559 – فتح الاحد الصمد شرح الصحيح المسند
مجموعة: أحمد بن علي وأحمد بن خالد وعمر الشبلي وعدنان البلوشي وأسامة
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
قال الشيخ مقبل رحمه الله:
559 – قال الإمام الترمذي رحمه الله (ج 6 ص 621): حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، أخبرَنَا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُسْرٍ (1): أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ خَيْرُ النَّاسِ؟ قَالَ: «مَنْ طَالَ عُمُرُهُ، وَحَسُنَ عَمَلُهُ».
هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الوَجْهِ.
__________
(1) في نسخ الترمذي: عبد الله بن قيس، وصوابه: عبد الله بن بسر، كما في “تحفة الأحوذي”.
صححه الألباني في سنن الترمذي و محققو المسند 17680
وفي مسلم عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُول اللهِ ﷺ، فَذَكَرَ أَحَادِيثَ، مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: “لَا يَتَمَنَّى أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ، وَلَا يَدْع بِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأتِيَهُ، إِنَّهُ إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ وَإِنَّهُ لَا يَزِيدُ الْمُؤْمِنَ عُمْرُهُ إِلَّا خَيْرًا
قال ابن رجب:” المؤمن لا يزيده عمره إلاّ خيرا، وخير النّاس من طال عمره وحسن عمله. وكان السّلف يستحبّون أن يموتوا عقيب عمل صالح؛ من صوم رمضان، أو رجوع من حجّ، وكان يقال: من مات كذلك غفر له.”
وقال صلى الله عليه وسلم : ( طوبى لمن طال عمره وحسن عمله ) رواه الطبراني وأبو نعيم ، وصححه الألباني في صحيح الجامع (3928) .
قال العباد:” الإنسان كلما طال عمره وحسن عمله فإن ذلك زيادة خير وثواب عند الله عزوجل .”
جاء في مسند أحمد زيادة “قِيلَ: فَأَيُّ النَّاسِ شَرٌّ؟ قَالَ: «مَنْ طَالَ عُمْرُهُ، وَسَاءَ عَمَلُهُ»
حسنها محققو المسند
قال الطيبي رحمه الله : إن الأوقات والساعات كرأس المال للتاجر فينبغي أن يتجر فيما يربح فيه وكلما كان رأس ماله كثيرا كان الربح أكثر ، فمن انتفع من عمره بأن حسن عمله فقد فاز وأفلح ، ومن أضاع رأس ماله لم يربح وخسر خسرانا مبينا انتهى . ( المباركفوري)
قال الطيبي:
(2) باب تمني الموت وذكره
الفصل الأول
1598 – عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يتمنى أحدكم الموت، إما محسنًا فلعله أن يزداد خيرًا، وإما مسيئًا فلعله أن يستعتب)) رواه البخاري.
1599 – وعنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يتمنى أحدكم الموت ولا يدع به من قبل أن يأتيه؛ إنه إذا مات انقطع أمله، وإنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيرًا)) رواه مسلم.
1600 – وعن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يتمنين أحدكم الموت من ضر أصابه، فإن كان لا بد فاعلاً فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي)) متفق عليه.
1601 – وعن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه)). فقالت عائشة أو بعض أزواجه: إنا لنكره الموت. قال: ((ليس ذلك؛ ولكن المؤمن إذا حضره الموت بشر برضوان الله وكرامته، فليس شيء أحب إليه مما أمامه، فأحب لقاء الله، وأحب الله لقاءه. وإن الكافر إذا حضر بشر بعذاب الله وعقوبته، فليس شيء أكره إليه مما أمامه، فكره لقاء الله، وكره الله لقاءه)). متفق عليه.
1602 – وفي رواية عائشة: ((والموت قبل لقاء الله)).
1603 – وعن أبي قتادة، أنه كان يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر عليه بجنازة، فقال: ((مستريح، أو مستراح منه)). فقالوا: يا رسول الله! ما المستريح، والمستراح منه؟ فقال: ((العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا وأذاها إلي رحمة الله، والعبد الفاجر يستريح منه العباد، والبلاد، والشجر، والدواب)) متفق عليه … وذكر أحاديث
الحديث الأول عن أبي هريرة: قوله: ((يتمنى أحدكم))…
((لا يتمنى)): نهي أخرج في صورة النفي للتأكيد… وعليه ما ورد: ((خياركم من طال عمره، وحسن عمله))؛ لأن من شأنه الازدياء، والترقي من حال إلى حال، ومن مقام إلي مقام، حتى ينتهي إلي مقام القرب، كيف يطلب القطع عن مطلوبه؟
((تو)): والنهي عن تمني الموت وإن أطلق، لكن المراد منه المقيد، لما في حديث أنس رضي الله عنه ((لا يتمنين أحدكم الموت من ضر أصابه))، وقوله صلى الله عليه وسلم: (وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي))، فعلي هذا يكره تمني الموت من ضر أصابه في نفسه أو ماله؛ لأنه في معنى التبرم عن قضاء الله في أمر يضره في دنياه وينفعه في آخرته. ولا يكره التمني لخوف في دينه من فساد.
