626 – فتح الأحد الصمد شرح الصحيح المسند
جمع أحمد بن علي وعمر الشبلي وأسامة
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
قال الشيخ مقبل رحمه الله:
626 – قال الإمام أحمد رحمه الله (ج 1 ص 312): حَدَّثَنَا أَبُو كَامِلٍ وَعَفَّانُ الْمَعْنَى قَالَا حَدَّثَنَا حَمَّادٌ أَخْبَرَنَا عَمَّارُ بْنُ أَبِي عَمَّارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ أَبِي عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ وَعِنْدَهُ رَجُلٌ يُنَاجِيهِ -قَالَ عَفَّانُ: وَهُوَ كَالْمُعْرِضِ عَنْ الْعَبَّاسِ- فَخَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِ فَقَالَ أَلَمْ تَرَ إِلَى ابْنِ عَمِّكَ كَالْمُعْرِضِ عَنِّي فَقُلْتُ إِنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ رَجُلٌ يُنَاجِيهِ -قَالَ عَفَّانُ: فَقَالَ [ص: 527] أَوَكَانَ عِنْدَهُ أَحَدٌ قُلْتُ نَعَمْ- قَالَ فَرَجَعَ إِلَيْهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ هَلْ كَانَ عِنْدَكَ أَحَدٌ فَإِنَّ عَبْدَ اللهِ أَخْبَرَنِي أَنَّ عِنْدَكَ رَجُلًا تُنَاجِيهِ قَالَ «هَلْ رَأَيْتَهُ يَا عَبْدَ اللهِ؟ » قَالَ نَعَمْ قَالَ «ذَاكَ جِبْرِيلُ وَهُوَ الَّذِي شَغَلَنِي عَنْكَ».
حَدَّثَنَا عَفَّانُ: أَنَّهُ كَانَ عِنْدَكَ رَجُلٌ يُنَاجِيكَ.
حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَمَّارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ … نَحْوَهُ.
هذا حديث حسنٌ.
الحديث أخرجه عبد بن حُمَيْدٍ (ج 1 ص 599).
* قال الإمام أحمد رحمه الله (2679): حَدَّثَنَا حَسَنٌ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَمَّارِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ أَبِي عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ وَعِنْدَهُ رَجُلٌ يُنَاجِيهِ فَكَانَ كَالْمُعْرِضِ عَنْ أَبِي فَخَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِ فَقَالَ لِي أَبِي أَيْ بُنَيَّ أَلَمْ تَرَ إِلَى ابْنِ عَمِّكَ كَالْمُعْرِضِ عَنِّي فَقُلْتُ يَا أَبَتِ إِنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ رَجُلٌ يُنَاجِيهِ قَالَ فَرَجَعْنَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَبِي يَا رَسُولَ اللهِ قُلْتُ لِعَبْدِ اللهِ كَذَا وَكَذَا فَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ كَانَ عِنْدَكَ رَجُلٌ يُنَاجِيكَ فَهَلْ كَانَ عِنْدَكَ أَحَدٌ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ «وَهَلْ رَأَيْتَهُ يَا عَبْدَ اللهِ؟ » قَالَ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ «فَإِنَّ ذَاكَ جِبْرِيلُ وَهُوَ الَّذِي شَغَلَنِي عَنْكَ».
هذا حديث صحيحٌ، رجاله رجال الصحيح. وحسن هو ابن موسى الأشيب.
قال محققو المسند 2679:
إسناده على شرط مسلم، عمار بن أبي عمار -وإن خرج له مسلم- قال البخاري في “التاريخ الأوسط ” (وهو المطبوع خطأً باسم الصغير) 1/ 55: كان شعبة يتكلَّمُ في عمار، وقال ابنُ حبان في “الثقات” 5/ 268: كان يُخطئ.
وأخرجه الطيالسي (2708)، وأخرجه عبدُ بن حميد (712)، والبيهقي في “دلائل النبوة” 7/ 75 من طريق سليمان بن حرب، وأخرجه يعقوب بنُ سفيان في “المعرفة والتاريخ” 1/ 521، والطبراني (10584) و (12836) من طريق حجاج بن المنهال، وأخرجه عبد الله بن أحمد في زوائده على “فضائل الصحابة” (1817) من طريق النضر بن شميل، أربعتهم (الطيالسي وسليمان وحجاج والنضر) عن حماد بن سلمة، بهذا الإسناد. وسيأتي برقم (2847) و (2848).
