545 – فتح الاحد الصمد شرح الصحيح المسند
مشاركة : أحمد بن علي وعدنان البلوشي وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وأسامة الحميري
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
قال الشيخ مقبل رحمه الله:
545 – قال الإمام أحمد رحمه الله (ج 4 ص 382): حدثنا أبو النضر، حدثنا الحشرج بن نباته العبسي كوفي، حدثني سعيد بن جمهان، قال: أتيت عبد الله بن أبي أوفى وهو محجوب البصر فسلمت عليه، قال لي: من أنت؟ فقلت: أنا سعيد بن جمهان. قال: فما فعل والدك؟ قال: قلت: قتلته الأزارقة. قال: لعن الله الأزارقة، لعن الله الأزارقة، حدثنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنهم كلاب النار. قال: قلت: الأزارقة وحدهم أم الخوارج كلها؟ قال: بلى، الخوارج كلها. قال: قلت: فإن السلطان يظلم الناس ويفعل بهم. قال: فتناول يدي فغمزها بيده غمزة شديدة، ثم قال: ويحك يا ابن جمهان، عليك بالسواد الأعظم، عليك بالسواد الأعظم، إن كان السلطان يسمع منك فأته في بيته فأخبره بما تعلم، فإن قبل منك وإلا فدعه، فإنك لست بأعلم منه.
[ص: 468] هذا حديث حسنٌ.
——
*دراسة الحديث رواية*
أورده ابن ماجه مختصرا 173 وصححه الألباني لغيره
قال محققو المسند 19415:
رجاله ثقات غير حَشْرَجِ بنِ نُباتةَ، فقد وثَّقه أحمد ويحيى بن مَعين، وأبو داود، والعباسُ بن عبد العظيم العنبري، وقال أبو زُرعة: لا بأس به، مستقيمُ الحديث، واختلف قولُ النسائي فيه، فقال في رواية: ليس بالقوي، وقال في أخرى: ليس به بأس، وقال أبو حاتم: صالح، يُكتَبُ حديثُه، ولا يُحتجُّ به، وقال ابنُ عديّ: لا بأس به. وسعيد بن جُمهان صدوقٌ له أفراد، فيما قال الحافظ في “التقريب”. قلنا: وهذه منها. وقال البخاري: في حديثه عجائب.
وأخرجه مختصراً الطيالسي (822)، وابنُ أبي عاصم في “السنة” (905)، وابنُ عدي في “الكامل” 2/ 847، والحاكم 3/ 571 من طرق عن الحَشْرَج بن نُباتة، بهذا الإسناد. وسكت عنه الحاكم (مع تساهله في التصحيح) والذهبيّ.
وأخرجه اللالكائي في “أصول الاعتقاد” (2313) من طريق قَطَن بن نُسَيْر، عن عبد الوارث بن سعيد، عن سعيد بن جُمهان، به. وقَطَن بن نُسير ضعيف.
وأورده الهيثمي في “مجمع الزوائد” 5/ 230، وقال: روى ابنُ ماجه منه طرفاً، ورواه أحمد والطبراني، ورجال أحمد ثقات.
وسلف برقم (19130).
[مسند أحمد 32/ 157 ط الرسالة]
وذكره ابن عدي فيما أنكر على حشرج .
*- قال أصحاب المسند المعلل تحت حديث رقم 4471:*
*قلنا: إِسناده ضعيفٌ؛ سعيد بن جُمهان الأَسلمي، أَبو حفص البصري؛ ليس بحجة.*
*-قال عباس بن محمد الدُّوري: سمعتُ يحيى يقول: سعيد بن جُمهان، ثقة. «تاريخه» (٣٤٣٣ و٣٦٩٥).*
*وقال المَرُّوْذِي: قلتُ لأَبي عبد الله، يعني أَحمد بن حنبل: ما تقول في سعيد بن جُمهان؟ فقال: ثقة، روى عنه العوام بن حَوشب، وروى عنه حماد، وأُراه ذكر عبد الوارث وغيره، قلتُ: يُروى عن يحيى القطان، أَنه سُئل عنه، فلم يَرضه؟ فقال: باطل، وغضب، وقال: ما قال هذا أَحد غير على ابن المديني، ما سمعتُ يحيى يتكلم فيه بشيء. «سؤالاته» (١٧٣).*
*- وقال البخاري: في حديثه عجائب.*
*وقال زكريا بن يحيى الساجي: لا يُتابَع على حديثه. «تهذيب التهذيب» ٤/ ١٤.*
*-وقال عبد الرَّحمَن بن أَبي حاتم الرازي: سمعتُ أَبي يقول: سعيد بن جُمهان شيخ يُكتب حديثه، ولا يُحتج به. «الجرح والتعديل» ٤/ ١٠.*
*وقال ابن عَدي: روي عن سفينة أَحاديث لا يرويها غيره، وأَرجو أَنه لا بأس به، فإن حديثه أَقل من ذاك. «الكامل» ٥/ ٥٣٢.*
*- الحديث في الأحاديث المختارة ١٣/١١٠ للضياء الدين المقدسي (ت ٦٤٣) وقال: سَعِيدُ بْنُ جُمْهَانَ وَثَّقَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: لَا يُحْتَجُّ بِهِ، مِنْ غَيْرِ بَيَانِ جَرْحٍ، وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ تَتَكَرَّرُ مِنْ أَبِي حَاتِمٍ فِي غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ رِجَالِ الصَّحِيحِ.*
*- قال نور الدين الهيثمي (ت ٨٠٧)مجمع الزوائد ومنبع الفوائد ٦/٢٣٢: قُلْتُ: رَوَى ابْنُ مَاجَهْ مِنْهُ: «الْخَوَارِجُ كِلَابُ النَّارِ». فَقَطْ. رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَأَحْمَدُ، وَرِجَالُ أَحْمَدَ ثِقَاتٌ. وَقَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ أَحْمَدَ فِي كَيْفِيَّةِ النُّصْحِ لِلْأَئِمَةِ فِي الْخِلَافَةِ بِأَسَانِيدَ،، وَأَحَدُهَا حَسَنٌ.*
*دراسة الحديث دراية*
جاء في الجامع لعلوم الإمام أحمد:
197 – باب: ذكر الخوارج وعلامتهم وقتالهم ووعيد اللَّه فيهم
ثم ذكر حديث الباب من ضمن أحاديث كثيرة جدا
قال عبدالله بن الإمام أحمد:
سُئِلَ عَنِ الْخَوَارِجِ وَمَنْ قَالَ: هُمْ كِلَابُ النَّارِ
وأورد تحته ثلاثة وسبعين حديث
[السنة لعبد الله بن أحمد 2/ 618]
بوب عليه مقبل في الجامع:
125 – جرح أصحاب البدع
56 – أسباب دخول النار وهي محمولة في حق الموحد على دخول مؤقت، ثم يخرجون إلى الجنة
53 – إخباره صلى الله عليه وسلم بالخوارج
14 – الخروج على الأئمة المسلمين
22 – فتنة الخوارج
ابن تيمية:
وَهَؤُلَاءِ الْخَوَارِجُ لَهُمْ أَسْمَاءٌ يُقَالُ لَهُمْ: «الحرورية» لِأَنَّهُمْ خَرَجُوا بِمَكَانِ يُقَالُ لَهُ حَرُورَاءُ وَيُقَالُ لَهُمْ أَهْلُ النهروان: لِأَنَّ عَلِيًّا قَاتَلَهُمْ هُنَاكَ وَمِنْ أَصْنَافِهِمْ «الإباضية» أَتْبَاعُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إبَاضٍ و «الأزارقة» أَتْبَاعُ نَافِعِ بْنِ الْأَزْرَقِ و «النَّجَدَاتُ» أَصْحَابُ نَجْدَةَ الحروري. وَهُمْ أَوَّلُ مَنْ كَفَّرَ أَهْلَ الْقِبْلَةِ بِالذُّنُوبِ بَلْ بِمَا يَرَوْنَهُ هُمْ مِنْ الذُّنُوبِ وَاسْتَحَلُّوا دِمَاءَ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِذَلِكَ فَكَانُوا كَمَا نَعَتَهُمْ النَّبِيُّ ﷺ:
«يَقْتُلُونَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ وَيَدْعُونَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ» وَكَفَّرُوا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَعُثْمَانَ بْنَ عفان وَمَنْ وَالَاهُمَا وَقَتَلُوا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ مُسْتَحِلِّينَ لِقَتْلِهِ قَتَلَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُلْجِمٍ المرادي مِنْهُمْ وَكَانَ هُوَ وَغَيْرُهُ مِنْ الْخَوَارِجِ مُجْتَهِدِينَ فِي الْعِبَادَةِ لَكِنْ كَانُوا جُهَّالًا فَارَقُوا السُّنَّةَ وَالْجَمَاعَةَ؛ فَقَالَ هَؤُلَاءِ: مَا النَّاسُ إلَّا مُؤْمِنٌ أَوْ كَافِرٌ؛ وَالْمُؤْمِنُ مَنْ فَعَلَ جَمِيعَ الْوَاجِبَاتِ وَتَرَكَ جَمِيعَ الْمُحَرَّمَاتِ؛ فَمَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَهُوَ كَافِرٌ؛ مُخَلَّدٌ فِي النَّارِ. ثُمَّ جَعَلُوا كُلَّ مَنْ خَالَفَ قَوْلَهُمْ كَذَلِكَ فَقَالُوا: إنَّ عُثْمَانَ وَعَلِيًّا وَنَحْوَهُمَا حَكَمُوا بِغَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَظَلَمُوا فَصَارُوا كُفَّارًا. وَمَذْهَبُ هَؤُلَاءِ بَاطِلٌ بِدَلَائِلَ كَثِيرَةٍ مِنْ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَمَرَ بِقَطْعِ يَدِ السَّارِقِ دُونَ قَتْلِهِ وَلَوْ كَانَ كَافِرًا مُرْتَدًّا لَوَجَبَ قَتْلُهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ﴿مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ﴾ . وَقَالَ ﴿لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: كُفْرٍ بَعْدَ إسْلَامٍ وَزِنًى بَعْدَ إحْصَانٍ أَوْ قَتْلِ نَفْسٍ يُقْتَلُ بِهَا﴾ وَأَمَرَ سُبْحَانَهُ أَنْ يُجْلَدَ الزَّانِي وَالزَّانِيَةُ مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَوْ كَانَا كَافِرَيْنِ لَأَمَرَ بِقَتْلِهِمَا، وَأَمَرَ سُبْحَانَهُ بِأَنْ يُجْلَدَ قَاذِفُ الْمُحْصَنَةِ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَوْ كَانَ كَافِرًا لَأَمَرَ بِقَتْلِهِ وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَجْلِدُ شَارِبَ الْخَمْرِ وَلَمْ يَقْتُلْهُ بَلْ قَدْ ثَبَتَ عَنْهُ ﷺ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ: ﴿أَنَّ رَجُلًا كَانَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ وَكَانَ اسْمُهُ عَبْدَ اللَّهِ حِمَارًا وَكَانَ يُضْحِكُ النَّبِيَّ ﷺ وَكَانَ كُلَّمَا أُتِيَ بِهِ إلَيْهِ جَلَدَهُ فَأُتِيَ بِهِ إلَيْهِ مَرَّةً فَلَعَنَهُ رَجُلٌ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ:
لَا تَلْعَنْهُ فَإِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ فَنَهَى عَنْ لَعْنِهِ بِعَيْنِهِ وَشَهِدَ لَهُ بِحُبِّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ مَعَ أَنَّهُ قَدْ لَعَنَ شَارِبَ الْخَمْرِ عُمُومًا. وَهَذَا مِنْ أَجْوَدِ مَا يُحْتَجُّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِقَتْلِ الشَّارِبِ فِي «الثَّالِثَةِ» و «الرَّابِعَةِ» مَنْسُوخٌ؛ لِأَنَّ هَذَا أَتَى بِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَقَدْ أَعْيَا الْأَئِمَّةَ الْكِبَارَ جَوَابُ هَذَا الْحَدِيثِ؛ وَلَكِنَّ نَسْخَ الْوُجُوبِ لَا يَمْنَعُ الْجَوَازَ فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: يَجُوزُ قَتْلُهُ إذَا رَأَى الْإِمَامُ الْمَصْلَحَةَ فِي ذَلِكَ فَإِنَّ مَا بَيْنَ الْأَرْبَعِينَ إلَى الثَّمَانِينَ لَيْسَ حَدًّا مُقَدَّرًا فِي أَصَحِّ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ؛ بَلْ الزِّيَادَةُ عَلَى الْأَرْبَعِينَ إلَى الثَّمَانِينَ تَرْجِعُ إلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ فَيَفْعَلُهَا عِنْدَ الْمَصْلَحَةِ كَغَيْرِهَا مِنْ أَنْوَاعِ التَّعْزِيرِ وَكَذَلِكَ صِفَةُ الضَّرْبِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ جَلْدُ الشَّارِبِ بِالْجَرِيدِ وَالنِّعَالِ وَأَطْرَافِ الثِّيَابِ بِخِلَافِ الزَّانِي وَالْقَاذِفِ فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: قَتْلُهُ فِي الرَّابِعَةِ مِنْ هَذَا الْبَابِ. و «أَيْضًا» فَإِنَّ اللَّهَ – سُبْحَانَهُ – قَالَ: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ . فَقَدْ وَصَفَهُمْ بِالْإِيمَانِ وَالْأُخُوَّةِ وَأَمَرَنَا بِالْإِصْلَاحِ بَيْنَهُمْ. فَلَمَّا شَاعَ فِي الْأُمَّةِ أَمْرُ «الْخَوَارِجِ» تَكَلَّمَتْ الصَّحَابَةُ فِيهِمْ وَرَوَوْا عَنْ
النَّبِيِّ ﷺ الْأَحَادِيثَ فِيهِمْ وَبَيَّنُوا مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ الرَّدِّ عَلَيْهِمْ وَظَهَرَتْ بِدْعَتُهُمْ فِي الْعَامَّةِ؛
فَجَاءَتْ بَعْدَهُمْ «الْمُعْتَزِلَةُ» – الَّذِينَ اعْتَزَلُوا الْجَمَاعَةَ بَعْدَ مَوْتِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَهُمْ: عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، وَوَاصِلُ بْنُ عَطَاءٍ الْغَزَالُ وَأَتْبَاعُهُمَا – فَقَالُوا: أَهْلُ الْكَبَائِرِ مُخَلَّدُونَ فِي النَّارِ كَمَا قَالَتْ الْخَوَارِجُ وَلَا نُسَمِّيهِمْ لَا مُؤْمِنِينَ وَلَا كُفَّارًا؛ بَلْ فُسَّاقٌ نُنْزِلُهُمْ مَنْزِلَةً بَيْنَ مَنْزِلَتَيْنِ. وَأَنْكَرُوا شَفَاعَةَ النَّبِيِّ ﷺ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِهِ وَأَنْ يَخْرُجَ مِنْ النَّارِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَهَا. قَالُوا: مَا النَّاسُ إلَّا رَجُلَانِ: سَعِيدٌ لَا يُعَذَّبُ أَوْ شَقِيٌّ لَا يُنَعَّمُ، وَالشَّقِيُّ نَوْعَانِ: كَافِرٌ وَفَاسِقٌ وَلَمْ يُوَافِقُوا الْخَوَارِجَ عَلَى تَسْمِيَتِهِمْ كُفَّارًا. وَهَؤُلَاءِ يُرَدُّ عَلَيْهِمْ بِمِثْلِ مَا رَدُّوا بِهِ عَلَى الْخَوَارِجِ.