قوله: ((إما محسنًا)) قال المالكي: تقديره: إما أن يكون محسنًا، وإما مسيئًا …
((قض)): معنى قوله: ((ولعله أن يستعتب)) يطلب العتبي، وهو الإرضاء، وكذا الإعتاب، والمراد منه أن يطلب رضي الله تعالي بالتوبة، ورد المظالم، وتدارك الفائت…. ثم شرح بقية الأحاديث
[شرح المشكاة للطيبي المسمى الكاشف عن حقائق السنن 4/ 1361]
قال ابن حجر:
وظاهر الحديث انحصار حال المكلف في هاتين الحالتين، وبقي قسم ثالث: وهو أن يكون مخلطا فيستمر على ذلك أو يزيد إحسانا أو يزيد إساءة أو يكون محسنا فينقلب مسيئا أو يكون مسيئا فيزداد إساءة، والجواب أن ذلك خرج مخرج الغالب لأن غالب حال المؤمنين ذلك، ولا سيما والمخاطب بذلك شفاها الصحابة، وقد تقدم بيان ذلك مبسوطا مع شرحه هناك، وقد خطر لي في معنى الحديث أن فيه إشارة إلى تغبيط المحسن بإحسانه وتحذير المسيء من إساءته، فكأنه يقول: من كان محسنا فليترك تمني الموت وليستمر على إحسانه والازدياد منه، ومن كان مسيئا فليترك تمني الموت وليقلع عن الإساءة لئلا يموت على إساءته فيكون على خطر، وأما من عدا ذلك ممن تضمنه التقسيم فيؤخذ حكمه من هاتين الحالتين إذ لا انفكاك عن أحدهما والله أعلم.
[فتح الباري لابن حجر 13/ 222 ط السلفية]
وقال المناوي:
9948 – (لا يتمنى) نهي أخرج بصورة النفي للتأكيد ذكره القاضي … نقول ترجى المصطفى صلى الله تعالى عليه وآله وسلم له زيادة الإحسان أو الانكفاف عن السوء بتقدير أن يدوم على حاله فإذا كان معه أصل الإيمان فهو خير له بكل حال وبتقدير أن يخف إحسانه فذلك الإحسان الخفيف الذي داوم عليه مضاعف له مع أصل الإيمان وإن زادت إساءته فالإساءة كثير منها مكفر وما لا يكفر يرجى العفو عنه فما دام معه الإيمان فالحياة خير له كما بينه المحقق أبو زرعة
[فيض القدير 6/ 444]
قال ابن عثيمين:
108 ـ الرابع عشر: عن أبي صفوان عبد الله بن بشر الأسلمي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خير الناس من طال عمره وحسن عمله) رواه الترمذي. وقال: حديث حسن.
(بسر) بضم الباء، وبالسين المهملة.
[الشَّرْحُ]
وفي هذا دليل على أن مجرد طول العمر ليس خيراً للإنسان إلا إذا أحسن عمله؛ لأنه أحياناً يكون طول العمر شراً للإنسان وضرراً عليه، كما قال الله تبارك وتعالى: (وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ) (آل عمران: 178) ، فهؤلاء الكفار يملى الله لهم ـ أي يمدهم بالرزق والعافية وطول العمر والبنين والزوجات، لا لخير لهم ولكنه شر لهم ـ والعياذ بالله لأنهم سوف يزدادون بذلك إثماً.
ومن ثم كره بعض العلماء أن يدعى للإنسان بطول البقاء، قال: لا تقل: أطال الله بقاءك إلا مقيداً؛ قل أطال الله بقاءك على طاعته؛ لأن طول البقاء قد يكون شراً للإنسان. نسأل الله أن يجعلنا وإياكم ممن طال عمره وحسن عمله، وحسنت خاتمته وعافيته، إنه جواد كريم.
