583 – فتح الاحد الصمد شرح الصحيح المسند
مجموعة: أحمد بن علي ، وعمر الشبلي ، وأسامة وعبدالله المشجري وسلطان الحمادي وعدنان البلوشي وأحمد بن خالد
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
قال الشيخ مقبل رحمه الله:
مسند عبد الله بن الشِّخِّير رضي الله عنه
583 – قال الإمام عبد بن حُمَيد رحمه الله في “المنتخب” (ج 1 ص 461): حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حدثَنَا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ، عَنْ شَدَّادِ بْنِ سَعِيدٍ الرَّاسِبِيِّ أَبِي طَلْحَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي غَيْلَانُ بْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُصَلِّي قَاعِدًا وَقَائِمًا، وَهُوَ يَقْرَأُ: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ} (1) حَتَّى خَتَمَهَا.
هذا حديث حسنٌ.
الحديث أخرجه النسائي في “التفسير” (ج 2 ص 277).
——–
– قال صاحب كتاب فضل الرحيم الودود تخريج سنن أبي داود ١٠/٣٠١: حديث عبد الله بن الشِّخِّير:
رواه زيد بن الحباب [صدوق]، عن شداد بن سعيد الراسبي أبي طلحة [صدوق، له ما لا يتابع عليه]، قال: حدثني غيلان بن جرير، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، عن أبيه، قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو يصلي قاعدًا وقائمًا، وهو يقرأ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾ [التكاثر: ١] حتَّى ختمها.
أخرجه النسائي في الكبرى (١٠/ ٣٤٣/ ١١٦٣١) [دون قوله: وهو يصلي قاعدًا وقائمًا]، وأحمد (٤/ ٢٦)، وابنه عبد الله في زيادات المسند (٤/ ٢٦) [وفيه: وهو يصلي قاعدًا أو قائمًا]، وعبد بن حميد (٥١٥)، والطبراني في الكبير [عمدة القاري (٧/ ١٦٤)، مجمع الزوائد (٢/ ١٥٠)].
وهذا إسناد حسن غريب، وهو إسناد بصري ثم كوفي.
ولا أحسب شداد بن سعيد إلا واهمًا في هذه الزيادة موضع الشاهد؛ فإن هذا الحديث قد رواه:
هشام الدستوائي، وشعبة، وسعيد بن أبي عروبة، وأبان بن يزيد العطار، وهمام بن يحيى، وسليمان بن طرخان التيمي [وهم ثقات، وفيهم أثبت أصحاب قتادة]
عن قتادة، عن مطرف بن عبد الله [وفي رواية شعبة: سمعت مطرفًا]، عن أبيه، قال: دخلت على رسول الله ﷺ وهو يقرأ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢)﴾: [التكاثر: ١، ٢]، قال: فقال: «يقول ابن آدم: مالي، مالي، وهل لك يا ابن آدم من مالك؛ إلا ما أكلتَ فأفنَيْتَ، أو لبِسْتَ فأبلَيْتَ، أو تصدَّقتَ فأمضَيْتَ».
أخرجه مسلم (٢٩٥٨)، وأبو عوانة (٦/ ٦٨٩/ ٧٢٠١ – إتحاف المهرة)، والترمذي (٢٣٤٢ و٣٣٥٤)، وقال: «حسن صحيح». والنسائي في المجتبى (٦/ ٢٣٨/ ٣٦١٣)، وفي الكبرى (٦/ ١٤٨/ ٦٤٠٧) و(١٠/ ٣٤٣/ ١١٦٣٢)، وابن حبان (٢/ ٤٧٥/ ٧٠١) و(٨/ ١٢٠/ ٣٣٢٧)، والحاكم (٢/ ٥٣٣ – ٥٣٤) و(٤/ ٣٢٢ – ٣٢٣)، وأحمد في المسند (٤/ ٢٤ و٢٦)، والبغوي في شرح السُّنَّة (١٤/ ٢٥٨/ ٤٠٥٥)، وقال: «حديث صحيح». وفي التفسير (٤/ ٥٢٠)، وغيرهم.
زاد همام [عند أحمد (٤/ ٢٦)]: وكان قتادة يقول: كل صدقة لم تُقبض فليس بشيء
- وأما صلاته ﷺ قاعدًا لأجل مرضه، فقد تقدم ذكرها تحت الحديث رقم (٩٥٢).
