609 – فتح الملك بنفحات المسك شرح صحيح البخاري
مجموعة أبي صالح حازم وأحمد بن علي وأحمد بن خالد وعمر الشبلي وعدنان البلوشي وأسامة
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة.
مراجعة سيف بن غدير النعيمي
وعبدالله البلوشي أبي عيسى
بإشراف سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وأن يبارك في ذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
قال البخاري في كتاب الأذان من صحيحه:
5 – بَابُ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالنِّدَاءِ. وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: أَذِّنْ أَذَانًا سَمْحًا وَإِلَّا فَاعْتَزِلْنَا.
609 – حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ الْأَنْصَارِيِّ، ثُمَّ الْمَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ: أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ قَالَ لَهُ: «إِنِّي أَرَاكَ تُحِبُّ الْغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ، فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ، أَوْ بَادِيَتِكَ، فَأَذَّنْتَ بِالصَّلَاةِ فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ، فَإِنَّهُ: لَا يَسْمَعُ مَدَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ، جِنٌّ وَلَا إِنْسٌ وَلَا شَيْءٌ، إِلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.» قَالَ أَبُو سَعِيدٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-.
————————
من فوائد الباب:
1- قوله: (باب رفع الصوت بالنداء) أي استحبابه لقوله في الحديث الموصول (فارفع صوتك بالنداء)، وترجم عليه النسائي فقال: “باب الثواب على رفع الصوت بالأذان”.
وقال ابن المنذر في الأوسط: “ذكر الترغيب في رفع الصوت بالاذان”.
أما ابن ماجه فقال مترجما عليه: “بَاب فَضْل الْأَذَانِ وَثَوَاب الْمُؤَذِّنِينَ”.
2- قال بدر الدين العيني كما في عمدة القارئ: “حديث الباب يدل على أن المراد ثواب رفع المؤذن صوته؛ فيكون تقدير كلامه: باب في بيان ثواب رفع المؤذن صوته عند الأذان”.
3- قوله: (وقال عمر بن عبد العزيز: أذن أذانا سمحا وإلا فاعتزلنا) عن عمر بن سعيد بن أبي حسين المكي، أن مؤذنا أذن فطرب في أذانه، فقال له عمر بن عبد العزيز: «أذن أذانا سمحا وإلا فاعتزلنا». أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 2390 قال نا وكيع، عن سفيان، عن عمر بن سعيد به وترجم عليه فقال: “التطريب في الأذان”. وورد نحو أثر عمر بن عبد العزيز عن ابن عباس مرفوعا. أخرجه ابن حبان في المجروحين 60 والدارقطني في سننه 917و 1877 وأورده الألباني في السلسلة الضعيفة 2184 وقال: ضعيف جدا.
4- قوله: (سمحاً) أي سهلاً بلا نغمات وتطريب و(فاعتزلنا) أي فاترك منصب الأذان. قاله الكرماني في الكواكب الدراري.
5- إنما نهاه عن التطريب فى أذانه والخروج عن الخشوع. قاله ابن بطال في شرح صحيح البخاري.
6- يفهم من ذلك أن البخاري يستحب رفع الصوت بالأذان من غير تطريب.
7- فيه حث على استفراغ الجهد في رفع الصوت بالأذان. قاله الكرماني في الكواكب الدراري.
8- عن الأعمش، عن إبراهيم، قال: الأذان جزم. أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 2392 قال: حدثنا وكيع ، عن الأعمش به أي من غير تطريب وإنما بحزم.
تنبيه: في بعض النسخ: ( الأذان حزم).
وفي تصحيفات المحدثين:
وَالْحَدْرُ فِي الإِقَامَةِ قَطْعُ التَّطْوِيلِ وَأَصْلُهُ الإِسْرَاعُ فِي الْمَشْيِ
وَالْخَذْمُ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ الْقَطْعُ
وَقَدْ يَكُونُ الْحَذْمُ الْقَطْعَ أَيْضا
يُقَال خَذَمْتُهُ وَحَذَمْتُهُ وَجَذَمْتُهُ وَجَرَمْتُهُ بِمَعْنَى قَطَعْتُهُ
وَجَزَمْتُهُ بِالزَّايِ أَيْضًا قَطَعْتُهُ
وَفِي حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ الْقِرَاءَةُ جَزْمٌ وَالتَّكْبِيرُ جَزْمٌ وَالتَّسْلِيمُ جَزْمٌ
*ثَلاثَتُهَا بِالْجِيمِ وَالزَّايِ الْمُعْجَمَةِ*
*أَي: لَا يَمُدُّ الْمَدَّ الْمُفْرِطَ*
وَيَجْزِمُ أَيْ يَقْطَعُ
وَفِي خَبَرٍ آخَرَ *الأَذَانُ جَزْمٌ*.
