620 – فتح الاحد الصمد شرح الصحيح المسند
جمع أحمد بن علي وعبدالله المشجري وعدنان البلوشي واسامة الحميري وعمر الشبلي وأحمد بن خالد
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
قال الشيخ مقبل رحمه الله:
620 – قال الإمام أبو داود رحمه الله (ج 1 ص 235): حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ قَارِظٍ عَنْ أَبِي غَطَفَانَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ «اسْتَنْثِرُوا مَرَّتَيْنِ بَالِغَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا».
هذا حديث حسنٌ.
الحديث أخرجه النسائي في “الكبرى” (ج 1 ص 51)، وابن ماجه (ج 1 ص 143).
—-
[حكم الألباني] : صحيح
[سنن أبي داود 1/ 35 ت محيي الدين عبد الحميد] وحسن الحديث صاحب أنيس الساري ، وكذلك حسنه صاحب كتاب فضل الرحيم الودود في تخريج سنن أبي داود
—-
أخرجه الطيالسي (2848)، وابن أبي شيبة (277)، وأحمد (2011)، والبخاري في «التاريخ الكبير» (7/ 201)، وابن ماجه (408)، وابن الجارود (77)، والطبراني في «الكبير» (10/ 322) (10784)، والحاكم في «المستدرك» (526)، والبيهقي في «الكبير» (227)،
——
قال ابن قدامة:
والاسْتِنْشاقُ: اجْتِذَابُ الماءِ بالنَّفَسِ إلى باطِنِ الأَنْفِ. والاسْتِنْثارُ: إخْراجُ الماءِ من أَنْفِه. ولكن يُعَبَّرُ بالاسْتِنْثارِ عن الاسْتِنْشاقِ؛ لِكَوْنِه مِنْ لَوازِمِهِ.
المغني لابن قدامة – ت التركي ١/١٦٩
وجاء في مواهب الجليل للحطاب المالكي: والمبالغة في الاستنشاق: اجتذاب الماء بالنفس إلى أقصى الأنف، ولا يجعله سعوطا. انتهى.
وفي الإنصاف للمرداوي الحنبلي: والمبالغة في الاستنشاق: جذب الماء بالنفس إلى أقصى الأنف، على الصحيح من المذهب، وعليه الأصحاب، وقال في الرعاية: أو أكثره، كما قال في المضمضة، ولا يجعله سعوطا. انتهى.
وعدم المبالغة في الاستنشاق لا تبطل الوضوء؛ جاء في كشاف القناع للبهوتي الحنبلي: (و) الواجب في الاستنشاق (جذب الماء إلى باطن الأنف)، وإن لم يبلغ أقصاه. انتهى.
قال ابن تيمية :
وَالْمُبَالَغَةُ أَنْ يُدِيرَ الْمَاءَ فِي أَقَاصِي الْفَمِ، وَأَنْ يَجْتَذِبَهُ بِالنَّفَسِ إِلَى أَقْصَى الْأَنْفِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَصِيرَ سُعوطًا أَوْ وَجُورًا، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقْلَا: الْمُبَالَغَةُ فِي الِاسْتِنْشَاقِ وَاجِبَةٌ لِلْأَمْرِ بِهَا، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهَا سُنَّةٌ؛ لِأَنَّهَا تَسْقُطُ فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ، وَلَا تُسْتَحَبُّ فِيهِ وَلَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً لَمَا تُرِكَتْ لِأَجْلِ التَّطَوُّعِ.
شرح عمدة الفقه – ابن تيمية – كتاب الطهارة ١/٢١٠
قال العباد :
أورد أبو داود حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال: (اسنتثروا مرتين بالغتين أو ثلاثًا) يعني: ثلاثًا ليست بهذا الوصف، فتكون الثالثة في مقابل اثنتين بالغتين، يعني: أن اثنتين بالغتين تعادل ثلاثًا ليس فيهما مبالغة، ويحتمل أن يكون في ذلك شك من الراوي، يعني: أنه قال هذا أو هذا.
شرح سنن أبي داود للعباد ٢٣/
——
حكم الاستنشاق في الوضوء
* والاختلاف مشهور بين الحنابلة والجمهور في الاستنشاق، فالجمهور يقولون: إنه سنة، ويحملون الأمر الوارد فيه على الندب؛ والصارف عندهم هو قول النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي المسيء لصلاته : توضأ كما أمرك الله، وليس فيما أمر الله تعالى في آية المائدة المضمضة والاستنشاق.