بوب عليه مقبل في الجامع:
182 – الصلاة قائما وقاعدا
سورة التكاثر
395 – قوله تعالى: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ}
قال الإمام مسلم:
110 – (730) وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ شَقِيقٍ الْعُقَيْلِيِّ قَالَ: « سَأَلْنَا عَائِشَةَ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُكْثِرُ الصَّلَاةَ قَائِمًا وَقَاعِدًا. فَإِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ قَائِمًا رَكَعَ قَائِمًا، وَإِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ قَاعِدًا رَكَعَ قَاعِدًا ». اهـ
قال الهرري:
(حدثت) بالبناء للمفعول أي حدثني ناس من الصحابة (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال صلاة الرجل) أي ثواب صلاته حالة كونه (قاعدًا) مع القدرة على القيام يعني صلاة النفل (نصف) ثواب (الصلاة) أي صلاته قائمًا فـ (قال) عبد الله (فأتيته) صلى الله عليه وسلم (فوجدته يصلي) النافلة حالة كونه (جالسًا) مع القدرة على القيام، قال عبد الله (فوضعت يدي على رأسه) صلى الله عليه وسلم تعجبًا من صلاته جالسًا مع قوله أولًا (صلاة الرجل قاعدًا نصف الصلاة) (فقال) لي رسول الله صلى الله عليه وسلم (مالك) أي أي شيء ثبت لك (يا عبد الله بن عمرو) في تعجبك مني، قال عبد الله (قلت) له صلى الله عليه وسلم (حدثت يا رسول الله) أي حدثني بعض من سمع حديثك (أنك قلت) يا رسول الله (صلاة الرجل) أي ثواب صلاة الرجل (قاعدًا) مع القدرة على القيام (على نصف) أجر (الصلاة) قائمًا (وأنت) يا رسول الله مع قولك هذا (تصلي قاعدًا، قال) رسول الله صلى الله عليه وسلم (أجل) أي نعم أصلي قاعدًا (ولكني لست) أنا (كأحد منكم) أي كأحد من الأمة فصلاتي قاعدًا لا ينقص أجرها عن أجر صلاتي قائمًا فكلاهما سواء فإن عملي ذلك لغرض التشريع للأمة فثوابي لا ينقص وإن لم يكن لي عذر في القعود. وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث أبو داود [950]، والنسائي [3/ 223]، وابن ماجه [1229]. قال النواوي: معناه أن ثواب القاعد فيها نصف ثواب القائم فيتضمن صحتها ونقصان أجرها، قال القرطبي: قوله (لست كأحد منكم) أي لا يكون له في صلاته قاعدًا نصف الأجر بل أكثر من ذلك أو الأجر كله، ويحتمل أن يكون معناه لست كأحد منكم ممن لا عذر له ممن قلت له هذا القول فإنه لم يصل قاعدًا حتى ثقل، والأول أظهر.
قال النواوي: وهذا الحديث محمول على صلاة النفل قاعدًا مع القدرة على القيام فهذا له نصف ثواب القائم، وأما إذا صلى النفل قاعدًا لعجزه عن القيام فلا ينقص ثوابه بل يكون كثوابه قائمًا، وأما الفرض فإن صلاها قاعدًا مع قدرته على القيام لم يصح فلا يكون فيه ثواب بل يأثم به، قال أصحابنا: وإن استحله كفر، وجرت عليه أحكام المرتدين كما لو استحل الربا أوالزنا أو غيره من المحرمات الشائعة التحريم، وإن صلى الفرض قاعدًا لعجزه عن القيام أو مضطجعًا لعجزه عن القيام والقعود فثوابه كثوابه قائمًا لا ينقص باتفاق أصحابنا فيتعين حمل الحديث في تنصيف الثواب على من صلى النفل قاعدًا مع قدرته على القيام هذا تفصيل مذهبنا وبه قال الجمهور في تفسير هذا الحديث، وحكاه القاضي عياض عن جماعة منهم الثوري وابن الماجشون، وحكي عن الباجي من أئمة المالكية أنه حمله على المصلي فريضة لعذر أو نافلة لعذر أو لغير عذر، قال: وحمله بعضهم على من له عذر يُرخص في القعود في الفرض والنفل ويمكنه القيام بمشقة اهـ.
[الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج 9/ 363]
قال الراجحي:
في هذه الأحاديث: أنه ربما صلى عليه الصلاة والسلام تسع ركعات في الليل، والغالب أنه كان يصلي إحدى عشرة ركعة، أو ثلاث عشرة ركعة.
وفيها: أن صلاة الليل متنوعة؛ فتارة يصلي عليه الصلاة والسلام ليلًا طويلًا قائمًا، وتارة ليلًا طويلًا قاعدًا، وتارة يصلي قائمًا فيركع وهو قائم، وتارة يصلي وهو قاعد فيركع ويسجد وهو قاعد.
وفيها: أنه لا بأس بأن يجلس المصلي في صلاة النافلة، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل، أما الفرائض فلا بد من القيام إلا عند العجز.
وفيها: أن الأفضل أنه إذا افتتح الصلاة قائمًا أكملها قائمًا، وإذا افتتحها قاعدًا أكملها قاعدًا، كما يجوز له أن يجلس إذا تعب.
[توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم 2/ 440]
متى يجوز للإنسان أن يصلي قاعدا في الفريضة ؟
والأصل في ذلك ما رواه البخاري (1050) عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : كَانَتْ بِي بَوَاسِيرُ ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الصَّلَاةِ ، فَقَالَ : ( صَلِّ قَائِمًا ، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا ، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ ) .