[شرح رياض الصالحين لابن عثيمين 2/ 106]
قال الإتيوبي:
والمعنى: أن الإنسان ينقطع ما يعمله من الخيرات في حياته إذا مات، فلا ينبغي له أن يتمنّى الموت، ولا أن يدعو به، وإن أصابه ما أصابه من البأساء والضرّاء؛ لئلا تنقطع. خيراته … (لَا يَزِيدُ الْمُؤْمِنَ) منصوب على أنه مفعول مقدّم، (عُمْرُهُ) مرفوع على أنه فاعل مؤخّر، (إِلَّا خَيْرًا”) وفيه إشارة إلى أن المعنى في النهي عن تمني الموت والدعاء به هو انقطاع العمل بالموت، فإن الحياة يتسبب منها العمل، والعمل يُحَصِّل زيادة الثواب، ولو لم يكن إلا استمرار التوحيد، فهو أفضل الأعمال، ولا يَرِد على هذا أنه يجوز أن يقع الارتداد – والعياذ بالله تعالى – عن الإيمان؛ لأن ذلك نادر، والإيمان بعد أن تخالط بشاشته القلوب لا يسخطه أحد، وعلى تقدير وقوع ذلك، وقد وقع، لكن نادرًا، فمن سبق له في علم الله خاتمة السوء، فلا بدّ من وقوعها طال عمره أو قصر، فتعجيله بطلب الموت لا خير له فيه، ويؤيّده حديث أبي أمامة رضي الله عنه؛ أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال لسعد: “يا سعد إن كنت خُلقت للجنة، فما طال من عمرك، أو حَسُن من عملك فهو خير لك”. أخرجه أحمد بسند ليّن.
واستُشكل بأنه قد يعمل السيئات، فيزيده عمره شرًّا.
وأجيب بأجوبة:
أحدها: حَمْل المؤمن على الكامل، وفيه بُعْدٌ.
والثاني: أن المؤمن بصدد أن يعمل ما يُكَفّر ذنوبه، إما من اجتناب الكبائر، وإما من فِعل حسنات أخر، قد تقاوم بتضعيفها سيئاته، وما دام الإيمان باقيًا فالحسنات بصدد التضعيف، والسيئات بصدد التكفير.
والثالث: يُقيّد ما أُطلق في هذه الرواية بما وقع في الرواية الأخرى من الترجي، حيث جاء بقوله: “لعله يستعتب”، والترجي مشعر بالوقوع غالبًا لا جزمًا، فخرج الخبر مخرج تحسين الظن بالله، وأن المحسن يرجو من الله الزيادة، بأن يوفقه للزيادة من عمله الصالح، وأن المسيء لا ينبغي له القنوط من رحمة الله، ولا قَطْع رجائه، أشار إلى ذلك الحافظ العراقيّ في “شرح الترمذيّ”، ويدلّ على أن قِصَر العمر قد يكون خيرًا للمؤمن حديث أنس رضي الله عنه، وفيه: “وتوفَّني إذا كان الوفاة خيرًا لي”، وهو لا ينافي حديث أبي هريرة رضي الله عنه: “إن المؤمن لا يزيده عمره إلا خيرًا” إذا حُمل حديث أبي هريرة على الأغلب، ومقابله على النادر، قاله في “الفتح”، والله تعالى أعلم.
[البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج 42/ 72]
قال الراجحي:
وفيها: إثبات أن قدر الإنسان قد قدَّره الله لأيام مضروبة، وآجال معدودة، وأرزاق مقسومة، لن يُؤخَّر شيء منها بعد حِلِّه، ولن يُعجَّل شيء قبل حله؛ فالأرزاق والآجال محدَّدة، لا تزيد ولا تنقص، قال الله تعالى: {ولن يؤخر الله نفسًا إذا جاء أجلها}؛ ولهذا كان الإمام أحمد يكره أن يدعى له بطول العمر، ويقول: إن هذا أمر فُرغ منه، لكن ظاهر حديث أم حبيبة أنه جائز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لَوْ كُنْتِ سَأَلْتِ اللهَ أَنْ يُعِيذَكِ مِنْ عَذَابٍ في النَّارِ أَوْ عَذَابٍ في القَبْرِ كَانَ خَيرًا))، ولم يقل: إنه ممنوع، فدل على جوازه، لكن ينبغي أن يُقَيَّد بالطاعة، فإذا قلتَ: أطال الله عمرك على طاعته؛ فهذا حسن، فقد جاء في سنن الترمذي من حديث أبي بكرة رضي الله عنه أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قَالَ: ((مَنْ طَالَ عُمُرُهُ، وَحَسُنَ عَمَلُهُ))، قَالَ: فَأَيُّ النَّاسِ شَرٌّ؟ قَالَ: ((مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ)).
[توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم 7/ 458]
——
قال ابن القيم -رحمه الله-:
والعاقل الْمُؤَيد بالتوفيق يعْتَبر بِدُونِ هَذَا وَيتم نقائص خلقته بفضائل أخلاقه وأعماله فَكلما امتحى من جثمانه أثر زَاد إيمَانه وَكلما نقص من قوى بدنه زَاد فِي قُوَّة إيمَانه ويقينه ورغبته فِي الله وَالدَّار الْآخِرَة وَإِن لم يكن هَكَذَا فالموت خير لَهُ لِأَنَّهُ يقف بِهِ على حد معِين من الْأَلَم وَالْفساد بِخِلَاف الْعُيُوب والنقائص مَعَ طول الْعُمر فَإِنَّهَا زِيَادَة فِي ألمه وهمّه وغمّه وحسرته وَإِنَّمَا حسن طول الْعُمر ونفع ليحصل التذكّر والاستدراك واغتنام الْغَرَض وَالتَّوْبَة النصوح كَمَا قَالَ تَعَالَى أولم نعمّركم مَا يتذكّر فِيهِ من تذكّر فَمن لم يورثه التَّعْمِير وَطول الْبَقَاء إصْلَاح معائبه وتدارك فارطه واغتنام بقيّة أنفاسه فَيعْمل على حَيَاة قلبه وَحُصُول النَّعيم الْمُقِيم وَإِلَّا فَلَا خير لَهُ فِي حَيَاته فَإِن العَبْد على جنَاح سفر إِمَّا إِلَى الْجنَّة وَإِمَّا إِلَى النَّار فَإِذا طَال عمره وَحسن عمله كَانَ طول سَفَره زِيَادَة لَهُ فِي حُصُول النَّعيم واللذة فَإِنَّهُ كلما طَال السّفر أَيهَا كَانَت الصبابة أجلّ وَأفضل وَإِذا طَال عمره وساء عمله كَانَ طول سَفَره زِيَادَة فِي ألمه وعذابه ونزولا لَهُ إِلَى أَسْفَل فالمسافر إِمَّا صاعد وَإِمَّا نَازل وَفِي الحَدِيث الْمَرْفُوع خَيركُمْ من طَال عمره وَحسن عمله وشرّكم من طَال عمره وقبح عمله
فالطالب الصَّادِق فِي طلبه كَلمَا خرب شَيْء من ذَاته جعله عمَارَة لِقَلْبِهِ وروحه وَكلما نقص شَيْء من دُنْيَاهُ جعله زِيَادَة فِي آخرته وَكلما منع شَيْئا من لذّات دُنْيَاهُ جعله زِيَادَة فِي لذّات آخرته وَكلما ناله هم أَو حزن أَو غم جعله فِي أفراح آخرته فنقصان بدنه ودنياه ولذته وجاهه ورئاسته إِن زَاد فِي حُصُول ذَلِك وتوفيره عَلَيْهِ فِي معاده كَانَ رَحْمَة بِهِ وَخيرا لَهُ وَإِلَّا كَانَ حرمانا وعقوبة على ذنُوب ظَاهِرَة أَو باطنة أَو ترك وَاجِب ظَاهر أَو بَاطِن فَإِن حرمَان خير الدُّنْيَا وَالْآخِرَة مرتّب على هَذِه الْأَرْبَعَة وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق فَائِدَة
النَّاس مُنْذُ خلقُوا لم يزَالُوا مسافرين وَلَيْسَ لَهُم حط عَن رحالهم إِلَّا فِي الْجنَّة أَو النَّار والعاقل يعلم أَن السّفر مَبْنِيّ على المشقّة وركوب الأخطار وَمن الْمحَال عَادَة أَن يطْلب فِيهِ نعيم ولذّة وراحة إِنَّمَا ذَلِك بعد انْتِهَاء السّفر وَمن الْمَعْلُوم أَن كل وَطْأَة قدم أَو كل آن من آنات السّفر غير واقفة وَلَا الْمُكَلف وَاقِف وَقد ثَبت أَنه مُسَافر على الْحَال الَّتِي يجب أَن يكون الْمُسَافِر عَلَيْهَا من تهيئة الزَّاد الْموصل وَإِذا نزل أَو نَام أَو استراح فعلى قدم الاستعداد للسير.
الفوائد لابن القيم – ط العلمية ١/١٨٩-١٩٠
——
هل الدعاء بطول العمر هل يغير الأقدار أو كل شيء كتب باللوح المحفوظ ولا يمكن أن يتغير؟
الجواب عن هذا أن الدعاء بطول العمر لا بد أن يقيد بالعمل الصالح، فتقول اللهم أطل عمري بالعمل الصالح، فقد دعا النبي -صلى الله عليه وسلم- لأنس بن مالك بطول العمر، قالت أم أنس لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- هذا أنيس ابني، أتيتك به يخدمك، فادع الله له. فقال : (اللهم أكثر ماله وولده). قال أنس: فوالله إن مالي لكثير، وإن ولدي وولد ولدي ليتعادون على نحو المائة اليوم) رواه مسلم.