قال النووي:
“هَذَا الْأَعْرَابِيَّ صَلَّى ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمْ يُحْسِنْهَا، فَعَلِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَئِذٍ أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ الصَّلَاةَ الَّتِي تُفْعَلُ بِحَضْرَةِ النَّاسِ وَتُشَاهَدُ أَعْمَالُهَا، فَعَلَّمَهُ وَاجِبَاتِهَا وَوَاجِبَاتِ الْوُضُوءِ، فَقَالَ صَلَّى الله عليه وسلم: توضأ كما أمرك الله ، وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ سُنَنَ الصَّلَاةِ وَالْوُضُوءِ، لِئَلَّا يَكْثُرَ عَلَيْهِ فَلَا يَضْبِطَهَا؛ فَلَوْ كَانَتْ الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ وَاجِبَتَيْنِ لَعَلَّمَهُ إيَّاهُمَا؛ فَإِنَّهُ مِمَّا يَخْفَى، لَا سِيَّمَا فِي حَقِّ هَذَا الرجل خَفِيَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ الَّتِي تُشَاهَدُ فَكَيْفَ الْوُضُوءُ الَّذِي يَخْفَى” انتهى من “المجموع شرح المهذب (1/364).
* وخالفهم الحنابلة، فحملوا الأمر بالاستنشاق على الوجوب، وقالوا:
” كُلَّ مَنْ وَصَفَ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مُسْتَقْصِيًا ذَكَرَ أَنَّهُ تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَمُدَاوَمَتُهُ عَلَيْهِمَا تَدُلُّ عَلَى وُجُوبِهِمَا؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ بَيَانًا وَتَفْصِيلًا لِلْوُضُوءِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي كِتَابِ اللَّهِ ” انتهى من “المغني” (1/83).
هل الاستنثار واجب في الوضوء؟
وأما الاستنثار وهو إخراج الماء من الأنف فقد نقل بعض العلماء الاتفاق على استحبابه وعدم وجوبه.
ولكن الواقع أن في ذلك خلافا بين العلماء القائلين بوجوب الاستنشاق، حتى روي عن الإمام أحمد في هذا روايتان، وجعل المرداوي في الإنصاف (1/327) الرواية بالسنية هي مذهب الإمام أحمد.
ولكن ظاهر كلام ابن قدامة رحمه الله في المغني (1/169) أنه واجب، وهذا هو ظاهر الأمر به في أكثر من حديث، ولأن المقصود هو تنظيف الأنف وتطهيره، وذلك لا يحصل إلا بالاستنثار.
وظاهر كلام الشيخ ابن عثيمين رحمه الله أنه يميل إلى القول بوجوبه، فإنه قال: “وهل يجب الاستنثار؟ قالوا: الاستنثار سُنَّةٌ، ولا شَكَّ أن طهارة الأنف لا تتمُّ إِلا بالاستنثار بعد الاستنشاق؛ حتى يزول ما في الأنف من أذىً ” انتهى “الشرح الممتع” (1/209).
وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (1/ 262)
ظَاهِرُ الْأَمْرِ أَنَّهُ لِلْوُجُوبِ، فَيَلْزَمُ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ الِاسْتِنْشَاقِ لِوُرُودِ الْأَمْرِ بِهِ، كَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَأَبِي ثَوْر وابن الْمُنْذِرِ: أَنْ يَقُولَ بِهِ فِي الِاسْتِنْثَارِ. وَظَاهِرُ كَلَامِ صَاحِبِ الْمُغْنِي يَقْتَضِي أَنَّهُمْ يَقُولُونَ بِذَلِكَ، وَأَن مَشْرُوعِيَّة الِاسْتِنْشَاق لاتحصل الا بالاستنثار.
وَصرح ابن بَطَّالٍ بِأَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ قَالَ بِوُجُوبِ الِاسْتِنْثَارِ، وَفِيهِ تَعَقُّبٌ عَلَى مَنْ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ.
وقال أيضا: “الِاسْتِنْثَارَ يَقَعُ عَلَى الِاسْتِنْشَاقِ، بِغَيْرِ عَكْسٍ؛ فَقَدْ يَسْتَنْشِقُ وَلَا يَسْتَنْثِرُ.
وَالِاسْتِنْثَارُ مِنْ تَمَامِ فَائِدَةِ الِاسْتِنْشَاقِ… وَالْمَقْصُودُ مِنْ الِاسْتِنْشَاقِ تَنْظِيفُ دَاخِلِ الْأَنْفِ، وَالِاسْتِنْثَارُ يُخْرِجُ ذَلِكَ الْوَسَخَ مَعَ الْمَاءِ، فَهُوَ مِنْ تَمَامِ الِاسْتِنْشَاقِ” انتهى من “فتح الباري” (6/343).
