا هو المقصود، وإلا فحديث أبي هريرة واضح في وقوع التجميع من الإمام، فالمسجد الذي تصلى فيه الجمعة لا تترك فيه الجمعة، بل يصلي الإمام الجمعة مع من يحضر معه.
ومن لم يحضر العيد يلزمه أن يحضر الجمعة؛ لأن الترخيص إنما هو لمن شهد صلاة العيد، وهذا من الأدلة التي يستدل بها بعض أهل العلم على أن العيد فرض عين، فمن أقوى أدلتهم على أنها فرض عين كون من حضر العيد تسقط عنه الجمعة ويرجع إلى الظهر
ومن لم يحضر الجمعة هل يصلي الظهر منفرداً أو في جماعة؟ الأظهر أن الأمر يرجع إلى ما كان عليه في غير يوم الجمعة، ومن المعلوم أن الجماعة واجبة ولازمة، وأن الناس يصلون جماعات في مساجدهم، وإنما الذي سقط عنهم كونهم ملزمين بأن يتركوا مساجدهم ويذهبوا إلى الجمعة، وإذا صلى الإنسان جماعة حصل المقصود، وإن لم يصل جماعة فإنه يصلي الظهر وحده.
[شرح سنن أبي داود للعباد 135/ 13 بترقيم الشاملة آليا]
قال الإتيوبي:
المسألة الرابعة: في بيان اختلاف أهل العلم في حكم اجتماع العيد والجمعة في يوم واحد:
ذهبت طائفة إلى أن العيد يجزىء عن الجمعة، وهو مذهب ابن الزبير، وابن عباس رضي الله عنه. ….. وذكر الخلاف ثم قال :
وقال العلامة الشوكاني -رحمه اللَّه تعالى- عند شرح قوله “ثم رَخّص في الجمعة”: ما نصّه: فيه أن صلاة الجمعة في يوم العيد يجوز تركها، وظاهر الحديث عدم الفرق بين من صلى العيد ومن لم يصل، وبين الإمام وغيره، لأن قوله: “لمن شاء” يدلّ على أن الرخصة تعمّ كلّ أحد. قال: ويدلّ على عدم الوجوب، وأن الترخيص عامّ لكلّ أحد ترك ابن الزبير للجمعة، وهو الإمام إذ ذاك، وقول ابن عباس: أصاب السنّة، وعدم الإنكار عليه من أحد من الصحابة انتهى كلام الشوكاني بتصرف.
قال الجامع – عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يترجّح عندي قول من قال: إن صلاة العيد تجزىء عن الجمعة، فيُرخّص لكل من حضر العيد أن يتخلف عن الجمعة، وأما القول بسقوط الظهر عمن سقطت عنه الجمعة، فمما لا دليل عليه، فالذين قالوا بسقوط الظهر ما أتوا بدليل صريح، بل كلها محتملات، كفعل ابن الزبير المتقدّم، فالحقّ أن لا يسقط وجوب أداء الظهر؛ لأن وجوبه بالنصوص القطعية، وهذا الذي ادّعوه من السقوط إنما هو بالنصوص المحتملة، فلا تبرأ الذمة بيقين إلا بالأداء، فتبصّر بالإنصاف، ولا تتحيّر بالاعتساف. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
[ذخيرة العقبى في شرح المجتبى 17/ 236]
قال باحث:
المبحث الخامس عشر: سقوط صلاة الجمعة وصلاة الظهر عمن صلى العيد إذا وافقت يوم الجمعة
وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: صورةُ المسألةِ، وتحريرُ محل الشذوذ
المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين
المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول
المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة
المطلب الأول: صورة المسألة وتحرير محل الشذوذ:
المقصود بهذا المبحث: إذا وافق يوم العيد يوم الجمعة، فمن صلّى العيد مع المسلمين هل تسقط عنه صلاة الجمعة وصلاة الظهر معاً؟ بمعنى: هل للمكلف إذا شهد صلاة العيد ألا يصلي بعدها إلا صلاة العصر؟ هذا هو المراد بحثه.
