582 – فتح الاحد الصمد شرح الصحيح المسند
مشاركة عبدالله الديني وأحمد بن علي وأسامة
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
٥٨٢ – قال الإمام أبو عبد الله بن ماجه رحمه الله (ج ١ ص ٣٦٠) : حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ، [عَنْ] أَبِي النَّضْرِ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ، قَالَ: قُلْتُ وَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ: إِنَّا لَنَجِدُ فِي كِتَابِ اللهِ: فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ سَاعَةً لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُؤْمِنٌ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللهَ فِيهَا شَيْئًا، إِلَّا قَضَى لَهُ حَاجَتَهُ. قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَأَشَارَ إِلَيَّ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: (( أَوْ بَعْضُ سَاعَةٍ )) . فَقُلْتُ: صَدَقْتَ، أَوْ بَعْضُ سَاعَةٍ. قُلْتُ: أَيُّ سَاعَةٍ هِيَ؟ قَالَ: (( هِيَ آخِرُ سَاعَاتِ النَّهَارِ )) . قُلْتُ: إِنَّهَا لَيْسَتْ سَاعَةَ صَلَاةٍ. قَالَ: (( بَلَى، إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إِذَا صَلَّى ثُمَّ جَلَسَ، لَا يَحْبِسُهُ إِلَّا الصَّلَاةُ، فَهُوَ فِي الصَّلَاةِ )) .
هذا حديث حسنٌ، رجاله رجال الصحيح.
* قال الإمام مالك رحمه الله (ج ١ ص ١٣١) مع “تنوير الحوالك” : عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ قَالَ: خَرَجْتُ إِلَى الطُّورِ، فَلَقِيتُ كَعْبَ الْأَحْبَارِ فَجَلَسْتُ مَعَهُ، فَحَدَّثَنِي عَنِ التَّوْرَاةِ، وَحَدَّثْتُهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ، فَكَانَ فِيمَا حَدَّثْتُهُ أَنْ قُلْتُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: (( خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ، فِيهِ خُلِقَ آدَمُ، وَفِيهِ أُهْبِطَ [ص: ٤٩٧] مِنَ الْجَنَّةِ، وَفِيهِ تِيبَ عَلَيْهِ، وَفِيهِ مَاتَ، وَفِيهِ تَقُومُ السَّاعَةُ، وَمَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا وَهِيَ مُصِيخَةٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ حِينِ تُصْبِحُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ؛ شَفَقًا مِنَ السَّاعَةِ، إِلَّا الْجِنَّ وَالْإِنْسَ، وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللهَ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ )) . قَالَ كَعْبٌ: ذَلِكَ فِي كُلِّ سَنَةٍ يَوْمٌ. فَقُلْتُ: بَلْ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ. فَقَرَأَ كَعْبٌ التَّوْرَاةَ، فَقَالَ: صَدَقَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ.
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَلَقِيتُ بَصْرَةَ بْنَ أَبِي بَصْرَةَ الْغِفَارِيَّ، فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ؟ فَقُلْتُ: مِنَ الطُّورِ. فَقَالَ: لَوْ أَدْرَكْتُكَ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ إِلَيْهِ مَا خَرَجْتَ؛ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (( لَا تُعْمَلُ الْمَطِيُّ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَإِلَى مَسْجِدِي هَذَا، وَإِلَى مَسْجِدِ إِيلِيَاءَ -أَوْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ- )) يَشُكُّ.
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: ثُمَّ لَقِيتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ سَلَامٍ فَحَدَّثْتُهُ بِمَجْلِسِي مَعَ كَعْبِ الْأَحْبَارِ، وَمَا حَدَّثْتُهُ بِهِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَقُلْتُ: قَالَ كَعْبٌ: ذَلِكَ فِي كُلِّ سَنَةٍ يَوْمٌ. قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ: كَذَبَ كَعْبٌ. فَقُلْتُ: ثُمَّ قَرَأَ كَعْبٌ التَّوْرَاةَ، فَقَالَ: بَلْ هِيَ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ. فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ: صَدَقَ كَعْبٌ. ثُمَّ قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ: قَدْ عَلِمْتُ أَيَّةَ سَاعَةٍ هِيَ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقُلْتَ لَهُ: أَخْبِرْنِي بِهَا وَلَا تَضِنَّ عَلَيَّ. فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ: هِيَ آخِرُ سَاعَةٍ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ. قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقُلْتُ: وَكَيْفَ تَكُونُ آخِرَ سَاعَةٍ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: (( لَا يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُصَلِّي )) ، وَتِلْكَ السَّاعَةُ سَاعَةٌ لَا يُصَلَّى فِيهَا؟ فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَلَامٍ: أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ: (( مَنْ جَلَسَ مَجْلِسًا يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ حَتَّى يُصَلِّيَ )) ؟ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَقُلْتُ: بَلَى. قَالَ: فَهُوَ ذَلِكَ.