فَيُقَالُ لَهُمْ كَمَا أَنَّهُمْ قَسَّمُوا النَّاسَ إلَى مُؤْمِنٍ لَا ذَنْبَ لَهُ وَكَافِرٍ لَا حَسَنَةَ لَهُ قَسَّمْتُمْ النَّاسَ إلَى مُؤْمِنٍ لَا ذَنْبَ لَهُ وَإِلَى كَافِرٍ وَفَاسِقٍ لَا حَسَنَةَ لَهُ فَلَوْ كَانَتْ حَسَنَاتُ هَذَا كُلُّهَا مُحْبَطَةً وَهُوَ مُخَلَّدٌ فِي النَّارِ لَاسْتَحَقَّ الْمُعَادَاةَ الْمَحْضَةَ بِالْقَتْلِ وَالِاسْتِرْقَاقِ كَمَا يَسْتَحِقُّهَا الْمُرْتَدُّ؛ فَإِنَّ هَذَا قَدْ أَظْهَرَ دِينَهُ بِخِلَافِ الْمُنَافِقِ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ فَجَعَلَ مَا دُونَ ذَلِكَ الشِّرْكِ مُعَلَّقًا بِمَشِيئَتِهِ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ هَذَا عَلَى التَّائِبِ؛ فَإِنَّ التَّائِبَ لَا فَرْقَ فِي حَقِّهِ بَيْنَ
الشِّرْكِ وَغَيْرِهِ. كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ فَهُنَا عَمَّمَ وَأَطْلَقَ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ التَّائِبُ وَهُنَاكَ خُصَّ وَعَلَّقَ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ . فَقَدْ قَسَّمَ سُبْحَانَهُ الْأُمَّةَ الَّتِي أَوْرَثَهَا الْكِتَابَ وَاصْطَفَاهَا «ثَلَاثَةَ أَصْنَافٍ»: ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمُقْتَصِدٌ وَسَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ وَهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ ينطبقون عَلَى الطَّبَقَاتِ الثَّلَاثِ الْمَذْكُورَةِ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ: «الْإِسْلَامُ» و «الْإِيمَانُ» و «الْإِحْسَانُ». كَمَا سَنَذْكُرُهُ «إنْ شَاءَ اللَّهُ». وَمَعْلُومٌ أَنَّ الظَّالِمَ لِنَفْسِهِ إنْ أُرِيدَ بِهِ مَنْ اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ وَالتَّائِبُ مِنْ جَمِيعِ الذُّنُوبِ فَذَلِكَ مُقْتَصِدٌ أَوْ سَابِقٌ فَإِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ بَنِي آدَمَ يَخْلُو عَنْ ذَنْبٍ؛ لَكِنْ مَنْ تَابَ كَانَ مُقْتَصِدًا أَوْ سَابِقًا؛ كَذَلِكَ مَنْ اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ كُفِّرَتْ عَنْهُ السَّيِّئَاتُ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مَوْعُودٌ بِالْجَنَّةِ وَلَوْ بَعْدَ عَذَابٍ يُطَهِّرُ مِنْ الْخَطَايَا؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذَكَرَ: أَنَّ مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ فِي الدُّنْيَا مِنْ الْمَصَائِبِ مِمَّا يُجْزِئُ بِهِ وَيُكَفَّرُ عَنْهُ خَطَايَاهُ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ
عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: ﴿مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ وَصَبٍ وَلَا نَصَبٍ وَلَا هَمٍّ وَلَا حَزَنٍ وَلَا غَمٍّ وَلَا أَذًى حَتَّى الشَّوْكَةُ يشاكها إلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ﴾ وَفِي الْمُسْنَدِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ ﴿لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ جَاءَتْ قَاصِمَةُ الظَّهْرِ وَأَيُّنَا لَمْ يَعْمَلْ سُوءًا فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ أَلَسْت تَنْصَبُ؟ أَلَسْت تَحْزَنُ؟ أَلَسْت تُصِيبُك اللَّأْوَاءُ؟ فَذَلِكَ مِمَّا تُجْزَوْنَ بِهِ﴾ . و «أَيْضًا» فَقَدْ تَوَاتَرَتْ الْأَحَادِيثُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي أَنَّهُ يَخْرُجُ أَقْوَامٌ مِنْ النَّارِ بَعْدَ مَا دَخَلُوهَا وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَشْفَعُ فِي أَقْوَامٍ دَخَلُوا النَّارِ. وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ حُجَّةٌ عَلَى الطَّائِفَتَيْنِ: «الوعيدية» الَّذِينَ يَقُولُونَ: مَنْ دَخَلَهَا مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيدِ لَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا وَعَلَى «الْمُرْجِئَةِ الْوَاقِفَةِ» الَّذِينَ يَقُولُونَ: لَا نَدْرِي هَلْ يَدْخُلُ مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيدِ النَّارَ أَحَدٌ أَمْ لَا كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ طَوَائِفُ مِنْ الشِّيعَةِ وَالْأَشْعَرِيَّةُ كَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَغَيْرِهِ.
مجموع الفتاوى ٧/٤٨١-٤٨٦
جاء في كتاب منهج الشيخ عبد الرزاق عفيفي وجهوده في تقرير العقيدة والرد على المخالفين:
فرق الخوارج:
قال الشيخ رحمه الله: ” ورءوسهم ستة: الأزارقة، والنجدات، والصفرية، والعجاردة، والأباضية، والثعالبة، وعنها تتفرع فرقهم”
عند حصر فرق الخوارج الأصلية منها أو الفرعية يظهر كثرة اختلاف العلماء في ذلك، وذلك لأن كتب الفرق الإسلامية لم تتفق أبداً على تقسيم فرقهم الرئيسية أو الفرعية على عدد معين، فنجد بعضهم يعدها أربعاً، وبعضهم يعدها خمساً، وبعضهم يعدها سبعاً، وبعضهم يعدها ثماناً، وآخرون خمساً وعشرين … إلخ.
وهكذا يتباين عددهم عند علماء الفرق، وهذا يعود بالطبع إلى عوامل هامة ومنها:
1 – أن الخوارج كانوا من الفرق الثائرة الأمر الذي أدى إلى عدم التمكن من الدراسة الدقيقة لفرقهم في عصر خروجهم.
2 – أنهم هم أنفسهم ساهموا في إخفاء أمرهم بحيث أخفوا كتبهم عن أعين الناس؛ إما خوفاً عليها منهم أو ضنا بها عنهم، وهي قليلة جداً .
قال شيخ الإسلام رحمه الله: “وأقوال الخوارج إنما عرفناها من نقل الناس عنهم لم نقف لهم على كتاب مصنف، كما وقفنا على كتب المعتزلة، والرافضة، والزيدية، والكرامية، والأشعرية، والسالمية، وأهل المذاهب الأربعة، والظاهرية، ومذاهب أهل الحديث، والفلاسفة، والصوفية ونحو هؤلاء” (1).
3 – أنهم لم ينعموا بالاستقرار والهدوء الذي ينتج عنهما نظرهم في العلوم وتحقيقهم لمذهبهم وتأريخهم لفرقهم المختلفة تأريخا مضبوطا يساعد على حصرها حصراً صحيحا، وقد يعود ذلك لقلة فراغ الخوارج الذين وهبوا كل أوقاتهم للحرب أو الإعداد لها على طول حياتهم.
4 – أنهم كانوا سريعي التفرق؛ إذ أدنى سبب تافه كافٍ لتفرقهم إلى فرق.
