617 – تحضير سنن الترمذي
مجموعة أحمد بن علي وعدنان البلوشي وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وأسامة الحميري
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة.
بإشراف سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وأن يبارك في ذرياتهم وذرياتنا )
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
بسم الله الرحمن الرحيم
أَبْوَابُ الزَّكَاةِ
عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم
بَابُ مَا جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي مَنْعِ الزَّكَاةِ مِنَ التَّشْدِيدِ
617 – حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ الأَعْمَشِ، عَنْ المَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ، قَالَ: جِئْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ جَالِسٌ فِي ظِلِّ الكَعْبَةِ، قَالَ: فَرَآنِي مُقْبِلًا، فَقَالَ: «هُمُ الأَخْسَرُونَ وَرَبِّ الكَعْبَةِ يَوْمَ القِيَامَةِ»، قَالَ: فَقُلْتُ: مَا لِي لَعَلَّهُ أُنْزِلَ فِيَّ شَيْءٌ، قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هُمْ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي؟، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ” هُمُ الأَكْثَرُونَ، إِلَّا مَنْ قَالَ: هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا “، فَحَثَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يَمُوتُ رَجُلٌ، فَيَدَعُ إِبِلًا أَوْ بَقَرًا، لَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهَا، إِلَّا جَاءَتْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْظَمَ مَا كَانَتْ وَأَسْمَنَهُ، تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا، وَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا، كُلَّمَا نَفِدَتْ أُخْرَاهَا عَادَتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ»، وَفِي البَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلُهُ، وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: «لُعِنَ مَانِعُ الصَّدَقَةِ»، وَعَنْ قَبِيصَةَ بْنِ هُلْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ.: «حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ»، ” وَاسْمُ أَبِي ذَرٍّ: جُنْدَبُ بْنُ السَّكَنِ، وَيُقَالُ: ابْنُ جُنَادَةَ “، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُنِيرٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ الدَّيْلَمِ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ قَالَ: «الأَكْثَرُونَ أَصْحَابُ عَشَرَةِ آلَافٍ»
[حكم الألباني] : صحيح
——
الحديث في البخاري 1337 ومسلم 987 عن أبي هريرة بنحوه
في رواية: «إِنَّ الْمُكْثِرِينَ هُمُ الْمُقِلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إِلاَّ مَنْ أَعْطَاهُ الله خَيْرًا، فَنَفَحَ فِيهِ يَمِينَهُ وَشِمَالَهُ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَوَرَاءَهُ، وَعَمِلَ فِيهِ خَيْرًا».
«هُمُ الأَخْسَرُونَ» الخسارة الضلال والهلاك؛ ( انظر لسان العرب لابن منظور مادة ( خسر ) 4 / 89 )، وجاء تفسير الأخسرين في الحديث بقول النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم -: «هُمُ الأَكْثَرُونَ أَمْوَالًا، إِلاَّ مَنْ قَالَ: هكَذَا وَهكَذَا وَهكَذَا مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ، وَقَلِيلٌ مَا هُمْ».
فَلَمْ أَتَقَارَّ: أي لم أستطع الثَّبات والقرار.
فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي: الفِداء بالكسر والمد، ويكون بالفتح مع القصر تقول ( فَدًى)، وهو فكاك الأسير بشيء، وقيل: هو فكاك الأسير بأسير مثله، فمن فداه بنفسه قال: جُعلت فداك، ومن فداه بأمه وأبيه قال: (فداك أبي وأمي)، وإطلاق لفظ الفداء مع الله يحمل على المجاز لا الحقيقة؛ لأنه لا يُفدى من المكاره إلا من تلحقه المكارة، فيحمل قول الشاعر: (فاغفر فداءً لك ما اقتفينا)، على أن المراد بالفداء: التعظيم والإكبار؛ [ انظر لسان العرب مادة ( فدن ) 10 / 204، 205، وانظر النهاية في غريب الحديث مادة ( فدا ) ].
«هُمُ الأَكْثَرُونَ أَمْوَالًا، إِلاَّ مَنْ قَالَ: هكَذَا وَهكَذَا وَهكَذَا» : أي بذل المال الذي عنده في وجوه الخير والمكارم، ولذلك عدَّد الجهات، ولفظة ( هكذا)، كرِّرت في الحديث ثلاث مرات والجهات المذكورة في الحديث أربع، وذكر الحافظ ابن حجر [ انظر ” الفتح 11 / 320 ]: “أن هذا تصرف من بعض الرواة، وأنها جاءت لفظة (هكَذَا) في رواية أخرى مكررة أربع مرات”. وَقَلِيلٌ مَا هُمْ، (مَا) زائدة مؤكدة للقلة، ولفظ قليل خبر مقدم، و(هم) مبتدأ والتقدير (وهم قليل)، وقُدِّم الخبر للمبالغة في الاختصاص.
المكثرون هم المقلون المراد الإكثار من المال والدنيا والإقلال من ثواب الآخرة، والعمل الصالح. أعطاه الله خيرًا؛ أي أعطاه الله مالًا، فالمراد بالخير هنا المال، ومنه قوله تعالى: {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} [العاديات: ٨]؛ أي لحب المال لشديد، وأما قوله: وَعَمِلَ فِيهِ خَيْرًا، فالمراد بالخير هنا الحسنة، مع أن اللفظ واحد إلا أن المعنى مختلف في كلمة (خير)، وهذا يسميه البلاغيون جناسًا تامًّا، وهو اتحاد اللفظ واختلاف المعنى، ومنه قول تعالى: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ} [الروم55]، “فالمراد بالساعة الأولى يوم القيامة والساعة الثانية المدة من الزمن .
