591 – فتح الاحد الصمد شرح الصحيح المسند
شارك: عبدالله الديني وآخرون
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
٥٩١ – قال الإمام النسائي رحمه الله (ج ٧ ص ١٠٧): أخبرنا محمد بن عبد الله بن بزيع قال حدثنا يزيد وهو ابن زريع قال أنبأنا داود عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان رجل من الأنصار أسلم ثم ارتد ولحق بالشرك ثم تندم فأرسل إلى قومه سلوا لي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم هل لي من توبة فجاء قومه إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقالوا إن فلانًا قد ندم وإنه أمرنا أن نسألك هل له من توبة فنزلت ﴿كيف يهدي الله قومًا كفروا بعد إيمانهم﴾ إلى قوله ﴿غفور رحيم﴾ فأرسل إليه فأسلم.
هذا حديث صحيحٌ، رجاله رجال الصحيح.
وداود هو ابن أبي هند، كما في «تفسير ابن جرير».
……………………………………………..
الكلام على الحديث رواية :
٣٠٦٦- (كان رجلٌ من الأنصار أسلمَ؛ ثم ارتدَّ ولَحِقَ بالشركِ؛ ثم تَنَدَّمَ، فأرسل إلى قومِهِ: سَلُوا رسول الله ﷺ: هل له من توبةٍ؟ فجاء قومُهُ إلى رسول الله ﷺ فقالوا: إنَّ فلانًا قد نَدِمَ، وإنّه أمَرَنا أن نسألك: هل له من توبةٍ؟ فنزلت: (كَيْفَ يهدِي اللهُ قومًا كَفَرُوا بَعْدَ إيمانِهِم..) إلى قوله: (غفورٌ رحيمٌ)، فأرسل إليهِ [قومُه]؛ فأَسلَم) .
أخرجه النسائي (٢/ ١٧٠)، وابن جرير (٣/ ٢٤١) قالا- والسياق للأول، والزيادة للآخر-: أخبرنا محمد بن عبد الله بن زريع قال: حدثنا يزيد- وهو ابن زريع- قال: أنبأنا داود عن عكرمة عن ابن عباس قال … فذكره.
وتابع محمدًا بشر بن معاذ العقدي قال: حدثنا يزيد بن زريع به.
٧ / ١٨٤
أخرجه ابن حبان (١٧٢٨- موارد) .
وتابع يزيد حفص بن غياث عن داود بن أبي هند به.
أخرجه الحاكم (٢/١٤٢ و٤/ ٣٦٦) وقال:
«صحيح الإسناد». ووافقه الذهبي.
وتابعه أيضًا علي بن عاصم عن داود به؛ إلا أنه خالف في سياقه فقال:
«ارتد رجل من الأنصار..» الحديث نحوه، وفي آخره:
«قال: فكتب بها قومه إليه، فلما قرئت عليه قال: والله! ما كذبني قومي على رسول الله ﷺ، ولا كذب رسول الله- ﷺ على الله عز وجل، والله أصدق الثلاثة، قال: فرجع تائبًا إلى رسول الله- ﷺ، فقبل ذلك منه، وخلى سبيله».
قلت: وعلي بن عاصم صدوق؛ لكنه كان يخطئ ويصر كما في «التقريب»؛ فلا يقبل تفرده ومخالفته.
لكنه قد توبع؛ فأخرجه ابن جرير من طريق حكيم بن جَمِيع عن علي بن مسهر عن داود بن أبي هند عن عكرمة عن ابن عباس قال:
ارتد رجل من الأنصار.. فذكر نحوه.
كذا فيه، لم يسق لفظه، وإنما أحال به على لفظ يزيد بن زريع الذي قبله، وطرفه الأول مثل طرف حديث علي بن عاصم كما ترى. فالله أعلم؛ هل نحا نحوه- أعني: حديث عاصم- أم نحو حديث ابن زريع؟
لكن قد ساق ابن جرير عقبه شاهدًا له من رواية عبد الرزاق قال: أخبرنا جعفر بن سليمان قال: أخبرنا حميد الأعرج عن مجاهد قال:
٧ / ١٨٥
جاء الحارث بن سويد فأسلم مع النبي ﷺ، ثم كفر الحارث فرجع إلى قومه، فأنزل الله فيه القرآن: (كيف يهدي الله قومًا كفروا بعد إيمانهم) إلى (إلا الذين تابوا..) الآية، قال: فحملها إليه رجل من قومه فقرأها عليه، فقال الحارث:
إنك- والله! ما علمت- لصدوق، وإن رسول الله لأصدق منك، وإن الله لأصدق الثلاثة، قال: فرجع الحارث فأسلم وحسن إسلامه».