ولهذا تشعبت فرقهم واختلط أمرها على المؤرخين
وعلى كلٍ فسوف أقدم هنا -إن شاء الله تعالى- تعريفاً موجزاً عن الفرق التي ذكرها الأشعري ، مركزاً على ذكر مؤسس كل فرقة، وبعض آرائهم التي تميزهم عن غيرهم، مع الإحالة إلى كلام الشيخ عبد الرزاق عفيفي رحمه الله عند كل فرقة في موطنها، لأن المقام يضيق عن بسط القول في ذلك.
قال الأشعري رحمه الله: ” وأول من أحدث الخلاف بينهم نافع بن الأزرق الحنفي، والذي أحدثه البراء من القعدة، والمحنة لمن قصد عسكره، وإكفار من لم يهاجر إليه” .
“ويُعدُّ افتراق ابن الأزرق أول انقسام في الخوارج، وكان ذلك سنة 64 هـ حين فاصلوا ابن الزبير، فافترقوا إلى أربع فرق كبرى:
1 – الأزارقة.
2 – الصفرية.
3 – النجدات.
وقد انقرضت هذه الثلاث.
4 – الأباضية وهي الباقية إلى اليوم” .
ويؤيد هذا التقسيم ما ذكره الأشعري من أن أصل قول الخوارج إنما هو قول الأزارقة والإباضية والصفرية والنجدية، وكل الأصناف سوى الأزارقة والإباضية والنجدية، فإنما تفرعوا عن الصفرية.
أولاً: الأزارقة .
هم أتباع أبي راشد نافع ابن الأزرق ، وقد كثر خروجهم وحروبهم للدولة الإسلامية حتى إن المهلب بن أبي صفرة بقي في حربه لهم تسع عشرة سنة إلى أن فرغ من أمرهم أيام الحجاج .
-بدع الأزارقة:
1 – أنهم كفروا عليا رضي الله عنه وقالوا إن الله أنزل في شأنه: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204)} البقرة: 204، وكذلك كفروا عثمان وطلحة والزبير وعائشة وعبدالله بن عباس رضي الله عنهم وقالوا بتخليدهم في النار.
2 – تكفيرهم القاعد عن القتال.
3 – إباحة قتل أطفال المخالفين والنساء.
4 – إسقاط الرجم عن الزاني.
5 – إسقاط حد المحصنات من النساء.
6 – أن التقية غير جائزة في قول ولا عمل.
7 – تجويزهم أن يبعث الله تعالى نبيا يعلم أنه يكفر بعد نبوته أو كان كافرا قبل البعثة.
والخوارج نقل الآمدي عن الأزارقة منهم أنهم أجازوا بعثة نبي يعلم الله أنه يكفر بعد نبوته. والفُضَيْليّة منهم أجازوا صدور الذنوب عن الأنبياء، وكل ذنب فهو عندهم كفر. وبذلك يكونون قد أجازوا صدور الكفر عنهم.
الإحكام في أصول الأحكام – الآمدي ١/١٧٠ — الآمدي، أبو الحسن (ت ٦٣١)
8 – أنه من ارتكب كبيرة من الكبائر فإنه كافر كفرا يخرج عن الملة ويخلد في النار مع سائر الكفار واستدلوا بكفر إبليس لعنه الله وقالوا ما ارتكب إلا كبيرة حيث أمر بالسجود لآدم فامتنع وإلا فهو عارف بوحدانية الله .
9 – ذهبوا إلى أن مخالفيهم مشركون، وألحقوا بهم في الشرك أطفالهم، وأنهم جميعاً مخلدون في النار، ومن ثم يحل قتلهم وقتالهم. وأن دار مخالفيهم دار حرب يستباح منها ما يستباح في دار الحرب من قتل الأطفال والنساء، وسلب الذراري، وغنيمة الأموال، وأن من خالفهم لا يحفظ له عهد، ولا تؤدى إليه أمانة.
10 – أن من أقام في دار الكفر (يقصدون غير معسكرهم) وقعد عن اللحاق بهم، وإن كان على رأيهم، اعتبروه مشركاً.
11 – وأن من قصدهم لابد من استعراضه، وامتحانه للتأكد من صدق نيته، وذلك يدفع إليه أسير من مخالفيهم، ويأمروه بقتله، فإن قتله صدقوه في أنه منهم، وإن لم يقتله اعتبروه منافقاً ومشركاً وقتلوه .
12 – إسقاطهم حد الرجم عن الزاني المحصن بحجة أنه لم يرد في القرآن نص عليه .
13 – كما أسقطوا أيضا حد القذف عمن قذف المحصن من الرجال مع وجوب الحد على قاذف المحصنات من النساء، تمسكاً أيضا – في زعمهم- بما ورد في القرآن .
14 – وذهبوا أيضاً إلى أن يد السارق تقطع في القليل، والكثير من غير اعتبار لنصاب الشيء المسروق، وأن القطع يكون من المنكب، كما أوجبوا على الحائض الصلاة والصوم في حيضها .
15 – كما أنهم حرموا قتل النصارى واليهود، وأباحوا قتل المسلمين .
وهذه الآراء واضح فيها الجهل، وعدم العلم، والفهم للقرآن، وعدم الإلمام بالسنة، ويصدق عليهم بهذا قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم) .
ثانياً: الصفرية .
من فرق الخوارج أتباع زياد بن الأصفر.
وقولهم كقول الأزارقة في تكفير أصحاب الذنوب، ولكنهم لا يرون قتل أطفال مخالفيهم ونسائهم.
وهم ثلاث فرق:
1 – فرقة تزعم أن صاحب كل ذنب مشرك.
2 – وفرقة تقول إن اسم الكفار واقع على صاحب ذنب ليس فيه حد، والمحدود خارج من الإيمان وغير داخل في الكفر.
3 – وفرقة تقول إن اسم الكفر يقع على صاحب الذنب إذا حدَّه الوالي على ذنبه .
ثالثاً: النجدات العاذرية .
النجدات فرقة من فرق الخوارج أتباع نجدة بن عامر الحنفي .
– بِدع النجدات العاذرية:
1 – الدين عندهم معرفة الله تعالى، ومعرفة رسله عليهم الصلاة والسلام، وتحريم دماء المسلمين (ويقصدون موافقيهم في المذهب) ، والإقرار بما جاء من عند الله جملة، فهذا واجب على الجميع معرفته، ولا عذر في الجهل به؛ ما سوى ذلك، فالناس معذورون فيه إلى أن تقوم عليهم الحجة في الحلال والحرم. وتبني النجدات مبدأ العذر بالجهل في أحكام الفروع، حتى سموا العاذرية.
2 – فرقوا في حكمهم على مرتكب الذنب بين من يأتي الذنوب، ويصر عليها، وبين من يأتيها من غير إصرار. واعتبروا الأول مشركاً، وإن كان الذنب نظرة بسيطة، أو كذبة صغيرة، أو غيرها من الصغائر، وأما الثاني فهو مسلم، وإن اقترف الكبائر كالزنا، والسرقة، وشرب الخمر. وبناء على هذا يمكن أن يفهم ما نسب إلى نجدة من أنه تولى أصحاب الحدود من موافقيه، وقال: لعل الله يعذبهم بذنوبهم في غير جهنم، ثم يدخلهم الجنة، وزعم أن النار لا يدخلها إلا من خالف في دينه.
3 – ونسب إلى النجدات أيضاً أنهم أسقطوا حد الخمر، وقالوا بعدم وجوب الإمامة.
وهذه الآراء كذلك واضح فيها الجهل، وعدم العلم، والفهم للقرآن، وعدم الإلمام بالسنة، ويصدق عليهم بهذا قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم) .
رابعاً: الأباضية .
هم أتباع عبد الله بن أباض التميمي، ونسبت إليه.