وهذا هو تحرير محل الشذوذ، وتبيين محل النزاع في المسألة:
- … (من شهد العيد سقطت عنه الجمعة، لكن على الإمام أن يقيم الجمعة ليشهدها من شاء شهودها ومن لم يشهد العيد … ولا يعرف عن الصحابة في ذلك خلاف).
- والمعذورون عن شهود الجمعة إن (تركوا الظهر وصلوا الجمعة أجزأتهم بالإجماع) يعني: أجزأتهم عن الظهر.
- أما من لم يحضر الجمعة فعليه أن يصلي الظهر عند العلماء عامة وحُكي إجماعاً، ونُسب لبعض السلف سقوط الجمعة والظهر عمن صلى العيد، ورجحه بعض المعاصرين، و قد حُكم على هذا القول بالشذوذ، وهذا هو الرأي المراد بحثه، وتحقيق نسبته للشذوذ من عدمه.
المطلب الثاني: القائلون بهذا الرأي من المعاصرين:
الألباني (ت 1420)، و سيد سابق (ت 1420).
وقد سبقهما إلى هذا القول من المتأخرين:
المغربي (ت 1119)، والشوكاني (ت 1250).
المطلب الثالث: وجه شذوذ هذا القول:
1/ مخالفة الإجماع، وسيأتي توثيقه في المطلب الرابع.
2/ النص على شذوذه ونحوه من الألفاظ، ومن ذلك:
– ابن عبدالبر (ت 463) بقوله: (وعطاء وابن الزبير موافقان للجماعة في غير يوم عيد، فكذلك يوم العيد في القياس والنظر الصحيح، هذا لو كان قولهما اختلافاً يوجب النظر، فكيف وهو قول شاذ وتأويله بعيد، والله المستعان وبه التوفيق)، وقال: (وإن كان لم يصل مع صلاة العيد غيرها حتى العصر فإن الأصول كلها تشهد بفساد هذا القول؛ لأن الفرضين إذا اجتمعا في فرض واحد لم يسقط أحدهما بالآخر فكيف أن يسقط فرض لسنة حضرت في يومه هذا ما لا يشك في فساده ذو فهم)، وقال: (أما القول الأول: إن الجمعة تسقط بالعيد ولا تصلى ظهراً ولا جمعة= فقول بيّن الفساد وظاهر الخطأ، متروك مهجور لا يعرج عليه)، وقال: (وقد روي في هذا الباب عن ابن الزبير وعطاء قول منكر أنكره فقهاء الأمصار ولم يقل به أحد منهم … لا وجه فيه عند جماعة الفقهاء وهو عندهم خطأ إن كان على ظاهره … وعلى أي حال كان فهو عند جماعة العلماء خطأ وليس على الأصل المأخوذ به).
– وقال ابن رشد (ت 595): (وأما إسقاط فرض الظهر والجمعة التي هي بدله لمكان صلاة العيد فخارج عن الأصول جداً).
– وقال صاحب عون المعبود، عن قول الشوكاني: (هذا قول باطل، والصحيح ما قاله الأمير اليماني في سبل السلام).
– وابن باز (ت 1418) بقوله: (سقوط الجمعة والظهر عمن حضر العيد فيما إذا وقع العيد يوم الجمعة، وهذا أيضاً خطأ ظاهر).
– واللجنة الدائمة بقولهم: (القول بأن من حضر صلاة العيد تسقط عنه صلاة الجمعة وصلاة الظهر ذلك اليوم قول غير صحيح، ولذا هجره العلماء وحكموا بخطئه وغرابته؛ لمخالفته السنة وإسقاطه فريضة من فرائض الله بلا دليل).