[ص: ٤٩٨] هذا حديث صحيحٌ، وصدره في “الصحيح” ولكني كتبته من أجل حديث بصرة وعبد الله بن سلام.
الحديث أخرجه النسائي (ج ٣ ص ١١٣) فقال رحمه الله أخبرنا قتيبة، قال: حدثنا بكر يعني ابن مضر، عن ابن الهَادِ، عن محمد بن إبراهيم به.
وأخرجه الإمام أحمد رحمه الله (ج ٥ ص ٤٥٣) فقال: ثنا عفان، ثنا حماد بن سلمة، عن قيس بن سعد، عن محمد بن إبراهيم به.
وأخرجه الطبراني في “الدعاء” (ج ٢ ص ٨٦٢) فقال رحمه الله حدثنا علي بن عبد العزيز، ثنا حجاج بن مِنْهَالٍ، ثنا حماد بن سلمة به.
وليس عند الإمام أحمد والطبراني قصة بصرة بن أبي بصرة، وهي عند الإمام أحمد في موضع آخر، قد كتبتها والحمد”
………………..
الساعةُ التي يُستجابُ فيها الدعاءُ
قال ابن باز: (أرجى الساعات للإجابة، وهو ما بين أن يجلسَ الإمام على المنبر إلى أن تقومَ الصلاة، وما بين صلاة العصرِ إلى غُروبِ الشَّمس) ((فتاوى نور على الدرب)) (13/240- 241). وقال ابنُ عثيمين: ( اختلف العلماء في هذه الساعة على أقوال كثيرة، وأرجاها ساعتان: الساعة الأولى: إذا خرَج الإمامُ لصلاة الجُمُعة،… والساعة الثانية التي تُرجَى فيها إجابة الدعاء: ما بعد صلاة العصر إلى أن تغرُبَ الشمس) ((الموقع الرسمي للشيخ محمد بن صالح العثيمين)).
اختلَفَ أهلُ العِلمِ في ساعة الإجابةِ يومَ الجُمُعة، على أقوالٍ، أقواها قولانِ:
أنَّها من جلوسِ الإمامِ إلى انقضاءِ الصَّلاة، واختارَه ابنُ العربيِّ: (على أنَّ مسلمًا قد كشف الغطاءَ عن هذا الخفاء، فقال عن النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: إنَّه “سُئل عن الساعة التي في يوم الجمعة، فقال: هي من جلوس الإمام على المنبر إلى انقضاء الصلاة”. وهذا نصٌّ جلي، والحمد لله. وفي سنن أبي داود عن النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نصٌّ في أنها بعد العصر، ولا يصحُّ) ((أحكام القرآن)) (3/174)، والبَيهقيُّ، قال ابنُ حجر: (وبذلك قال البيهقيُّ) ((فتح الباري)) (2/421)، والقرطبيُّ: – بعد أنْ ذكَر الخلاف في وقتها-: (وحديثُ أبي موسى نصٌّ في موضع الخلاف، فلا يُلتفتْ إلى غيرهـ) ((المفهم)) (2/493-494)، والنوويُّ : (الصَّواب ما بين جلوس الإمامِ على المنبر إلى فراغِه من صلاة الجمعة، حكاه عياضٌ وآخرون) ((المجموع)) (4/549) ، وابنُ رجب: (هذا القول- أعني: أنَّها بعد زوال الشَّمس إلى انقضاء الصلاة، أو أنَّها ما بين أن تُقامَ الصلاة إلى أن يُفرغ منها- أشبهُ بظاهر قول النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((لا يُوافقها عبدٌ مسلم قائمٌ يُصلِّي يسأل اللهَ فيها شيئًا، إلَّا أعطاه إياهـ))؛ فإنَّه إنْ أريد به صلاة الجمعة كانت من حين إقامتها إلى الفراغ منها، وإنْ أريد به صلاة التطوُّع كانت من زوال الشمس إلى خروج الإمام؛ فإنَّ هذا وقت صلاة تطوُّع، وإنْ أريد بها أعم من ذلك- وهو الأظهر- دخل فيه صلاةُ التطوُّع بعدَ زوال الشمس وصلاةُ الجمعة إلى انقضائها) ((فتح الباري)) (5/520، 521) ، وابنُ عابدين: (ثبَت في الصَّحيحين وغيرهما عنه: «فيه ساعة لا يُوافقها عبدٌ مسلم وهو قائمٌ يُصلِّي يسألُ اللهَ تعالى شيئًا إلَّا أعطاه إيَّاه»، وفي هذه الساعة أقوال، أصحُّها أو مِن أصحِّها: أنَّها فيما بين أن يجلسَ الإمام على المنبر إلى أن يَقضي الصلاة، كما هو ثابت في صحيح مسلم) ((حاشية ابن عابدين)) (2/164).