قلت: ورجال إسناده ثقات، فهو مرسل صحيح. فهو شاهد قوي لحديث علي بن عاصم.
وأخرج له ابن جرير شاهدًا آخر بإسناده عن السدي مرسلًا مختصرًا.
هذا؛ وحكيم بن جميع المتقدم قد أورده البخاري وابن أبي حاتم في كتابيهما، من رواية أبي كريب عنه، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا. وكذلك ذكره ابن حبان في «الثقات» (٨/ ٢١٢)، وقال:
«يروي المقاطيع».
قلت: فكأنه لم يقف على روايته الموصولة هذه. ولتمام الفائدة لا بد من ذكر الآيات الأربع بتمامها، وهي في (آل عمران/ ٨٦ ـ٨٩):
(كيف يهدي الله قومًا كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لايهدي القوم الظالمين. أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله الملائكة والناس أجمعين. خالدين فيها لايخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون. إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم) .
٧ / ١٨٦
ولا ينافي ذلك قوله تعالى بعدها:
(إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرًا لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون. إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن تقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين) .
ذلك؛ لأن المقصود: لن تقبل توبتهم عند الممات كما قال تعالى: (وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابًا أليمًا) [النساء/١٨] .
قاله الحافظ ابن كثير. *
الصحيحة
الكلام على الحديث دراية :
شرح الحديث
(عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ) – رضي اللَّه تعالى عنهما -، أنه (قَالَ: كان رَجُلٌ مِنْ الأَنْصَارِ) هو الحارث ابن سُويد الأنصاريّ، فقد أخرج الإمام ابن جرير في «تفسيره» بسنده عن مجاهد، قال: جاء الحارث بن سُويد، فأسلم مع النبيّ – صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، ثم كفر الحارث، فرجع إلى قومه، فأنزل الله عزوجل فيه القرآن: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٨٦ – ٨٩]، قال: فحملها إليه رجلٌ من قومه، فقرأها عليه، فقال الحارث: إنك والله ما علمتُ لصدُوقٌ، وإن رسول اللَّه – صلى اللَّه تعالى عليه وسلم – لأصدق منك، وإن اللَّه عز وجل لأصدق الثلاثة، قال: فرجع الحارث، فأسلم، فحسُن إسلامه.
وأخرج أيضًا بسنده عن السّدّيّ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ﴾ [آل عمران: ٨٦]، قال: أُنزلت في الحارث بن سُويد الأنصاريّ، كفر بعد إيمانه، فأنزل اللَّه عز وجل فيه هذه الآيات إلى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ [آل عمران: ٨٨]، ثم تاب، وأسلم، فنسخها اللَّه عنه، فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٨٩].
وأخرج أيضًا عن ابن جُريج، عن مجاهد، قال: هو رجلٌ من بني عمرو بن عوف، كفر بعد إيمانه، قال ابن جريج: أخبرني عبد اللَّه بن كثير، عن مجاهد، قال: لحق بأرض الروم، فتنصّر، ثم كتب إلى قومه: «أرسلوا، هل لي من توبة؟»، قال: فحسبت أنه آمن، ثم رجع. قال ابن جريج، قال عكرمة: نزلت في أبي عامر الراهب، والحارث بن سُويد بن الصامت، ووَحْوَح بن الأسلت، في اثني عشر رجلًا، رجعوا عن الإسلام، ولحقوا بقريش، ثم كتبوا إلى أهلهم: هل لنا من توبة؟، فنزلت: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ الآيات [آل عمران: ٨٩].
تخريج :
أخرج الطبري في «جامع البيان» ٣/ ٣٤١ من طريق ابن جريج قال: قال عكرمة: نزلت في أبي عامر الراهب، والحارث بن سويد بن الصامت، ووحوح بن الأسلت في اثني عشر رجلًا … وفيه عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج: إذا قال: قال، فهو شبه الريح…
حاشية: تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن ط دار التفسير ٨/٤٨٦
(أَسْلَمَ، ثُمَّ ارْتَدَّ) أي رجع عن الإسلام إلى الكفر نعوذ باللَّه تعالى منه- (وَلَحِقَ بِالشِّرْكِ) أي بأهله (ثُمَّ تَنَدَّمَ) أي ندم على ارتداده، والتندّم تفعّل من الندم للمبالغة (فأرسل إِلى قومِهِ) قائلًا (سَلُوا لِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، هَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ؟، فَجَاءَ قَوْمُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالُوا: إِنَّ فُلانًا قَدْ نَدِمَ) بكسر الدال، من باب تَعِبَ (وَإِنَّهُ أَمَرَنَا أَنْ نَسأَلَكَ، هَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةِ؟، فَنَزَلَتْ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ إِلى قَوْلِهِ: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: ٨٦ – ٨٩]، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، فَأَسْلَمَ).