وأخرج أحمد في “الفضائل” (1854) عن يحيى بن سعيد، عن زكريا بن أبي زائدة، عن عامر الشعبي، عن ابنِ عباس قال: قد رأيتُ عنده رجلاً، فقال العباس: يزعم ابنُ عمك أنه رأى عندك رجلاً، قال: كذا وكذا؟ قال: نعم، قال: ذاك جبريل. وهذا إسناد صحيح، ولم يذكر فيه أن العباس كان في المجلس الذي رأى فيه ابنُ عباس جبريل.
ومما يؤيد ذلك ما أخرجه عبد الله بن أحمد في زوائده على “الفضائل” (1917) من طريق عبد العزيز الدراوردي، عن ثور بن زيد، عن موسى بن ميسرة، عن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه قال: بعث العباسُ بنُ عبد المطلب عبدَ الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم في حاجة، فوجد معه رجلاً ولم يَعْلَمْهُ فقال: رأيتَه؟ قال: نعم، قال: ذاك جبريلُ، قال: أما إن ابنَك لن يموت حتى يذهبَ بصره ويُؤتى علماً. فإن صَحَّ وصله، فالإسناد حسن.
وأخرج ابن سعد في “الطبقات” 2/ 370، وأحمد في “الفضائل” (1561)، ويعقوب بن سفيان في “المعرفة والتاريخ” 1/ 519، والترمذي (3822) من طريق سفيان الثوري، عن ليث، عن أبي الجهضم موسى بن سالم: أن ابن عباس رأى جبريل مرتين، ودعا له النبيُّ صلى الله عليه وسلم بالحكمة مرتين. وقال الترمذي: هذا حديث مرسل، ولا نعرف لأبي جهضم سماعاً من ابن عباس، وقد روي عن عُبيد الله بن عبد الله بنِ عباس عن ابن عباس. قلنا: فيه أيضاً ليث -وهو ابن أبي سليم- ضعيف.
[مسند أحمد 4/ 417 ط الرسالة]
بوب عليه مقبل في الجامع:
33 – الإيمان بالملائكة
21 – فضائل عبد الله بن عباس رضي الله عنهما –
جاء في الجامع لعلوم الإمام أحمد:
134 – باب الإيمان بالملائكة والشياطين
قال صالح: حدثني أبي قال: حدثنا هاشم بن القاسم أبو النضر قال: حدثنا محمد -يعني: ابن طلحة، عن زُبَيْد، عن مجاهد قال: إن لإبليس خمسة من ولده، قد جعل كل واحد منهم على شيء من أمره، قال: ثم سماهم، فذكر: ثبر والأعور ومسوط وداسم وزلنبور.
فأما ثبر: فهو صاحب المصيبات الذي يأمر بالثبور، وشق الجيوب، ولطم الخدود، ودعوى الجاهلية.
وأما الأعور: فهو صاحب الزنا الذي يأمر به ويزينه ويعمي عنه.
وأما مسوط: فهو صاحب الكذب الذي يشيع الكذب، فيلقى الرجل فيخبره بالخبر، فينطلق الرجل إلى القوم فيقول: لقيت رجلًا أعرف وجهه، ولا أدري ما اسمه حدثني بكذا وكذا، وما هوَ إلا هو.
وأما داسم: الذي يدخل مع الرجل إلى أهله يريه العيب فيهم، ويغضبه عليهم.
وأما زلنبور: فهو صاحب راية السوق، يركز رايته في السوق، فلا يزالون ملتطمين
“مسائل صالح” (843)
هكذا ورد من قول مجاهد غير مسند
قال عبد اللَّه: حدثنا أبي، حدثنا عبد اللَّه بن نمير، حدثنا الأعمش، عن خيثمة، وعن حمزة، عن شهر بن حوشب قال: دخل ملك الموت على سليمان، فجعل ينظر إلى رجل من جلسائه يديم النظر إليه، فلما خرج قال الرجل: من هذا؟ قال: هذا ملك الموت عليه السلام قال: لقد رأيته ينظر إلي كأنه يريدني، قال: فما تريد؟ قال: أريد أن تحملني الريح فتلقيني بالهند، قال: فدعا بالريح، فحمله عليها، فألقته بالهند، ثم أتى ملك الموت سليمان عليه السلام فقال: إنك كنت تديم النظر إلى رجل من جلسائي؟ قال: كنت أعجب منه؟ إني أمرت أن أقبض روحه بالهند، وهو عندك (1).