المطلب الرابع: الأدلة والمناقشة، وفيه ثلاث مسائل:
المسألة الأولى: أدلة القائلين بوجوب صلاة الظهر على من لم يصلّ الجمعة وصلى العيد في ذلك اليوم:
استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها:
1/ قول الله تعالى: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا}، وحديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «خمس صلوات كتبهن الله على العباد»، ويشهد له حديث المعراج وفيه قال الله عز وجل:
«يا محمد، إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة»، وحديث أنس أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أنشدك بالله، آلله أمرك أن نصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «اللهم نعم».
وجه الاستدلال:
– أن الدلوك هو الزوال، ومنه يبدأ وقت الظهر التي هي فرض الوقت، وعموم الآية يتناول يوم العيد إذا وافق الجمعة.
– وصلاة خمسة فروض في اليوم والليلة ثابت بدليل قاطع يقيني، لا يسقط فرض منها إلا بيقين، وصلاة الجمعة هي فرض يومها، والمعذور عنها فرضه الظهر.
– و (الله عز وجل افترض صلاة الجمعة في يوم الجمعة على كل من في الأمصار، من البالغين الذكور الأحرار، فمن لم يكن بهذه الصفات ففرضه الظهر في وقتها فرضاً مطلقاً، لم يختص به يوم عيد من غيره).
– فـ (الترخيص في الجمعة لا يسقط الظهر … وإنما جعل الله الجمعة عوضاً عن الظهر، فإذا رخص في العوض لم يرخص في المعوض عنه).
– و (لأن الفرضين إذا اجتمعا في فرض واحد لم يَسقط أحدهما بالآخر، فكيف أن يَسقط فرض لسنة حضرت في يومه)، ف (الجمعة [أو الظهر] من فرائض الأعيان، فلا تسقط بصلاة العيد التي هي نفل على قول البعض، وفرض على الكفاية على قول البعض).
2/ الدليل الثاني: الإجماع.
– وقد حكاه ابن عبدالبر (ت 463) بقوله: (إجماع المسلمين قديماً وحديثاً: أن من لا تجب عليه الجمعة، ولا النزول إليها لبعد موضعه عن موضع إقامتها -على حسب ما ذكرنا من اختلافهم في ذلك- كله مجمع أن الظهر واجبة لازمة على من كان هذه حاله، وعطاء وابن الزبير موافقان للجماعة في غير يوم عيد فكذلك يوم العيد في القياس والنظر الصحيح).
– والصنعاني (ت 1182) بقوله: (الظهر هو الفرض الأصلي المفروض ليلة الإسراء، والجمعة متأخر فرضها، ثم إذا فاتت وجب الظهر إجماعاً).
– وابن قاسم (1392) بقوله عن صلاة الجمعة: (وهي فرض الوقت، فلو صلى الظهر أهل بلد مع بقية الوقت لم تصح؛ لأنهم صلوا ما لم يخاطبوا به، وتركوا ما خوطبوا به كما لو صلوا العصر مكان الظهر، وتلزمهم الجمعة، ولا يعارض فرض الظهر ليلة الإسراء تأخير فرض الجمعة بعده، فإنها إذا فاتت وجب الظهر إجماعًا، فهو بدل عنها إذا فاتت).
ويناقش الاستدلال بالإجماع:
بعدم التسليم به، لمخالفة ابن الزبير رضي الله عنه، وعطاء.
ويمكن الجواب عن المناقشة:
– أن المنقول من (فعل ابن الزبير وما نقله عطاء من ذلك وأفتى به … قد اختلف عنه)، وفيه اضطراب، سيأتي تحقيقه في دليل القول الآخر، وإذا ثبت أنه لم يترك الظهر ولم يفت عطاء بنحو ذلك، لم يكن لمن قال بسقوطها مع الجمعة على من صلى العيد سلف.
– فمعتمد عطاء ومن بعده هو ما نُقل عن ابن الزبير.