الدَّليلُ مِنَ السُّنَّة:
عن أبي بُردَةَ بنِ أبي موسى، أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عُمرَرَضِيَ اللهُ عنهما، قال له: أسمعتَ أباك يُحدِّثُ عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في شأنِ ساعةِ الجُمُعة شيئًا؟ قال: نعَمْ، سمعتُه يقولُ: سمعتُ رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يقول: ((هي ما بَينَ أن يجلِسَ الإمامُ إلى أنْ تُقضَى الصَّلاةُ )) رواه مسلم (853).
القول الثاني: أنَّها بعدَ العصرِ، وبه قال أكثرُ السَّلفِ كما قال ابنُ القيِّم: (كان سعيدُ بن جُبَير، إذا صلَّى العصر، لم يُكلِّم أحدًا حتى تغرُب الشمس، وهذا هو قولُ أكثرِ السلف، وعليه أكثرُ الأحاديث. ويليه القول: بأنَّها ساعةُ الصلاة، وبقيَّة الأقوال لا دليلَ عليها) ((زاد المعاد)) (1/394). وقال ابنُ رجب: (وقال عبدُ الله بنُ سَلَامٍ: النَّهار اثنا عشرةَ ساعةً، والساعة التي تُذكر من يوم الجمعة آخِرُ ساعات النهار) ((فتح الباري)) (5/506). وقال ابنُ القيِّم: (وهو قولُ عبد الله بن سلَام، وأبي هُرَيرة) ((زاد المعاد)) (1/389، 390)، واختاره أحمدُ، وإسحاقُ، وابنُ عبد البَرِّ وكثيرٌ من الأئمَّة كما قال ابنُ حجر: (حكى الترمذيُّ عن أحمدَ أنَّه قال: أكثرُ الأحاديث على ذلك. وقال ابنُ عبد البر: إنَّه أثبتُ شيءٍ في هذا الباب. ورَوى سعيدُ بن منصور بإسنادٍ صحيحٍ إلى أبي سَلمةَ بن عبدِ الرحمن أنَّ ناسًا من الصحابة اجتمعوا فتَذاكروا ساعةَ الجمعة، ثم افترقوا، فلم يختلفوا أنَّها آخِر ساعةٍ من يومِ الجمعة. ورجَّحه كثيرٌ من الأئمَّة أيضًا، كأحمدَ وإسحاقَ، ومن المالكيَّة الطرطوشيُّ، وحكى العلائيُّ أنَّ شيخه ابنَ الزملكاني شَيخ الشافعيَّة في وقته كان يختاره ويَحكيه عن نصِّ الشافعي) ((فتح الباري)) (2/421- 422). ويُنظر: (كشاف القناع)) للبهوتي (2/44)، ورجَّحه ابنُ القيِّم : (أرجح هذه الأقوال: قولان تَضمَّنتهما الأحاديث الثابتة، وأحدهما أرجحُ من الآخر؛ الأول: أنَّها من جلوس الإمام إلى انقضاء الصلاة… والقول الثاني: أنَّها بعد العصر، وهذا أرجحُ القولين، وهو قولُ عبد الله بن سَلَام، وأبي هريرة، والإمام أحمد، وخَلْق) ((زاد المعاد)) (1/389، 390). وقال أيضًا: (وعندي أنَّ ساعةَ الصَّلاةِ ساعةٌ تُرجى فيها الإجابة أيضًا؛ فكلاهما ساعةُ إجابة، وإن كانت الساعة المخصوصة هي آخِر ساعة بعدَ العصر؛ فهي ساعة معيَّنة من اليوم لا تتقدَّم ولا تتأخَّر، وأمَّا ساعة الصلاة، فتابعةٌ للصلاة تقدَّمت أو تأخَّرت؛ لأنَّ لاجتماع المسلمين وصلاتهم وتضرُّعهم وابتهالهم إلى الله تعالى تأثيرًا في الإجابة، فساعة اجتماعهم ساعةٌ تُرجى في الإجابة، وعلى هذا تتَّفق الأحاديث كلها، ويكون النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قد حضَّ أمَّته على الدعاء والابتهال إلى الله تعالى في هاتين الساعتين) ((زاد المعاد)) (1/394) ، والحجاويُّ: (ويُكثر الدعاء في يومها رجاءَ إصابة ساعة الإجابة، وأرجاها آخِر ساعةٍ من النهار) ((الإقناع)) (1/197).
