611 – فتح الاحد الصمد شرح الصحيح المسند
قال الشيخ مقبل رحمه الله:
611 – قال الإمام أحمد رحمه الله (2063): حَدَّثَنَا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي الْجَهْمِ بْنِ صُخَيْرٍ عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عبد الله بن عُتْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الْخَوْفِ بِذِي قَرَدٍ أَرْضٌ مِنْ أَرْضِ بَنِي سُلَيْمٍ فَصَفَّ النَّاسُ خَلْفَهُ صَفَّيْنِ صَفٌّ موَازِي الْعَدُوَّ وَصَفٌّ خَلْفَهُ فَصَلَّى بِالصَّفِّ الَّذِي يَلِيهِ رَكْعَةً ثُمَّ نَكَصَ هَؤُلَاءِ إِلَى مَصَافِّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ إِلَى مَصَافِّ هَؤُلَاءِ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً أُخْرَى.
هذا حديث صحيحٌ على شرط مسلم، أصله في البخاري (ج 2 ص 433) مع “الفتح”.
وأخرجه النسائي.
—–
جاء في البخاري:
4125 – وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ : أَخْبَرَنَا عِمْرَانُ الْعَطَّارُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما: «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صَلَّى بِأَصْحَابِهِ فِي الْخَوْفِ فِي غَزْوَةِ السَّابِعَةِ، غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ» قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: صَلَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْخَوْفَ بِذِي قَرَدٍ 4126 – وَقَالَ بَكْرُ بْنُ سَوَادَةَ: حَدَّثَنِي زِيَادُ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى: أَنَّ جَابِرًا حَدَّثَهُمْ: صَلَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِهِمْ يَوْمَ مُحَارِبٍ وَثَعْلَبَةَ
4127 – وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: سَمِعْتُ وَهْبَ بْنَ كَيْسَانَ: سَمِعْتُ جَابِرًا: خَرَجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إِلَى ذَاتِ الرِّقَاعِ مِنْ نَخْلٍ، فَلَقِيَ جَمْعًا مِنْ غَطَفَانَ، فَلَمْ يَكُنْ قِتَالٌ، وَأَخَافَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَصَلَّى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم رَكْعَتَيِ الْخَوْفِ. وَقَالَ يَزِيدُ، عَنْ سَلَمَةَ: غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ الْقَرَدِ.
وإليك الروايات التي اختصرها القرطبي :
قال القرطبي:
(32) باب غزوة ذات الرقاع
وهي غزوة محارب خَصفة من بني ثعلبة بن غطفان، فنزل نخلًا، وهي بعد خيبر؛ لأن أبا موسى جاء بعد خيبر.
1787 – عن أبي موسى: أن جابرًا حدثهم: صلى النبي صلى الله عليه وسلم لهم يوم محارب وثعلبة.
1879 – وقال ابن عباس: صلى النبي صلى الله عليه وسلم الخوف بذي قَرَد.
1880 – وعن أبي موسى قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاةٍ ونحن ستة نفر، بيننا بعير نَعْتَقِبُه، فنَقِبَتْ أقدامُنا، ونقَبَتْ قدماي، وسقطت أظفاري، فكنا نلُفُّ على أرجلنا الخِرَقَ، فسميت غزوة ذات الرقاع.
وفي رواية : غزوة نجد: لما كنا نعصب من الخِرَق على أرجلنا.
وحدَّثَ أَبو موسى بهذا ثم كره ذلك. قال فقال : ما كنت أصنع أن أذكره، كأنه كره أن يكون شيء من عمله أفشاه.
1881 – وعن جابر قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم بذات الرقاع، فإذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها للنبي صلى الله عليه وسلم، فجاء رجل من المشركين وسيف النبي صلى الله عليه وسلم معلّق بالشجرة، فاخترطه فقال : تخافني؟ قال : “لا” قال: فمن يمنعك مني؟ قال: “اللَّه” فتهدَّده أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وأقيمت الصلاة، (فصلى بطائفة ركعتين ثم تأخر، فصلى بالطائفة الأولى ركعتين، وكان للنبي صلى الله عليه وسلم أربع ركعات، وللقوم ركعتين)
وقال أَبو بشر: اسم الرجل غورث بن الحارث.