“الزهد” ص 5
هكذا لم يسنده شهر بن حوشب
قال الخلال: أخبرنا أبو بكر المروذي قال: قلت لأبي عبد اللَّه: إن رجلًا سأل رجلًا قال: مع الكفار ملائكة يكتبون؟ فأي شيء تقول؟
قال: أي مسألة ذا؟ لا ينبغي أن يتكلم في ذا. وكره الكلام فيها وقال: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18)} [ق: 18].
“أحكام أهل الملل” 1/ 63
[الجامع لعلوم الإمام أحمد – العقيدة 4/ 242]
١٣- وروى الإمام أحمد بإسناده إلى ابن عباس قال: كنت مع أبي عند رسول الله ﷺ وعنده رجل يناجيه فكان كالمعرض عن أبي فخرجنا من عنده فقال لي أبي: أي بني ألم تر إلى ابن عمك كالمعرض عني فقلت: يا أبتي إنه كان عنده رجل يناجيه قال فرجعنا إلى النبي ﷺ فقال أبي: يا رسول الله قلت لعبد الله كذا وكذا فأخبرني أنه كان عندك رجل يناجيك فهل كان عندك أحد فقال رسول الله ﷺ: «وهل رأيته يا عبد الله» قال: قلت: نعم قال: «فإن ذاك جبريل وهو الذي شغلني عنك» ١.
١٤- وروى أبو القاسم الطبراني كما في مجمع الزوائد٢ عن ابن عباس قال: بعث العباس بعبد الله إلى رسول الله ﷺ في حاجة فوجد معه رجل فرجع ولم يكلمه فقال: «رأيته؟» قال: نعم قال: «ذاك جبريل أما إنه لن يموت حتى يذهب بصره ويؤتى علمًا».
هذان الحديثان تضمنا منقبة ومفخرة عظيمة لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما حيث أكرمه الله تعالى برؤية جبريل الأمين كما تضمن حديث الطبراني علمًا من أعلام النبوة حيث حصل لابن عباس ما أخبر به عليه الصلاة والسلام من ذهاب بصره وإيتائه علمًا واسعًا وكذلك كان رضي الله عنه وأرضاه.
عقيدة أهل السنة في الصحابة لناصر بن علي ١/٣٨٢-٣٨٣
——
وأما تشكل الملائكة على صورة أحدٍ من البشر فقد ثبت ذلك في القرآن وصحيح السنَّة ، وإذا جاء الملَك متشكلاًّ أمكن الجميع أن يروه ، ولا فرق بين ذكر وأنثى ، ولا صغير وكبير .
ولا يستطيع أحدٌ الجزم بأن ما يراه من الأشخاص أنه من الملائكة ، فإن إثبات أنهم ملائكة متوقف على وحي من الله عز وجل ، وأنَّى ذلك بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟!
وقد تشكل الملائكة على صورة بشر وجاءوا لإبراهيم ولوط عليهما السلام فلم يعلما بحقيقتهما حتى أخبرتهم الملائكة ، فغيرهم من الناس أولى بعدم تلك المعرفة .
ومن أدلة تشكل الملائكة ، وإمكان رؤيتهم على هيئتهم المتشكَّلة :
- قال تعالى : ( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا . فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا . قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا . قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا ) مريم/16-19 .
- وقال تعالى : ( هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ . إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ . فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ . فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ . فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ ) الذاريات/24-28 .
- وقال تعالى : ( وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ ) هود/77 .
- عن عُمَر بْن الْخَطَّابِ قَالَ : بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ وَقَالَ يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنْ الْإِسْلَامِ … قَالَ : ثُمَّ انْطَلَقَ فَلَبِثْتُ مَلِيًّا ، ثُمَّ قَالَ لِي : يَا عُمَرُ أَتَدْرِي مَنْ السَّائِلُ ؟ قُلْتُ : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ .
رواه البخاري ( 8 ) .
- قصة اختبار الأبرص والأقرع والأعمى من بني إسرائيل ، وفيها أن ملَكاً بعثه الله على صورة بشر ليخبرهم .
رواه البخاري ( 3277 ) ومسلم ( 2964 ) .
- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَجُلًا زَارَ أَخًا لَهُ فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى فَأَرْصَدَ اللَّهُ لَهُ عَلَى مَدْرَجَتِهِ مَلَكًا فَلَمَّا أَتَى عَلَيْهِ قَالَ أَيْنَ تُرِيدُ قَالَ أُرِيدُ أَخًا لِي فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ قَالَ هَلْ لَكَ عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا قَالَ لَا غَيْرَ أَنِّي أَحْبَبْتُهُ فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ فَإِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكَ بِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَبْتَهُ فِيهِ .
رواه مسلم ( 2567 ) .