[تصحيفات المحدثين ١/١١١/ ١١٢ — العسكري].
9- عن حماد عن يحيي البكاء: أن ابن أبي محذورة قال لعبد الله بن عمر: يا أبا عبد الرحمن إني أحبك في الله. فقال له ابن عمر: وأنا أبغضك في الله. قال: سبحان الله أحبك في الله وتبغضني في الله. فقال ابن عمر: إنك تأخذ على أذانك أجرا. أخرجه ابن المنذر في الأوسط 3/63 قال: حدثنا علي بن عبد العزيز قال ثنا حجاج قال ثنا حماد به، تابعه جعفر بن سليمان قال: سمعت يحيى البكاء يقول: رأيت ابن عمر يسعى بين الصفا والمروة ومعه ناس فجاءه رجل طويل اللحية. فقال: يا أبا عبد الرحمن، إني لأحبك في الله، فقال ابن عمر: «لكني أبغضك في الله»، فكأن أصحاب ابن عمر لاموه وكلموه، فقال: «إنه يبغي في أذانه، ويأخذ عنه أجرا». أخرجه عبد الرزاق في المصنف 1852 فيه يحيى البكاء قال الحافظ ابن حجر في تقريب التهذيب: “ضعيف”. قال ابن الأثير في النهاية في الحديث والأثر في قوله: “يبغي في أذانه”، :”أَرَادَ التَّطْرِيب فِيهِ والتَمدِيد، مِنْ تَجاوُز الْحَدّ”.
10- حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-. أخرجه البخاري والنسائي وابن ماجه.
11- قوله: (عن أبيه) زاد ابن ماجه723 من طريق سفيان بن عيينة: “وَكَانَ أَبُوهُ فِي حِجْرِ أَبِي سَعِيدٍ الخدري”. وزاد ابن خزيمة 389 من طريق سفيان أيضا: “وكان يتيما في حجر أبي سعيد، وكانت أمه عند أبي سعيد”.
12- قوله: (إني أراك تحب الغنم والبادية). وعند عبد الرزاق 1865 من طريق سفيان بن عيينة في أوله: “أي بني”.
13- قوله: ( فارفع صوتك بالنداء). وعند ابن ماجه 723 والإمام أحمد في مسنده 11031 من طريق سفيان بن عيينة: “فارفع صوتك بالأذان”.
14- قوله: (جن ولا إنس) زاد ابن ماجه 723 وعبد الرزاق في المصنف 1865 كلاهما من طريق ابن عيينة: “وَلَا شَجَرٌ وَلَا حَجَر”.
15- فيه باب ذكر الجن وثوابهم وعقابهم. قاله البخاري.
16- فيه أن الجن يسمعون أصوات بني آدم. قاله ابن الملقن في التوضيح.
17- فيه باب قول النبي -صلى الله عليه وسلم- الماهر بالقرآن مع الكرام البررة وزينوا القرآن بأصواتكم. قاله البخاري.
18- فيه باب فضل الأذان، ورفع الصوت به، وشهادة من يسمعه من حجر ومدر، وشجر وجن وإنس للمؤذن. قاله ابن خزيمة في صحيحه.
19- فيه ذكر الترغيب في رفع الصوت بالأذان. قاله ابن المنذر في الأوسط.
20- وقال ابن المنذر أيضا: “أحببت الأذان والإقامة للمصلي وحده لحديث أبي سعيد الخدري….. وقد أمر النبي مالك بن الحويرث وابن عمه بالأذان ولا جماعة معها لأذانهما”.