الأدلَّة:
أولًا: من السُّنَّة
1- عن جابرٍ رَضِيَ اللهُ عنه، عنِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((يومُ الجُمُعةِ اثنا عَشرَ ساعةً، فيها ساعةٌ لا يُوجَدُ مسلمٌ يسألُ اللهَ فيها شيئًا إلَّا أعْطاه؛ فالْتَمِسوها آخِرَ ساعةٍ بعدَ العصرِ )) رواه أبو داود (1048)، والنسائي (3/99)، والحاكم في ((المستدرك)) (1032) صحَّح إسناده على شرْط مسلم المنذري في ((الترغيب والترهيب)) (1/339)، وصحَّح إسنادَه النوويُّ في ((المجموع)) (4/541)، وقال ابنُ رجب في ((فتح الباري)) (5/356): إسناده كلهم ثقات. وصحَّحه العراقي في ((طرح التثريب)) (3/208)، والألباني في ((صحيح سنن أبي داود)) (1048)، وحسنه الوادعي في ((الصحيح المسند)) (251).
2- عن عبدِ اللهِ بنِ سَلَامٍ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: ((قلتُ ورسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم جالسٌ: إنَّا لنَجِدُ في كتاب الله (يعني التوراة) في يومِ الجُمُعة ساعةٌ لا يُوافِقُها عبدٌ مؤمنٌ يُصلِّي، يَسألُ اللهَ عزَّ وجلَّ شيئًا إلَّا قَضَى اللهُ له حاجتَه؟ قال عبدُ اللهِ: فأشارَ إليَّ رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أو بعضَ ساعةٍ. قلت: صدقتَ يا رسولَ الله، أو بعضَ ساعةٍ. قلتُ: أيُّ ساعةٍ هي؟ قال: هي آخِرُ ساعةٍ من ساعاتِ النَّهارِ، قلت: إنَّها ليستْ ساعةَ صلاةٍ، قال: بلى! إنَّ العبدَ المؤمنَ إذا صلَّى، ثم جلَس لا يُجلِسُه إلَّا الصَّلاةُ، فهو في صلاةٍ )) رواه ابن ماجه (1139)، وأحمد (5/451) (23832)، والطبراني في ((المعجم الكبير)) (13/ 168) (405) قال المنذريُّ في ((الترغيب والترهيب)) (1/339): إسنادُه على شرْط الصحيح. وصحَّحه ابن حجر في ((نتائج الأفكار)) (2/434) وقال: وجاء من وجهٍ آخَرَ أصرحَ منه في الرفع. وقال الألباني في ((صحيح سنن ابن ماجهـ)) (941): حسنٌ صحيح. وحسَّنه الوادعي في ((الصحيح المسند)) (575) وقال: رجاله رجالُ الصحيح.