وغير ذلك من الأدلة الصحيحة ، والتي يتبين من خلالها أنه يُمكن رؤية الملائكة لكن على الصورة التي أمرهم الله تعالى بالتشكل بها ، وحينها يراه كل من يقدر الله تعالى له رؤيته .
ومن ادَّعى أنه يرى الملائكة على أصل خلقتها فهو كاذب أو واهم ، وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم جبريل على صورته الحقيقية وقد سدَّ الأفق له ستمائة جناح ، فمن ذا الذي زعم أنه رآه في ذلك الوقت ؟! فظهر بهذا أنه لا يوجد أحد من هذه الأمة يمكنه رؤية الملائكة على صورتها الحقيقية إلا النبي صلى الله عليه وسلم ، وأما الأطفال فكغيرهم من الناس فإنه لا يمكنهم رؤيتهم إلا بالتشكل .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – :
ولهذا كان البشر يعجزون عن رؤية الملَك في صورته إلا من أيَّده الله ، كما أيَّد نبيَّنا صلى الله عليه وسلم ، قال تعالى : ( وقالوا لولا أُنزل عليه ملَك ولو أنزلنا ملَكاً لقضي الأمر ثم لا ينظرون . ولو جعلناه ملَكا لجعلناه رجلاً وللبسنا عليهم ما يلبسون ) الأنعام/8،9 ، قال غير واحد من السلف : هم لا يطيقون أن يروا الملَك في صورته ، فلو أنزلنا إليهم ملكاً : لجعلناه في صورة بشر ، وحينئذ كان يشتبه عليهم هل هو ملَك أو بشر ، فما كانوا ينتفعون بإرسال الملَك إليهم فأرسلنا إليهم بشراً مِن جنسهم يمكنهم رؤيته والتلقي عنه ، وكان هذا من تمام الإحسان إلى الخلق والرحمة .
” منهاج السنة النبوية ” ( 2 / 333 ) .
قلت سيف بن دورة : أما الرؤية المنامية فيمكن رؤية رب العالمين والملائكة فكنت أدعوا الله أن أرى النبي صلى الله عليه وسلم لأسأله عن صحة حديث رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ربه في المنام . فحقق لي ربي رؤيته سبحانه وتعالى ومعه الملائكة في المنام وفي المنام وقفت لأركز وأدقق بصري ، فكلما ركزت ودققت أكثر يكل البصر فلم أحط بربي ولا ملائكته ، فقط شيء عظيم في العلو
قال السيوطي:
ذكر المعجزات فِي رُؤْيَة أَصْحَابه الْمَلَائِكَة وَسَمَاع كَلَامهم مِمَّا لم يتَقَدَّم ذكره
أخرج الشَّيْخَانِ من طَرِيق أبي عُثْمَان النَّهْدِيّ قَالَ نبئت أَن جبرئيل أَتَى النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَعِنْده أم سَلمَة فَجعل يتحدث ثمَّ قَامَ فَقَالَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم من هَذَا قَالَت هَذَا دحْيَة الْكَلْبِيّ قَالَت مَا حسبته إِلَّا إِيَّاه حَتَّى سَمِعت خطْبَة النَّبِي صلى الله عليه وسلم يخبر جِبْرِيل قلت لأبي عُثْمَان مِمَّن سَمِعت هَذَا قَالَ من أُسَامَة …. وطول في ذكر الأحاديث
[الخصائص الكبرى 2/ 154]
رؤية الملائكة على سبيل الكرامة لا تكون إلا للمؤمنين ، أما غير المؤمنين فلا يرونهم إلا لعقوبتهم ونزول العذاب بهم ، قال تعالى : (يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا) الفرقان/ 22 .
قال السعدي رحمه الله :
” وذلك أنهم لا يرونها ، مع استمرارهم على جرمهم وعنادهم ، إلا لعقوبتهم وحلول البأس بهم ” انتهى، من “تفسير السعدي” (ص 581) .
وروى مسلم (2306) عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رضي الله عنه ، قَالَ: ” لَقَدْ رَأَيْتُ يَوْمَ أُحُدٍ عَنْ يَمِينِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنْ يَسَارِهِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ ، يُقَاتِلَانِ عَنْهُ كَأَشَدِّ الْقِتَالِ ، مَا رَأَيْتُهُمَا قَبْلُ وَلَا بَعْدُ ” ، وهذان الرجلان كانا من الملائكة .