المسألة الثانية: أدلة القائلين بسقوط صلاة الجمعة وصلاة الظهر عمن صلى العيد إذا وافقت يوم الجمعة:
استدلّ أصحاب هذا القول بأثر عبدالله بن الزبير:
1/ فعن ابن جريج، قال: قال عطاء: اجتمع يوم جمعة، ويوم فطر على عهد ابن الزبير، فقال: (عيدان اجتمعا في يومٍ واحد)، فجمعهما جميعاً فصلاهما ركعتين بكرة، لم يزد عليهما حتى صلى العصر.
وجه الاستدلال:
بأن قوله: (لم يزد عليهما حتى صلى العصر) (ظاهره أنه لم يصل الظهر، وفيه أن الجمعة إذا سقطت بوجه من الوجوه المسوغة لم يجب على من سقطت عنه أن يصلي الظهر).
ونوقش هذا الاستدلال:
– بأن هذا الأثر (في متنه اضطراب)، وتفرد فيه مخالفة في رواية عن عطاء عن ابن الزبير، وعطاء (قد اختلف عنه)، فعنه رواية ليس فيها مخالفة، ووقع في الروايات: (اضطراب واضح بيّن، وتعارض ظاهر)، ولبيان الاختلاف، فهذا الأثر رواه عن ابن الزبير رضي الله عنه ثلاثة: عطاء -واختلف عليه-، ووهب ابن كيسان (مولى ابن الزبير)، وأبو الزبير المكي.
– أما رواية عطاء فرواها عنه ثلاثة: منصور بن زاذان (ثقة ثبت)، وعبدالملك بن جريج (ثقة فقيه)، والأعمش (ثقة حافظ)، والأخيران موصوفان بالتدليس، والرواية التي فيها إشكال واستُنكر متنها هي في رواية ابن جريج فقط، وسأبدأ بها:
– أما رواية ابن جريج فرواها عنه: عبدالرزاق، و أبوعاصم (الضحاك بن مخلد)، أما رواية عبدالرزاق فقد أخرجها عن ابن جريج، قال عطاء: (إن اجتمع يوم الجمعة ويوم الفطر في يوم واحد، فليجمعهما فليصل ركعتين قط حيث يصلي صلاة الفطر، ثم هي هي حتى العصر)، ثم أخبرني عند ذلك قال: (اجتمع يوم فطر ويوم جمعة في يوم واحد في زمان ابن الزبير، فقال ابن الزبير: عيدان اجتمعا في يوم واحد فجمعهما جميعاً بجعلهما واحداً، وصلى يوم الجمعة ركعتين بكرة صلاة الفطر، ثم لم يزد عليها حتى صلى العصر). قال: (فأما الفقهاء فلم يقولوا في ذلك، وأما من لم يفقه فأنكر ذلك عليه). قال: (ولقد أنكرت أنا ذلك عليه وصليت الظهر يومئذ). قال: (حتى بلغنا بعد أن العيدين كانا إذا اجتمعا كذلك صليا واحدة)، وذكر ذلك عن محمد بن علي بن حسين أخبر أنهما كانا يجمعان إذا اجتمعا. قالا: إنه وجده في كتاب لعلي، زعم).
– وأما رواية أبي عاصم: فرواها عنه يحيى بن خلف (صدوق)، وعمرو بن علي (ثقة ثبت)، أما رواية يحيى فلفظها: (اجتمع يوم جمعة، ويوم فطر على عهد ابن الزبير، فقال: عيدان اجتمعا في يوم واحد، فجمعهما جميعًا فصلاهما ركعتين بكرة، لم يزد عليهما حتى صلى العصر)، وهي نحو رواية عبدالرزاق.
– وقد حصل في هاتين الروايتين زيادة ليست في سائر الروايات وهي: نفي الزيادة عن ركعتي العيد حتى صلى العصر، وهي محل النكارة، وقوله: (لم يزد عليهما … ) من قول عطاء، وانفردت رواية عبدالرزاق عن سائر الروايات بتفقهات لعطاء، وبذكر إنكار الفقهاء على ابن الزبير، وإنكار عطاء عليه أولاً، وبذكر مثل فعل ابن الزبير لمحمد بن علي بن حسين ولعلي.