وفي مسائل الكوسج :
١٤٣ – حكم المضمضة والاستنشاق، والعمل إذا نسيهما
قال إسحاق بن منصور: قُلْتُ: إذا نسي المَضْمَضَةَ والاسْتِنْشَاقَ يعيدُ؟
قال الإمامُ أحمدُ في الاستنشاقِ: يعجبني أن يعيدَ الاستنشاقَ والصلاةَ، والمضمضةُ أهونُ، وإذا بَعُدَ ذَلِكَ يعيدُ الوضوءَ والصلاةَ.
قال: والمضمضةُ والاستنشِاقُ في الوضوءِ والجَنَابَةِ وَاحِد.
قال: والاستنشاقُ أَوْكَدُ، إذَا صلَّى وَلمْ يستنشقْ يُعيدُ الصلاةَ.
قال إسحاق: يُعيدُ مِنَ الجَنَابَةِ وَالوضوءِ إذَا تَرَكَ المضمضةَ والاستنشاقَ؛ لأنهما مِنَ الوجهِ، وَالجَنَابَةُ وَالوضوءُ وَاحِد، الجَنَابةُ يجبُ غسلُ الجَسَدِ كُلِّهِ، وَالوضوءُ يجبُ غَسْلُ الوَجْهِ مِنْهُ، فَحُكْمُهَا وَاحِد.
«مسائل الكوسج»
الجامع لعلوم الإمام أحمد – الفقه ٥/٢٠٤
الفصل والوصل بين المضمضة والاستنشاق : قال العباد :
بعض أهل العلم يقول: إن كلًا من الفصل والوصل في المضمضة والاستنشاق ثابت، ولكن الأحاديث التي جاءت بالوصل صريحة وواضحة وجلية وقوية والأحاديث التي جاءت في الفصل بين المضمضة والاستنشاق ليست صريحة، والأمر في ذلك واسع، فلو أن الإنسان تمضمض من كف واستنشق من كف أخرى لم يكن بذلك بأس إن شاء الله.
شرح سنن أبي داود للعباد ٢٣/١٤
قال ابن القيم رحمه الله:
وَكَانَ يَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْشِقُ، تَارَةً بِغَرْفَةٍ، وَتَارَةً بِغَرْفَتَيْنِ، وَتَارَةً بِثَلَاثٍ. وَكَانَ يَصِلُ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ، فَيَأْخُذُ نِصْفَ الْغَرْفَةِ لِفَمِهِ وَنِصْفَهَا لِأَنْفِهِ، وَلَا يُمْكِنُ فِي الْغَرْفَةِ إِلَّا هَذَا، وَأَمَّا الْغَرْفَتَانِ وَالثَّلَاثُ فَيُمْكِنُ فِيهِمَا الْفَصْلُ وَالْوَصْلُ، إِلَّا أَنَّ هَدْيَهُ ﷺ كَانَ الْوَصْلَ بَيْنَهُمَا، كَمَا فِي «الصَّحِيحَيْنِ» مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ مِنْ كَفٍّ وَاحِدَةٍ، فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا») وَفِي لَفْظٍ: («تَمَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ بِثَلَاثِ غَرَفَاتٍ») فَهَذَا أَصَحُّ مَا رُوِيَ فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ، وَلَمْ يَجِئِ الْفَصْلُ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ فِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ الْبَتَّةَ، لَكِنْ فِي حَدِيثِ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: («رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَفْصِلُ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ») وَلَكِنْ لَا يُرْوَى إِلَّا عَنْ طلحة عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ وَلَا يُعْرَفُ لِجَدِّهِ صُحْبَةٌ.
زاد المعاد في هدي خير العباد – ط الرسالة ١/١٨٥
——
حكم الاستنثار وحده من غير وضوء لمن قام من نوم الليل ؟
روى البخاري (3295) عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَتَوَضَّأَ ، فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلاَثًا ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيْشُومِهِ).
قال الصنعاني رحمه الله : ” الْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الِاسْتِنْثَارِ عِنْدَ الْقِيَامِ مِنْ النَّوْمِ مُطْلَقًا ، إلَّا أَنَّ فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَتَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلَاثًا فَإِنَّ الشَّيْطَانَ الْحَدِيثَ ، فَيُقَيَّدُ الْأَمْرُ الْمُطْلَقُ بِهِ هُنَا ، بِإِرَادَةِ الْوُضُوءِ ” انتهى من ” سبل السلام ” (1/64) .