قال النووي رحمه الله :
” فِيهِ أَنَّ رُؤْيَةَ الْمَلَائِكَةِ لَا تَخْتَصُّ بِالْأَنْبِيَاءِ ، بَلْ يَرَاهُمُ الصَّحَابَةُ وَالْأَوْلِيَاءُ ” .
انتهى من “شرح النووي على مسلم” (15/ 66) .
وروى أحمد (20350) عَنْ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، قَالَ: ” خَرَجْتُ مِنْ أَهْلِي أُرِيدُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِذَا أَنَا بِهِ قَائِمٌ ، وَرَجُلٌ مَعَهُ مُقْبِلٌ عَلَيْهِ ، فَظَنَنْتُ أَنَّ لَهُمَا حَاجَةً ، قَالَ الْأَنْصَارِيُّ: وَاللهِ لَقَدْ قَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى جَعَلْتُ أَرْثِي لِرَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ ، لَقَدْ قَامَ بِكَ الرَّجُلُ حَتَّى جَعَلْتُ أَرْثِي لَكَ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ ، قَالَ : ( وَلَقَدْ رَأيتَهُ ؟ ) ، قُلْتُ: نَعَمْ ، قَالَ: ( أَتَدْرِي مَنْ هُوَ؟ ) ، قُلْتُ: لَا، قَالَ: ( ذَاكَ جِبْرِيلُ ، مَا زَالَ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ ) ، ثُمَّ قَالَ: ( أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَلَّمْتَ عَلَيْهِ رَدَّ عَلَيْكَ السَّلَامَ ).
فرؤية الملائكة لا تكون لكل أحد ، إنما هي فضيلة يختص بها الله تعالى من يشاء من عباده الصالحين .
قال ابن القيم:
فصل
وكلّ حركة في العالم العلوي والسفلي فأصلها المحبة، فهي علّتها الفاعليّة والغائية.
وذلك لأنّ الحركات ثلاثة أنواع: حركة اختيارية إرادية، وحركة طبيعية، وحركة قسرية.
والحركة الطبيعية أصلها السكون، وإنّما يتحرّك الجسم إذا خرج عن مستقرّه ومركزه الطبيعي، فهو يتحرك للعود إليه. وخروجه عن مركزه ومستقره إنما هو بتحريك القاسر المحرِّك له. فله حركة قسرية بمحرِّكه وقاسره، وحركة طبيعية بذاته يطلب بها العود إلى مركزه. وكلا حركتيه تابعة للقاسر المحرِّك، فهو أصل الحركتين.
والحركة الاختيارية الإرادية هي أصل الحركتين الأخريين، وهي متابعة للإرادة والمحبة، فصارت الحركات الثلاث تابعةً للمحبة والإرادة.
والدليل على انحصار الحركات في هذه الثلاث أنّ المتحرك إن كان له شعور بالحركة فهي الإرادية، وإن لم يكن له شعور بها، فإما أن تكون على وفق طبعه أو لا. فالأولى هي الطبيعية، والثانية القسرية.
إذا ثبت هذا، فما في السموات والأرض وما بينهما من حركات الأفلاك والشمس والقمر والنجوم والرياح والسحاب والمطر والنبات وحركات الأجِنّة في بطون أمهاتها، وإنّما هي بواسطة الملائكة المدبّرات أمرًا والمقسمات أمرًا، كما دلّ على ذلك نصوص القرآن والسنة في غير موضع.
والإيمان بذلك من تمام الإيمان بالملائكة، فإن الله وكّل بالرحم ملائكة، وبالقَطْر ملائكة، وبالنبات ملائكة، وبالرياح، وبالأفلاك، وبالشمس والقمر والنجوم.
ووكّل بكل عبد أربعة من الملائكة: كاتبَين على يمينه وشماله، وحافظَين من بين يديه ومن خلفه. ووكّل ملائكةً بقبض روحه وتجهيزها إلى مستقرّها من الجنّة أو النار، وملائكةً بمسألته وامتحانه في قبره وعذابه هناك أو نعيمه، وملائكةً تسوقه إلى المحشر إذا قام من قبره، وملائكة بتعذيبه في النار أو نعيمه في الجنّة.
ووكّل بالجبال ملائكة، وبالسحاب ملائكةً تسوقه حيث أُمِرَتْ به، وبالقَطْر ملائكة تُنزله بأمر الله بقدر معلوم كما شاء الله، ووكّل ملائكةً بغرس الجنّة وعمل آلتها وفرشها وبنائها والقيام عليها، وملائكةً بالنار كذلك.
فأعظم جند الله الملائكة. ولفظ “الملَك” يُشعِر بأنّه رسول منفّذ لأمر غيره وليس لهم من الأمر شيء، بل الأمر كلّه لله. وهم يدبّرون الأمر، ويقسّمونه بأمر الله وإذنه.