– الأباضية بين فرق الخوارج:
يدعي الأباضيون أنهم ليسوا خوارج، وينفون عن أنفسهم هذه النسبة، والحقيقة أنهم ليسوا من غلاة الخوارج كالأزارقة، مثلاً، لكنهم يتفقون مع الخوارج في مسائل عديدة منها:
1 – أن عبد الله بن إباض يعتبر نفسه امتداداً للمحكمة الأولى من الخوارج.
2 – كما يتفقون مع الخوارج في تعطيل الصفات.
3 – والقول بخلق القرآن.
4 – وتجويز الخروج على أئمة الجور .
إذا عرفنا أن الأباضية فرق من فرق الخوارج الكبرى، بإجماع المؤرخين الذين عاصروهم ومن بعدهم، فإنه من الضروري أن نتعرف على موقع الأباضية بين فرق الخوارج؛ فالأباضية لا تخالف سائر الخوارج في غالب أصولهم، وأشهر مسألة اختلفوا فيها مع غيرهم من فرق الخوارج بعد أن فارقوا ابن الزبير، حيث لم يبرأ من عثمان رضي الله عنهم، وهي:
مسألة الموقف من المخالفين، أي حكمهم على بقية المسلمين، فأغلب الخوارج يرون ما عداهم من المسلمين كفاراً مشركين، يجب قتالهم ولا يجوز مناكحتهم ولا إرثهم ولا أكل ذبائحهم، ودارهم دار حرب.
أما الأباضية، فإنها وإن رأت جواز قتال المسلمين أحياناً، إلا أنها تقول: بأنهم كفار نعمة، ويجرون عليهم أحكام الموحدين من حيث النكاح والإرث والسبي والغنائم، وجواز معايشتهم والإقامة بينهم.
وهذه المسألة من المسائل التي أجمع كُتاب الفرق على أن الأباضية خالفت فيها سائر الخوارج، وأنها تعد من الفوارق الرئيسية، بل هي الميزة التي أضفت على الأباضية سمة الاعتدال تجاه المخالفين، والتي جعلت الأباضية تعايش بقية المسلمين وتسالمهم حتى اليوم .
– بعض الفرق الأباضية :
بين الشيخ عبد الرزاق عفيفي رحمه الله بعض الفرق الأباضية ، وهي:
1 – الحفصية .
2 – الحارثية.
وقد اندثرت هذه الفرق التي انشقت عن الإباضية، وقد تبرأ سائر الإباضية من أفكارهم وكفروهم لشططهم وابتعادهم عن الخط الإباضي الأصلي، الذي لا يزال إلى يومنا هذا .
وفي لسان الميزان :
٤١٢٩ – (ز): عبد الله بن إباض التميمي الإباضي.
رأس الإباضية من الخوارج وهم فرقة كبيرة وكان هو فيما قيل رجع عن بدعته فتبرأ أصحابه منه واستمرت نسبتهم إليه.
ومن مقالتهم: إن من أتى كبيرة فقد جهل الله فهو كافر لجهله بالله لا لإتيانه الكبيرة.
لسان الميزان ت أبي غدة ٤/٤١٨ — ابن حجر العسقلاني
موقف الصحابة والسلف من الخوارج وحكمهم فيهم.
كان موقف الصحابة رضي الله عنهم والسلف من بعدهم، من الخوارج قوياً وحازماً، وقد تجلى في التحذير منهم ومن بدعهم ومقالاتهم الفاسدة، كما كانوا يناظرونهم ويعلمونهم كما فعل علي بن أبي طالب وابن عباس رضي الله عنهما.
وكانوا يرونهم شرار الخلق.
وكانوا يقاتلونهم إذا حدث منهم قتال أو بغي أو قطعوا السبل وتعرضوا لمصالح المسلمين.
وإليك نماذج من مواقف السلف من الخوارج:
1 – أخرج الآجري في الشريعة عن ابن طاووس، عن أبيه قال: ذكر لابن عباس رضي الله عنه: “يؤمنون بمحكمه ويضلون عند متشابهه، وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به” (3). يعني بما يصيبهم عند قراءة القرآن من الصعق والغشي.
2 – قال الآجري: ” فلا ينبغي لمن رأى اجتهاد خارجي قد خرج على إمام – عدلاً كان الإمام أو جائراً- فخرج وجمع جماعة وسل سيفه واستحل قتال المسلمين، فلا ينبغي له أن يغتر بقراءته للقرآن ولا بطول قيامه في الصلاة ولا بدوام صيامه، ولا بحسن ألفاظه في العلم، إذا كان مذهبه مذهب الخوارج، وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبار لا يدفعها كثير من علماء المسلمين، بل لعله لا يختلف في العلم بها جميع أئمة المسلمين” .
3 – وأخرج ابن بطة : عن قتادة {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} آل عمران: 7 قال: إن لم يكن الحرورية والسبئية فلا أدري من هم؟ ولعمري لو كان أمر الخوارج هدى لاجتمع ولكنه كان ضلالة فتفرق، وكذلك الأمر إذا كان من عند غير الله وجدت فيه اختلافاً كثيراً، فوالله إن الحرورية لبدعة وإن السبئية لبدعة ما أنزلت في كتاب ولا سنّهن نبي … والحرورية والسبئية والروافض أصحاب عبد الله بن سبأ، الذين حرقهم عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه بالنار وبقي بعضهم (3).
ورغم شدة موقف الصحابة والأئمة من بعدهم منَ الخوارج وقتالهم لهم، إلا أنهم توقفوا في تكفيرهم.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: ” ومما يدل على أن الصحابة لم يكفّروا الخوارج أنهم كانوا يصلون خلفهم، وكان عبد الله بن عمر رضي الله عنه وغيره من الصحابة يصلون خلف نجدة الحروري، وكانوا أيضاً يحدثونهم ويفتونهم ويخاطبونهم كما يخاطب المسلم المسلم، كما كان عبد الله بن عباس يجيب نجدة الحروري، لما أرسل إليه يسأله عن مسائل، وحديثه في البخاري، وكما أجاب نافع بن الأزرق عن مسائل مشهورة، وكان نافع يناظره في أشياء بالقرآن كما يتناظر المسلمان، وما زالت سيرة المسلمين على هذا، ما جعلوهم مرتدين كالذين قاتلهم الصديق”.
وقال كذلك رحمه الله: ” والخوارج كانوا من أظهر الناس بدعة وقتالاً للأمة وتكفيرا لها، ولم يكن في الصحابة من يكفرهم، لا علي بن أبي طالب ولا غيره، بل حكموا فيهم بحكمهم في المسلمين الظالمين المعتدين، كما ذكرت الآثار عنهم بذلك في غير هذا الموضع”.