قال ابن قدامة رحمه الله : ” قال : ( والمريض إذا كان القيام يزيد في مرضه صلى قاعدا ) أجمع أهل العلم على أن من لا يطيق القيام له أن يصلي جالسا . وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمران بن حصين : ( صل قائما ، فإن لم تستطع فقاعدا ، فإن لم تستطع فعلى جنب ) . رواه البخاري وأبو داود والنسائي وزاد : ( فإن لم تستطع فمستلقيا ، لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) . وروى أنس رضي الله عنه قال : سقط رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فرس فخُدِش أو جُحش شقه الأيمن فدخلنا عليه نعوده ، فحضرت الصلاة فصلى قاعدا ، وصلينا خلفه قعودا . متفق عليه .
وإن أمكنه القيام إلا أنه يخشى زيادة مرضه به ، أو تباطؤ برئه (أي شفائه) ، أو يشق عليه مشقة شديدة ، فله أن يصلي قاعدا . ونحو هذا قال مالك وإسحاق . وقال ميمون بن مهران : إذا لم يستطع أن يقوم لدُنياه , فليصل جالسا . وحكي عن أحمد نحو ذلك ”
أي من كان يستطيع القيام لمصالحه الدنيوية ، فيلزمه أن يصلي قائما ولا يجوز له القعود .
ثم قال ابن قدامة رحمه الله : ” ولنا قول الله تعالى : ( وما جعل عليكم في الدين من حرج ) . وتكليف القيام في هذه الحال حرج ؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى جالسا لما جُحِش (أي جُرح) شقه الأيمن ، والظاهر أنه لم يكن يعجز عن القيام بالكلية ، لكن لما شق عليه القيام سقط عنه ، فكذلك تسقط عن غيره … وإن قدر على القيام ، بأن يتكئ على عصى ، أو يستند إلى حائط ، أو يعتمد على أحد جانبيه : لزمه ؛ لأنه قادر على القيام من غير ضرر ، فلزمه ، كما لو قدر بغير هذه الأشياء ” انتهى من “المغني” (1/443) .
وقال النووي رحمه الله : ” أجمعت الأمة على أن من عجز عن القيام في الفريضة صلاها قاعدا ولا إعادة عليه , قال أصحابنا : ولا ينقص ثوابه عن ثوابه في حال القيام , لأنه معذور , وقد ثبت في صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحا مقيما ) . قال أصحابنا : ولا يشترط في العجز أن لا يتأتّى القيام ، ولا يكفي أدنى مشقة ، بل المعتبر المشقة الظاهرة ، فإذا خاف مشقة شديدة أو زيادة مرض أو نحو ذلك أو خاف راكب السفينة الغرق أو دوران الرأس صلى قاعدا ولا إعادة ” انتهى من “المجموع” (4/201) .
وبين الشيخ ابن عثيمين رحمه الله ضابط المشقة التي تبيح ترك القيام في الفرض ، وصفة الجلوس ، فقال : ” الضابط للمشقة : ما زال به الخشوع ؛ والخشوع هو : حضور القلب والطمأنينة ، فإذا كان إذا قام قلق قلقا عظيما ولم يطمئن ، وتجده يتمنى أن يصل إلى آخر الفاتحة ليركع من شدة تحمله ، فهذا قد شق عليه القيام فيصلي قاعدا .
ومثل ذلك الخائف فإنه لا يستطيع أن يصلي قائما ، كما لو كان يصلي خلف جدار وحوله عدو يرقبه ، فإن قام تبين من وراء الجدار ، وإن جلس اختفى بالجدار عن عدوه ، فهنا نقول له : صل جالسا .
ويدل لهذا قوله تعالى : ( فإن خفتم فرجالا أو ركبانا ) البقرة/ 239 ، فأسقط الله عن الخائف الركوع والسجود والقعود ، فكذلك القيام إذا كان خائفا .
أما صلاة النافلة ، فيجوز القعود فيها من غير عذر ، إجماعا ، لكن أجر القاعد حينئذ على النصف من أجر القائم ؛ لما روى مسلم (1214) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنه قَالَ : حُدِّثْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( صَلاةُ الرَّجُلِ قَاعِدًا نِصْفُ الصَّلاةِ . قَالَ : فَأَتَيْتُهُ ، فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي جَالِسًا ، فَوَضَعْتُ يَدِي عَلَى رَأْسِهِ ، فَقَالَ : مَا لَكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو ؟! قُلْتُ : حُدِّثْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَّكَ قُلْتَ : صَلاةُ الرَّجُلِ قَاعِدًا عَلَى نِصْفِ الصَّلاةِ ، وَأَنْتَ تُصَلِّي قَاعِدًا ! قَالَ : أَجَلْ ، وَلَكِنِّي لَسْتُ كَأَحَدٍ مِنْكُمْ ) .