فَنَفَحَ: النفح الرمي والضرب والمعنى ضرب يديه بعطاء هذا المال، وذلك ببذله في وجوه الخير.
من فوائد الحديث:
الفائدة الأولى: في الحديث دلالة على أن أصحاب الأموال الكثيرة الذين لا يبذلونها في وجوه الخير في خسارة عظيمة حلف عليها النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – بقوله: «هُمُ الأَخْسَرُونَ، وَرَبِّ الْكَعْبَةِ»، وإن كانوا في أعين الناس في الدنيا (مكثرين) من المال، لكنهم يوم القيامة (مقلِّون) من الثواب بسبب عدم إنفاقهم، ولذا قال النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم -: «إِنَّ الْمُكْثِرِينَ هُمُ الْمُقِلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
ووجه ذلك: أن من أكثر من المال والدنيا غفل وتلهى عن العمل الصالح، فقلَّ ثوابه يوم القيامة.
الفائدة الثانية: في الحديث حث المسلم على الصدقة في وجوه الخير، فلا يقتصر على نوع واحد من وجوه البر، بل ينفق في كل وجه للخير يحضره، ويستطيع البذل فيه، ولذا عدَّد النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – الجهات من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وشماله.
الفائدة الثالثة: في الحديث دلالة على أن المال قد يكون حجة على صاحبه يوم القيامة؛ حيث أغناه الله عز وجل وكثَّر ماله، ولأنه لم يبذله في وجوه الخير، صار من الأخسرين المقلِّين من الثواب يوم القيامة، بخلاف من كان كثير المال، ولكنه بذله في وجوه الخير، فإن النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – استثناه بقوله: «إِلاَّ مَنْ قَالَ هكَذَا وَهكَذَا وَهكَذَا» .
الفائدة الرابعة: في الحديث دلالة على جواز الحلف من غير استحلاف، بل ربما يكون مطلوبًا أحيانًا للمصلحة المترتبة عليه؛ كتأكيد أمر مهم وتحقيقه، ونفي المجاز عنه بألا يحتمل أمرًا آخر، وهذا النوع من الحلف جاء عن النبي – صلى الله عليه وسلم – في السنة النبوية كثيرًا، ومنه حديث الباب وقول النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم -: «هم الأخسرون ورب الكعبة».
——
قال ابن حجر:
قوله: (وقول الله تعالى: {والذين يكنزون الذهب والفضة} الآية) فيه تلميح إلى تقوية قول من قال من الصحابة وغيرهم: إن الآية عامة في حق الكفار والمؤمنين، خلافا لمن زعم أنها خاصة بالكفار، وسيأتي ذكر ذلك في الباب الذي يليه، إن شاء الله تعالى، وذلك مأخوذ من قوله في حديث أبي هريرة ثاني حديثي الباب: أنا مالك، أنا كنزك. وقد وقع نحو ذلك أيضا في الحديث الأول عند النسائي، والطبراني في مسند الشاميين من طريق شعيب أيضا في آخر الحديث، وأفرد البخاري الجملة المحذوفة فذكرها في تفسير براءة بهذا الإسناد باختصار.
(تنبيه): المراد بسبيل الله في الآية المعنى الأعم لا خصوص أحد السهام الثمانية التي هي مصارف الزكاة، وإلا لاختص بالصرف إليه بمقتضى هذه الآية.
قوله: (تأتي الإبل على صاحبها) يعني يوم القيامة كما سيأتي.
قوله: (على خير ما كانت) أي: من العظم والسمن ومن الكثرة؛ لأنها تكون عنده على حالات مختلفة، فتأتي على أكملها؛ ليكون ذلك أنكى له لشدة ثقلها….
قوله: (قال: ومن حقها أن تحلب على الماء) بحاء مهملة، أي: لمن يحضرها من المساكين، وإنما خص الحلب بموضع الماء؛ ليكون أسهل على المحتاج من قصد المنازل وأرفق بالماشية. وذكره الداودي بالجيم، وفسره بالإحضار إلى المصدق. وتعقبه ابن دحية، وجزم بأنه تصحيف، ووقع عند أبي داود من طريق أبي عمر الغداني، عن أبي هريرة ما يوهم أن هذه الجملة مرفوعة، ولفظه: قلنا: يا رسول الله، ما حقها؟ قال: إطراق فحلها، وإعارة دلوها ومنحتها، وحلبها على الماء، وحمل عليها في سبيل الله. وسيأتي في أواخر الشرب هذه القطعة وحدها مرفوعة من وجه آخر عن أبي هريرة.
….وفيه أن في المال حقا سوى الزكاة، وأجاب العلماء عنه بجوابين: أحدهما أن هذا الوعيد كان قبل فرض الزكاة، ويؤيده ما سيأتي من حديث ابن عمر في الكنز، لكن يعكر عليه أن فرض الزكاة متقدم على إسلام أبي هريرة كما تقدم تقريره.