وقيل: نزلت هذه الآية في أهل الكتاب، فقد أخرج ابن جرير بإسناده عن ابن عبّاس – رضي اللَّه تعالى عنهما -، قال: هم أهل الكتاب عرفوا محمد – صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، ثم كفروا به. وأخرج عن الحسن قال: هم أهل الكتاب من اليهود والنصارى، رأوا نعت محمد – صلى اللَّه تعالى عليه وسلم – في كتابهم، وأقرّوا به، وشهدوا أنه حقّ، فلما بعث من غيرهم حسدوا العرب على ذلك…
قال ابن جرير بعد ذكر القولين: وأشبه القولين بظاهر التنزيل ما قال الحسن، من أن هذه الآية معنيٌّ بها أهلُ الكتاب على ما قال، غير أن الأخبار بالقول الآخر أكثر، والقائلين به أعلم بتأويل القرآن، وجائز أن يكون اللَّه عز وجل أنزل هذه الآيات بسبب القوم الذين ذُكر أنهم كانوا ارتدّوا عن الإسلام، فجمع قصّتهم، وقصّة من كان سبيله
سبيلَهم في ارتداده عن الإيمان بمحمد – صلى اللَّه تعالى عليه وسلم – في هذه الآيات، ثم عرّف عباده سنّته فيهم، فيكون داخلًا في ذلك كلُّ من كان مؤمنًا بمحمد – صلى اللَّه تعالى عليه وسلم – قبل أن يُبعَث، ثم كفر به بعد أن يُبعث، وكلّ من كان كافرًا، ثم أسلم على عهده – صلى اللَّه تعالى عليه وسلم -، ثم ارتدّ، وهو حيّ عن إسلامه، فيكون معنيًّا بالآية جميعُ هذين الصنفين، وغيرهما ممن كان بمثل معناهما، بل ذلك كذلك إن شاء اللَّه.
فتأويل الآية إذًا: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ [آل عمران: ٨٦ – ٨٩] يعني كيف يرشد اللَّه للصواب، ويوفّق للإيمان قومًا جحدوا نبوّة محمد – صلى اللَّه تعالى عليه وسلم – ﴿بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ أي بعد تصديقهم إياه، وإقرارهم بما جاءهم به من عند ربّه ﴿وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ﴾ يقول: وبعد أن أقرّوا أن محمدًا رسول اللَّه – صلى اللَّه تعالى عليه وسلم – إلى خلقه حقًا ﴿وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ يعني وجاءهم الْحُجَج من عند اللَّه، والدلائل بصحّة ذلك؟ ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ يقول: والله لا يوفّق للحقّ، والصواب الجماعة الظَّلَمة، وهم الذين بدّلوا الحقّ إلى الباطل، فاختاروا الكفر على الإيمان. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ يعني هؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم، وبعد أن شهدوا أن الرسول حقّ ﴿جَزَاؤُهُمْ﴾ ثوابهم من عملهم الذي عملوه ﴿أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ﴾ يعني أن يحلّ بهم من اللَّه الإقصاء والبعد، ومن الملائكة، والناس الدعاء بما يسوؤهم من العقاب ﴿أَجْمَعِينَ﴾ يعني من جميعهم، لا من بعض من سمّاه جلّ ثناؤه من الملائكة، والناس، ولكن من جميعهم، وإنما جعل ذلك جلّ ثناؤه ثواب عملهم؛ لأن عملهم كان باللَّه كفرًا. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ يعني ماكثين فيها يعني في عقوبة اللَّه ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾: لا يُنقصون من العذاب شيئًا في حال من الأحوال، ولا يُنفّسون فيه ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾: يعني: ولا هم يُنظرون لمعذرة يعتذرون، وذلك كلّه عين الخلود في العقوبة في الآخرة. ثم استثنى جلّ ثناؤه الذين تابوا من هؤلاء الذين كفروا بعد إيمانهم، فقال تعالى ذكرُهُ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ يعني: إلا الذين تابوا من بعد ارتدادهم عن إيمانهم، فراجعوا الإيمان باللَّه، وبرسوله، وصدّقوا بما جاءهم به نبيّهم – صلى اللَّه تعالى عليه وسلم – من عند ربّهم، ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ يعني: وعملوا الصالحات من الأعمال ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يعني: فإن اللَّه لمن فَعَلَ ذلك بعد كفره «غفورٌ» يعني ساتر عليه ذنبه الذي كان منه من الردّة، فتاركٌ عقوبته عليه، وفضيحته به يوم القيامة، غير مؤاخذه به إذا مات على التوبة منه «رحيم» متعطّفٌ عليه بالرحمة. انتهى كلام ابن جرير -رحمه اللَّه تعالى-. انتهى.