وأما إطالة العمر مطلقا من غير تقييد بالعمل الصالح فهذا منكر، وقد أنكر الرسول -صلى الله عليه وسلم- على أم حبيبة دعائها بذلك لأبيها أبي سفيان وأخيها معاوية -رضي الله عنهما- قالت أم حبيبة: اللهم متعني بزوجي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وبأبي أبي سفيان، وبأخي معاوية. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنك سألت الله لآجال مضروبة، وآثار موطوءة، وأرزاق مقسومة، لا يعجل شيئا منها قبل حله، ولا يؤخر منها شيئا بعد حله، ولو سألت الله أن يعافيك من عذاب في النار، وعذاب في القبر ؛ لكان خيرا لك) رواه مسلم.
ثم الدعاء بطول العمر ليس محمودا، والأولى بالإنسان أن يدعو الله أن يبارك له في عمره وعمله، ولا يدعو بطول العمر.
ومن المعلوم أن الدعاء بطول العمر أمر ممكن وهو لا يغير ما كتب للإنسان في اللوح المحفوظ، فإن ما كتب فيه لا يغير أبدا، وإذا تغير عمره وطال فإنه مكتوب في اللوح المحفوظ إنه سيسـأل الله طول العمر، وأن الله يجيب دعاؤه ثم يطيل عمره، كل ذلك مكتوب.
ولكن هناك كتابة أخرى يمكن أن تتغير وهي الكتابة الدهرية فهذه يمكن أن تتغير والتي قال الله فيها (يمحو الله ما يشاء ويثبت ۖ وعنده أم الكتاب) والمعنى: يمحو الله- تعالى- ما يشاء محوه، ويثبت ما يريد إثباته من الخير أو الشر، ومن السعادة أو الشقاوة، ومن الصحة أو المرض، ومن الغنى أو الفقر، أو طول العمر، ومن غير ذلك مما يتعلق بأحوال خلقه.
وعنده- سبحانه- الأصل الجامع لكل ما يتعلق بأحوال هذا الكون، فعلى هذا لو دعا الإنسان الله أن يطيل عمره، فإن العمر الذي ينتهي إليه إذا استجاب الله دعاؤه هو الذي دعا به، وأما في الكتابة الدهرية فكان له عمر أول فلما دعا الله بطول العمر غير الله له إلى العمر الثاني.
——
الدعاء بطول العمر جائز على الراجح من أقوال العلماء بقيود ستأتي، قال الهيتمي في الفتاوى الفقهية الكبرى: ويجوز الدعاء بطول العمر، كما دعا به النبي صلى الله عليه وسلم لأنس. ا.هـ ” وقد ترجم عليه الإمام البخاري: ( باب دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لخادمه بطول العمر وبكثرة ماله)
وقد ذكر الحافظ في الفتح أقوالاً لبعض أهل العلم في وجه مطابقة الحديث للترجمة ثم قال: والأولى في الجواب أنه أشار كعادته إلى ما ورد في بعض طرقه، فأخرج في “لأدب المفرد” من وجه آخر عن أنس قال: قالت أم سليم – وهي أم أنس-: خويدمك ألا تدعو له؟ فقال: ” اللهم أكثر ماله وولده، وأطل حياته، واغفر له ” ا. هـ
وقد ذكر بعض أهل العلم قيوداً حسنة، لجواز إطلاق هذه العبارة من ذلك: ما ذكره الهيتمي في فتاويه حيث قال: وقيده بعض المحققين بمن في بقائه نفع للمسلمين، فيندب له الدعاء حينئذ، فإن كان نفعه قاصراً فهو دون الأول، قال: ومن عداهما قد يصل للكراهة، والتحريم إن اتصف بضدهما. ا.هـ
وذكر الشيخ ابن عثيمين – رحمه الله – أنه ينبغي أن يقيد ذلك بطاعة الله تعالى ، ونسبه إلى الإمام أحمد – رحمه الله – بأن يقال: أطال الله عمرك في طاعته.
ومما ينبغي أن يعلم أن الدعاء بطول العمر لا يعارض كون الآجال محدودة ومعلومة، فقد ذكر صاحب كتاب: الفواكه الدواني بعد أن رجح القول بالجواز قوله: وما قيل من أن العمر لا يزيد ولا ينقص فباعتبار ما في صحف الملائكة.
——
أحاديث تدل على فضيلة الحياة :
عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما من مُعَمَّر يُعَمَّرُ في الإسلام أربعين سنة إلا صرف الله عنه ثلاثة أنواع من البلاء، الجنون والجذام والبرص، فإذا بلغ خمسين سنة لين الله عليه الحساب، فإذا بلغ ستين رزقه الله الإنابة إليه بما يحب، فإذا بلغ سبعين سنة أحبه الله وأحبه أهل السماء، فإذا بلغ الثمانين قبل الله حسناته وتجاوز عن سيئاته، فإذا بلغ تسعين غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وسُمي أسير الله في أرضه، وشفع لأهل بيته. رواه الإمام أحمد في مسنده، والإمام أبو يعلى في مسنده، وهو حديث لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وسلم.