[منهج الشيخ عبد الرزاق عفيفي وجهوده في تقرير العقيدة والرد على المخالفين ص625 بترقيم الشاملة آليا]
قال الأجري:
بَابُ ذِكْرِ ثَوَابِ مَنْ قَاتَلَ الْخَوَارِجَ فَقَتَلَهُمْ أَوْ قَتَلُوهُ
57 – عَنْ زِرٍّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ أَحْدَاثُ الْأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ النَّاسِ، يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ فَمَنْ لَقِيَهُمْ فَلْيَقْتُلْهُمْ، فَإِنْ قَتَلَهُمْ أُجِرَ عِنْدَ اللَّهِ»
58 – عن أَبُي غَالِبٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا أُمَامَةَ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: خَرَجَتْ خَارِجَةٌ بِالشَّامِ فَقُتِلُوا، وَأُلْقُوا فِي جُبٍّ، أَوْ بِئْرٍ قَالَ: فَأَقْبَلَ أَبُو أُمَامَةَ وَأَنَا مَعَهُ، حَتَّى وَقَفَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ بَكَى، ثُمَّ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، مَا فَعَلَ الشَّيْطَانُ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ؟ كِلَابُ النَّارِ، كِلَابُ النَّارِ، ثَلَاثًا، شَرُّ قَتْلَى تَحْتَ ظِلِّ السَّمَاءِ، شَرُّ قَتْلَى تَحْتَ ظِلِّ السَّمَاءِ، خَيْرُ قَتْلَى تَحْتَ ظِلِّ السَّمَاءِ، خَيْرُ قَتْلَى تَحْتَ ظِلِّ السَّمَاءِ، خَيْرُ قَتْلَى تَحْتَ ظِلِّ السَّمَاءِ مَنْ قَتَلُوهُ قَالَ: قُلْتُ يَا أَبَا أُمَامَةَ، أَشَيْءٌ تَقُولُهُ بِرَأْيِكَ، أَمْ شَيْءٌ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟ قَالَ: إِنِّي إِذَنْ لَجَرِيءٌ، إِنِّي إِذَنْ لَجَرِيءٌ، ثَلَاثًا، بَلْ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم غَيْرَ مَرَّةٍ، وَلَا مَرَّتَيْنٍ، وَلَا ثَلَاثًا، حَتَّى عَدَّ عَشْرًا، سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ يَقُولُ: «سَيَأْتِي قَوْمٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، أَوْ لَا يَعْدُو تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ، كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، لَا يَعُودُونَ فِي الْإِسْلَامِ حَتَّى يَعُودَ السَّهْمُ عَلَى فَوْقِهِ، طُوبَى لِمَنْ قَتَلُوهُ أَوْ قَتَلَهُمْ»
59 – عَنْ أَبِي غَالِبٍ قَالَ: كُنْتُ بِالشَّامِ، وَبِهَا صُدَيُّ بْنُ عَجْلَانَ أَبُو أُمَامَةَ، ….قَالَ: ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} [آل عمران: 7]
60 – …. قُلْتُ: يَا أَبَا أُمَامَةَ: إِنِّي رَأَيْتُ تَغَرْغَرَتْ لَهُمْ عَيْنَاكَ قَالَ: رَحْمَةً لَهُمْ، إِنَّهُمْ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ …
61 – عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى: عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «الْخَوَارِجُ كِلَابُ النَّارِ»
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ : قَدْ ذَكَرْتُ مِنَ التَّحْذِيرِ مِنْ مَذَاهِبِ الْخَوَارِجِ مَا فِيهِ بَلَاغٌ لِمَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، عَنْ مَذْهَبِ الْخَوَارِجِ، وَلَمْ يَرَ رَأْيَهُمْ، وَصَبَرَ عَلَى جَوْرِ الْأَئِمَّةِ، وَحَيْفِ الْأُمَرَاءِ، وَلَمْ يَخْرُجْ عَلَيْهِمْ بِسَيْفِهِ، وَسَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى كَشْفَ الظُّلْمِ عَنْهُ، وَعَنِ الْمُسْلِمِينَ، وَدَعَا لِلْوُلَاةِ بِالصَّلَاحِ، وَحَجَّ مَعَهُمْ، وَجَاهَدَ مَعَهُمْ كُلَّ عَدُوٍّ لِلْمُسْلِمِينَ وَصَلَّى مَعَهُمُ الْجُمُعَةَ وَالْعِيدَيْنِ ، فَإِنْ أَمَرُوهُ بِطَاعَةٍ فَأَمْكَنَهُ أَطَاعَهُمْ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ اعْتَذَرَ إِلَيْهِمْ، وَإِنْ أَمَرُوهُ بِمَعْصِيَةٍ لَمْ يُطِعْهُمْ، وَإِذَا دَارَتِ الْفِتَنُ بَيْنَهُمْ لَزِمَ بَيْتِهِ وَكَفَّ لِسَانَهُ وَيَدَهُ، وَلَمْ يَهْوَ مَا هُمْ فِيهِ، وَلَمْ يُعِنْ عَلَى فِتْنَةٍ، فَمَنْ كَانَ هَذَا وَصْفَهُ كَانَ عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
[الشريعة للآجري 1/ 363]
قال الإمامُ التّابعيُّ ميمونُ بنُ مِهران:
“…أتَدرونَ ما الحَروريُّ الأزْرَقيُّ؟
هو الّذي [إذا] خالَفتَ رأيَه سَمَّاكَ كافِراً، واستَحَلَّ دَمَك…”
أخرجَهُ حربُ الكرمانيّ في(مسائله)(رقم١١٣١)
وأوردهُ ابنُ رجبٍ في (فتح الباري)(٦/ ١٨٧) وفيه تصحّفت كلمة(رأيه) إلى (آية)،
و الصّوابُ المُثبتُ، وسقط حرف(إذا) مِن مطبوعة مسائل حرب، و الصّوابُ إثباتُه كما في(الفتح).
ويُنظر(مرآةُ الزّمان) لسبط ابن الجوزيّ(١٠/ ٩٥)
قال الطبري:
ذكر الخبر عن رجوع الازارقه من فارس الى العراق
وفي هذه السنة كان مرجع الأزارقة من فارس إلى العراق حتى صاروا إلى قرب الكوفة، ودخلوا المدائن.
ذكر الخبر عن أمرهم ومسيرهم ومرجعهم إلى العراق:
ذكر هشام، عن أبي مخنف، قال: حدثني أبو المخارق الراسبي، أن مصعبا وجه عمر بن عبيد الله بن معمر على فارس أميرا، وكانت الأزارقة لحقت بفارس وكرمان ونواحي أصبهان بعد ما أوقع بهم المهلب بالأهواز، فلما شخص المهلب عن ذلك الوجه ووجه إلى الموصل ونواحيها عاملا عليها، وعمر بن عبيد الله بن معمر على فارس، انحطت الأزارقة مع الزبير بن الماحوز على عمر بن عبيد الله بفارس، فلقيهم بسابور، فقاتلهم قتالا شديدا، ثم إنه ظفر بهم ظفرا بينا، غير أنه لم يكن بينهم كثير قتلى، وذهبوا كأنهم على حامية، وقد تركوا على ذلك المعركة…… ثم طول في ذكر معاركهم
[تاريخ الطبري = تاريخ الرسل والملوك، وصلة تاريخ الطبري 6/ 119]
قال ابن تيمية : وَمِنْ الْمَعْلُومِ: أَنْ الزُّبَيْرَ بْنَ بكار صَاحِبَ «كِتَابِ الْأَنْسَابِ» وَمُحَمَّدَ بْنَ سَعْدٍ كَاتِبَ الواقدي وَصَاحِبَ الطَّبَقَاتِ وَنَحْوَهُمَا مِنْ الْمَعْرُوفِينَ بِالْعِلْمِ وَالثِّقَةِ وَالِاطِّلَاعِ: أَعْلَمُ بِهَذَا الْبَابِ وَأَصْدَقُ فِيمَا يَنْقُلُونَهُ مِنْ الْجَاهِلِينَ وَالْكَذَّابِينَ وَمِنْ بَعْضِ أَهْلِ التَّوَارِيخِ الَّذِينَ لَا يُوثَقُ بِعِلْمِهِمْ وَلَا صِدْقِهِمْ بَلْ قَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ صَادِقًا وَلَكِنْ لَا خِبْرَةَ لَهُ بِالْأَسَانِيدِ حَتَّى يُمَيِّزَ بَيْنَ الْمَقْبُولِ وَالْمَرْدُودِ أَوْ يَكُونُ سَيِّئَ الْحِفْظِ أَوْ مُتَّهَمًا بِالْكَذِبِ أَوْ بِالتَّزَيُّدِ فِي الرِّوَايَةِ كَحَالِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَخْبَارِيِّينَ وَالْمُؤَرِّخِينَ
لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ مِثْلَ أَبِي مخنف لُوطِ بْنِ يَحْيَى وَأَمْثَالِهِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ الواقدي نَفْسَهُ خَيْرٌ عِنْدَ النَّاسِ مِنْ مِثْلِ هِشَامِ بْنِ الْكَلْبِيِّ وَأَبِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ وَأَمْثَالِهِمَا وَقَدْ عُلِمَ كَلَامُ النَّاسِ فِي الواقدي فَإِنَّ مَا يَذْكُرُهُ هُوَ وَأَمْثَالُهُ إنَّمَا يُعْتَضَدُ بِهِ وَيُسْتَأْنَسُ بِهِ وَأَمَّا الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ بِمُجَرَّدِهِ فِي الْعِلْمِ فَهَذَا لَا يَصْلُحُ.