ثاني الأجوبة: أن المراد بالحق القدر الزائد على الواجب ولا عقاب بتركه، وإنما ذكر استطرادا، لما ذكر حقها بين الكمال فيه، وإن كان له أصل يزول الذم بفعله وهو الزكاة، ويحتمل أن يراد ما إذا كان هناك مضطر إلى شرب لبنها فيحمل الحديث على هذه الصورة. وقال ابن بطال: في المال حقان فرض عين وغيره، فالحلب من الحقوق التي هي من مكارم الأخلاق.
(تنبيه): زاد النسائي في آخر هذا الحديث، قال: ويكون كنز أحدكم يوم القيامة شجاعا أقرع يفر منه صاحبه ويطلبه: أنا كنزك، فلا يزال حتى يلقمه إصبعه. وهذه الزيادة قد أفرد البخاري بعضها كما قدمنا إلى قوله: أقرع ولم يذكر بقيته، وكأنه استغنى عنه بطريق أبي صالح، عن أبي هريرة وهو ثاني حديثي الباب….
[فتح الباري لابن حجر 3/ 268 ط السلفية]
—-
قال ابن بطال:
قال المؤلف: تأول العلماء أن قوله: (والذين يكنزون الذهب والفضة) [التوبة: 34] الآية، وعيد لمن منع الزكاة، ومن أدى زكاة ماله فليس بداخل فى هذه الآية. قال المهلب: فى هذه الآية فرض زكاة الذهب، ولم ينقل عن النبى، صلى الله عليه وسلم ، فرض زكاة الذهب من طريق الخبر كما نقل عنه زكاة الفضة، وهو قوله: (فى الرِّقة ربع العشر، وليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة) ، إلا أن قوله صلى الله عليه وسلم : (من آتاه الله مالاً فلم يؤد زكاته) يدخل فى عمومه الذهب والفضة بالدليل، وإنما لم ترو زكاة الذهب من طريق النص عن النبى، صلى الله عليه وسلم ، والله أعلم، لكثرة الدراهم بأيديهم، وأن بها كان تجارتهم، ولقلة الذهب عندهم، وكان صرف الدينار حينئذ عشرة دراهم، فعدل المسلمون بخمس أواق من الفضة عشرين مثقالاً، وجعلوه نصاب زكاة الذهب وتواتر العمل به وعليه جماعة العلماء أن الذهب إذا كانت عشرين مثقالاً وقيمتها مائتا درهم أن فيها الزكاة نصف دينار إلا ما اختلف فيه عن الحسن أنه قال: ليس فيما دون أربعين دينارًا زكاة وهو شذوذ لا يلتفت إليه. وذهبت طائفة إلى أن الذهب إذا بلغت قيمتها مائتى درهم ففيها ربع العشر، وإن كان أقل من عشرين مثقالاً، وهذا قول عطاء وطاوس والزهرى. واختلفوا فى تأويل قوله صلى الله عليه وسلم فى الإبل: (ومن حقها أن تحلب على الماء) فذهبت طائفة إلى أن فى المال حقًا سوى الزكاة. وقال أبو هريرة: (حق الإبل أن تنحر السمينة، وتمنح الغزيرة، وتقعد الظهر، ويضرب الفحل، ويسقى اللبن، وتأولوا فى قوله تعالى: (والذين فى أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم) [المعارج: 24، 25] ، فقالوا: مثل فك العانى، وإطعام الجائع الذى يخاف ذهاب نفسه، والمواساة فى المسغبة والعسرة. وهو قول الحسن البصرى، والشعبى، وعطاء، وطاوس، وتأول مسروق فى قوله تعالى: (سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة (قال: هو الرجل يرزقه الله المال، فيمنع قرابته صلته، فيجعل حية طوقها، وأكثر العلماء على أن ذلك كله فى الزكاة المفروضة، ولا حق عندهم فى المال سوى الزكاة، وتأولوا قوله صلى الله عليه وسلم : (ومن حقها أن تحلب على الماء) ، أن ذلك حق فى كرم المواساة، وشريف الأخلاق لا أن ذلك فرض، والحجة لهم قوله صلى الله عليه وسلم : (من كان له مال، فلم يؤد زكاته مثل له. . .) والزكاة لا يفهم منها إلا زكاة الفرض، وقد بين النبى صلى الله عليه وسلم قوله: (سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة (أنه جاء فى مانع الزكاة، وفى هذا الحديث خلاف تأويل مسروق، وقد انتزع ابن مسعود بهذه الآية فى مانع الزكاة أيضًا. قال إسماعيل بن إسحاق: الحق المفترض هو الموصوف المحدود، وقد تحدث أمور لا تحدّ ولا يحدّ لها وقت فتجب بها المواساة للضرورة التى تنزل من ضيف مضطر، أو جائع يعلم أنه مضطر، أو غاز مثله أو ميت ليس له من يواريه فيجب حينئذ على من يمكنه المواساة التى يزول بها حد الضرورة. والشجاع: الحية الذى يقوم على ذنبه، وربما بلغ رأس الفارس، والزبيبتان نقطتان منتفختان فى شدقيه كالرغوة، يقال: إنهما يبرزان حين يهج ويغضب. وقيل: إنهما سوداوان على عينيه، وهى علامة الحية الذكر المؤذى. وقيل: الأقرع الذى أبيض رأسه من كثرة السم. وقوله: (لها يعار) قال صاحب الأفعال: اليعار: صوت المعزى، وقد يعرت تيعر، واليعر: الجدى، واليعور: الشاة التى تبول على حالبها وتَبْعَرُ فيفسد اللبن. وثغت الشاة تثغو ثغاءٌ، ورغاء البعير رُغاءً: صاح.اهـ
[شرح صحيح البخاري لابن بطال 3/ 400]
قال القاضي عياض:
وقد اختلف السلف فى معنى قوله تعالى: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُوم. لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} ، هل المراد به الزكاة وهو قول الجمهور وأنه لا حق فى المال يجب سواها، وما جاء من غير ذلك فعلى سبيل الندب وكرم الأخلاق، وأن الآية خبر عن وصف قومٍ أثنى عليهم لخصالٍ كريمة فيهم فليس يقتضى الوجوب، كما لا يقتضى قوله فيها: {كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُون} . وقال بعضهم: هى منسوخة بالزكاة، وإن كان لفظه خبراً ففى معناه [الأمر] ، وذهب جماعة منهم الشعبى والحسن وعطاء وطاووس ومسروق وغيرهم: أنها محكمة، وأن فى المال حقوقاً سوى الزكاة؛ من فك العانى، وإطعام المضطر، والمواساة فى العسرة، وصلة القرابة ، وقال [القاضى إسماعيل] : قد تحدث أمور لا يُجدُّ لها وقت فتجب فيها المواساة للضرورة ….