قال الإمام ابن الجوزي في (الموضوعات): هذا الحديث لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم. اهـ
وأورده الإمام الشوكاني في (الفوائد المجموعة من الأحاديث الموضوعة)، وضعفه الألباني في (ضعيف الجامع الصغير).
وقال شعيب الأرناؤوط: إسناده ضعيف جداً، وله شواهد لا يفرح بها.
وانظر شرح الحذيث رقم 560 من الصحيح المسند حيث نقلنا حكم الشيخ مقبل على الحديث
قال القاري في الأسرار المرفوعة وقد ذكر حديث: شر الحياة ولا الممات. ليس هذا بحديث؛ بل هو من كلام بعض الحكماء القدماء قاله العسقلاني، وهو غير صحيح من حيث المعنى فإن من يغلب خيره شره فالموت خير له؛ كما يستفاد من قوله عليه الصلاة والسلام: طوبى لمن طال عمره وحسن عمله، وويل لمن طال عمره وساء عمله. وهو مستفاد أيضاً من قوله سبحانه وتعالى: وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ.
——
وذكر ابن القيم في “زاد المعاد” (5/146) قول عمر لعلي رضي الله عنهما : “صدقتَ ، أطال الله بقاءك” ، وقال : “وبهذا احتجَّ من احتج على جواز الدعاء للرجل بطول البقاء” انتهى .
وروى البخاري في “الأدب المفرد” (1112) عن عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه : أنه مر برجل هيئته هيئة مسلم ، فسلم فرد عليه : وعليك ورحمة الله وبركاته . فقال له الغلام : إنه نصراني ! فقام عقبة فتبعه حتى أدركه فقال : “إن رحمة الله وبركاته على المؤمنين ، لكن أطال الله حياتك ، وأكثر مالك ، وولدك” حسنه الشيخ الألباني في “صحيح الأدب” (851) ، وقال : “في هذا الأثر إشارة من هذا الصحابي الجليل إلى جواز الدعاء بطول العمر ، ولو للكافر ، فللمسلم أولى” انتهى .
وسئل الشيخ ابن باز رحمه الله :
هل يجوز الدعاء بطول العمر ؟ أم أن العمر مقدر ولا فائدة من الدعاء بطوله ؟ .
فأجاب : “لا حرج في ذلك ، والأفضل : أن يقيده بما ينفع المدعو له ، مثل أن يقول : أطال الله عمرك في طاعة الله ، أو في الخير ، أو فيما يرضي الله ” انتهى من مجموع فتاوى ابن باز (ج 8 / ص 425) .
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :
“تكرر من الإخوان الذين يقدمون الأسئلة الدعاء بطول العمر لمقدمي البرنامج ، وأحب أن يقيد طول العمر على طاعة الله فيقال : أطال الله بقاءك على طاعته . أو أطال الله عمرك على طاعته ؛ لأن مجرد طول العُمر قد يكون خيراً وقد يكون شرّاً ” انتهى من “فتاوى نور على الدرب” (3/453) .
——
تحذير من طال عمره مع دوامه سوء العمل :
طول العمر فيه مزيد من حجة الله تعالى على عبده، بلا ريب، ولذلك بوب الإمام البخاري في كتاب الرقاق من صحيحه: باب من بلغ ستين سنة، فقد أعذر الله إليه في العمر؛ لقوله: أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير {فاطر:37}، يعني الشيب. اهـ. وأسند فيه حديث أبي هريرة مرفوعا: أعذر الله إلى امرئ أخر أجله حتى بلغه ستين سنة. قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: الإعذار إزالة العذر، والمعنى أنه لم يبق له اعتذار، كأن يقول: لو مد لي في الأجل لفعلت ما أمرت به … والمعنى أن الله لم يترك للعبد سببا في الاعتذار يتمسك به. اهـ.