21- عن أبي يحيى عن أبي هريرة عن النبيِّ – صلى الله عليه وسلم – قال: “المُؤذنُ يُغفَرُ له مَدى صوته، ويَشهَدُ له كل رَطْبٍ ويابس، وشاهدُ الصلاةِ يكتَبُ له خمسٌ وعشرون صلاةً، ويكفَّرُ عنه ما بينهما”. رواه أبو داود 515 والنسائي 645 وابن ماجه 724وأبو داود الطيالسي في مسنده 2665 والإمام أحمد في مسنده 724 والبزار في مسنده 9702 وابن خزيمة في صحيحه 390 وابن حبان في صحيحه 1666 من طريق شعبة عن موسى بن أبي عثمان عن أبي يحيى به وصححه الألباني، فيه موسى بن أبي عثمان أورده البخاري في التاريخ الكبير 1238 وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل “، وقال: “روى عنه الثوري ومالك بْن مغول وشُعْبَة…. وكَانَ مؤذنا ونعم الشيخ كَانَ سَمِعَ إِبْرَاهِيم”. قال ابن خزيمة في قوله: “ويكفر عنه ما بينهما”. قال: “يريد ما بين الصلاتين”.
وقال ابن حبان: “أبو يحيى هذا: اسمه سمعان مولى أسلم من أهل المدينة والد أنيس ومحمد ابني أبي يحيى الأسلمي من جلة التابعين، وابن ابنه إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى: تالف في الروايات، وموسى بن أبي عثمان: من سادات أهل الكوفة وعبادهم واسم أبيه عمران”. انتهى ولم يرتض العلامة الألباني من ابن حبان ذلك في أبي يحيى حيث قد ورد التصريح بنسبه في رواية عند الإمام أحمد 9542 قال: “حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة، قال: حدثني موسى بن أبي عثمان، قال: حدثني أبو يحيى، مولى جعدة، قال: سمعت أبا هريرة،فذكره.
وأبو يحيى مولى آل جعدة روى عنه الأعمش وموسى بن أبي عثمان روى له مسلم ونقل ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل 2342 عن يحيى بن معين أنه قال: “ثقة”.
22- وعند أبي داود الطيالسي 2665: “عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ شُعْبَةُ: وَكَانَ يُؤَذِّنُ عَلَى أَطْوَلِ مَنَارَةٍ بِالْكُوفَةِ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو يَحْيَى وَأَنَا أَطُوفُ مَعَهُ، يَعْنِي حَوْلَ الْبَيْتِ…” أي أن موسى بن أبي عثمان ابتغى الأجر الموصوف في الحديث.
23- ترجم عليه ابن حبان؛ فقال: “ذكر مغفرة الله -جل وعلا- للمؤذن مدى صوته بأذانه”.
24- تابعه عباد بن أنيس عن أبي هريرة نحوه. أخرجه عبد الرزاق في مصنفه 1863 ومن طريقه الإمام أحمد في مسنده 7611 وابن راهويه في مسنده 152 وعبد بن حميد كما في المنتخب منه 1437، وعباد هذا ذكره ابن حبان في ثقاته 4264 وقال: “من أهل المدينة”.
25- عن ابن عمر قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “يغفر الله للمؤذن مد صوته، ويشهد له كل رطب ويابس سمع صوته”. أخرجه الإمام أحمد في مسنده 6201 من طريق عمار بن رزيق، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عمر به.
تابعه إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ عَنْ سُلَيْمَانَ الأَعْمَشِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: الْمُؤَذِّنُ يُغْفَرُ لَهُ مَدَّ صَوْتِهِ وَيُصَدِّقُهُ كل رطب ويابس. أخرجه السراج في مسنده 74 تابعه وكيع، عن الأعمش، عن مجاهد قوله الشطر الثاني أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 2365 وقد أورده الدارقطني في العلل 1544، ورجح كونه عن مجاهد مرسلا، وفي العلل 3115 رجح الموقوف على ابن عمر أيضا. انتهى ومثله لا يقال بالرأي.
26- عن أبي هريرة، قال: «ارفع صوتك بالأذان، فإنه يشهد لك كل شيء سمعك». أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف 2364 قال نا وكيع، قال: نا أبو العميس سعيد بن كثير، عن أبيه، عن أبي هريرة به.
27- عن البراء بن عازب: أن نبي الله -صلى الله عليه وسلم- قال: إن الله وملائكته يصلون على الصف المقدم، والمؤذن يغفر له بمد صوته، ويصدقه من سمعه من رطب ويابس وله مثل أجر من صلى معه. رواه النسائي 646 من طريق قتادة عن أبي إسحاق الكوفي عن البراء بن عازب به وصححه الألباني ، وأورده الشيخ مقبل في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 134.