[إكمال المعلم بفوائد مسلم 3/ 497]
قال ابنُ بطَّال: (فرأى أبو بكر، رَضِيَ اللهُ عنه، قتالَ الجميع، ووافقه على ذلك جميعُ الصحابة بعد أن خالَفَه عُمَرُ في ذلك، ثم بان له صوابُ قَولِه، فرجع إليه). ((شرح صحيح البخاري)) (3/391).
قال ابنُ عَبدِ البَرِّ: (واتَّفق أبو بكرٍ وعُمَرُ وسائر الصحابة على قتالِهم حتى يؤدُّوا حَقَّ اللهِ في الزَّكاة كما يلزَمُهم ذلك في الصَّلاة). ((الاستذكار)) (3/214).
قال ابنُ قدامة: (واتَّفق الصحابة رَضِيَ اللهُ عنهم على قتالِ مانعيها). ((المغني)) (2/427).
قال النووي: (وثبت في الصَّحيحينِ من رواية أبي هريرة أنَّ الصَّحابة رَضِيَ اللهُ عنهم اختلفوا أوَّلًا في قتال مانعي الزَّكاة، ورأى أبو بكرٍ رَضِيَ اللهُ عنه قتالَهم، واستدلَّ عليهم، فلمَّا ظهَرَتْ لهم الدَّلائلُ وافقوه، فصار قتالُهم مُجمَعًا عليه). ((المجموع)) (5/334).
حكم قتال مانعي الزكاة
السؤال
هل يمكن أن نقول: إن أبا بكر رضي الله عنه قاتل مانعي الزكاة لأنهم جحدوا أمرًا معلومًا من الدين بالضرورة؟
الجواب
إذا كانوا جحدوه فإنهم يكونون مرتدين، والواقع أن بعضهم لم يجحدها، بل بخلوا وقالوا: إن هذا إنما يكون للرسول صلى الله عليه وسلم ولا يدفع لغيره.
فأخطئوا وفهموا فهمًا خاطئًا، فقوتلوا على ذلك.
شرح الأربعين النووية – العباد ١٠/١٩ —
مشروعية قتال مانعي الزكاة
مانع الزكاة تؤخذ منه بالقوة، وإذا امتنع يطلب منه أن يترك ما هو عليه من الباطل، وأن يدفع الزكاة، فإن عاند وقاتل فإنه يقاتل عليها، وقتاله للحاكم لا يدل على كفر، لأن البغاة إذا حصل منهم حمل السلاح على الحكام لا يكفرون بذلك.
وبالنسبة لمانعي الزكاة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم قال عنهم الخطابي: إنهم بغاة، فهم مسلمون امتنعوا من أداء شيء متعين عليهم، فقوتلوا على منعه، وكونهم امتنعوا منها واستعدوا للقتال فهم أهل بغي، وقال الخطابي: ولو حصل منع الزكاة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وانتفاء الشبهة فإن الذي يقول بعدم وجوب الزكاة أو ينكر وجوبها يكون كافرًا مرتدًا، ويقتل مرتدًا، ولا يقال عنه باغ أو ممتنع من الزكاة فقط، ففرق الخطابي بين الذين منعوها بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وبين من بعدهم؛ لأن لهم شبهة، أما بعد أن استقرت الأحكام وعرفت الأحكام فجحدها كفر وردة.