قال النووي رحمه الله في شرح مسلم : ” معناه أن صلاة القاعد فيها نصف ثواب القائم ، فيتضمن صحتها ونقصان أجرها . وهذا الحديث محمول على صلاة النفل قاعدا مع القدرة على القيام ، فهذا له نصف ثواب القائم . وأما إذا صلى النفل قاعدا لعجزه عن القيام فلا ينقص ثوابه بل يكون كثوابه قائما . وأما الفرض فإن صلاه قاعدا مع قدرته على القيام لم يصح فلا يكون فيه ثواب بل يأثم به .
قال أصحابنا (الشافعية) : وان استحله كفر وجرت عليه أحكام المرتدين كما لو استحل الزنى والربا أو غيره من المحرمات الشائعة التحريم .
وإن صلى الفرض قاعدا لعجزه عن القيام أو مضطجعا لعجزه عن القيام والقعود ، فثوابه كثوابه قائما ، لم ينقص باتفاق أصحابنا ، فيتعين حمل الحديث في تنصيف الثواب على من صلى النفل قاعدا مع قدرته على القيام . هذا تفصيل مذهبنا وبه قال الجمهور في تفسير هذا الحديث “.
وقال : ” وأما قوله صلى الله عليه وسلم : ( لست كأحد منكم ) فهو عند أصحابنا من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم ، فجُعلت نافلته قاعدا مع القدرة على القيام كنافلته قائما تشريفا له ، كما خص بأشياء معروفة في كتب أصحابنا وغيرهم ، وقد استقصيتها في أول كتاب تهذيب الأسماء واللغات ” انتهى من “شرح صحيح مسلم” (6/14) .
والله أعلم .
——
قال اللهُ تعالى: حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ لم يأتِ في التَّنزيلِ ذِكرُ المقابِرِ إلَّا في هذه السُّورةِ، والدخولُ إليها ومشاهدتُها مِن أعظَمِ الدَّواءِ للقَلْبِ القاسي؛ لأنَّها تُذكِّرُ الموتَ والآخِرةَ، وذلك يحمِلُ على قِصَرِ الأمَلِ، والزُّهدِ في الدُّنيا، وتَركِ الرَّغبةِ فيها . قال العُلَماءُ: ينبغي لمن أراد عِلاجَ قَلْبِه، وانقِيادَه بسلاسِلِ القَهْرِ إلى طاعةِ رَبِّه أن يُكثِرَ مِن ذِكرِ هاذِمِ اللَّذَّاتِ، ومُفَرِّقِ الجماعاتِ، ومُوتِمِ البَنينَ والبناتِ، ويواظِبَ على مُشاهَدةِ المحتَضَرينَ، وزيارةِ قُبورِ أمواتِ المُسلِمينَ؛ فهذه ثلاثةُ أمورٍ يَنبغي لِمَن قسا قلبُه ولَزِمَه ذَنْبُه أن يستعينَ بها على دواءِ دائِه، ويَستصرِخَ بها على فِتَنِ الشَّيطانِ وأعوانِه، فإنِ انتفَعَ بالإكثارِ مِن ذِكرِ الموتِ، وانجَلَت به قساوةُ قَلْبِه، فذاك، وإنْ عَظُمَ عليه رانُ قَلْبِه، واستحكَمَت فيه دواعي الذَّنبِ، فإنَّ مُشاهَدةَ المحتَضَرينَ وزيارةَ قُبورِ أمواتِ المُسلِمينَ تَبلُغُ في دَفعِ ذلك ما لا يَبلُغُه الأوَّلُ؛ لأنَّ ذِكرَ الموتِ إخبارٌ للقَلبِ بما إليه المصيرُ، وقائِمٌ له مقامَ التَّخويفِ والتَّحذيرِ .
يُنظر: ((تفسير القرطبي)) (20/171).
مَن أكلَ مِن الطَّيِّباتِ ولم يَشْكُرْ فهو مذمومٌ؛ قال تعالى: ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ، أي: عن الشُّكرِ عليه .
يُنظر: ((الفتاوى الكبرى)) لابن تيمية (5/547).