خيرية طول العمر مع العبادة :
في سنن ابن ماجه عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ: أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ بَلِيٍّ قَدِمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فكَانَ إِسْلَامُهُمَا جَمِيعًا، وكَانَ أَحَدُهُمَا أَشَدَّ اجْتِهَادًا مِنْ الْآخَرِ، فَغَزَا الْمُجْتَهِدُ مِنْهُمَا فَاسْتُشْهِدَ، ثُمَّ مَكَثَ الْآخَرُ بَعْدَهُ سَنَةً، ثُمَّ تُوُفِّيَ. قَالَ طَلْحَةُ: فَرَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ: بَيْنَا أَنَا عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ، إِذَا أَنَا بِهِمَا، فَخَرَجَ خَارِجٌ مِنْ الْجَنَّةِ فَأَذِنَ لِلَّذِي تُوُفِّيَ الْآخِرَ مِنْهُمَا، ثُمَّ خَرَجَ فَأَذِنَ لِلَّذِي اسْتُشْهِدَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَيَّ فَقَالَ: ارْجِعْ، فَإِنَّكَ لَمْ يَأْنِ لَكَ بَعْدُ، فَأَصْبَحَ طَلْحَةُ يُحَدِّثُ النَّاسَ، فَعَجِبُوا لِذَلِكَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَحَدَّثُوهُ الْحَدِيثَ، فَقَالَ: “مِنْ أَيِّ ذَلِكَ تَعْجَبُونَ؟ ” قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا كَانَ أَشَدَّ الرَّجُلَيْنِ اجْتِهَادًا، ثُمَّ اسْتُشْهِدَ، وَدَخَلَ هَذَا الْآخِرُ الْجَنَّةَ قَبْلَهُ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: “أَلَيْسَ قَدْ مَكَثَ هَذَا بَعْدَهُ سَنَةً؟ ” قَالُوا: بَلَى. قَالَ: “وَأَدْرَكَ رَمَضَانَ فَصَامَ، وَصَلَّى كَذَا وَكَذَا مِنْ سَجْدَةٍ فِي السَّنَةِ؟ ” قَالُوا: بَلَى. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: “فَمَا بَيْنَهُمَا أَبْعَدُ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ”
—–
هناك بعض الحالات يشرع تمني الموت فيها ، منها :
الأولى : أن يخشى على دينه من الفتن
ولا شك أن موت الإنسان بعيدا عن الفتن ، ولو كان عمله يسيرا ، خير له من أن يفتن في دينه ، نسأل الله السلامة.
فعَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ 🙁 اثْنَتَانِ يَكْرَهُهُمَا ابْنُ آدَمَ : الْمَوْتُ ، وَالْمَوْتُ خَيْرٌ لِلْمُؤْمِنِ مِنْ الْفِتْنَةِ ، وَيَكْرَهُ قِلَّةَ الْمَالِ ، وَقِلَّةُ الْمَالِ أَقَلُّ لِلْحِسَابِ ) رواه أحمد وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (813) .
وقد دل على مشروعية تمني الموت في هذه الحال أيضاً : قول النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه : ( وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون ) رواه الترمذي (3233) وصححه الألباني في صحيح الترمذي .
قال ابن رجب رحمه الله : هذا جائز عند أكثر العلماء .
وعلى هذا يحمل ما ورد عن السلف في تمني الموت ؛ أنهم تمنوا الموت خوفاً من الفتنة .
روى مالك عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قال : لَمَّا صَدَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مِنْ مِنًى أَنَاخَ بِالأَبْطَحِ ثُمَّ كَوَّمَ كَوْمَةً بَطْحَاءَ ثُمَّ طَرَحَ عَلَيْهَا رِدَاءَهُ وَاسْتَلْقَى ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ : ( اللَّهُمَّ كَبِرَتْ سِنِّي ، وَضَعُفَتْ قُوَّتِي ، وَانْتَشَرَتْ رَعِيَّتِي ، فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مُضَيِّعٍ وَلا مُفَرِّطٍ ) قال سعيد : فما انسلخ ذو الحجة حتى قتل عمر رضي الله عنه .
وقال أبو هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : من رأى الموت يباع فليشتره لي !
“الثبات عند الممات” لابن الجوزي (ص 45) .
الثانية : أن يكون موته شهادة في سبيل الله عز وجل
وقد دل على مشروعية تمني الموت في هذه الحال كثير من الأحاديث ، منها :
عن أَبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَوْلا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي مَا قَعَدْتُ خَلْفَ سَرِيَّةٍ ، وَلَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ ، ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ ) متفق عليه . فقد تمنى الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقتل في سبيل الله ، وما ذاك إلا لعظم فضل الشهادة .
وروى مسلم (1909) أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ ) .
وقد كان السلف رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم يحبون الموت في سبيل الله .
قال أبو بكر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بشأن مسيلمة الكذاب عندما ادعى النبوة : والله لأقاتلنه بقوم يحبون الموت كما يحب الحياة .
وكتب خالد بن الوليد رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلى أهل فارس : والذي لا إله غيره لأبعثنَّ إليكم قوماً يحبُّون الموت كما تحبُّون أنتم الحياة .
وعَنْ سَلْمَانَ رضي الله عنه قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ( رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ ، وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ ، وَأَمِنَ الْفَتَّانَ ) رواه مسلم (1913) .