وذهب آخرون إلى أن الاستنثار يشرع لكل مستيقظ من نوم الليل ، سواء توضأ أو لم يتوضأ ؛ وذلك أخذا بعموم رواية مسلم ، وقالوا – أيضاً – : العلة التي من أجلها شرع الاستنثار ، في قوله عليه الصلاة والسلام : ( فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيْشُومِهِ ) يستوي فيها من أراد الوضوء ، ومن لم يرد ، فكل واحد منهما يستحب له أن يزيل عنه أثر الشيطان في ذلك الموضع .
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : ”وعلى كل حال فإن الله تعالى قد يسلط الشيطان على بني آدم ، فإذا نام بات الشيطان على خيشومه بإذن الله عز وجل ، فأمر النبي – صلى الله عليه وسلم – بالاستنثار ، وهو أن تستنشق الماء ، ثم تستنثره ، ثلاث مرات ؛ تطهيرا للخيشوم من أثر الشيطان . وهذا التسليط من الله عز وجل له حكمة ، لكننا لا نعلم ما هي ، إلا أننا نعلم أنه لم يسلط إلا لحكمة . وهو غير استنثار الوضوء ، لأن استنثار الوضوء يكون من أعمال الوضوء ، لكن هذا استنثار خاص ، حتى لو فرض أن الإنسان في البر وليس عنده ماء ، ويريد أن يتيمم بدل الوضوء ، نقول : استنثر ثلاثا ، لهذه الحكمة” انتهى من “الشرح المختصر لبلوغ المرام” (2/50) الشاملة .
وقال الشيخ صالح الفوزان حفظه الله : ” مشروعية الاستنثار عند القيام من نوم الليل بالماء ثلاث مرات ، من العلماء من يرى أنه واجب ، ومنهم من يرى أنه مستحب ، والصحيح أنه واجب ؛ لأن ظاهر الأمر الوجوب . لكن هل يستنثر وهو لم يرد الوضوء ؟ ظاهر الحديث أنه يستنثر كل مستيقظ من النوم ، ولو لم يرد الوضوء ، ولكن في رواية البخاري تقييد ذلك فيما إذا أراد الوضوء : (إذا استيقظ أحدكم فأراد أن يتوضأ فليستنثر ثلاثا) ، فيحمل المطلق على المقيد في أنه إذا استيقظ من نومه وأراد الوضوء ، فإنه يستنثر . ومن العلماء من يرى العموم ، بأنه يستنثر ولو لم يرد الوضوء ؛ لأن العلة عامة في قوله : ( فإن الشيطان يبيت على خيشومه ) ، وهذا أحوط وأنفع للإنسان ” انتهى من ” تسهيل الإلمام بفقه الأحاديث من بلوغ المرام ” (1/118) .
——
من طب الأمراض التنفسية في السنة النبوية
تكثر أمراض التحسس التنفسي في وسط الجزيرة العربية بسبب الجفاف وشدة الحر صيفا وشدة البرد شتاء، وما يتخلل ذلك من موجات غبارية بين الفصلين.
مداومة الاستنشاق والاستنثار وقاية من أمراض الأنف
وقد أمرنا بالوضوء قبل الصلاة وقبل الطواف وقراءة القرآن، ومن فرائض الوضوء الاستنشاق والاستنثار، وفي ذلك تنظيف للأنف وترطيب له.
آثار المضمضة والاستنشاق والاستنثار من منظور علمي:
أثبت العلم الحديث بعد الفحص الميكروسكوبي للمزرعة الميكروبية التي أجريت للمنتظمين في الوضوء ولغير المنتظمين: أن الذين يتوضئون باستمرار قد ظهر الأنف عند غالبيتهم نظيفا طاهرا خاليا من الميكروبات، ولذلك جاءت المزارع الميكروبية التي أجريت لهم خالية تماما من أي نوع من الميكروبات، في حين أعطت أنوف من لا يتوضئون مزارع ميكروبية ذات أنواع متعددة وبكميات كبيرة من الميكروبات الكروية العنقودية الشديدة العدوى والكروية السبحية السريعة الانتشار والميكروبات العضوية التي تسبب العديد من الأمراض.
وقد ثبت أن التسمم الذاتي يحدث من جراء نمو الميكروبات الضارة في تجويفي الأنف، ومنهما إلى داخل المعدة والأمعاء ولإحداث الالتهابات والأمراض المتعددة ولاسيما عندما تدخل الدورة الدموية(18).