اختلاف أهل العلم في استتابة المرتد:
قَالَ ابْن بَطَّال: اخْتُلِفَ فِي اسْتِتَابَة الْمُرْتَدّ، فَقِيلَ: يُسْتَتَاب، فَإِنَّ تَابَ، وَإلَّا قُتِلَ، وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُور. وَقِيلَ: يَجِب قَتْله فِي الحَال، جَاءَ ذَلِكَ عَنْ الحَسَنُ، وَطَاوُس، وبِهِ قَالَ أَهْل الظَّاهِر. وَنَقَلَهُ ابْن الْمُنْذِر عَنْ مَعَاذ، وَعُبَيْد بْن عُمَيْر، قال الحافظ: وَعَلَيْهِ يدُلّ تَصَرُّف الْبُخَارِيّ، فإِنَّهُ اسْتَظْهَرَ بِالآيَاتِ الَّتِي لَا ذِكْر فِيهَا لِلِاسْتِتَابةِ، وَالَّتِى فِيهَا أَنَّ التَّوْبَة لَا تَنْفَع، وَبِعُمُوم قَوْله ﷺ: «مَنْ بَدَّلَ دِينه فَاقْتُلُوهُ»، وبِقِصّةِ مَعَاذ الَّتِي بَعْدهَا، وَلَمْ يَذْكُر غَيْر ذَلِكَ.
قَالَ الطحاوِيُّ: ذَهَبَ هَؤُلَاءِ إِلَى أنَّ حُكْم مَنْ ارتَدَّ عَنْ الإسْلَام، حُكْم الْحَرْبِيّ الَّذِي بَلَغَتْهُ الدَّعْوَة، فَإِنَّهُ يُقَاتَل مِنْ قَبْل أَنْ يُدْعَى، قَالُوا: وَإنَّمَا تُشْرَع الاسْتِتَابَة لِمَنْ خَرَجَ عَنْ الإسْلَام، لا عَنْ بَصِيرَة، فَأَمَّا مَنْ خَرَجَ عَنْ بَصِيرَة فَلا. ثُمَّ نَقَلَ عَنْ أَبِي يُوسُف مُوافَقَتهمْ، لَكِنْ قَالَ: إِنْ جَاءَ مُبَادِرًا بالتَّوْبةِ، خَلَّيْتُ سَبِيله، وَوَكَلْتُ أَمْره إِلَى اللَّه تَعَالَى. وَعَنْ ابْن عَبَّاس، وَعَطَاء: إنْ كَانَ أَصْله مُسْلِمًا لَمْ يُسْتَتَب، وَإِلَّا اسْتُتِيبَ. وَاسْتَدَلَّ ابْن الْقَصَّار لِقَوْلِ الْجُمْهُور بِالإجْمَاعِ -يَعْنِي السُّكُوتِيّ- لِأَنَّ عُمَر كَتَبَ فِي أَمْر الْمُرْتَدِّ: «هَلّا حَبَسْتُمُوهُ ثَلاثَة أيَّام، وَأَطْعَمْتُمُوهُ فِي كُلّ يَوْم رَغِيفًا، لَعَلَّهُ يَتُوب، فَيَتُوب اللَّه عَلَيْهِ؟»، قَالَ: وَلَمْ يُنْكِر ذَلِكَ أَحَد مِنْ الصَّحَابَة، كَأَنَّهُم فَهِمُوا مِنْ قَوْله ﷺ: «مَنْ بَدَّلَ دِينه فَاقْتُلُوهُ»، أَيْ إِنَّ لَمْ يَرْجِع، وَقْدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ٥].
وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُون بِالاسْتِتَابةِ، هَلْ يُكْتَفَى بِالْمَرَّةِ، أَوْ لَا بُدّ من ثَلَاث؟، وَهَل الثَّلَاث فِي مَجْلِس، أَوْ فِي يَوْم، أَوْ فِي ثَلَاثَة أَيَّام؟، وَعَنْ عَلِيّ: يُسْتَتَاب شَهْرًا، وَعَنْ النَّخَعِيِّ: يُسْتَتَاب أَبَدًا، كَذَا نُقِلَ عَنْهُ مُطْلَقًا، وَالتَّحْقِيق أَنَّهُ فِيمَنْ تَكَرَّرَتْ مِنْهُ الرِّدَّة.
قال الجامع – عفا اللَّه تعالى عنه -: الأرجح عندي قول الجمهور بأن المرتدّ يستتاب؛ لوضوح أدلّته. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسألة : اختلاف أهل العلم في استتابة الزنديق:
ذهب بعضهم إلى قتل الزِّنْدِيق، مِن غير استِتابة، مستدلًا بحديث عليّ – رضي اللَّه تعالى عنه – المتقدّم في الباب الماضي.
وتُعُقِّب بِأَنَّ فِي بَعْض طُرُقه: أَنَّ عَليًّا اسْتَتَابَهُمْ، وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِي عَلَى الْقَبُول مُطْلَقًا، وَقَالَ: يُسْتَتَاب الزِّنْدِيق، كَمَا يُسْتَتَاب الْمُرْتَدِّ، وَعَنْ أَحْمَدَ، وَأَبِي حَنِيفَة، رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: لَا يُسْتَتَاب، وَالأُخْرَى إِنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ، لَمْ تُقْبَل تَوْبَته، وَهُوَ قَوْل اللَّيْث، وَإسْحَاق، وحُكِيَ عَنْ أَبِي إِسْحَاق الْمَرْوَزِيِّ، مِنْ أَئِمَّة الشَّافِعِيَّة، وَلَا يَثْبُت عَنْهُ، بَلْ قِيلَ: إِنَّهُ تَحْرِيف مِنْ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْه، وَالأَوَّل هُوَ المَشْهُور عِنْد الْمَالِكِيَّة، وحُكي عَنْ مَالِك: إِنْ جَاءَ تَائِبًا يُقْبَل مِنْهُ، وَإلَّا فَلا، وَبِهِ قَالَ أبُو يُوسُف، وَاخْتَارَهُ الأُسْتَاذَانِ: أَبُو إِسْحَاق الإسْفَرَايِنِيّ، وَأَبُو مَنْصُور الْبَغْدَادِيّ. وَعَنْ بَقِيَّة الشَّافِعِيَّة أَوْجُه، كَالْمَذَاهِبِ الْمَذْكُورَة، وَخَامِس يُفْصَلُ بَيْن الداعِية، فَلَا يُقْبَل مِنْهُ، وتُقْبَل تَوْبَة غَيْر الدَّاعِيَة. وَأَفْتَى ابْن الصَّلَاح بِأَنَّ الزِّنْدِيق، إِذَا تَابَ تُقْبَل تَوْبَته، ويُعَزَّر، فَإنْ عَادَ بَادَرْنَاهُ بِضَرْبِ عُنُقه، وَلَمْ يُمْهَل.
وَاسْتَدَلَّ مَنْ مَنَعَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ [النور: ٥]، فَقَالَ: الزِّنْدِيق لَا يُطَّلَع عَلَى صَلَاحه؛ لِأَنَّ الْفَسَاد إِنَّمَا أَتَى مِمَّا أَسَرَّهُ، فَإِذَا اطُّلِع عَلَيْهِ، وَأَظْهَرَ الإقْلَاع عَنْهُ، لَمْ يَزِدْ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ الآية [النساء: ١٣٧].
وَأُجِيبَ: بِأَنَّ الْمُرَاد مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ، كَمَا فَسَّرَهُ ابْن عبّاس، فِيمَا أَخْرَجَهُ ابْن أَبِي حَاتِم وَغَيْره.
وَاسْتَدَلَّ لِمالِك بِأَنَّ تَوْبَة الزِّنْدِيق لَا تُعْرَف، قَالَ: وَإنَّمَا لَمْ يَقْتُل النَّبِيّ ﷺ المُنافِقِينَ؛ لِلتَّأْليفِ، ولِأَنَّهُ لَوْ قَتَلَهُمْ لَقَتَلَهُمْ بِعِلْمِهِ، فَلَا يُؤمَن أَنْ يَقُول قَائِل: إِنَّمَا قَتَلَهُم لِمَعْنًى آخَر.