قال تعالى إخبارًا عنهم: {وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (64)} [مريم: 64]، وقال تعالى: {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (26)} [النجم: 26].
وأقسم سبحانه بطوائف الملائكة المنفّذين لأمره في الخليقة، كما قال: {وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (1) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (2) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (3)} [الصافات: 1 – 3] وقال: {وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا (1) وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا (2) وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا (3) فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا (4) فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (5)} [النازعات: 1 – 5].
وقد ذكرنا معنى ذلك وسرّ الإقسام به في كتاب “أيمان القرآن”.
وإذا عُرف ذلك فجميع تلك المحبّات والحركات والإرادات والأفعال هي عبادةٌ منهم لربّ الأرض والسماوات، وجميع الحركات الطبيعية والقسرية تابعةٌ لها. فلولا الحبّ ما دارت الأفلاك، ولا تحركت الكواكب النيّرات، ولا هبّت الرياح المسخَرات، ولا مرّت السُّحُب الحاملات، ولا تحرّكت الأجنّة في بطون الأمهات، ولا انصاع عن الحَبّ أنواع النبات، ولا اضطرَبت أمواج البحار الزاخرات، ولا تحركت المدبّرات والمقسّمات، ولا سبّحت بحمد فاطرها الأرضون والسماوات، وما فيها من أنواع المخلوقات. فسبحان من تسبّحه السماوات السبع والأرض ومن فيهنّ، {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (44)} [الإسراء: 44].
[الداء والدواء ص466]
قال ابن أبي العز:
[وُجُوبُ الْإِيمَانِ بِالْمَلَائِكَةِ وَالْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ وَالْمُرْسَلِينَ]
قَوْلُهُ: (وَنُؤْمِنُ بِالْمَلَائِكَةِ وَالنَّبِيِّينَ، وَالْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَنَشْهَدُ أَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ) . ش: هَذِهِ الْأُمُورُ مِنْ أَرْكَانِ الْإِيمَانِ، قَالَ تَعَالَى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ} [الْبَقَرَةِ: 285] الْآيَاتِ. وَقَالَ تَعَالَى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ} [الْبَقَرَةِ: 177] الْآيَةَ.
فَجَعَلَ اللَّهُ سبحانه وتعالى الْإِيمَانَ هُوَ الْإِيمَانَ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ، وَسَمَّى مَنْ آمَنَ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ مُؤْمِنِينَ، كَمَا جَعَلَ الْكَافِرِينَ مَنْ كَفَرَ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ، بِقَوْلِهِ: {وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا} [النِّسَاءِ: 136] . وَقَالَ صلى الله عليه وسلم، فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ، حَدِيثِ جِبْرِيلَ وَسُؤَالِهِ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَنِ الْإِيمَانِ، فَقَالَ: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ» . فَهَذِهِ الْأُصُولُ الَّتِي اتَّفَقَتْ عَلَيْهَا الْأَنْبِيَاءُ وَالرُّسُلُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَسَلَامُهُ، وَلَمْ يُؤْمِنْ بِهَا حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ إِلَّا أَتْبَاعُ الرُّسُلِ.
[شرح العقيدة الطحاوية 2/ 401]
قال ابن عثيمين:
الملائكة: عالم غيبي مخلوقون، عابدون لله تعالى، وليس لهم من خصائص الربوبية والألوهية شيء، خلقهم الله تعالى من نور، ومنحهم الأنقياد التام لأمره، والقوة على تنفيذه. قال الله تعالى: {وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ} [سورة الأنبياء، الآيتين: 19-20] . وهم عدد كثير لا يحصيهم إلا الله تعالى، وقد ثبت في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه في قصة المعراج أن النبي صلى الله عليه وسلم رفع له البيت المعمور في السماء يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا لم يعودا إليه آخر ما عليهم. (1)
والإيمان بالملائكة يتضمن أربعة أمور:
الأول: الإيمان بوجودهم.
الثاني: الإيمان بمن علمنا اسمه منهم باسمه “كجبريل” ومن لم نعلم اسمه نؤمن بهم إجمالاً.