28- قال البيهقي كما في السنن الكبرى عقب الحديث 2007: “قال الشافعي: والترغيب في رفع الصوت يدل على ترتيل الأذان”.
29- وقال الإمام البغوي في شرح السنة عقب الحديث 410: “والعمل على هذا عند أهل العلم، يستحبون رفع الصوت بالأذان ما أمكنه ما لم يجهده، ليكثر شهداءه. ويستحب أن يؤذن على مكان مرتفع، ليكون أبعد لذهاب صوته، فإن بلالا كان يؤذن على بيت امرأة من بني النجار بيتها أطول بيت حول المسجد. وفيه دليل على أن المستحب للمنفرد إذا أراد أداء فرض الوقت أن يؤذن ويقيم”.
30- فيه: أن الأذان للمنفرد مرغب فيه مندوب إليه. قاله ابن بطال في شرح صحيح البخاري.
31- “قال المهلب: وفيه فضل الإعلان بالسنن وإظهار أمور الدين، وإنما أمره برفع صوته بالنداء ليسمعه من بعد منه فيكثر الشهداء له يوم القيامة”. نقله ابن بطال في شرح صحيح البخاري.
32- في الحديث من الفوائد: “أن الشغل بالبادية واتخاذ الغنم من فعل السلف الصالح”. قاله ابن بطال في شرح صحيح البخاري.
33- “لقد جاء أن الاعتزال للناس عند تغير الزمان وفساد الأحوال مرغب فيه”. قاله ابن بطال في شرح صحيح البخاري.
34- “وقد اختلف فى قوله -عليه السلام-: (ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة). فقالت طائفة: الحديث على العموم في كل شيء، وجعلوا الجمادات وغيرها سامعة وداخلة في معنى هذا الحديث. وقالت طائفة: لا يراد بالحديث إلا من يجوز سماعه من الجن والإنس والملائكة وسائر الحيوان، قالوا: والدليل على ذلك أنه لم يذكر إلا الجن والإنس. ثم قال: (ولا شيء)، يريد من صنف الحيوان السامع والملائكة والحشرات والدواب. ولا يمتنع أن الله -تعالى- يقدر يسمع الجمادات، لكنا لا نقول ذلك مع جوازه إلا بخبر لا يحتمل التأويل، وليس في هذا الحديث ما يقطع به على هذا المعنى”. قاله ابن بطال في شرح صحيح البخاري. قلت: وقد سبق وذكرنا الزيادة عند ابن ماجه 723: “وَلَا شَجَرٌ وَلَا حَجَر”.
35- عن قيس بن أبي حازم قال: قال عمر: «لو كنت أطيق الأذان مع (الخلافة) لأذنت». أخرجه عبد الرزاق في المصنف 1869 قال عن الثوري، عن بيان، عن قيس بن أبي حازم به. تابعه عبد الله بن أبي الهذيل، أن عمر بن الخطاب قال: «لولا أني أخاف أن يكون سنة ما تركت الأذان». أخرجه عبد الرزاق في المصنف 1870 قال عن إسرائيل، عن أبي سنان، عن عبد الله بن أبي الهذيل به.
وحق لهذا الأثر أن يكون تحت الباب السابق باب فضل التأذين.
36 – هل الأذان واجب؟
إن كان أذانه لجماعة غير حاضرين معه؛ فقد اشترط بعض العلماء رفع الصوت بالأذان، وأنه لا يصح بدونه، وهو مذهب الحنابلة والصحيح عند الشافعية وهو قول لبعض الحنفية. ومما استدل به هؤلاء الأئمة حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أنه قال لعبد الرحمن بن أبي صعصعة: “فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِكَ أَوْ بَادِيَتِكَ فَأَذَّنْتَ بِالصَّلَاةِ، فَارْفَعْ صَوْتَكَ بِالنِّدَاءِ”. قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-“. رواه البخاري (584).
وقالوا: إذا كان هذا الرفع للصوت في حق المنفرد في البادية ففي حق الجماعة من باب أولى.
وذهب آخرون إلى أنه لا يشترط رفع الصوت بالأذان، وأنَّه سنَّة فحسب، وهذا مذهب الحنفية والمالكية والوجه الثاني عند الشافعية. واستدل هؤلاء الأئمة بقوله -صلى الله عليه وسلم- لعبد الله بن زيد -رضي الله عنه-: (إِنهَا لَرُؤْيَا حَقٌّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَقُمْ مَعَ بِلَالٍ فَأَلْقِ عَلَيْهِ مَا رَأَيْتَ فَلْيُؤَذِّنْ بِهِ فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ). رواه الترمذي ( 189 ) وأبو داود ( 499 ) وابن ماجه ( 706 ) وصححه الألباني في “صحيح الترمذي”.