——
الفرق بين الاهتمام بالصحة وطلب ازالة الشيخوخة :
الاهتمام بالصحة لا يعارض الإيمان بحقيقة الموت :
بغض النظر عن هذا التعبير: (إطالة العمر)، أو مصطلح: علم إطالة العمر: (Life extension science) فالمعتبر في الحقيقة هو مجال البحث فيه، فإن كان مجالا طبيا مباحا، كمكافحة أمراض الشيخوخة، وما يتعلق بذلك في جانب التغذية، واللياقة البدنية، والعناية الخاصة، والعلاجات النافعة ـ فلا حرج في ذلك، وهو من جملة التداوي المشروع،
وإن كان الناس قد تعارفوا على استحسان حفظ المال واستثماره، فالصحة أولى بذلك،
ولا بأس أن يرغب الإنسان في طول العمر إن اقترن بحسن العمل، بل ذلك مما يستحب.
وهذا كله بخلاف الأبحاث التي تتعلق بمعالجة آثار الشيخوخة، وإنتاج أدوية مضادة لها، تقي الإنسان منها، وتزيلها بعد حدوثها، وما ينتهي إليه ذلك من الرغبة في (إعادة الشباب)!! فهذا ليس بعلم، وإنما هو حديث خرافة، وخيال يطمح إليه من جهلوا حقيقة الحياة الدنيا ومآلها، وطبيعة خلق الإنسان وأطوارها؛ فقد قال الله عز وجل: الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير [الروم: 54].
قال القاسمي في محاسن التأويل: {ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة} أي بالشيخوخة، والهرم. اهـ.
ويدل على عموم هذا قول الله تعالى: ومن نعمره ننكسه في الخلق أفلا يعقلون [يس: 68].
قال السعدي: {ننكسه في الخلق} أي: يعود إلى الحالة التي ابتدأ، حالة الضعف، ضعف العقل، وضعف القوة. اهـ.
وقد جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في ماليزيا سنة 2007م، بشأن الجراحة التجميلية وأحكامها: لا يجوز إزالة التجاعيد بالجراحة أو الحقن ما لم تكن حالة مرضية شريطة أمن الضرر. انتهى..
وللتوسع في هذا الموضوع يمكن الرجوع إلى رسالة الدكتوراه للشيخ صالح بن محمد الفوزان. وهي بعنوان (الجراحة التجميلية دراسة فقهية)، ففي الفصل الرابع تحدث عن الجراحات التجميلية في سائر أجزاء الجسم، وفي المبحث السادس منه تناول استعمال الليزر وحكمه الفقهي ص 330، 334.
وللدكتور صالح بحث آخر بعنوان (تغيير خلق الله ضوابطه وتطبيقاته)، ذكر في جملة تطبيقاته: جراحة تجميل أعضاء الوجه، حيث تجرى عدة جراحات للعين والأنف والأذن والشفة فضلا عن عمليات شد الوجه وإزالة التجاعيد، وذلك وفق تقنيات طبية خاصة لا تزال تستجد وتتطور.. وقال: من جهة تغيير الخلق لها حالتان:
الحالة الأولى: أن تجرى الجراحة لعلاج آثار الحوادث الطارئ أو التشوهات الخلقية التي يبدو معها مظهر الوجه أو أحد أعضائه بمظهر مشوه غير معهود، كالتشوهات الناشئة عن الحرائق والحوادث المرورية والإصابات الرياضية وولادة الطفل بأنف كبير غير معتاد أو أذن بارزة أو كبيرة بحيث تثير السخرية وتلفت الانتباه، وتصيب صاحبها بالضرر النفسي بسبب مظهر وجهه، وكذا لو كان وجه امرأة شابة فيه تجاعيد غير معتادة في مثل عمرها. وحكم هذه الحالة جواز إجراء الجراحة التجميلية – ثم ذكر تعليل هذا الحكم من ثلاثة أوجه.
الحالة الثانية: أن تجرى الجراحة لمحاولة إخفاء أثر التقدم في العمر أو لزيادة حسن الوجه أو بقصد التشبه بأحد من الكفار أو الفساق، وفي هذه الحالة يكون مظهر الوجه معتادا، فقد يكون وجه امرأة كبيرة فيه تجاعيد وآثار على تقدم السن وقد يكون بعض أعضاء الوجه – كالأنف أو العين – فيها تغير يسير لا يلفت الانتباه، ويعد معتادا في عرف أوساط الناس فتطلب صاحبته زيادة حسنه بإجراء جراحة تجميلية، وحكم هذه الحالة التحريم لأنه تجرى على خلقة معهودة فتكون من تغيير خلق الله تعالى، وهذا كتفليج الأسنان ونحوه مما جاء تحريمه بسبب كونه تغييرا للخلق، ومن أشهر حالات هذه الجراحات تجميل تجاعيد الوجه لإخفاء أثر التقدم في العمر، وهذا من التغيير المحرم لما فيه من التدليس والتزوير.. انتهى.
والله أعلم.