—
وقال تعالى: ﴿ألهاكم التكاثر، حتى زرتم المقابر، كلا سوف تعلمون، ثم كلا سوف تعلمون، كلا لو تعلمون علم اليقين﴾ [التكاثر:١،٥]
يَقُولُ تَعَالَى: شَغَلَكُمْ حُبُّ الدُّنْيَا وَنَعِيمُهَا وَزَهْرَتُهَا عَنْ طَلَبِ الْآخِرَةِ وَابْتِغَائِهَا، وَتَمَادَى بِكُمْ ذَلِكَ حَتَّى جَاءَكُمُ الْمَوْتُ وَزُرْتُمُ الْمَقَابِرَ، وَصِرْتُمْ مِنْ أَهْلِهَا؟!( ابن كثير)
هذا خبر يراد به الوعظ والتوبيخ، ومعنى ﴿ألهاكم﴾: شغلكم، و﴿التكاثر﴾: المباهاة بكثرة المال والأولاد، وأن يقول هؤلاء: «نحن أكثر»، ويقول هؤلاء: «نحن أكثر». ولما قرأها النبي ﷺ قال: ﴿يقول ابن آدم: مالي مالي. وليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت﴾. [ابن جزي: ٢/٦٠٥]
ولم يذكر المتكاثر به، ليشمل ذلك كل ما يتكاثر به المتكاثرون، ويفتخر به المفتخرون، من التكاثر في الأموال، والأولاد، والأنصار، والجنود، والخدم، والجاه، وغير ذلك مما يقصد منه مكاثرة كل واحد للآخر، وليس المقصود به الإخلاص لله تعالى. (السعدي)
قال السعدي” فاستمرت غفلتكم ولهوتكم [وتشاغلكم] ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ فانكشف لكم حينئذ الغطاء، ولكن بعد ما تعذر عليكم استئنافه.
ودل قوله: ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ أن البرزخ دار مقصود منها النفوذ إلى الدار الباقية ، أن الله سماهم زائرين، ولم يسمهم مقيمين.”
قال ابن عثيمين:” معنى الآية الكريمة؛ أي: إنَّكم تَلَهَّيتم بالتكاثُر عن الآخرة إلى أن متُّم.
وقال أيضا في تفسيره :” وبهذا نعرف أن ما يذكره بعض الناس الآن في الجرائد وغيرها يقول عن الرجل إذا مات: إنه انتقل إلى مثواه الأخير، أنَّ هذا كلامٌ باطلٌ وكَذِبٌ؛ لأن القبور ليس هي المثوى الأخير، بل لو أن الإنسان اعتقد مدلولَ هذا اللفظ لصار أيش؟ كافرًا بالبعث، والكفر بالبعث رِدَّةٌ عن الإسلام، لكن كثيرًا من الناس يأخذون الكلمات على عواهنها ولا يدرون ما معناها، ولعل هذه موروثةٌ عن الملحدين الذين لا يُقِرُّون بالبعث بعد الموت
وَقَوْلُهُ: ﴿كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾
قيل: إن ﴿كَلَّا﴾ بمعنى الرَّدْع؛ يعني: ارتدعوا عن هذا التكاثر، وقيل: إنها بمعنى حقًّا. ( ابن عثيمين)
قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: هَذَا(١٧) وَعِيدٌ بَعْدَ وَعِيدٍ.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ﴿كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي: الْكُفَّارَ، ﴿ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ يَعْنِي: أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ.( ابن كثير)
قال ابن عثيمين:” ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أي: سوف تعلمون عاقبةَ أَمْركم بالتكاثر الذي ألهاكم عن الآخِرة.
﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ وهذه الجملة تأكيدٌ للرَّدْع مرَّةً ثانية.
قال ابن القيم: ” ومن تأمل حسن موقع «كلا» في هذا الموضع، فإنها تضمنت ردعا لهم، وزجرا عن التكاثر، ونفيا وإبطالا لما يؤملونه، من نفع التكاثر لهم، وعزتهم وكمالهم به، فتضمنت اللفظة نهيا ونفيا، وأخبرهم سبحانه أنهم لا بد أن يعلموا عاقبة تكاثرهم علما بعد علم، وأنهم لا بد أن يروا دار المكاثرين بالدنيا التي ألهتهم عن الآخرة رؤية بعد رؤية، وأنه سبحانه لا بد أن يسألهم عن أسباب تكاثرهم: من أين استخرجوها؟ وفيم صرفوها؟.
فلله ما أعظمها من سورة، وأجلها وأعظمها فائدة، وأبلغها موعظة وتحذيرا، وأشدها ترغيبا في الآخرة، وتزهيدا في الدنيا على غاية اختصارها، وجزالة ألفاظها وحسن نظمها. فتبارك من تكلم بها حقا وبلغها رسوله عنه وحيا.” (ابن القيم عدة الصابرين)
* * *
وَقَوْلُهُ: ﴿كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾
أَيْ: لَوْ عَلِمْتُمْ حَقَّ الْعِلْمِ، لَمَا أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ عَنْ طَلَبِ الدَّارِ الْآخِرَةِ، حَتَّى صِرْتُمْ إِلَى الْمَقَابِرِ. (ابن كثير)
-000
وعنْ عبْدِ اللَّه بنِ الشِّخِّيرِ”بكسر الشين والخاءِ المشددةِ المعجمتين” أَنَّهُ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وهُوَ يَقْرَأُ: ﴿أَلهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ قَالَ: “يَقُولُ ابنُ آدَم: مَالي، مَالي، وَهَل لَكَ يَا ابْنَ آدمَ مِنْ مالِكَ إِلاَّ مَا أَكَلت فَأَفْنيْتَ، أَو لبِستَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضيْتَ؟ ” رواه مسلم.