وَمِنْ حُجَّة مَنْ اسْتَتَابَهُم: قَوْله تَعَالَى: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ الآية [المجادلة: ١٦]، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ إِظْهَار الإيمَان يُحْصنُ مِنْ الْقَتْل، وكُلّهمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ أَحْكَام الدُّنْيَا عَلَى الظَّاهِر، واللَّه يَتَوَلَّى السَّرَائِر، وقد قال ﷺ لِأُسَامَة: «هَلَّا شَقَقَت عَنْ قَلْبه»، وَقَالَ لِلَّذِي سَارَّهُ فِي قَتْل رَجُل: «أَلَيْس يُصَلِّي؟»، قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «أُولئِك الَّذِين نُهِيت عَنْ قَتْلهم». وقد جاء في بَعْض طُرُق حدِيث أبِي سعِيد الخدريّ – رضي اللَّه تعالى عنه -، أَنَّ خَالِد بْن الْوَلِيد، لَمَّا اسْتَأْذَنَ فِي قَتْل الَّذِي أَنْكَرَ الْقِسْمَة، وَقَالَ: كَمْ مِنْ مُصَلِّ، يَقُول بلِسَانِهِ، مَا لَيْسَ فِي قَلْبه؟، فَقَالَ: ﷺ: «إِنِّي لَمْ أُومَرْ، أَنْ أَنْقُبَ عَنْ قُلُوب النَّاس»، أَخْرَجَهُ مُسْلِم، والأَحَادِيث فِي ذَلِكَ كَثِيرَة. قاله في «الفتح».
قال الاثيوبي -: عندي أن القول بأن الزنديق لا يُقتل حتى يستتاب، كالمرتدّ أرجح؛ لظهور أدلّته. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى ٣٢/٥ — محمد بن علي بن آدم الأثيوبي (ت ١٤٤٢)
هل تقبل توبة من تكررت منه الردة؟
حكم توبة المرتد
من ارتد ثم تاب، قبل الله تعالى توبته، فقد فتح الله باب التوبة لكل من تاب.
وأما من تكررت منه الردة، فإنه إن أخلص في توبته بينه وبين الله، فإن الله يقبل توبته، ويقيل عثرته.
وأما في أحكام الظاهر، فإن الفقهاء اختلفوا، هل تقبل توبة من تكررت منه الردة في الظاهر أم لا؟ على قولين.
والصحيح من قولي أهل العلم أن توبة من تكررت ردته مقبولة في أحكام الظاهر أيضا، وتجري عليه أحكام الإسلام.
وهذا هو قول جماهير أهل العلم: الحنفية والشافعية والمشهور عند المالكية، وآخر قولي أحمد بن حنبل.
تفسير الآيات المتعلقة بعدم قبول التوبة
وأما الآية الكريمة، وهي قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ آل عمران/ 90، ومثلها قوله تعالى في سورة النساء: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا النساء/ 137.
فإن عدم قبول التوبة قد ذكر العلماء مواطنه، وهي:
* عند الموت، فإن التوبة لا تقبل عند الموت.
* عند استمراره على الكفر، فإن الله لا يقبل التوبة بعد الموت، فالمراد بالازدياد هنا: الاستمرار، وعدم الإقلاع.
* وقال الطبري في آية: النساء: ” وأما قوله: لم يكن الله ليغفر لهم [النساء: 137]: فإنه يعني: لم يكن الله ليستر عليهم كفرهم وذنوبهم، بعفوه عن العقوبة لهم عليه , ولكنه يفضحهم على رءوس الأشهاد “.
انظر في هذه الأوجه: “تفسير الطبري” (5/ 563)، “تفسير ابن كثير” (2/ 71)، ” التحرير والتنوير” (3/ 304 – 305).
قال ابن كثير: “يقول تعالى، متوعدا ومتهددا لمن كفر بعد إيمانه، ثم ازداد كفرا، أي: استمر عليه إلى الممات، ومخبرا بأنه لا يقبل لهم توبة عند مماتهم ” انتهى من “تفسير ابن كثير” (2/ 71).
وقال: ” يخبر تعالى عمن دخل في الإيمان ثم رجع عنه، ثم عاد فيه، ثم رجع، واستمر على ضلاله، وازداد حتى مات فإنه لا توبة بعد موته، ولا يغفر الله له، ولا يجعل له مما هو فيه فرجا ولا مخرجا، ولا طريقا إلى الهدى؛ ولهذا قال: لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا ” انتهى من “تفسير ابن كثير” (2/ 434).