شرح سنن أبي داود للعباد ١٨٦/
قال ابن حزم:
[مَسْأَلَة فِي مَانِع الزَّكَاة]
٢٢٦١ – مَسْأَلَةٌ: مَانِعُ الزَّكَاةِ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : نا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَسُورِ نا أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ الدِّينَوَرِيُّ نا أَبُو جَعْفَرٍ – مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ – نا الْحَارِثُ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ نا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْوَاقِدِيُّ ني عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ حَكِيمِ بْنِ حَكِيمِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ حُنَيْفٍ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ خُشَافٍ السُّلَمِيَّةِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الرَّبِيعِ الطَّفَرِيِّ وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ قَالَ «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إلَى رَجُلٍ مِنْ أَشْجَعَ تُؤْخَذُ صَدَقَتُهُ فَجَاءَهُ الرَّسُولُ فَرَدَّهُ، فَرَجَعَ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : اذْهَبْ إلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يُعْطِ صَدَقَتَهُ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ» قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فَقُلْت لِحَكِيمٍ: مَا أَرَى أَبَا بَكْرٍ قَاتَلَ أَهْلَ الرِّدَّةِ إلَّا عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ؟ فَقَالَ: أَجَلْ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ : هَذَا حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ مَمْلُوءٌ آفَاتٍ مِنْ مَجْهُولِينَ، وَمُتَّهَمِينَ، وَحُكْمُ مَانِعِ الزَّكَاةِ إنَّمَا هُوَ أَنْ تُؤْخَذَ مِنْهُ أَحَبَّ أَمْ كَرِهَ، فَإِنْ مَانَعَ دُونَهَا فَهُوَ مُحَارِبٌ، فَإِنْ كَذَّبَ بِهَا فَهُوَ مُرْتَدٌّ، فَإِنْ غَيَّبَهَا وَلَمْ يُمَانِعْ دُونَهَا فَهُوَ آتٍ مُنْكَرًا، فَوَاجِبٌ تَأْدِيبُهُ أَوْ ضَرْبُهُ حَتَّى يُحْضِرَهَا أَوْ يَمُوتَ قَتِيلَ اللَّهِ تَعَالَى، إلَى لَعْنَةِ اللَّهِ. كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ إنْ اسْتَطَاعَ» وَهَذَا مُنْكَرٌ، فَفَرْضٌ عَلَى مَنْ اسْتَطَاعَ أَنْ يُغَيِّرَهُ كَمَا ذَكَرْنَا – وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.
المحلى بالآثار ١٢/٢٩٠
—
الفرع الأوَّل: العُقوبات الأُخرويَّة
وردَتْ عقوباتٌ أخرويَّة خاصَّة في الكتابِ والسُّنةِ لمانِعِ الزَّكاة؛ ترهيبًا من هذا الفعل:
1- قال الله تعالى: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ [التوبة: 34-35]
2- عن أبي هريرة رَضِيَ اللهُ عنه أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ((مَن آتاه اللهُ مالًا، فلم يؤَدِّ زكاتَه، مُثِّلَ له ماله شُجاعًا أقرَعَ، له زبيبتانِ، يُطوِّقه يومَ القيامة، يأخُذُ بلِهْزِمَتَيهِ- يعني شِدْقَيه، ثم يقول: أنا مالُكَ، أنا كَنْزُك. ثم تلا: وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [آل عمران: 180] )) رواه البخاري (1403).
3- عن أبي هُرَيرة رَضِيَ اللهُ عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: ((ما مِنْ صاحِبِ ذهَبٍ ولا فِضَّةٍ لا يؤدِّي منها حقَّها إلَّا إذا كان يومُ القيامةِ، صُفِّحَتْ له صفائِحُ من نارٍ، فأُحمِيَ عليها في نارِ جهنَّمَ، فيُكوى بها جنبُه وجبينُه وظهرُه، كلَّما برُدَتْ أُعيدَت له، في يومٍ كان مقدارُه خمسينَ ألفَ سَنةٍ، حتَّى يُقضَى بين العبادِ؛ فيُرَى سبيلَه؛ إمَّا إلى الجنَّة وإمَّا إلى النَّار… الحديث )) رواه مسلم (987)
الفرع الثاني: العقوباتُ الدُّنيويَّة
المسألة الأولى: مانِعُ الزَّكاة الذي تحت قَبضةِ الإمام
مَن مَنَعَ الزَّكاةَ وهو في قبضةِ الإمامِ تُؤخَذُ منه قهرًا.
الأدلَّة:
أوَّلًا: مِنَ الكتاب 1/521).
المسألة الثانية: هل يُعاقَبُ مانِعُ الزَّكاةِ بأخْذِ زيادةٍ على الواجِبِ؟
اختلف أهلُ العِلم في عقوبةِ مانعِ الزَّكاة؛ بأخذِ زيادةٍ على الواجِبِ منه أو لا، وذلك على قولين:
القول الأوّل: يؤخَذُ مِن مانِعِ الزَّكاةِ الواجِبُ فقط، وهذا باتِّفاقِ المَذاهِبِ الفِقهيَّة الأربَعةِ: الحنفيَّة، والمالكيَّة، والشافعيَّة، والحَنابِلَة، وهو قولُ أكثَرِ أهلِ العِلم، قال ابنُ قدامة: (إنْ مَنَعَها معتَقِدًا وجوبَها، وقَدَرَ الإمامُ على أخْذِها منه، أخَذَها وعَزَّرَه، ولم يأخذْ زيادةً عليها، في قولِ أكثر أهل العِلم؛ منهم أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأصحابهم). ((المغني)) (2/428).