جاء في رواية أيضا عند مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ” يَقُولُ الْعَبْدُ : مَالِي مَالِي. إِنَّمَا لَهُ مِنْ مَالِهِ ثَلَاثٌ : مَا أَكَلَ فَأَفْنَى، أَوْ لَبِسَ فَأَبْلَى، أَوْ أَعْطَى فَاقْتَنَى. وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ ذَاهِبٌ وَتَارِكُهُ لِلنَّاسِ “.
وهذا الحديث فيه حال الإنسان مع المال.
ذلك : أَلْهَنكُمُ التَّكَاثُرُ حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ [التكاثر : ١، ٢] ؛ مر معنا بيانها
قال ابن باز: “ألهاكم التكاثر في الأموال والأولاد عن الإعداد للآخرة وعن القيام بحق الله، هذا هو المذموم أن يلتهي ويشتغل بالتكاثر في الأموال والجاه، ونحو ذلك عما يجب عليه وهكذا يقول سبحانه: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَسِرُونَ﴾ [المنافقون: ٩] ، فالإنسان يذم على قصد التكاثر والرغبة في المال على وجه يفاخر به أو يشتغل به عن الآخرة، أو نحو ذلك مما يصده عن الحق، أما إذا طلب المال من طريق الحلال ليكسب به الأعمال الصالحات، وينفقه في وجوه الخير ويساعد على مشاريع الخير فهذا مطلوب ومشكور صاحبه. (شرح رياض الصالحين لابن باز)
قَالَ) ﷺ: (“يَقُولُ ابْنُ آدَمَ) أراد النبيّ ﷺ بهذا تفسير هذه الآية الكريمة، فبيّن أن المراد بالتكاثر هو التكاثر في الأموال، وللمفسّرين أقوال في معناها، ولكن هذا التفسير هو الصواب المقدّم على غيره؛ لأن الله تعالى جعل بيان كتابه إليه ﷺ، حيث قال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤].
وفي “صحيح البخاريّ” من طريق ابن شهاب، قال: أخبرني أنس بن مالك، أن رسول الله ﷺ قال: “لو أن لابن آدم واديًا من ذهب، أحب أن يكون له واديان، ولن يملأ فاه إلا التراب، ويتوب الله على من تاب”.
قال: وقال لنا أبو الوليد: حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، عن أُبَيّ، قال: كنا نَرَى هذا من القرآن، حتى نزلت: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾.
قال ابن العربيّ: وهذا نصّ صحيح مَلِيحٌ، غاب عن أهل التفسير، فجهِلُوا، وجَهَّلُوا، والحمد لله على المعرفة.
——
الفوائد العلمية واللطائف:
1- قال الله تعالى: أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ التَّكاثُرُ مُطلقًا ليس بمذمومٍ؛ لأنَّ التَّكاثُرَ في العِلمِ والطَّاعةِ والأخلاقِ الحميدةِ ليس بمذمومٍ إذا كان المرادُ أن يَقتديَ به غيرُه. وإنَّما المذمومُ ما يكونُ الباعِثُ عليه الاستكبارَ وحُبَّ الجاهِ والغَلَبةِ، والفَخرَ بما لا سعادةَ حقيقيَّةً فيه، وليست السعادةُ الحقيقيَّةُ إلَّا فيما يرجِعُ إلى العِلمِ والعَمَلِ، أو إلى ما يُعِينُ عليهما مِن الأمورِ الخارجيَّةِ . فالألِفُ والَّلامُ في التَّكَاثُرُ ليسا للاستغراقِ، بل للمَعهودِ السَّابِقِ، وهو التَّكاثُرُ في الدُّنيا ولَذَّاتها وعلائِقِها؛ فإنَّه هو الَّذي يمنَعُ عن طاعةِ اللهِ تعالى وعُبوديَّتِه .
يُنظر: ((تفسير الرازي)) (32/270).
2- قَولُه تعالى: أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ أَلْهَاكُمُ أبلَغُ في الذَّمِّ مِن «شَغَلَكم»؛ فإنَّ العامِلَ قد يَستعمِلُ جوارحَه بما يَعملُ وقلْبُه غيرُ لاهٍ به؛ فاللَّهوُ هو ذُهولٌ وإعراضٌ .
يُنظر: ((الفوائد)) لابن القيم (ص: 30).
3- قال اللهُ تعالى: أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ * كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ في هذا دَليلٌ على صِحَّةِ القَولِ بعذابِ القَبرِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى ذِكْرُه أخبَرَ عن هؤلاء القَومِ الَّذين ألْهاهم التَّكاثُرُ أنَّهم سيَعلَمونَ ما يَلقَونَ إذا هم زاروا القُبورَ؛ وَعيدًا منه لهم وتهَدُّدًا .
يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (24/600). وذكَر ابنُ القيِّمِ أنَّ عليَّ بنَ أبى طالبٍ رضِي الله عنه وغيرَه مِن السَّلفِ فهِموا مِن الآيةِ عذابَ القبرِ. يُنظر: ((عدة الصابرين)) (ص: 188).
4- قال تعالى: أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ فجعَلَ الغايةَ زيارةَ المقابِرِ دونَ الموتِ؛ إيذانًا بأنَّهم غيرُ مُستَوطِنينَ ولا مُستقِرِّينَ فى القُبورِ، وأنَّهم فيها بمنزلةِ الزَّائرينَ يَحضُرونَها مدَّةً ثمَّ يَظْعَنونُ عنها، كما كانوا في الدُّنيا زائرينَ لها، غيرَ مُستقِرِّينَ فيها، ودارُ القَرارِ هي الجنَّةُ أو النَّارُ .
يُنظر: ((عدة الصابرين)) لابن القيم (ص: 183).
5- في قَولِه تعالى: حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ تنبيهٌ على أنَّ الزائرَ لا بُدَّ أنْ يَنتَقِلَ عن مَزارِه؛ فهو تنبيهٌ على البَعثِ .
يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (16/517).
6- في قَولِه تعالى: حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ استدَلَّ به عُمَرُ بنُ عبدِ العزيزِ -رحمه اللهُ- على أنَّ الزَّائِرَ لا بُدَّ أن يرجِعَ إلى وطَنِه، وأنَّ القُبورَ ليست بدارِ إقامةٍ، وكذلك يُذكَرُ عن بعضِ الأعرابِ أنَّه سَمِعَ قارِئًا يقرأُ: أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ، فقال: (واللهِ ما الزَّائِرُ بمقيمٍ، واللهِ لَنُبعَثَنَّ)؛ لأنَّ الزَّائِرَ -كما هو معروفٌ- يَزورُ ويَرجِعُ، فقال: (واللهِ لَنُبعَثَنَّ)، وهذا هو الحَقُّ، وبهذا نَعرِفُ أنَّ ما يَذْكُرُه بعضُ النَّاسِ الآنَ في الجرائدِ وغيرِها؛ يقولُ عن الرَّجُلِ إذا مات: إنَّه انتقلَ إلى مَثْواه الأخيرِ؛ أنَّ هذا كلامٌ باطلٌ وكَذِبٌ؛ لأنَّ القُبورَ ليست هي المثوى الأخيرَ، بل لو أنَّ الإنسانَ اعتقدَ مدلولَ هذا اللَّفظِ لَصار كافرًا بالبَعثِ، والكفرُ بالبعثِ رِدَّةٌ عن الإسلامِ، لكنَّ كثيًرا مِن النَّاسِ يَأخُذونَ الكَلِماتِ ولا يَدرُونَ ما معناها، ولعَلَّ هذه موروثةٌ عن المُلْحِدين الَّذين لا يُقِرُّون بالبَعثِ بعدَ الموتِ؛ لهذا يجِبُ تجنُّبُ هذه العبارةِ، فلا يُقالُ عن القَبرِ: إنَّه المثوى الأخيرُ؛ لأنَّ المثوى الأخيرَ إمَّا الجنَّةُ وإمَّا النَّارُ في يومِ القيامةِ .
يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- جزء عم)) (ص: 303). ويُنظر أيضًا: ((تفسير ابن كثير)) (8/474).
9- قال تعالى: كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ ذكرَ اللهُ سُبحانَه في كِتابِه مَراتِبَ اليَقينِ، وهي ثلاثةٌ: حَقُّ اليَقينِ، وعِلمُ اليَقينِ، وعَيْنُ اليَقينِ: أوَّلُها: عِلمُه، وهو التَّصديقُ التَّامُّ به؛ بحيثُ لا يَعرِضُ له شَكٌّ ولا شُبهةٌ تَقدَحُ في تَصديقِه، كعِلمِ اليَقينِ بالجنَّةِ مثلًا، وتَيَقُّنِهم أنَّها دارُ المُتَّقِينَ ومَقَرُّ المُؤمنينَ، فهذه مَرتَبةُ العِلمِ؛ لِتَيَقُّنِهم أنَّ الرُّسلَ أَخبَروا بها عن اللهِ، وتَيَقُّنِهم صِدْقَ المُخبِرِ. المَرتَبةُ الثَّانيةُ: عَيْنُ اليَقينِ؛ وهي مَرتَبةُ الرُّؤيةِ والمُشاهَدةِ، كما قال تعالى: ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ، وبيْنَ هذه المَرتَبةِ والَّتي قبلَها فَرْقُ ما بيْنَ العِلمِ والمُشاهَدةِ؛ فاليَقينُ للسَّمعِ، وعَيْنُ اليَقينِ للبَصرِ. المَرتَبةُ الثَّالثةُ: مَرتَبةُ حَقِّ اليَقينِ؛ وهي مُباشَرةُ الشَّيءِ بالإحساسِ به، كما إذا أُدخِلُوا الجنَّةَ وتَمتَّعُوا بما فيها، فهُم في