3- عن أبي سَلمةَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عن أبي هُرَيرَة رَضِيَ اللهُ عنه قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((خيرُ يومٍ طلَعَتْ فيه الشمسُ يومُ الجُمُعة، فيه خُلِقَ آدمُ، وفيه أُهبِطَ، وفيه تِيبَ عليه، وفيه ماتَ، وفيه تقومُ السَّاعةُ، وما مِن دابَّة إلَّا وهي مُصِيخةٌ يومَ الجُمُعة، مِن حِين تُصبِحُ حتى تطلُعَ الشمس؛ شفقًا من الساعةِ، إلَّا الجِنَّ والإنسَ، وفيه ساعةٌ لا يُصادِفُها عبدٌ مسلمٌ وهو يُصلِّي يسأل اللهَ عزَّ وجلَّ حاجةً إلَّا أعطاه إياَّها، قال كعب: ذلك في كلِّ سَنةٍ يومٌ؟ فقلت: بل في كلِّ جُمُعة، قال: فقرأ كعبٌ التوراة، فقال: صدَق رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، قال أبو هريرة: ثم لقيتُ عبدَ اللهِ بنَ سَلَام، فحدَّثتُه بمَجْلِسي مع كعب، فقال عبد الله بنُ سَلَامِ: وقد علمتُ أيَّةُ ساعةٍ هي. قال أبو هريرة: فقلتُ: أخبِرْني بها، فقال عبدُ الله بنُ سَلَامٍ: هي آخِرُ ساعةٍ من يوم الجُمُعة، فقلت: كيف هي آخر ساعة من يوم الجُمُعة، وقد قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: لا يُصادِفُها عبدٌ مسلمٌ وهو يُصلِّي، وتِلك الساعةُ لا يُصلَّى فيها؟ فقال عبدُ اللهِ بنُ سَلَامٍ: ألمْ يقُلْ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: مَن جَلَس مجلسًا ينتظرُ الصَّلاةَ، فهو في صلاةٍ حتى يُصلِّي؟ قال: فقلتُ: بلى! فقال: هو ذاك )) رواه أبو داود (1046)، والترمذي (491)، والنسائي (3/113). صحَّحه ابن القيِّم في ((جلاء الأفهام)) (157)، وقال الهيثمي في ((موارد الظمآن)) (1/444): في الصَّحيح بعضه. وصحَّحه ابن حجر في ((نتائج الأفكار)) (2/432)، والألباني في ((صحيح سنن أبي داود)) (1046).
ثانيًا: مِن الآثار
عن أبي سَلمةَ بنِ عَبدِ الرحمنِ أنَّ ناسًا من الصَّحابةِ اجتمَعوا فتذاكروا ساعةَ الجُمُعة، ثم افترَقوا فلم يختلفوا أنَّها آخِرُ ساعةٍ من يومِ الجُمُعةِ.
أخرجه سعيد بن منصور، كما في ((فتح الباري)) لابن حجر (2/421). صحَّح إسنادَه ابنُ حجر، والصَّنعاني في ((سبل السلام)) (2/88).
هل يجوز للمأموم أن ينشغل بالدعاء ويعرض عن سماع الخطبة؟
على القول بأنها من جلوس الإمام إلى انقضاء الصلاة، لا يعني ذلك أن المأموم ينشغل بالدعاء ويعرض عن سماع الخطبة، بل يستمع للخطبة، ويؤمن على دعاء إمامه فيها، ويدعو في صلاته، في سجوده، وقبل سلامه.
ويكون بذلك قد أتى بالدعاء في هذه الساعة العظيمة، وإن أضاف إلى ذلك الدعاء في آخر ساعة بعد العصر، فهو أولى وأحسن.
——
أولاً:
جاءت لفظة ” ساعة ” في كتاب الله تعالى ، وفي سنَّة النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي كلام الصحابة الأجلاء رضي الله عنهم ، والأئمة من بعدهم ، وليس المراد بها قطعا الساعة بمعناها العرفي الحديث ، وهي ” ستون دقيقة ” ؛ لأن الساعة بهذا المقدار لم تكن تُعرف في زمانهم ، والساعة في وضعها الحالي لم تكن مصنوعة أصلاً ، فلا اليوم كان مقسَّماً على أربع وعشرين ساعة ، ولا الساعة كانت محسوبة بالدقائق ، بل إن معنى ” الساعة ” في أكثر استعمالاتها هي بمعنى ” الجزء من النهار ” ، أو ” الجزء من الليل ” ، وقد تطول أو تقصر ، بحسب السياق والمراد في استعمالها ، كما أنها تطلق تلك اللفظة على ” القيامة ” ، وقد جمع المعنيان في سياق واحد ، وذلك في قوله تعالى ( وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ ) الروم/ 55 ، فلفظة ” الساعة ” الأولى بمعنى : ” القيامة ” ، والآخر بمعنى : ” الجزء من الزمان ” .