وذلك للآتي:
أوَّلًا: أنَّ الزَّكاةَ مُنِعَتْ في زمنِ أبي بكرٍ رَضِيَ اللهُ عنه بعد وفاةِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ولم يُنقَل أنَّ أحدًا أخذَ زيادةً على الواجبِ، أو قال بذلك، مع توفُّرِ الصَّحابةِ رَضِيَ اللهُ عنهم
ثانيًا: أنَّ الزَّكاة عبادةٌ، فلا يجبُ بالامتناعِ منها أخذُ شَطْرِ مالِه، كسائِرِ العباداتِ
ثالثًا: أنَّه لا يُزادُ على أخذِ الحُقوقِ مِن الظَّالمِ كسائِرِ الحقوقِ
القول الثاني: أنَّ الزَّكاة تؤخَذُ منه، ويعزَّرُ بأخْذِ شَطْرِ مالِه، وهو قولُ الشافعيِّ في القديمِ، وهو قولٌ للحَنابِلَة، وبه قال الأوزاعيُّ وإسحاقُ بنُ راهَوَيه، واختاره ابنُ القيِّمِ، قال ابنُ القيِّم: (أمَّا تغريمُ المال- وهو العقوبةُ المالية- فشَرْعُها في مواضعَ: منها تحريقُ متاعِ الغالِّ مِنَ الغنيمةِ، ومنها حِرْمانُ سَهْمِه، ومنها إضعافُ الغُرمِ على سارِقِ الثِّمارِ المعلَّقة، ومنها إضعافُه على كاتمِ الضالَّة الملتَقَطة، ومنها أخذُ شَطْرِ مالِ مانِعِ الزَّكاة) ((إعلام الموقعين)) (2/129).، وابنُ عُثيمين، قال ابنُ عُثيمين: (الصحيح أنَّه يُعَزَّر بما ورد في حديثِ بَهْزِ بن حكيم عن أبيه عن جدِّه أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال فيمن مَنَعَها: ((إنَّا آخِذُوها وشَطْرَ مالِه؛ عَزْمةٌ من عَزَماتِ رَبِّنا))، ولا شكَّ أنَّ الشَّرْعَ إذا عيَّن نوعًا من العقوبة، ولو بالتعزيرِ؛ فهي خير ممَّا يفرِضُه السلطان، فنأخُذها وشَطْرَ ماله. وشطرُ المال أي: نصِفُه. ولكن: هل هو شطر مالِه عمومًا، أو شطرُ ماله الذي مَنَعَ منه زكاته؟ الجواب: في هذا قولان للعلماء: الأوَّل: أنَّنا نأخذ الزَّكاةَ ونصفَ ماله الذي مَنَعَ زكاتَه. الثاني: أنَّنا نأخذُ الزَّكاةَ ونصفَ مالِه كلِّه… فإذا كان محتملًا، فالظاهِرُ أنَّنا نأخذ بأيسَرِ الاحتمالينِ؛ لأنَّ ما زاد على الأيسَرِ فمشكوكٌ فيه، والأصلُ احترامُ مالِ المُسلمِ. ولكن إذا انهمك النَّاسُ وتمرَّدوا في ذلك ومنعوا الزَّكاةَ، ورأى وليُّ الأمرِ أن يأخُذَ بالاحتمال ِالآخَرِ، فيأخذ الزَّكاة ونِصْفَ المالِ كلِّه؛ فله ذلك)) ((الشرح الممتع)) (6 /200-201).، وبه أفتتِ اللَّجنة الدَّائمة، قالت اللَّجنة الدَّائمة: (إنَّ هَدْيَ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أخذُ الزَّكاة مِن مانِعِها بالقوَّة مع تعزيرِه على مَنْعِها؛ فقد صحَّ عنه صلَّى الله عليه وسلَّم من حديث بَهز بن حَكيم عن أبيه عن جدِّه، أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ((في كل سائمةِ إبلٍ؛ في كلِّ أربعين بنتُ لَبُونٍ، لا تُفرَّقُ إبِلٌ عن حِسَابها، من أعطاها مؤتَجِرًا بها فله أجْرُها، ومَن مَنَعَها فإنَّا آخِذُوها وشَطْرَ مالِه؛ عَزْمةٌ مِن عَزَماتِ رَبِّنا عزَّ وجلَّ، ليس لآلِ محمَّدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم منها شيءٌ)) رواه أحمد وأبو داود والنسائي) ((فتاوى اللَّجنة الدَّائمة – المجموعة الثانية)) (3 /163).
الدَّليل مِنَ السُّنَّة:
عن بَهْزِ بنِ حَكيم، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه كان يقول: ((في كلِّ سائمةٍ مِنَ الإبل، في كلِّ أربعينَ بنتُ لَبونٍ، لا تُفرَّقُ عَن حِسابِها، مَن أعطاها مُؤتَجِرًا فله أجْرُها، ومَن أباها فإنِّي آخِذُها وشَطْرَ مالِه؛ عَزْمةٌ مِن عَزَماتِ رَبِّنا، لا يحِلُّ لآلِ محمَّدٍ منها شيءٌ )) رواه أبو داود (1575)، والنسائي (5/15)، وأحمد (5/2) (20030)، والدارمي (1/486) (1677)، وابن خزيمة (4/18) (2266) صححه علي بن المديني وأحمد بن حنبل كما في ((تهذيب السنن)) (4/453)، وقال ابن معين كما في ((التلخيص الحبير)) (2/737):إسناده صحيح إذا كان من دون بهز ثقة، وقال ابن الملقن في ((خلاصة البدر المنير)) (1/296): لا أعلم له علة غير بهز والجمهور على توثيقه، وحسَّن إسنادَه ابن حجر في ((الكافي الشافي)) (221)، وصحح إسناده العيني في ((عمدة القاري)) (9/19)، وحسنه الألباني في ((صحيح سنن أبي داود)) (1575)
المسألة الثالثة: مانِعُ الزَّكاةِ الذي ليس في قبضةِ الإمام
مانعو الزَّكاةِ الذين ليسوا في قبضةِ الإمامِ يُقاتَلون حتى يؤدُّوها.