– ورواه أيضاً عن أبي عاصم: عمرو بن علي (ثقة حافظ) ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: (اجتمع يوم فطر ويوم جمعة زمن ابن الزبير فصلى ركعتين، فذكر ذلك لابن عباس فقال: أصاب)، وليس فيها نفي للزيادة عن الركعتين، وليس فيها إلا قول ابن عباس: (أصاب) دون السنة، وهذه الرواية أصح من رواية يحيى بن خلف.
– والروايات السابقة كلها عن ابن جريج عن عطاء، وكل رواية فيها زيادة واختلاف، والرواية الأولى والثانية، فيهما نفي الزيادة عن ركعتي العيد، والرواية الثالثة عن ابن جريج وافقت سائر الروايات عن عطاء بعدم ذكر نفي صلاة الظهر.
– ورواه عن عطاء أيضاً -كماسبق-: الأعمش، عن عطاء بن أبي رباح، قال: (صلى بنا ابن الزبير في يوم عيد، في يوم جمعة أول النهار، ثم رحنا إلى الجمعة، فلم يخرج إلينا فصلينا وحداناً، وكان ابن عباس بالطائف، فلما قدم ذكرنا ذلك له، فقال: «أصاب السنة»، وهذه الرواية مقاربة للرواية الأخيرة، وفيها زيادة: أنهم لم يتركوا الظهر لقول عطاء: (فصلينا وحداناً)، (أي منفردين)، وفيها إقرار ابن عباس له، وأنه أصاب السنة فرفعه.
– ورواه عن عطاء أيضاً: منصور بن زاذان عن عطاء، قال: (اجتمع عيدان في عهد ابن الزبير، فصلى بهم العيد، ثم صلى بهم الجمعة صلاة الظهر أربعاً)، وهذه الرواية فيها شبه بالرواية التي قبلها، وفيها زيادة: تصريح أن ابن الزبير خرج وصلى بهم الظهر، واتفقت الروايات الثلاث الأخيرة بأنها: ليس فيها نفي للزيادة عن ركعتي العيد.
– والاضطراب عن عطاء والتعارض (حيث جزم بأن ابن الزبير لم يصلّ شيئا فيما بين صلاة العيد وصلاة العصر، وأنه لم يخرج للناس لما اجتمعوا له لصلاة الجمعة، ثم هو ينقل عنه أنه خرج فصلى بالناس الظهر أربعاً).
– (والأشبه عندي -والله أعلم بالصواب- أن تكون رواية الأقدم سماعاً من عطاء هي الأقرب للصواب، ثم إن عطاء نسي بعد ذلك فحدث به على التوهم، كما أنه فهم منه خلاف ما عليه الناس في هذه المسألة، وعطاء قد حكي عنه أنه تغير في آخر عمره، ومنصور بن زاذان أقدم وفاة من الأعمش وابن جريج بقرابة عشرين سنة).
– و (رواية منصور تزيل الإشكال وترفع اللبس، فإن رواية الإثبات مقدمة على رواية النفي، والنفي قد يكون سببه الوهم والنسيان من قِبَل عطاء نفسه، بخلاف الإثبات، لاسيما مع تقدم سن منصور راويه عن عطاء).
– وعدم النفي هي رواية الأكثر عن عطاء، ولها متابعة عالية، وهي رواية وهب بن كيسان قال: (اجتمع عيدان في عهد ابن الزبير فأخّر الخروج، ثم خرج فخطب، فأطال الخطبة، ثم صلى ولم يخرج إلى الجمعة، فعاب ذلك أناس عليه، فبلغ ذلك عند ابن عباس فقال: «أصاب السنة» فبلغ ابن الزبير، فقال: شهدت العيد مع عمر، فصنع كما صنعت)، وفي هذه الرواية زيادة منكرة وهي تقديم الخطبة على الصلاة ولذلك قال ابن خزيمة: (قول ابن عباس: أصاب ابن الزبير السنة، يحتمل أن يكون أراد سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وجائز أن يكون أراد سنة أبي بكر، أو عمر، أو عثمان، أو علي، ولا أخال أنه أراد به أصاب السنة في تقديمه الخطبة قبل صلاة العيد؛ لأن هذا الفعل خلاف سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وعمر).