قال الشيخ عبد الرحمن السعدي – رحمه الله – :
يُخبر تعالى عن يوم القيامة ، وسرعة مجيئه ، وأنه إذا قامت الساعة : ( يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ) باللّه أنهم ( مَا لَبِثُوا ) في الدنيا إلا ( سَاعَة ) ؛ وذلك اعتذار منهم ، لعله ينفعهم العذر ، واستقصار لمدة الدنيا .
” تفسير السعدي ” ( ص 645 ) .
وتطلق – أيضاً – ويراد بها : ” الوقت الحاضر ” .
قال الفيروزآبادي – رحمه الله – :
والساعَةُ : جُزْءٌ من أجْزاءِ الجَديدَيْنِ ، والوَقْتُ الحاضِرُ ، ( والجمع ) : ساعاتٌ ، وساعٌ ، والقيامَةُ ، أو الوَقْتُ الذي تقومُ فيه القيامةُ .
” القاموس المحيط ” ( ص 944 ) .
والجديدان هما : الليل والنهار .
ثانياً:
بناء على ذلك يتبين أن ” الساعة ” المقصودة في حديث النبي صلى الله عليه وسلم في ساعة الجمعة ، وما يشبهه : أن المراد بها : جزء من الوقت ، وقد يقصر ذلك الجزء ، أو يطول ، ويُعرف ذلك من خلال سياق الحديث ، فساعة الاستجابة يوم الجمعة قصيرة الزمن ، ووقت ساعة الاستجابة كل ليلة أطول منه .
والأحاديث بنصوصها ، وفهمها يدلان على ذلك :
أ. عن أبي هريرة رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ : ( فِيهِ سَاعَةٌ لا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى شَيْئًا إِلا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ .
وَأَشَارَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا ) .
رواه البخاري ( 893 ) ومسلم ( 852 ) .
وزاد مسلم في لفظ عنده ( وَهِيَ سَاعَةٌ خَفِيفَةٌ ) .
قال الشيخ محمد بن علان الصديقي – رحمه الله – :
( بيده يقللها ) أي : يبين أنها لحظة ، لطيفة ، خفيفة ، وزاد مسلم : ( وهي ساعة خفيفة ) .
” دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين ” ( 6 / 479 ) .
ب. عَنْ جَابِرٍ قَالَ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( إِنَّ فِي اللَّيْلِ لَسَاعَةً لَا يُوَافِقُهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ خَيْرًا مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ ) .
رواه مسلم ( 757 ) .
قال الشيخ محمد بن علان الصديقي – رحمه الله – :
وفيه على كل وجه : إيماء إلى اتساع زمنها ، بخلاف ساعة الإجابة يوم الجمعة ، ويؤيد ذلك : أنه أشار لضيق ساعة الجمعة بقول الصحابي ( وأشار ) – أي النبي صلى الله عليه وسلم – ( بيده يقللها ) ، ولم يقل مثل ذلك في الساعة التي في الليل .
” دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين ” ( 7 / 4 ) .
وهكذا يُعرف قصر الزمان وطوله في معنى لفظ ” الساعة ” ، ففي آية سورة ” الروم ” يدل معناها على سنوات ! ، وفي بعض الأحاديث والآثار تدل على زمان يسير جدّاً ، نحو : ” فسكت ساعة ” ، و ” فأطرق ساعة ” ، و ” فلبث ساعة ” ، وما يشبه ذلك من السياقات .
ثالثاً:
ورد تقسيم النهار إلى اثنتي عشرة ساعة ، في حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( يَوْمُ الْجُمُعَةِ ثِنْتَا عَشْرَةَ – يُرِيدُ : سَاعَةً – لَا يُوجَدُ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ شَيْئًا إِلَّا أَتَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَالْتَمِسُوهَا آخِرَ سَاعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ ) .
رواه أبو داود ( 1048 ) والنسائي ( 1389 ) ، وصححه الألباني في ” صحيح أبي داود ” .