مجموع الفتاوى ٢٧/٤٦٩ —
قال ابن تيمية : وما ذكره الواقدي عن أشياخه يوضح ذلك ويؤيده وإن كان الواقدي لا يحتج به إذا انفرد لكن لا ريب في علمه بالمغازي واستعلام كثير من تفاصيلها من جهته ولم نذكر عنه إلا ما أسندناه عن غيره.
الصارم المسلول على شاتم الرسول ١/٧٥ — ابن تيمية
والناظر في الروايات في الطبري يجد فيها الكثير الكثير من روايات هؤلاء الرواة الذين اتهموا بالكذب أمثال :
1-أبو مخنف لوط بن يحي :
يعتبره الشيعة من كبار مؤرخيهم ( رجال النجاشي 245 _ رجال الحلي 136 ) وأما درجته عند أهل السنة فقد أجمع نقاد الحديث على تضعيفه بل وعلى تركه . قال أبو حاتم : متروك الحديث . وقال ابن حبان رافضي يشتم الصحابة ويروي الموضوعات عن الثقات وقال السليماني : كان يضع للروافض . وقال ابن عدي : حدث بأخبار من تقدم من السلف الصالحين ولا يبعد منه أن يتناولهم وهو شيعي محترق صاحب أخبارهم . وقال ابن حجر : إخباري تالف لايوثق به .
يقول شيخ الإسلام : (( وأكثر المنقول من المطاعن الصريحة هو من هذا الباب ( الكذب ) يرويها الكذابون المعروفون بالكذب مثل : أبي مخنف لوط بن يحيى ومثل هشام بن محمد بن السائب الكلبي وأمثالهما من الكذابين ولهذا استشهد هذا الرافضي بما صنفه هشام الكلبي في ذلك وهو من أكذب الناس وهو شيعي يروي عن أبيه وعن أبي مخنف وكلاهما متروك كذاب)) ( منهاج السنة ( 5 / 81 )
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى :
فَصْلٌ .
قَالَ الرَّافِضِيُّ : وَأَمَّا الْمَطَاعِنُ فِي الْجَمَاعَةِ فَقَدْ نَقَلَ الْجُمْهُورُ مِنْهَا أَشْيَاءَ كَثِيرَةً حَتَّى صَنَّفَ الْكَلْبِيُّ كِتَابًا فِي مَثَالِبِ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ مَنْقَصَةً وَاحِدَةً لِأَهْلِ الْبَيْتِ .
وَالْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ: قَبْلَ الْأَجْوِبَةُ الْمُفَصَّلَةُ عَمَّا يَذْكُرُ مِنَ الْمَطَاعِنِ أَنَّ مَا يُنْقَلُ عَنِ الصَّحَابَةِ مِنَ الْمَثَالِبِ فَهُوَ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا هُوَ كَذِبٌ، إِمَّا كَذِبٌ كُلُّهُ، وَإِمَّا مُحَرَّفٌ قَدْ دَخَلَهُ مِنَ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ مَا يُخْرِجُهُ إِلَى الذَّمِّ وَالطَّعْنِ. وَأَكْثَرُ الْمَنْقُولِ مِنَ الْمَطَاعِنِ الصَّرِيحَةِ هُوَ مِنْ هَذَا الْبَابِ يَرْوِيهَا الْكَذَّابُونَ الْمَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ، مِثْلَ أَبِي مُخَنَّفٍ لُوطِ بْنِ يَحْيَى ، وَمِثْلُ هِشَامِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ الْكَلْبِيِّ وَأَمْثَالِهِمَا مِنَ الْكَذَّابِينَ. وَلِهَذَا اسْتَشْهَدَ هَذَا الرَّافِضِيُّ بِمَا صَنَّفَهُ هِشَامٌ الْكَلْبِيُّ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ مِنْ أَكْذَبِ النَّاسِ ؛ وَهُوَ شِيعِيٌّ يَرْوِي عَنْ أَبِيهِ . وَعَنْ أَبِي مُخَنَّفٍ، وَكِلَاهُمَا مَتْرُوكٌ كَذَّابٌ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي هَذَا: «الْكَلْبِيُّ مَا ظَنَنْتُ أَنَّ أَحَدًا يُحَدِّثُ عَنْهُ ، إِنَّمَا هُوَ صَاحِبُ سَمَرٍ وَشُبَهٍ ». وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: هُوَ مَتْرُوكٌ. وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: «هِشَامٌ الْكَلْبِيُّ الْغَالِبُ عَلَيْهِ الْأَسْمَارُ، وَلَا أَعْرِفُ لَهُ فِي الْمُسْنَدِ شَيْئًا، وَأَبُوهُ أَيْضًا كَذَّابٌ». وَقَالَ زَائِدَةُ وَاللَّيْثُ وَسُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ : هُوَ كَذَّابٌ. وَقَالَ يَحْيَى: «لَيْسَ بِشَيْءٍ كَذَّابٌ سَاقِطٌ». وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ : «وُضُوحُ الْكَذِبِ فِيهِ أَظْهَرُ مِنْ أَنْ يَحْتَاجَ إِلَى الْإِغْرَاقِ فِي وَصْفِهِ».
النَّوْعُ الثَّانِي: مَا هُوَ صِدْقٌ. وَأَكْثَرُ هَذِهِ الْأُمُورِ لَهُمْ فِيهَا مَعَاذِيرُ تُخْرِجُهَا عَنْ أَنْ تَكُونَ ذُنُوبًا، وَتَجْعَلُهَا مِنْ مَوَارِدِ الِاجْتِهَادِ الَّتِي إِنْ أَصَابَ الْمُجْتَهِدُ فِيهَا فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِنْ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ.
وَعَامَّةُ الْمَنْقُولِ الثَّابِتِ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ هَذَا الْبَابِ، وَمَا قُدِّرَ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ ذَنْبًا مُحَقَّقًا فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَقْدَحُ فِيمَا عُلِمَ مِنْ فَضَائِلِهِمْ وَسَوَابِقِهِمْ وَكَوْنِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ; لِأَنَّ الذَّنْبَ الْمُحَقَّقَ يَرْتَفِعُ عِقَابُهُ فِي الْآخِرَةِ بِأَسْبَابٍ مُتَعَدِّدَةٍ.
مِنْهَا : التَّوْبَةُ الْمَاحِيَةُ. وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ أَئِمَّةِ الْإِمَامِيَّةِ أَنَّهُمْ تَابُوا مِنَ الذُّنُوبِ الْمَعْرُوفَةِ عَنْهُمْ.
وَمِنْهَا: الْحَسَنَاتُ الْمَاحِيَةُ لِلذُّنُوبِ ; فَإِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [سُورَةُ النِّسَاءِ ٣] وَمِنْهَا: الْمَصَائِبُ الْمُكَفِّرَةُ.