– قلت: ولعل هذا الحرف من أوهام عبدالحميد بن جعفر فقد لخّص الحافظ حاله بقوله: (صدوق رمي بالقدر، وربما وهم).
– وأصح منه عن وهب بن كيسان ما رواه عنه هشام بن عروة عن وهب قال: (اجتمع عيدان في يوم، فخرج عبد الله بن الزبير فصلى العيد بعدما ارتفع النهار، ثم دخل فلم يخرج حتى صلى العصر) قال هشام: فذكرت ذلك لنافع، أو ذكر له فقال: ذكر ذلك لابن عمر، فلم ينكره، وليس في هذه الرواية ذكر لتقديم الخطبة، وهذه الرواية هي الأصح من هذا الوجه، كما أن رواية هشيم عن منصور عن عطاء هي الأصح من طريق عطاء، ورجال الطريقين رجال الصحيحين، وليس فيهما نفي لصلاة الظهر، بل في رواية هشيم إثبات لصلاة الظهر، فرواية هشام هي المقدمة من طريق وهب، ورواية هشيم هي المقدمة من طريق عطاء.
– وجاء الأثر مختصراً من طريق ثالث عن ابن الزبير: وهو طريق أبي الزبير المكي، فقد قال ابن جريج: أخبرني أبو الزبير، في جمع ابن الزبير بينهما يوم جمع بينهما قال: سمعنا ذلك أن ابن عباس قال: (أصاب عيدان اجتمعا في يوم واحد).
– وبعد هذه الروايات وبيان الاختلاف فيها، فإنه لم يرد النفي إلا في طريق ابن جريج عن عطاء واختلف عنه، ولا يصح إسقاط فريضة ثابتة برواية مضطربة فيها تفرد و نكارة، وأكثر الرويات وأصحها ليس فيها نفي لصلاة الظهر وغاية ما فيها الترخيص في الجمعة بعد العيد.
– ويشهد لهذا المعنى ماروي عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث زيد بن أرقم وحديث أبي هريرة رضي الله عنهم في اجتماع الجمعة مع العيد وما فيها من الترخيص بالجمعة، دون نفي صلاة الظهر، قال علي بن المديني: (في هذا الباب غير ما حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد جيد).
– وعلى فرض التسليم، بأن ابن الزبير رضي الله عنه اكتفى بصلاته للعيد عن الجمعة والظهر، فإن هذا تأويله كما قال الخطابي: (أما صنيع ابن الزبير فإنه لا يجوز عندي أن يحمل إلاّ على مذهب من يرى تقديم صلاة الجمعة قبل الزوال)، وقال ابن عبدالبر: (وقد روى فيه قوم، أن صلاته التي صلاها لجماعة ضحى يوم العيد، نوى بها صلاة الجمعة، على مذهب من رأى أن وقت صلاة العيد ووقت الجمعة واحد)، كما قال ابن عبدالهادي: (هذا الَّذي فعله ابن الزُّبير يدلُّ على جواز فعل الجمعة في وقت العيد، وأنَّها تجزئ عن العيد والظُّهر).