الدُّنيا في مَرتَبةِ عِلمِ اليَقينِ، وفي المَوقِفِ حينَ تُزْلَفُ وتُقرَّبُ منهم حتَّى يُعايِنُوها في مَرتَبةِ عَيْنِ اليَقينِ، وإذا دَخلُوها وباشَرُوا نَعيمَها في مَرتَبةِ حَقِّ اليَقينِ . فعِلْمُ اليَقينِ: ما عَلِمَه بالسَّماعِ والخبرِ والقياسِ والنَّظَرِ، وعَينُ اليقينِ: ما شاهَده وعايَنَه بالبصَرِ، وحَقُّ اليقينِ: ما باشَرَه ووَجَدَه وذاقَه وعَرَفَه بالاعتبارِ؛ فالأوَّلُ: مِثلُ مَن أُخْبِرَ أنَّ هناك عَسَلًا، وصَدَّقَ المُخْبِرَ، أو رأى آثارَ العسَلِ فاستدلَّ على وُجودِه. والثَّاني: مِثلُ مَن رأى العَسَلَ وشاهَدَه وعايَنَه، وهذا أعلى، كما قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((ليس الخبرُ كالمُعايَنةِ)) . والثَّالثُ: مِثلُ مَن ذاق العَسَلَ ووَجَدَ طَعْمَه وحَلاوتَه، ومَعلومٌ أنَّ هذا أعلى مِمَّا قبْلَه .
يُنظر: ((التبيان في أقسام القرآن)) لابن القيم (ص: 191، 192).
يُنظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (10/645).
10- قال تعالى: كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ * ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ لَتَرَوُنَّهذه الجُملةُ مُستقِلَّةٌ مُستأنَفةٌ لا صِلةَ لها بما قَبْلَها، وهي جُملةٌ قَسَميَّةٌ، فيها قَسَمٌ مُقَدَّرٌ، والتَّقديرُ: واللهِ لتَرَوُنَّ الجحيمَ، وليست جوابَ «لو»؛ ولهذا يجِبُ على القارئِ أن يقِفَ عندَ قَولِه تعالى: كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ. ونحن نَسمَعُ كثيرًا مِن الأئمَّةِ يُصَلُّونَ فيقولونَ: كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ، وهذا الوَصلُ إمَّا غَفلةٌ منهم ونِسيانٌ، وإمَّا أنَّهم لم يتأمَّلوا الآيةَ حَقَّ التَّأمُّلِ، وإلَّا لو تأمَّلوها حَقَّ التَّأمُّلِ لَوجدوا أنَّ الوَصلَ يُفسِدُ المعنى؛ لأنَّه إذا قال: كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ صارت رؤيةُ الجَحيمِ مَشروطةً بعِلْمِهم، وهذا ليس بصَحيحٍ؛ لذلك يجِبُ التَّنبُّهُ والتَّنبيهُ لهذا. وأيضًا فالمشروعُ أن يقفَ الإنسانُ عندَ رأسِ كلِّ آيةٍ .
يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- جزء عم)) (ص: 304، 305).
11- قال اللهُ تعالى: ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ الْتَحَم آخِرُها بأوَّلِها على وَجهٍ هو مِن ألطَفِ الخِطابِ، وأدَقِّ المسالِكِ في النَّهيِ عمَّا يجُرُّ إلى العذابِ؛ لأنَّ العاقِلَ إذا عَلِمَ أنَّ بيْنَ يَدَيه سُؤالًا عن كُلِّ ما يَتلذَّذُ به، عَلِمَ أنَّه يَعوقُه ذلك في زمَنِ السُّؤالِ عن لَذاذاتِ الجنَّةِ العَوالِ الغَوَالِ؛ فكان خَوفُه مِن مُطلَقِ السُّؤالِ مانِعًا له عن التَّنَعُّمِ بالمُباحِ، فكيف بالمكروهِ، فكيف ثمَّ كيف بالمحَرَّمِ؟! فكيف إذا كان السُّؤالُ مِن مَلِكٍ تَذوبُ لهيبتِه الجِبالُ؟ فكيف إذا كان السُّؤالُ على وَجهِ العِتابِ؟ فكيف إذا جَرَّ إلى العَذابِ ؟!
يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (22/232، 233).
قال الإتيوبي:
(المسألة الثالثة): في فوائده:
1 – (منها): بيان فضل صلاة القائم على صلاة القاعد، حيث إنه يُفَضَّل عليه بنصف الأجر.
2 – (ومنها): بيان جواز النافلة قاعدًا مع القدرة على القيام.
3 – (ومنها): بيان شرف النبيّ صلى الله عليه وسلم، وعظيم منزلته عند اللَّه تعالى، حيث خصّه بعدم نقص أجر صلاته قاعدًا، بخلاف غيره، فينقص منهم نصف أجورهم، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج 15/ 461]