الأدلَّة:
أوَّلًا: مِنَ الكِتابِ
قوله تعالى: فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [التوبة: 5]
وَجهُ الدَّلالة:
أنَّ الآيةَ دَلَّتْ على تَرْكِ قتالِهم وتخلِيةِ سَبيلِهم بثلاثةِ شُروطٍ؛ وهي: الدُّخُولُ في الإسلامِ، وإقامُ الصَّلاةِ، وإيتاءُ الزَّكاةِ، وإلَّا جازَ قتالُهم
ثانيًا: من السُّنَّة
عن أبي هريرةَ رَضِيَ اللهُ عنه قال: ((لـمَّا تُوفِّيَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم واستُخلِفَ أبو بكرٍ، وكَفَر مَن كَفَر مِنَ العَرَبِ، قال عُمَرُ: يا أبا بكرٍ، كيف تُقاتِلُ النَّاسَ، وقد قال رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: أُمِرتُ أن أقاتِلَ النَّاسَ حتَّى يقولوا: لا إلهَ إلَّا اللهُ، فمَن قال: لا إلهَ إلَّا اللهُ، عَصَمَ منِّي مالَه ونفسَه إلَّا بحقِّه، وحسابُه على اللهِ؟ قال أبو بكرٍ: واللهِ لأقاتِلَنَّ مَن فرَّقَ بين الصَّلاةِ والزَّكاةِ؛ فإنَّ الزَّكاةَ حقُّ المالِ، واللهِ لو منعوني عَناقًا كانوا يؤدُّونَها إلى رسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم لقاتَلْتُهم على مَنْعِها. قال عُمَرُ: فواللهِ ما هو إلَّا أن رأيتُ أنْ قد شرَحَ اللهُ صَدْرَ أبي بكرٍ للقِتالِ، فعَرَفْتُ أنَّه الحَقُّ )) رواه البخاري (1399، 1400)، ومسلم (20).
ثالثًا: مِنَ الإجماعِ
نقَلَ إجماعَ الصَّحابةِ على قتالِ مانِعِي الزَّكاةِ حتى يؤدُّوها: ابنُ بطَّال، قال ابنُ بطَّال: (فرأى أبو بكر، رَضِيَ اللهُ عنه، قتالَ الجميع، ووافقه على ذلك جميعُ الصحابة بعد أن خالَفَه عُمَرُ في ذلك، ثم بان له صوابُ قَولِه، فرجع إليه). ((شرح صحيح البخاري)) (3/391).، وابنُ عَبدِ البَرِّ، قال ابنُ عَبدِ البَرِّ: (واتَّفق أبو بكرٍ وعُمَرُ وسائر الصحابة على قتالِهم حتى يؤدُّوا حَقَّ اللهِ في الزَّكاة كما يلزَمُهم ذلك في الصَّلاة). ((الاستذكار)) (3/214).، وابنُ قُدامةَ، قال ابنُ قدامة: (واتَّفق الصحابة رَضِيَ اللهُ عنهم على قتالِ مانعيها). ((المغني)) (2/427).، والنوويُّ، قال النووي: (وثبت في الصَّحيحينِ من رواية أبي هريرة أنَّ الصَّحابة رَضِيَ اللهُ عنهم اختلفوا أوَّلًا في قتال مانعي الزَّكاة، ورأى أبو بكرٍ رَضِيَ اللهُ عنه قتالَهم، واستدلَّ عليهم، فلمَّا ظهَرَتْ لهم الدَّلائلُ وافقوه، فصار قتالُهم مُجمَعًا عليه). ((المجموع)) (5/334).
——
قال بعض لجان الفتوى:
منع الزكاة بخلا بها وحرصا وجشعا من أكبر الكبائر وأقبح الجرائم، فقد روى البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع، له زبيبتان يطوقه يوم القيامة، ثم يأخذ بلهزمتيه -يعني شدقيه- ثم يقول: أنا مالك أنا كنزك” ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم الآية: (ولا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ولله ميراث السماوات والأرض والله بما تعملون خبير) [آل عمران:180]
هذا بالنسبة لعقوبته الأخروية. أما بالنسبة للعقوبة الدنيوية فهي أصناف كثيرة ومتنوعة منها: ما يسلطه الله تعالى على العبد مما لا دخل لغيره فيه، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “ما منع قوم الزكاة إلا ابتلاهم الله بالسنين -المجاعة والقحط-” رواه الطبراني في الأوسط ورواته ثقات، ومنها: “ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا” رواه ابن ماجه والبزار وغيرهما، ومنها العقوبة الشرعية التي يتولاها الحاكم أو نائبه، يقول الرسول صلى الله عليه عليه وسلم: “من أعطاها مؤتجرا فله أجره، ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله..” إلى آخر الحديث. رواه الإمام أحمد و النسائي و أبو داود . فالحديث يتضمن أن من غلب عليه الشح وحب الدنيا ومنع الزكاة لم يترك وشأنه، بل تؤخذ منه قهرا بسلطان الشرع مع أخذ نصف ما له تعزيرا وتأديبا، ولم يقف الإسلام عند عقوبة مانع الزكاة بالغرامة المالية أو بغيرها، من العقوبات التعزيزية، بل أوجب سل السيوف وإعلان الحرب على كل فئة ذات شوكة تتمرد على أداء الزكاة، ولم يبال في سبيل ذلك بقتل الأنفس، وإراقة الدماء التي جاء لصيانتها والمحافظة عليها، الأمر الذي يدل دلالة واضحة على أهمية أداء الزكاة وخطورة الامتناع منه، ولهذا فإنا نقول للسائل: على الدولة أن تأخذ من هذا الرجل حق الفقراء والمساكين جبرا عنه. وأما بالنسبة لما يفعله ورثة هذا المال الذي لم تؤد زكاته، فإنهم يخرجون منه ما ترتب فيه من الحقوق الزكوية، كسائر الديون، فهي مقدمة بعد مؤن تجهيز الميت، ثم بعد ذلك تخرج الوصية من ثلث الباقي إذا كانت ثمة وصية، ثم يقسم الباقي من المال على الورثة.