– وتجويز الجمعة قبل الزوال من مفردات الحنابلة، وعندهم إجزاء الجمعة عن العيد والظهر لا عكس ذلك، قال ابن قدامة: (وإن قدم الجمعة فصلاها في وقت العيد، فقد روي عن أحمد، قال: تجزئ الأولى منهما، فعلى هذا تجزئه عن العيد والظهر، ولا يلزمه شيء إلى العصر … فعلى هذا يكون ابن الزبير قد صلى الجمعة فسقط العيد، والظهر، ولأن الجمعة إذا سقطت مع تأكدها، فالعيد أولى أن يسقط بها، أما إذا قدم العيد فإنه يحتاج إلى أن يصلي الظهر في وقتها إذا لم يصل الجمعة).
– وسقوط الجمعة بالعيد من مفردات الحنابلة أيضاً، لكنهم لا يسقطون الظهر بذلك كما في التنبيه الذي في آخر كلام ابن قدامة السابق، وغيره من كتب الحنابلة.
– ولما قال المجد ابن تيمية الحنبلي: (إنما وجه هذا أنه رأى تقدمة الجمعة قبل الزوال، فقدمها واجتزأ بها عن العيد)، تعقبه الشوكاني بقوله: (لا يخفى ما في هذا الوجه من التعسف)، قلت: لا تعسف فيها، وبخاصة مع الرواية التي فيها تقديم الخطبة على الصلاة وهذه صفة صلاة الجمعة، وقد سبق الكلام عليها.
– وتأويل الخطابي اعتُرض عليه أيضاً، فقال العيني: (قول الصحابة: (ثم رحنا إلى الجُمعة فلم يخرج إلينا فصلينا وحداناً) يُنافي تأويل الخطابي من قوله: (يُشبه أن يكون … ) إلى آخره؛ لأنهم لو لم يتحققوا أن الّتي صلاها عيد لما راحُوا إلى الجمعة بَعْدها، ولم يُصلوا الظهر بعدها وُحْداناً، وأيضاً: حديث زيد بن أرقم يؤيدُ ما قلناه؛ لأن قضية ابن الزبير مثل قضية النبي عليه السلام بعينها وذكر زيد فيها: «صلى العيد ثم رخص في الجُمعة». وأيضا قول ابن عباس: «أصاب السُّنَّة» أراد بها هذه).
– ومثل هذا الاعتراض يرجع إلى اضطراب الرواية عن ابن الزبير، وكل تأويل يمكن أن يورد عليه اعتراض من رواية غيرها، وما تقدم من الترجيح بين الروايات أسلم.
– وأختم بما قاله الصنعاني: (ولا يخفى أن عطاء أخبر أنه لم يخرج ابن الزبير لصلاة الجمعة، وليس ذلك بنصٍّ قاطع أنه لم يصل الظهر في منزله، فالجزم بأن مذهب ابن الزبير سقوط صلاة الظهر في يوم الجمعة يكون عيداً، على من صلى صلاة العيد لهذه الرواية غير صحيح، لاحتمال أنه صلى الظهر في منزله، بل في قول عطاء: إنهم صلوا وحداناً، أي: الظهر، ما يشعر بأنه لا قائل بسقوطه).
المسألة الثالثة: حُكم نسبة هذا الرأي إلى الشذوذ:
بعد عرض هذا الرأي ودراسته فالذي يظهر أن نسبة القول بسقوط صلاة الجمعة وصلاة الظهر عمن صلى العيد -إذا وافقت يوم الجمعة- إلى الشذوذ صحيحة؛ لمخالفته للإجماع، ومخالفته للنصوص القطعية الموجبة لصلاة الظهر أو الجمعة، ولم يعارضها إلا رواية في أثر لابن الزبير رضي الله عنه أكثر الروايات عنه وأصحها لم ترد فيها، مع اضطراب في متنه، ومخالفته للأصول، واحتماله للوجوه، والتعلق بمثل هذا الدليل في الأحكام فيه ما فيه، (فكيف بمن ذهب إلى سقوط الجمعة والظهر المجتمع عليهما في الكتاب والسنة والإجماع، بأحاديث ليس منها حديث إلا وفيه مطعن لأهل العلم بالحديث، ولم يخرج البخاري ولا مسلم بن الحجاج منها حديثاً واحداً، وحسبك بذلك ضعفاً لها).