[اختصار صحيح البخاري وبيان غريبه 3/ 334]
بوب البخاري:
29 – بَاب: غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ.
بوب عليه البيهقي في معرفة السنن والآثار:
كَيْفَ صَلَاةُ الْخَوْفِ إِذَا كَانَ الْعَدُوُّ مِنْ غَيْرِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ، أَوْ جَهَتِهَا غَيْرَ مَأْمُونِينَ
بوب عليه مقبل في الجامع:
210 – بعض كيفيات صلاة الخوف
90 – غزوة ذي قَرَد
116 – قوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ}
قال ابن بطال:
حديث ابن عباس هذا إذا كان العدو فى القبلة من المسلمين، فإنه يجعل الناس صفين خلفه، فيركع بالصف الذى يليه ويسجد معه، والصف الثانى قائمون يحرسون، فإذا قام من سجوده إلى الركعة الثانية تقدم الصف الثانى وتأخر الأولون، فركع النبى بهم وسجد، والصف الثانى يحرسونهم، وهم كلهم فى صلاة، وقد روى هذا الحديث سفيان، عن أبى بكر بن أبى الجهم، عن عبيد الله، عن ابن عباس: (أن الرسول صلى بهم صلاة الخوف بذى قرد، والمشركون بينه وبين القبلة) ، وقد روى نحوه عن أبى عياش الزرقى، وجابر بن عبد الله، عن النبى، عليه السلام، وبه قال ابن عباس: إذا كان العدو فى القبلة أن يصلى على هذه الصفة، وهو مذهب ابن أبى ليلى، وحكى ابن القصار عن الشافعى نحوه. وقال الطحاوى: ذهب أبو يوسف إلى أن العدو إذا كان فى القبلة فالصلاة هكذا، وإن كانوا فى غير القبلة، فالصلاة كما روى ابن عمر وغيره، قال: وبهذا تتفق الأحاديث، قال: وليس هذا بخلاف للتنزيل؛ لأنه قد يجوز أن يكون قوله تعالى: (ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك) [النساء: 102] ، إذا كان العدو فى غير القبلة، ثم أوحى إليه بعد ذلك كيف حكم الصلاة إذا كانوا فى القبلة، ففعل الفعلين جميعًا كما جاء الخبران. وترك مالك، وأبو حنيفة العمل بهذا الحديث لمخالفته لكتاب الله وهو قوله: (ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك) [النساء: 102] ، والقرآن يدل على ما جاءت به الروايات فى صلاة الخوف عن ابن عمر وغيره، من دخول الطائفة الثانية فى الركعة الثانية ولم يكونوا صلوا قبل ذلك. وقال أشهب وسحنون: إذا كان العدو فى القبلة لا أحب أن يصلى بالجيش أجمع؛ لأنه يتعرض أن يفتنه العدو ويشغلوه، ويصلى بطائفتين سنة صلاة الخوف.
[شرح صحيح البخاري لابن بطال 2/ 539]
قال ابن رجب:
… وقد ذهب كثير من العلماء إلى استحباب صلاة الخوف على ما صلى النبي صلى الله عليه وسلم بذات الرقاع في هذا الحديث.
قال القاسم بن محمد: ما سمعت في صلاة الخوف أحب إلي منه.
وبه يقول مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور وداود والثوري – في رواية – وحكاه إسحاق عن أهل المدينة وأهل الحجاز، وهو قول عبد الرحمن بن مهدي، وحكاه الترمذي، عن إسحاق.
وصرح إسحاق في رواية ابن منصور على أنه يجوز العمل به، ولا يختاره على غيره من الوجوه. إلاّ أنهم اختلفوا: هل تقضي الطائفة الركعة الثانية قبل سلام الإمام، أو بعده؟
فعند الشافعي وأحمد وداود: تقضي قبل سلام الإمام، ثُمَّ يسلم بهم وهو رواية عن مالك، ثُمَّ رجع عنها، وقال: إنما يقضون بعد سلام الإمام، وهو قول أبي ثور وأبي بكر عبد العزيز بن جعفر من أصحابنا، ذكره في كتابه ((الشافي)) .