إن تراكم البقايا الطعامية في الفم يجعلها عرضة للتخمر وتصبح بؤرة مناسبة لتكاثر الجراثيم مما قد يسبب التهابات في اللثة والقلاع ونخر الأسنان وغيرها من التهابات جوف الفم، ومن ثم إلى انتقالها إلى الجهاز الهضمي وما ينتج عنه من اضطرابات هضمية وتعفنات يصدر عنها رائحة الفم الكريهة، ويعمل الاستنشاق والاستنثار كلاهما معاً على التخلص مما تراكم في الأنف من مواد مخاطية، وما التصق بها من غبار وجراثيم مما يؤدي إلى تجديد طبقته المخاطية وتنشيطها لتقوم بوظيفتها الحيوية على أتم وجه(19).
فقد ثبت أن المضمضة تحفظ الفم والبلعوم من الالتهابات ومن تقيح اللثة، وتقي الأسنان من النخر وذلك بإزالة الفضلات الطعامية التي قد تبقى فيها.
فقد ثبت علميا أن 90% من الذين يفقدون أسنانهم لو اهتموا بنظافة الفم لما فقدوا أسنانهم قبل الأوان، وأن المادة الصديدية والعفونة مع اللعاب والطعام تمتصها المعدة وتسري إلى الدم، ومنه إلى جميع الأعضاء وتسبب أمراضا كثيرة، وأن المضمضة تنمي بعض العضلات في الوجه وتجعله مستديرا، وهذا التمرين لم يذكره من أساتذة الرياضة إلا القليل لانصرافهم إلى العضلات الكبيرة في الجسم(20).
كذلك فإن الإفرازات المتراكمة هي دعوة للبكتريا كي تتكاثر وتنمو، لهذا فإن الوضوء بأركانه قد سبق علم البكتريولوجيا الحديثة والعلماء الذين استعانوا بالمجهر على اكتشاف البكتريا والفطريات التي تهاجم الجلد الذي لا يعتني صاحبه بنظافته التي تتمثل في الوضوء.
قال الدكتور أحمد شوقي إبراهيم عضو الجمعية الطبية الملكية بلندن واستشاري الأمراض الباطنية والقلب: “توصل العلماء إلى أن سقوط أشعة الضوء على الماء أثناء الوضوء يؤدي إلى انطلاق أيونات سالبة ويقلل الايونات الموجبة مما يؤدي إلى استرخاء الأعصاب والعضلات، ويتخلص الجسم من ارتفاع ضغط الدم والآلام العضلية وحالات القلق والأرق”. ويؤكد ذلك أحد العلماء الأمريكيين في قوله: “إن للماء قوة سحرية بل إن رذاذ الماء على الوجه واليدين -يقصد الوضوء- هو أفضل وسيلة للاسترخاء وإزالة التوتر”(21).
وجه الإعجاز:
ما تقدم هو نتائج بحوث متواصلة تم فيها استخدام أحدث وسائل البحث من أجهزة تعقيم ووسائل تغذية للبكتريا والميكروبات وهو ما يسمى بالإستنبات ليتم من خلالها دراسة أعداد البكتريا المتكونة في حيز صغير، وكذلك أجهزة الميكروسكوب المجهرية وغيرها من وسائل مخبرية حديثة لمعرفة حقائق تلك الكائنات الدقيقة التي ما كان لأحد قبل ألف وأربعمائة عام أن يتخيل بأن هناك شيء اسمه كائنات دقيقة فضلا عن تصور إمكانية رؤيتها، بل فضلا عن إمكانية دراسة كيفية معالجتها والتخلص منها.
وإذا ما علمنا أن أكثر الأمراض انتشاراً بين الناس كالزكام والأنفلونزا والتهاب القصبات إنما تنتقل إلى الإنسان عن طريق الرذاذ الذي يخرج من المريض بواسطة الهواء الذي يمر عبر الأنف أدركنا أهمية الدعوة النبوية للالتزام بعمل الاستنشاق والاستنثار مع كل وضوء والذي يكرره المسلم مرات ومرات في اليوم لأداء صلواته(22).
مجلة الإصلاح العدد 296سنة1994من ندوات جمعية الإعجاز العلمي للقرآن في القاهرة نقلا عن:
http://sakifahiraq.co
و المضمضة والاستنشاق والاستنثار قلم الدكتور محمد نزار الدقر أخذا من:
http://www.shefaa.org