والمراد بالحديث : تقسيم نهار الجمعة – من الفجر إلى الغروب – إلى اثني عشر جزءً ، حزء واحد منها هو الساعة التي يستجاب فيها الدعاء .
قال الحافظ ابن رجب – رحمه الله – :
وظاهر الحديث : يدل على تقسيم نهار الجمعة إلى اثنتي عشرة ساعةً ، مع طول النهار ، وقصره ، فلا يكون المراد به الساعات المعروفة من تقسيم الليل والنهار إلى أربعة وعشرين ساعة ؛ فإن ذَلِكَ يختلف باختلاف طول النهار ، وقصره .
” فتح الباري ” لابن رجب ( 5 / 356 ) .
وقال الشيخ عبد المحسن العبَّاد حفظه الله – وقد شرح الحديث فأوعب – :
وقوله : ( ثنتا عشرة ساعة ) : يدل على أن النهار مقداره اثنتا عشرة ساعة ، ومعلوم أن النهار في اصطلاح الشرع : من طلوع الفجر إلى غروب الشمس ، وليس من طلوع الشمس إلى غروبها ؛ ولهذا فإن صيام الأيام إنما يكون من طلوع الفجر إلى غروب الشمس ، والليل أيضاً اثنتا عشرة ساعة ، لكن الساعات ليست مستقرة ، ثابتة ، على طول الأيام ، وإنما هي تزيد وتنقص بطول اليوم وقصَره ، فمعنى هذا : أن الوقت من طلوع الفجر إلى غروب الشمس يقسَّم إلى اثني عشر جزءاً ، وجزء من هذه الاثني عشر هو مقدار الساعة التي جاء ذكرها في هذا الحديث ، فليست الساعة شيئاً ثابتاً في كل أيام السنَة – كما اصطلح عليه الناس في هذا الزمان ، حيث يجعلون الليل والنهار أربعاً وعشرين ساعة – ، ولكن أحياناً يصير النهار تسع ساعات والليل خمس عشرة ساعة ، وأحياناً يكون العكس ، فيجعلون مجموع اليوم أربعاً وعشرين ساعة ، ولا يكون الليل له نصفها والنهار له نصفها ، بل هذا على حسب طول الزمان وقصره ، لكن في هذا الحديث : ( النهار اثنتا عشرة ساعة ) سواءً في الشتاء ، أو في الصيف ، سواء طال النهار أو قصر ، فتقسم اليوم في كل وقت على اثنتي عشرة ساعة ، فتنقص الساعة وتزيد ، وبالتوزيع عليهما يختلف مقدار الساعة من وقت لآخر ، فمقدار الساعة في الصيف حيث يطول النهار : أطول من الساعة في الشتاء حيث يقصر النهار ، وقد كان النهار عند العرب اثنتا عشرة ساعة ، والليل اثنتا عشرة ساعة ، وقد ذكر ذلك الثعالبي في كتابه ” فقه اللغة ” ( ص 468 ) ، فذكر ساعات الليل ، وساعات النهار ، وأسماءها ، ولكن في تسميتها عندهم ما يدل على أن النهار يبدأ بطلوع الشمس ، وينتهي بغروبها ، ولكن في اصطلاح الشرع : النهار يبدأ بطلوع الفجر ، ولهذا سبق أن مر بنا من فقه أبي داود أنه ذكر عند غسل الجمعة : أن الإنسان إذا كان عليه جنابة واغتسل بعد طلوع الفجر يوم الجمعة : أجزأه عن غسل الجمعة ؛ لأن اليوم يبدأ بطلوع الفجر .
فعلى هذا : تكون ساعة الإجابة آخر جزء من اثنتي عشر جزءاً ، وقد تطول في الصيف ، وتقصر في الشتاء ، على حسب توزيع مجمل الساعات .
” شرح سنن أبي داود ” ( شريط رقم 89 ) ، ( 6 / 244 ، 245 ) – ترقيم الشاملة – .
وأما بخصوص حديث الذهاب إلى الجمعة في الساعة الأولى ، والثانية ، إلى الخامسة ، وأجر كل واحدة منها : فيقسَّم الزمان من طلوع الشمس إلى الزوال خمسة أجزاء ، ويكون كل جزء هو المراد بالساعة ، وقد تطول مدتها عن الستين دقيقة ، وقد تقصر ، بحسب طول النهار ، وقصره .