ونص أحمد على أن هذه الصلاة تصلى وأن كان العدو في جهة القبلة. وقال القاضي أبو يعلى: إنما تصلى إذا كان العدو في غير جهة القبلة، وكذلك حمل بعض أصحاب سفيان قوله على ذلك.
قال بعض أصحابنا: نص أحمد محمول على ما إذا لم يمكن صلاة عسفان لاستتار العدو، وقول القاضي محمول على ما إذا أمكن أن يصلوا صلاة عسفان لظهور العدو.
وكذا قال أصحاب الشافعي، لكنهم جعلوا ذلك شرطا لاستحباب صلاة ذات الرقاع، لا لجوازها.
قال البخاري:
((وقال أبو هريرة: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة نجد صلاة الخوف)) وهذا الحديث خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي من رواية حيوة وابن لهيعة – إلا أن النسائي كنى عنه برجل آخر – كلاهما، عن أبي الاسود، أنه سمع عروة بن الزبير
يحدث، عن مروان بن الحكم، أنه سأل أبا هريرة: هل صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف؟ قالَ أبو هريرة: نعم. قالَ مروان: متى؟ قالَ أبو هريرة: عام غزوة
نجد، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صلاة العصر، فقامت طائفة معه، وطائفة أخرى مقابل العدو، وظهورهم إلى الكعبة، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فكبروا جميعا: الذين معه والذين مقابلو العدو، ثُمَّ ركع رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعة واحدة، وركعت الطائفة الذين معه، ثُمَّ سجد فسجدت الطائفة التي تليه، والآخرون قيام مقابل العدو، ثُمَّ قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقامت الطائفة التي معه، فذهبوا إلى العدو فقابلوه، واقبلت الطائفة التي كانت مقابل العدو فركعوا وسجدوا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم كما هوَ، ثُمَّ قاموا فركع رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعة أخرى وركعوا معه، وسجد وسجدوا معه، ثُمَّ أقبلت الطائفة التي كانت مقابل العدو، فركعوا وسجدوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد، ومن كان معه، ثم كان السلام، فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلموا جميعا، فكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتان، ولكل رجل من الطائفتين ركعة ركعة.
واللفظ لأبي داود.
ولفظ النسائي: فكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتان، ولكل رجل من الطائفتين ركعتان ركعتان. فتحمل – حينئذ – رواية أبي داود على أنه كان لكل واحد من الطائفتين ركعة مع النبي صلى الله عليه وسلم والركعة الأخرى هو صلاها لنفسه، وعلى مثل ذلك تحمل كثير من أحاديث صلاة الركعة في الخوف.
ورواية ابن إسحاق، عن أبي الاسود، عن عروة أنه سمع أبا هريرة ومروان بن الحكم يسأله – فذكر الحديث بمعناه.
خرجه ابن خزيمة وابن حبان في ((صحيحيهما)) .
ورواية من روى عن عروة، عن مروان، عن أبي هريرة أشبه بالصواب -: قاله الدارقطني.
ونقل الترمذي في ((علله)) عن البخاري، أنه قال: حديث عروة، عن أبي
هريرة، حسن.
وقد روي هذا الحديث عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة، عن أبي هريرة.
خرجه الأثرم.
وليس في حديثه: أن الطائفتين كبَرت مع النبي صلى الله عليه وسلم في أول صلاته.
وروي عن ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر، عن عروة، عن عائشة.
خرجه أبو داود.
ولفظ حديثه: قالت: كبَر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكبرت الطائفة الذين صفوا معه، ثم ركع فركعوا، ثم سجد فسجدوا، ثم رفع فرفعوا، ثم مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا، ثم سجدوا هم لأنفسهم الثانية، ثم قاموا فنكصوا على أعقابهم يمشون القهقري حتى قاموا من ورائهم، وجاءت الطائف [الأخرى فقاموا] فكبروا، ثُمَّ ركعوا لأنفسهم، ثم سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فسجدوا معه، ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم سجدوا لأنفسهم الثانية، ثم قامت الطائفتان جميعا فصلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم فركع فركعوا، ثم سجد فسجدوا جميعا، ثم عاد فسجد الثانية فسجدوا معه سريعا كأسرع الإسراع جاهدا، لا يألون إسراعا، ثم سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلموا، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد شاركه الناس في الصلاة كلها.