فلا يعارض ما هو قطعي الثبوت والدلالة، بما هو مضطرب وغير صريح، (وعلى كل تقدير فالأدلة الشرعية العامة، والأصول المتبعة، والإجماع القائم على وجوب صلاة الظهر على من لم يصل الجمعة من المكلفين)، والله أعلم.
[الآراء الفقهية المعاصرة المحكوم عليها بالشذوذ في العبادات 1/ 767]
—-
—–
دراسة نقدية لأثر ابن الزبير في اجتماع الجمعة والعيد:
عمار الصياصنة:
بحث علمي محكَّم تم نشره في مجلة القصيم للعلوم الشرعية (شعبان 1440هـ).
تناول البحث بالدراسة والتحليل الأثر الوارد عن ابن الزبير رضي الله عنه في اجتماع الجمعة والعيد، والذي يتضمن ظاهره: سقوط صلاة الجمعة والظهر معاً عمَّن صلى العيد، وتصويبُ ابن عباس لفعل عبد الله بن الزبير، ونسبةُ ما فعله للسنة النبوية.
وخلص البحث إلى جملة من النتائج من أهمها:
1- *أن الأثر المروي عن ابن الزبير في هذا الباب اختلف الرواة في سياقه وبيان تفاصيل وقائعه*، والذي يفهم من مجمل الروايات: أن عبد الله بن الزبير صلَّى في صباح ذلك اليوم ركعتين فقط، ثم لم يخرج إلا لإقامة صلاة العصر، وقد صوَّب ابنُ عباس فعله.
2- *جملة (أصاب السنة) ذكرها بعض الرواة عن ابن عباس*، واقتصر بعضهم على كلمة (أصاب)، وأعرض عن ذكرها آخرون، وهم أوثق وأضبط، مما يورث شكًّا في ثبوتها.
ومثل هذه الرواية التي في ثبوتها نظر لا يمكن أن يُعارض بها النصوص القطعية في فرضية الصلوت الخمس وعدم سقوط شيءٍ منها بحال من الأحوال.
3- *في حقيقة ما فعله ابن الزبير ذلك اليوم تردد واحتمال*، والذي تسنده ظاهر الروايات: أن ابن الزبير صلَّى *الجمعة* في ذلك اليوم قبل الزوال، واستغنى بها عن العيد، ولذا قدَّم الخطبة على الصلاة وهذا شأن الجمعة لا العيد، ولم يحتج لإقامة صلاة الظهر ذلك اليوم؛ لأن الجمعة بدلٌ عنها، فحيث أقامها قبل الزوال فلا يلزمه شيء إلى العصر.
4- القول بأن صلاة العيد تُسقط الجمعة والظهر معاً، *قول ضعيف مهجور تنكَّبه الفقهاء*، وأثر ابن الزبير لا حجة فيه على ذلك لما يكتنفه من احتمالات في ثبوته ودلالته.
5- لا يحفظ عن النبي ﷺ سُنَّة مرفوعة صحيحة في سقوط الجمعة عمن شهد العيد، *وتم دراسة الأحاديث الواردة في هذا الباب وبيان ضعفها*.
وثبت عن الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه الترخيص لأهل القرى حول المدينة بعدم شهود الجمعة يوم العيد.
6- *صلاة الجمعة والعيد من الأمور العمليَّة التي يتوارث فيها العمل*، ولو كانت سُنَّة النبي ﷺ الترخيص لمن شهد العيد بترك الجمعة أو تقديمها عن وقتها؛ لجرى على ذلك العمل في عهد الخلفاء الراشدين ومن بعدهم، ولما كان فِعْل ابن الزبير مستغرَبًا مستَنكرًا لديهم.
7- صلاة الجمعة ثبتت فرضيتها بنصوص قطعيَّة، ولا يمكن إسقاطها بروايات محتمَلة.
والله أعلم