ويقول القاسمي: ” وقد أشكل على كثير قوله تعالى: لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ، مع أن التوبة عند الجمهور مقبولة كما في الآية قبلها، وقوله سبحانه: وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ [الشورى: 25]. وغير ذلك.
فأجابوا: بأن المراد عند حضور الموت. قال الواحديّ في (الوجيز): لن تقبل توبتهم لأنهم لا يتوبون إلا عند حضور الموت، وتلك التوبة لا تقبل – انتهى -، أي كما قال تعالى: وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ [النساء: 18]، الآية.
وقيل: عدم قبول توبتهم: كناية عن عدم توبتهم، أي: لا يتوبون” انتهى من “تفسير القاسمي” (2/ 348).
وقال في آية النساء: ” في الآية وجوه:
الأول: أن المراد الذين تكرر منهم الارتداد، وعهد منهم ازدياد الكفر والإصرار عليه: يستبعد منهم أن يحدثوا ما يستحقون به المغفرة، ويستوجبون اللطف، من إيمان صحيح ثابت يرضاه الله. لأن قلوب أولئك الذين هذا ديدنهم: قلوب قد ضريت بالكفر، ومرنت على الردّة. وكان الإيمان أهون شيء عندهم، وأدونه، حيث يبدو لهم فيه كرة بعد أخرى.
وليس المعنى: أنهم لو أخلصوا الإيمان بعد تكرار الردة، ونصحت توبتهم: لم يقبل منهم، ولم يغفر لهم؛ لأن ذلك مقبول، حيث هو بذل للطاقة واستفراغ الوسع، ولكنه استبعاد له واستغراب، وإنه أمر لا يكاد يكون.
وهكذا نرى الفاسق الذي يتوب ثم يرجع، ثم يتوب ثم يرجع، فإنه لا يكاد يرجى منه الثبات. والغالب أنه يموت على الفسق. فكذا هنا “انتهى من “تفسير القاسمي” (3/ 370).
رأي العلماء في حديث ابن عباس عن المرتدين
وأما الأثر المروي عن ابن عباس، فقال الحافظ ابن كثير رحمه الله:
“قَالَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيع، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيع، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّ قَوْمًا أَسْلَمُوا ثُمَّ ارْتَدُّوا، ثُمَّ أَسْلَمُوا ثُمَّ ارْتَدُّوا، فَأَرْسَلُوا إِلَى قَوْمِهِمْ يَسْأَلُونَ لَهُمْ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ. هَكَذَا رَوَاهُ، وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ ” انتهى من “تفسير ابن كثير” (2/72).
فقد ضعفه الحافظ ابن حجر رحمه الله، كما في “العجاب” (2/ 709)، قال: “والبزار كان يحدث من حفظه فَيَهِمُ، والمحفوظ ما رواه ابن جرير ومن وافقه “.
وتبعه السيوطي في “الدر المنثور” (2/ 258): “هذا خطأ من البزار”.
وانظر: “لاستيعاب في بيان الأسباب”: (1/ 270)، وحاشية محقق “العجاب في بيان الأسباب”.
والمراد بالمحفوظ، ما وراه ابن جرير عن ابن عباس قال: كان رجل من الأنصار أسلم ثم ارتد ولحق بالشرك، ثم ندم فأرسل إلى قومه: أرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، هل لي من توبة؟ قال: فنزلت: كيف يهدي الله قومًا كفروا بعد إيمانهم إلى قوله: وجاءَهم البيناتُ والله لا يهدي القوم الظالمين إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم، فأرسل إليه قومه فأسلم.
“تفسير ابن جرير” (6/572)، وينظر: “العجاب” الموضع السابق.
وحمله الإمام ابن جرير الطبري رحمه الله على اليهود الذين كفروا بالنبي صلى الله عليه وسلم، واستمروا على كفرهم ذلك؛ ثم ازدادوا كفرا على كفرهم الأول. قال:
” وأولى هذه الأقوال بالصواب في تأويل هذه الآية قول من قال: عنى بها اليهود، وأن يكون تأويله: إن الذين كفروا من اليهود بمحمد صلى الله عليه وسلم عند مبعثه بعد إيمانهم به قبل مبعثه، ثم ازدادوا كفرا، بما أصابوا من الذنوب في كفرهم ومقامهم على ضلالتهم.