فقد اضطرب ابن إسحاق في لفظ الحديث وإسناده.
وقد رواه هشام بن عروة، عن أبيه – مرسلا -، بنحو حديث أبي عياش الزرقي.
ذكره أبو داود – تعليقا.
وقد أجاز الإمام أحمد وإسحاق وأبو خيثمة وابن أبي شيبة وابن جرير وجماعة من الشافعية صلاة الخوف على كل وجه صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإن رجحوا بعض الوجوه على بعض.
وأما صلاة الخوف ركعة، فيأتي الكلام عليه فيما بعد – إن شاء الله سبحانه وتعالى.
وظاهر كلام البخاري: أنه يجوز.
وقد نقل الترمذي عنه في ((العلل)) ، أنه قال: كل الروايات في صلاة الخوف عندي صحيح، وكل يستعمل، وإنما هو على قدر الخوف، إلا حديث مجاهد، عن أبي عياش، فإني أراه مرسلا.
وهذا يدل على أنه يستعمل كل وجه من وجوه صلاة الخوف على قدر ما تقتضيه حال الخوف، ويكون ذلك الوجه أصلح له.
وروي نحو ذلك عن سليمان بن داود الهاشمي، وحكي عن إسحاق – أيضا -، وقاله بعض أصحابنا.
[فتح الباري لابن رجب 8/ 384]
قال ابن حجر:
قوله: (وقال ابن عباس: صلى النبي صلى الله عليه وسلم يعني صلاة الخوف – بذي قرد) بفتح القاف والراء هو موضع على نحو يوم من المدينة مما يلي بلاد غطفان، وحديث ابن عباس هذا وصله النسائي، والطبراني من طريق أبي بكر بن أبي الجهم، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بذي قرد صلاة الخوف مثل صلاة حذيفة وأخرجه أحمد، وإسحاق من هذا الوجه بلفظ فصف الناس خلفه صفين: صف موازي العدو وصف خلفه. فصلى بالذي يليه ركعة ثم ذهبوا إلى مصاف الآخرين، وجاء الآخرون فصلى بهم ركعة أخرى انتهى. وقد تقدم حديث ابن عباس في باب صلاة الخوف من طريق الزهري، عن عبيد الله به نحو هذا، لكن ليس فيه بذي قرد وزاد فيه: والناس كلهم في صلاة، ولكن يحرس بعضهم بعضا وحمله الجمهور على أن العدو كانوا في جهة القبلة كما سيأتي بعد قليل.
وهذه الصفة تخالف الصفة التي وصفها جابر، فيظهر أنهما قصتان، لكن البخاري أراد من إيراد حديث ابن عباس وحديث سلمة بن الأكوع الموافق له في تسميته الغزوة الإشارة أيضا إلى أن غزوة ذات الرقاع كانت بعد خيبر؛ لأن في حديث سلمة التنصيص على أنها كانت بعد الحديبية، وخيبر كانت قرب الحديبية، لكن يعكر عليه اختلاف السبب والقصد، فإن سبب غزوة ذات الرقاع ما قيل لهم إن محارب يجمعون لهم فخرجوا إليهم إلى بلاد غطفان، وسبب غزوة القرد إغارة عبد الرحمن بن عيينة على لقاح المدينة فخرجوا في آثارهم، ودل حديث سلمة على أنه بعد أن هزمهم وحده واستنقذ اللقاح منهم أن المسلمين لم يصلوا في تلك الخرجة إلى بلاد غطفان فافترقا، وأما الاختلاف في كيفية صلاة الخوف بمجرده فلا يدل على التغاير لاحتمال أن تكون وقعت في الغزوة الواحدة على كيفيتين في صلاتين في يومين بل في يوم واحد.