الثالث: الإيمان بما علمنا من صفاتهم، كصفة ” جبريل ” فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه رآه على صفته التي خلق عليها وله ستمائة جناح قد سد الأفق. (1) وقد يتحول الملك بأمر الله تعالى إلى هيئة رجل، كما حصل (لجبريل) حين أرسله تعالى إلى-مريم-فتمثل لها بشراً سوياً، وحين جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في أصحابه جاءه بصفة لا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلا يَعْرِفُهُ أحد من الصحابة، فَجَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فخذيه، وسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام، والإيمان والإحسان، والساعة، وأماراتها، فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم فانطلق. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: “هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم”. رواه مسلم. (2)
وكذلك الملائكة الذين أرسلهم الله تعالى إلى إبراهيم، ولوط كانوا في صورة رجال.
الرابع: الإيمان بما علمنا من أعمالهم التي يقومون بها بأمر الله تعالى، كتسبيحه، والتعبد له ليلاً ونهاراً بدون ملل ولا فتور.
وقد يكون لبعضهم أعمال خاصة.
مثل: جبريل الأمين على وحي الله تعالى يرسله به إلى الأنبياء والرسل.
ومثل: ميكائيل الموكل بالقطر أي بالمطر والنبات.
ومثل: إسرافيل الموكل بالنفخ في الصور عند قيام الساعة وبعث الخلق.
ومثل: ملك الموت الموكل بقبض الأرواح عند الموت.
ومثل: مالك هو خازن النار.
ومثل: الملائكة الموكلين بالأجنة في الأرحام إذا تم للإنسان أربعة أشهر في بطن امه، بعث الله إليه ملكاً وأمره بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أم سعيد.
ومثل: الملائكة الموكلين بحفظ أعمال بني آدم وكتابتها لكل شخص، ملكان: أحدهما عن اليمين، والثاني عن الشمال.
ومثل: الملائكة الموكلين بسؤال إذا وضع في قبره يأتيه ملكان يسألانه عن ربه، ودينه، ونبيه.
[شرح ثلاثة الأصول للعثيمين ص90]
قال صالح آل الشيخ :
الإيمان بالملائكة تَبَعٌ للعلم، وكلما زَادَ العِلْمُ بالعقيدة وبالنصوص زَادَ الإيمان بالملائكة لمن وفَّقَهُ الله –
مِنَ المسائل أيضًا المتصلة بزيادة الإيمان بالملائكة وتفاوت الناس فيه أنَّ الإيمان بالملائكة له أَثَرٌ على العبد المؤمن.
وهذا الأثر تارَةً يرجع إلى التّوحيد والعلم، وتارَةً يرجِع إلى السلوك والعمل، وتارة يرجع إلى خصال الإيمان أو أركان الإيمان الأخرى.
الجهة الأولى التوحيد والعلم:
فإنَّهُ يعلم أنَّ الملائكة كما وصفهم الله – عزوجل – بأنهم عباد ﴿بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء:٢٦]، وهذه فيها إبطال لدعوى من عَبَد الملائكة أو قال إنهم بنات الله كما وصف الله – عزوجل – قولهم بقوله ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتْ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ [الصافات:١٥٨]،
كذلك في توحيد الله – عزوجل – في خصال العبادة من الخوف والمحبة وإتباع الأمر والنهي هذه كلها الإيمان بالملائكة ومعرفة أحوال الملائكة تزيد العبد معرفةً بخصال التوحيد؛ لأنَّ أهل السماء الذي هم ملائكة الله – عزوجل – كاملو توحيد الله – عزوجل – واتِّباعِهِمْ لأمره ونهيه .
الجهة الثانية وهي جهة السلوك والعمل:
فللإيمان بالملائكة أثر، وذلك أنَّ الملائكة لمن آمن بهم على وجه التفصيل فإنَّهُ يعلم أنَّ ثَمَّ ملائكة يكتبون ما يصدر من الإنسان كما قال سبحانه ﴿كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار:١١-١٢] فكونهم يكتبون، وكذلك ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق:١٨]، هذا يجعل إحسانه للعمل ومراقبته لربه في لفظه وفي عمله أعظم لأنه يعلم أنه معه قرين يلازمه لا ينفكّ عن كتابة شيء.
الجهة الثالثة وهي أَنَّ الإيمان بالملائكة له أثر في أركان الإيمان الأخرى:
فإنَّ الملائكة لمن آمن بهم عَلِمْ أَنَّ منهم المُوَكَلْ بالوحي، وجبريل هو المُوَكَلْ بالوحي.
وهذا الوحي ما هو؟
هو كُتُبُ الله عز وجل ووحيه على أنبيائه، فصار ثَمَّ صلة بين الإيمان بالملائكة والأنبياء، الإيمان بالملائكة والكتب.