قالوا: والأمر في هذا وفي حديث أبي سعيد على الاستحباب.
والصواب من القولين الأول؛ لأن المقصود من الأذان في الأصل إعلام الناس بدخول الوقت، ولا يحصل هذا إلا مع رفع الصوت به.
وإذا قلنا برفع الصوت فإنه لا يراد به ذاك الصوت الذي يشق السمع ويتسبب في الضرر على نفسه أو على السامعين –كما نقلتَه في أذان ذاك الشاب– بل إنه يُمنع المؤذن من المبالغة في الرفع المؤذي.
قال ابن رجب الحنبلي –رحمه الله-: “ومتى رفع صوته رفعاً يَخشى على نفسه الضرر منه كره، وقد قال عمر لأبي محذورة لما سمعه يؤذن بمكة: “أما خشيتَ أن ينشق مريطاؤك؟”.
ذكره أبو عبيد وغيره. وهي ما بين السرة والعانة؛ قاله أبو عبيد والأكثرون، وقيل: ما بين الصدر والعانة”. انتهى من ” فتح الباري ” ( 3 / 438 ) – مختصراً – .
وأما إن كان المؤذن يؤذن لنفسه أو لجماعة حاضرين معه – في غرفة أو مكتب أو مصلَّى خاص – فلا يشترط له رفع الصوت إلا بقدر ما يسمع نفسه أو يسمع الحاضرين معه؛ لأن المقصود من الأذان وهو الإعلام يحصل بذلك.
وهل يستحب له رفع الصوت بالأذان أو لا يستحب؟ قولان للعلماء؛ والأظهر عدم استحبابه – وهو وجه عند الشافعية – وحمل هؤلاء الأحاديث الواردة في رفع الصوت أنها للأذان لجماعة غير حاضرين معه.
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين –رحمه الله-: “فالواجب أن يُسْمِعَ من يُؤَذِّنُ لهم فقط، وما زاد على ذلك فغير واجب”. انتهى من ” الشرح الممتع على زاد المستقنع ” ( 2 / 50 ).
والخلاصة:
أننا ننصح الأخ المؤذن أن يأخذ برأي ناصحيه الذين يريدون الخير لدينه وله، وأنه إذا كان يؤذِّن لمن خارج الغرفة فلا ينبغي له المبالغة برفع الصوت بالأذان حتى يصل لدرجة الإيذاء سواء لنفسه أو لغيره، وأنه إن كان يؤذن لمن في غرفة الصلاة فيكفيه أن يُسمعهم دون من كان خارج الغرفة، ونسأل الله أن يكتب له أجره كاملاً وأن يجزيه خير الجزاء على قيامه بهذه الشعيرة، ومراعاة الآخرين، والاجتهاد في دعوتهم وترغيبهم في الإسلام أمر مطلوب، سواء احترموا الداعية أم لم يحترموه ، ولا يخفى ما في دعوة الآخرين وهدايتهم من الأجر العظيم. والله أعلم . [انتهى من فتوى].
37- قوله: (حدثنا عبد الله بن يوسف) تابعه قتيبة كما عند البخاري 3296 تابعه إسماعيل كما عند البخاري 7548 تابعه ابن القاسم كما عند النسائي 644 تابعه عبد الرحمن هو ابن مهدي كما عند الإمام أحمد في مسنده 11305 تابعه إسحق- هو ابن عيسى- والخزاعي – هو منصور بن سلمة- كما عند الإمام أحمد في مسنده 11393.
38- قوله: (أخبرنا مالك) وهو في الموطأ تابعه عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون كما عند البخاري كما في أطراف المزي، تابعه سفيان بن عيينة كما عند ابن ماجه 723 لكنه قلب اسم شيخه. قَالَ الشَّافِعِيُّ -رَحِمَهُ اللَّه-؛ كما في السنن المأثورة 146: “يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مَالِكٌ أَصَابَ اسْمَ الرَّجُل”. انتهى، وقال عبد الله بن الإمام أحمد عقب الحديث 11031 ” قال أبي: “وسفيان يخطئ في اسمه، والصواب عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة”.