——
آثار منع الزكاة على الفرد والمجتمع
فلا شك أن منع الزكاة عن مستحقيها له ضرر على مانعها وعلى المجتمع أيضا، فأما الضرر على مانعها فإنه متوعد بالعذاب الأليم على منعها. قال تعالى: والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم.{التوبة: 34}.
وقال صلى الله عليه وسلم: ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي زكاتها إلا أحميت يوم القيامة، فجعلت صفائح من نار، فكوي بها جنبه وجبينه وظهره في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار. أخرجه مسلم.
وأما الأضرار التي تلحق المجتمع: فمنها أنهم يمنعون بسبب منع بعضهم الزكاة من إنزال المطر وانتشار الجوع كما في الحديث: ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا. رواه ابن ماجه وصححه الألباني.
وإذا لم يجد الفقراء حاجتهم من الزكاة أدى هذا إلى سخط الفقراء على الأغنياء واتساع دائرة الكراهة والشحناء بين المسلمين، وسادت الطبقية، وانتشرت الجريمة، وقل المعروف بين الناس، وترتب على ذلك كل مساوئ الفقر والفاقة.
/—–
الفتاوى :
حكم تارك الزكاة جحودًا أو بخلًا أو تهاونًا
س: ما حكم تارك الزكاة؟ وهل هناك فرق بين من تركها جحودًا أو بخلًا أو تهاونًا؟
ج: بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه، وبعد:
ففي حكم تارك الزكاة تفصيل، فإن كان تركها جحدًا لوجوبها مع توافر شروط وجوبها عليه كفر بذلك إجماعًا ولو زكى ما دام جاحدًا لوجوبها، أما إن تركها بخلًا أو تكاسلًا فإنه يعتبر بذلك فاسقًا قد ارتكب كبيرة عظيمة من كبائر الذنوب وهو تحت مشيئة الله إن مات على ذلك؛ لقول الله سبحانه: إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء [النساء:48].
وقد دل القرآن الكريم والسنة المطهرة المتواترة على أن تارك الزكاة يعذب يوم القيامة بأمواله التي ترك زكاتها، ثم يُرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار. وهذا الوعيد في حق من ليس جاحدًا لوجوبها. قال الله سبحانه في سورة التوبة: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ. يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ [التوبة:34-35].
ودلت الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ على ما دل عليه القرآن الكريم في حق من لم يزك الذهب والفضة، كما دلت على تعذيب من لم يزك ما عنده من بهيمة الأنعام الإبل والبقر والغنم وأنه يعذب بها نفسها يوم القيامة.
وحكم من ترك زكاة العملة الورقية وعروض التجارة حكم من ترك زكاة الذهب والفضة؛ لأنها حلَّت محلها وقامت مقامها.
أما الجاحدون لوجوب الزكاة فإن حكمهم حكم الكفرة ويحشرون معهم إلى النار وعذابهم مستمر أبد الآباد كسائر الكفرة؛ لقول الله في حقهم وأمثالهم في سورة البقرة: كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ [البقرة:167]، وقال في سورة المائدة: يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ [المائدة:37].
والأدلة في ذلك كثيرة من الكتاب والسنة[1].
نشر في كتاب (تحفة الإخوان) لسماحته ص 139، وفي كتاب (مجموعة فتاوى سماحة الشيخ) إعداد وتقديم د. عبدالله الطيار والشيخ أحمد الباز ج5 ص 107، وفي نشرة رابطة العالم الإسلامي بتاريخ 13- 19 رجب عام 1419هـ، وفي جريدة (الندوة) العدد (12225) في 25/9/1419هـ. (مجموع فتاوى ومقالات ابن باز 14/226).
قال الإتيوبي:
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان تغليظ العقوبة في منع الزكاة
(ومنها): أن من كان أكثر الناس مالاً، ثم لم يَقُم بحقّه من أداء الزكاة، وغيره، يعاقب بالعقاب المذكور، وهو أن يكون جنسُ ذلك المال عذابا يعذّب به
(ومنها): الحثّ على الصدقة في وجوه الخير، وأنه لا يقتصر على نوع من وجوه البرّ، بل ينفق في كلّ وجه من وجوه الخير
(ومنها): أن بعض العصاة يُعذّب عذابًا خاصًا في عرصات القيامة قبل فصل القضاء
(ومنها): أن البعث في القيامة لا يخصّ العقلاء، بل يعم سائر الحيوانات. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
[ذخيرة العقبى في شرح المجتبى 22/ 7]