قوله: (وقال بكر بن سوادة: حدثني زياد بن نافع، عن أبي موسى أن جابرا حدثهم قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم محارب وثعلبة) أما بكر بن سوادة فهو الجذامي المصري يكنى أبا يمامة، وكان أحد الفقهاء بمصر، وأرسله عمر بن عبد العزيز إلى أهل إفريقية ليفقههم فمات بها سنة ثمان وعشرين ومائة. وثقه ابن معين، والنسائي، وليس له في البخاري سوى هذا الموضع المعلق، وقد وصله سعيد بن منصور، والطبري من طريقه بهذا الإسناد. وأما زياد بن نافع فهو التجيبي المصري تابعي صغير، وليس له أيضا في البخاري سوى هذا الموضع، وأما أبو موسى فيقال: إنه علي بن رباح، وهو تابعي معروف أخرج له مسلم، ويقال: هو الغافقي واسمه مالك بن عبادة وهو صحابي معروف أيضا ويقال: إنه مصري لا يعرف اسمه، وليس له في البخاري أيضا إلا هذا الموضع. وقوله: يوم محارب وثعلبة يؤيد ما وقع من الوهم في أول الترجمة.
قوله: (وقال ابن إسحاق: سمعت وهب بن كيسان، سمعت جابرا قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذات الرقاع من نخل فلقي جمعا من غطفان إلخ) لم أر هذا الذي ساقه عن ابن إسحاق هكذا في شيء من كتب المغازي ولا غيرها، والذي في السيرة تهذيب ابن هشام قال ابن إسحاق: حدثني وهب بن كيسان عن جابر بن عبد الله قال: خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى غزوة ذات الرقاع من نخل على جمل لي صعب فساق قصة الجمل. وكذلك أخرجه أحمد من طريق إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق، وقال ابن إسحاق قبل ذلك: وغزا نجدا يريد بني محارب وبني ثعلبة من غطفان حتى نزل نخلا وهي غزوة ذات الرقاع فلقي بها جمعا من غطفان، فتقارب الناس ولم يكن بينهم حرب، وقد أخاف الناس بعضهم بعضا، حتى صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس صلاة الخوف ثم انصرف الناس وهذا القدر هو الذي ذكره البخاري تعليقا مدرجا بطريق وهب بن كيسان، عن جابر، وليس هو عند ابن إسحاق، عن وهب كما أوضحته إلا أن يكون البخاري اطلع على ذلك من وجه آخر لم نقف عليه، أو وقع في النسخة تقديم وتأخير فظنه موصولا بالخبر المسند، فالله أعلم. ولم أر من نبه على ذلك في هذا الموضع.
ونخل بالخاء المعجمة كما تقدم: موضع من نجد من أراضي غطفان، قال أبو عبيد البكري: لا يصرف وغفل من قال: إن المراد نخل بالمدينة، واستدل به على مشروعية صلاة الخوف في الحضر، وليس كما قال. وصلاة الخوف في الحضر قال بها الشافعي والجمهور إذا حصل الخوف، وعن مالك تختص بالسفر، والحجة للجمهور قوله تعالى: {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة} فلم يقيد ذلك بالسفر، والله أعلم.
قوله: (وقال يزيد، عن سلمة: غزوت مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم القرد) أما يزيد فهو ابن أبي عبيد، وأما سلمة فهو ابن الأكوع، وسيأتي حديثه هذا موصولا قبل غزوة خيبر، وترجم له المصنف غزوة ذي قرد وهي الغزوة التي أغاروا فيها على لقاح النبي صلى الله عليه وسلم ثم ساقه مطولا، وليس فيه لصلاة الخوف ذكر، وإنما ذكره هنا من أجل حديث ابن عباس المذكور قبل أنه صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الخوف بذي قرد، ولا يلزم من ذكر ذي قرد في الحديثين أن تتحد القصة، كما لا يلزم من كونه صلى الله عليه وسلم صلى الخوف في مكان أن لا يكون صلاها في مكان آخر، قال البيهقي: الذي لا نشك فيه أن غزوة ذي قرد كانت بعد الحديبية وخيبر، وحديث سلمة بن الأكوع مصرح بذلك، وأما غزوة ذات الرقاع فمختلف فيها، فظهر تغاير القصتين كما حررته واضحا.
[فتح الباري لابن حجر 7/ 420 ط السلفية]