لن تقبل توبتهم من ذنوبهم التي أصابوها في كفرهم، حتى يتوبوا من كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، ويراجعوا التوبة منه بتصديق ما جاء به من عند الله…”، ثم أطال في تقرير ما اختاره رحمه الله. ينظر: “تفسير الطبري: (5/ 567).
قال الحجاوي رحمه الله:
”وتوبة المرتد “وكل كافر” إسلامه بأن يشهد أن لا اله إلا الله وأن محمدا رسول الله ومن كان كفره بجحد فرض ونحوه فتوبته “مع الشهادتين” إقراره بالمجحود به أو قوله: أنا برئ من كل دين يخالف دين الإسلام” انتهى من “زاد المستقنع” (ص:225).
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:
«فتوبته -المرتد- مع الشهادتين إقراره بالمجحود به، فالذي ينكر فرضية الصلاة، ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فلا تصح توبته؛ لأن الشيء الذي حكمنا بردته من أجله لم يزل مصرا عليه، فلا بد أن يقر مع ذلك بما جحده من فرضية الصلاة، فمن لم يفعل فإنه لا يزال على ردته.
كذلك لو جحد تحريم الزنا، أو الخمر، وهو ممن عاش في الإسلام، وعرف أحكامه، ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فلا يكفي ذلك لتوبته؛ لأننا ما حكمنا بردته إلا من أجل إنكاره تحريم ذلك، وهو لا يزال مصرا عليه.
ومن كان كفره بسب الصحابة رضي الله عنهم، وقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ولكنه أصر على سب الصحابة، فإنه لم يزل مرتدا حتى يقلع عن سب الصحابة، ويبدل هذا السب بثناء” انتهى من “الشرح الممتع على زاد المستقنع” (14/ 467).
ونطق المرتد بالشهادتين يعيده إلى الإسلام في أحكام الظاهر، نتعامل معه على هذا، وأما كونه ندم أو لم يندم فهذا شرط لقبولها عند الله.
قال الدبوسي رحمه الله:
“إن الندم على ما فات والتوبة مما يمحو الذنب بينه وبين ربه تعالى” “تقويم الأدلة في أصول الفقه” (ص92).
وقال ابن قدامة رحمه الله:
“والتوبة على ضربين؛ باطنة، وحكمية، فأما الباطنة، فهي ما بينه وبين ربه تعالى، فإن كانت المعصية لا توجب حقا عليه في الحكم، كقبلة أجنبية، أو الخلوة بها، وشرب مسكر، أو كذب، فالتوبة منه الندم، والعزم على أن لا يعود…
والتوبة النصوح تجمع أربعة أشياء؛ الندم بالقلب، والاستغفار باللسان، وإضمار أن لا يعود، ومجانبة خلطاء السوء. وإن كانت توجب عليه حقا لله تعالى، أو لآدمي؛ كمنع الزكاة والغصب، فالتوبة منه بما ذكرنا، وترك المظلمة حسب إمكانه، بأن يؤدي الزكاة، ويرد المغصوب، أو مثله إن كان مثليا، وإلا قيمته. وإن عجز عن ذلك، نوى رده متى قدر عليه” انتهى من المغني (14/ 192).
وقال ابن الحاج رجمه الله:
“التوبة بشروطها: الندم والإقلاع والعزم على ألا يعود ورد التبعات لمن كانت عليه شرط رابع، فالثلاثة الأول متيسرة على المرء؛ لأنها بينه وبين ربه” “المدخل لابن الحاج” (4/ 44).
وقد سئل سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، رحمه الله:
“من يتلفظ بكلمة الكفر من المسلمين والعياذ بالله، هل تكفيه التوبة والاستغفار، أم يجب عليه الغسل بعد ذلك؟
فأجاب: “من يتكلم بما يوجب ردته عليه التوبة، ويُستحب له الغسل، وقال بعض أهل العلم يجب الغسل، وقول الوجوب فيه خلاف بين العلماء، والأحوط والأقرب أنه مسنون مشروع.
وإنما الواجب: التوبة، والرجوع إلى الله، والإنابة إليه، والندم على ما مضى منه، والإقلاع من معصيته وكفره، والتوبة إلى الله والعزم الصادق على ألا يعود لذلك.
وبذلك يتوب الله عليه، وقال تعالى: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: التائب من الذنب كمن لا ذنب له. “فتاوى نور على الدرب لابن باز – بعناية الشويعر” (4/ 167).