شرح العقيدة الطحاوية – صالح آل الشيخ
——-
جاء في فضائل ابن عباس:
70 – باب ما جاء في فضائل عبد الله بن عباس
- عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى الخلاء، فوضعت له وضوءا، فلما خرج قال: “من وضع هذا؟ “. قلت: وفي لفظ “قالوا” ابن عباس، قال: “اللهم! فقهه”.
متفق عليه: رواه البخاري في الوضوء (143)، ومسلم في فضائل الصحابة (2477) كلاهما من طريق هاشم بن القاسم، ثنا ورقاء بن عمر اليشكري، قال: سمعت عبيد الله بن أبي يزيد، يحدث عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره.
واللفظ لمسلم، ولفظ البخاري: “اللهم! فقهه في الدين”.
- عن عبد الله بن عباس قال: ضمني رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: “اللهم! علّمه الكتاب”.
صحيح: رواه البخاري في العلم (75)، عن أبي معمر، ثنا عبد الوارث، ثنا خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: فذكره.
ورواه في فضائل الصحابة (3756) من وجه آخر عن خالد به، بهذا اللفظ، ورواه فيه أيضا عن مسدد، عن عبد الوارث، عن خالد به بلفظ: “ضمني النبي صلى الله عليه وسلم إلى صدره وقال: “اللهم! علمه الحكمة”.
ورواه ابن ماجه (166) من طرق، عن عبد الوهاب، حدثنا خالد الحذاء به بلفظ: “اللهم علمه الحكمة، وتأويل الكتاب”. وإسناده صحيح.
- عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع يده على كتفي – أو على منكبي شك سعيد – ثم قال: “اللهم! فقهه في الدين، وعلمه التأويل”.
حسن: رواه أحمد (2397، 2879) من طرق عن زهير أبي خيثمة، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فذكره.
وإسناده حسن من أجل عبد الله بن عثمان بن خثيم، فإنه حسن الحديث.
- عن عبد الرحمن بن عابس قال: سئل ابن عباس: أشهدت العيد مع النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، ولولا منزلتي منه ما شهدته من الصغر، فأتى العَلَم الذي عند دار كثير بن الصلت، فصلّى، ثم خطب، ولم يذكر أذانا ولا إقامة، ثم أمر بالصدقة فجعل النساء يشرن إلى آذانهن وحلوقهن، فأمر بلالًا فأتاهن، ثم رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
صحيح: رواه البخاري في الاعتصام (7325) عن محمد بن كثير، أخبرنا سفيان، عن عبد الرحمن بن عابس فذكره.
- عن ابن عباس قال: كنت مع أبي عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده رجل يناجيه، فكان كالمعرض عن أبي، فخرجنا من عنده، فقال لي أبي: أي بني، ألم تر إلى ابن عمك كالمعرض عني؟ فقلت: يا أبت، إنه كان عنده رجل يناجيه، قال: فرجعنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أبي: يا رسول الله، لقد قلت لعبد الله: كذا وكذا، فأخبرني أنه كان عندك رجل يناجيك، فهل كان عندك أحد؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “وهل رأيته يا عبد الله؟ ” قال: قلت: نعم، قال: “فإن ذلك جبريل، وهو الذي شغلني عنك”.
صحيح: رواه أبو داود الطيالسي (2831)، وأحمد (2679)، وعبد بن حميد (712)، والطبراني في الكبير (10/ 236) كلهم من طريق حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار، عن ابن عباس فذكره. وإسناده صحيح.
وعمار بن أبي عمار: ثقة وثّقه جمهور أهل العلم.
قال الهيثمي في المجمع (9/ 276): “رواه أحمد والطبراني بأسانيد ورجالها رجال الصحيح”.
ورواه عبد الله بن أحمد في زياداته على الفضائل (1917) من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن ثور بن زيد، عن موسى بن ميسرة، عن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (يعني للعباس): “أما إن ابنك لن يموت حتى يذهب بصره، ويؤتى علما”.
وإسناده حسن من أجل الدراوردي فإنه حسن الحديث.
ومن أخبار ابن عباس ما ذكره ابن مسعود قال: لو بلغ ابن عباس أسناننا ما عاشره منا رجل، نعم الترجمان ابن عباس للقرآن.
رواه أحمد في فضائل الصحابة (1562)، وابن سعد في طبقاته (2/ 366) كلاهما عن الأعمش، عن أبي الضحى مسلم بن صبيح، عن مسروق قال: قال عبد الله: فذكره. وإسناده صحيح لكنه موقوف.
[الجامع الكامل في الحديث الصحيح الشامل المرتب على أبواب الفقه 9/ 227]