وَمِنْهَا: دُعَاءُ الْمُؤْمِنِينَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، وَشَفَاعَةُ نَبِيِّهِمْ، فَمَا مِنْ سَبَبٍ يَسْقُطُ بِهِ الذَّمُّ وَالْعِقَابُ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْأُمَّةِ إِلَّا وَالصَّحَابَةُ أَحَقُّ بِذَلِكَ، فَهُمْ أَحَقُّ بِكُلِّ مَدْحٍ، وَنَفْيِ كُلِّ ذَمٍّ مِمَّنْ بَعْدَهُمْ مِنَ الْأُمَّةِ.
منهاج السنة النبوية ٥/٨١ — ابن تيمية (ت ٧٢٨)
قال ابن تيمية:
فصل:
وقد تقدم أن دين الله وسط بين الغالي فيه، والجافي عنه. والله تعالى ما أمر عباده بأمر إلا اعترض الشيطان فيه بأمرين لا يبالي بأيهما ظفر: إما إفراط فيه وإما تفريط فيه. وإذا كان الإسلام الذي هو دين الله لا يقبل من أحد سواه قد اعترض الشيطان كثيرا ممن ينتسب إليه؛ حتى أخرجه عن كثير من شرائعه؛ بل أخرج طوائف من أعبد هذه الأمة وأورعها عنه حتى مرقوا منه كما يمرق السهم من الرمية. وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتال المارقين منه؛ فثبت عنه في الصحاح وغيرها من رواية أمير المؤمنين ” علي بن أبي طالب وأبي سعيد الخدري وسهل بن حنيف وأبي ذر الغفاري وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر وابن مسعود ” رضي الله عنهم وغير هؤلاء. {أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الخوارج فقال يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية أينما لقيتموهم فاقتلوهم أو فقاتلوهم؛ فإن في قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد} وفي رواية {شر قتيل تحت أديم السماء خير قتيل من قتلوه} وفي رواية {لو يعلم الذين يقاتلونهم ما زوي لهم على لسان محمد صلى الله عليه وسلم لنكلوا عن العمل} . وهؤلاء لما خرجوا في خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه قاتلهم هو وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ” بأمر النبي صلى الله عليه وسلم وتحضيضه على قتالهم.
واتفق على قتالهم جميع أئمة الإسلام. وهكذا كل من فارق جماعة المسلمين وخرج عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وشريعته من أهل الأهواء المضلة والبدع المخالفة. …
[مجموع الفتاوى 3/ 381]
قال ابن كثير:
… ولهذا قال تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} أي: ضلال وخروج عن الحق إلى الباطل {فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} أي: إنما يأخذون منه بالمتشابه الذي يمكنهم أن يحرّفوه إلى مقاصدهم الفاسدة وينزلوه عليها لاحتمال لفظه لما يصرفونه، فأما المحكم فلا نصيب لهم فيه لأنه دامغ لهم وحجة عليهم، ولهذا قال الله تعالى: {ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ} أي: الإضلال لأتباعهم إيهامًا لهم أنهم يحتجون على بدعتهم بالقرآن، وهو حجة عليهم لا لهم، كما لو احتج النصارى بأن القرآن قد نطق بأن عيسى روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم وتركوا الاحتجاج بقوله: {إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ} [الزخرف: 59] وبقوله: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59)} [آل عمران] وغير ذلك من الآيات المحكمة المصرحة بأنه خلق من مخلوقات الله وعبد ورسول من رسل الله.
وقوله تعالى: {وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} أي: تحريفه على ما يريدون، وقال مقاتل بن حيان والسدي: يبتغون أن يعلموا ما يكون وما عواقب الأشياء من القرآن.
وقد قال أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب، عن عبد الله بن أبي مُليكة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} إلى قوله: {أُولُو الْأَلْبَابِ} فقال: “فإذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله فاحذروهم” …..
وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو كامل، حدثنا حماد، عن أبي غالب، قال: سمعت أبا أُمامة يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ} قال: “هم الخوارج”.
وفي قوله تعالى: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} [آل عمران: 106] قال: “هم الخوارج” وقد رواه ابن مردويه من غير وجه، عن أبي غالب، عن أبي أُمامة مرفوعًا فذكره، وهذا الحديث أقل أقسامه أن يكون موقوفًا من كلام الصحابي، ومعناه صحيح، فإن أول بدعة وقعت في الإسلام فتنة الخوارج، وكان مبدؤهم بسبب الدنيا حين قسم النبي صلى الله عليه وسلم غنائم حنين، فكأنهم رأوا في عقولهم الفاسدة أنه لم يعدل في القسمة، ففاجؤوه بهذه المقالة، فقال قائلهم، وهو ذو الخويصرة – بقر الله خاصرته -: اعدل فإنك لم تعدل، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل، أيأمنني على أهل الأرض ولا تأمنوني”. فلما قفا الرجل استأذن عمر بن الخطاب، وفي رواية: خالد بن الوليد، رسول الله في قتله، فقال: “دعه فإنه يخرج من ضئضئ هذا – أي: من جنسه – قوم يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قرائتهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قلتهم أجرًا لمن قتلهم”.
ثم كان ظهورهم أيام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقتلهم بالنهروان، ثم تشعبت منهم شعوب، وقبائل وآراء، وأهواء، ومقالات، ويحل كثيرة منتشرة، ثم نبعت القدرية، ثم المعتزلة، ثم الجهمية، وغير ذلك من البدع التي أخبر عنها الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم في قوله: “وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة” قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: “من كان على أنا عليه وأصحابي”، أخرجه الحاكم في مستدركه بهذه الزيادة.
وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا أبو موسى، حدثنا عمرو بن عاصم، حدثنا المعتمر، عن أبيه، عن قتادة، عن الحسن، عن جُندب بن عبد الله، أنه بلغه عن حذيفة، أو سمعه منه، يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ذكر “إن في أمتي قومًا يقرؤون القرآن، ينثرونه نثر الدقل يتأولونه على غير تأويله”. لم يخرجوه.
[تفسير ابن كثير – ط ابن الجوزي 2/ 312]
قال ابن حجر في شرح البخاري في باب قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم
وقول الله تعالى: {وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون} وكان ابن عمر يراهم شرار خلق الله، وقال: إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين:
أما الخوارج فهم جمع خارجة أي طائفة، وهم قوم مبتدعون سموا بذلك لخروجهم عن الدين وخروجهم على خيار المسلمين، وأصل بدعتهم فيما حكاه الرافعي في الشرح الكبير أنهم خرجوا على علي رضي الله عنه حيث اعتقدوا أنه يعرف قتلة عثمان رضي الله عنه ويقدر عليهم ولا يقتص منهم لرضاه بقتله أو مواطأته إياهم، كذا قال، وهو خلاف ما أطبق عليه أهل الأخبار؛ فإنه لا نزاع عندهم أن الخوارج لم يطلبوا بدم عثمان بل كانوا ينكرون عليه أشياء ويتبرءون منه.
وأصل ذلك أن بعض أهل العراق أنكروا سيرة بعض أقارب عثمان فطعنوا على عثمان بذلك، وكان يقال لهم: القراء؛ لشدة اجتهادهم في التلاوة والعبادة، إلا أنهم كانوا يتأولون القرآن على غير المراد منه، ويستبدون برأيهم ويتنطعون في الزهد والخشوع وغير ذلك، فلما قتل عثمان قاتلوا مع علي واعتقدوا كفر عثمان ومن تابعه، واعتقدوا إمامة علي وكفر من قاتله من أهل الجمل الذين كان رئيسهم طلحة، والزبير فإنهما خرجا إلى مكة بعد أن بايعا عليا فلقيا عائشة وكانت حجت تلك السنة فاتفقوا على طلب قتلة عثمان وخرجوا إلى البصرة يدعون الناس إلى ذلك، فبلغ عليا فخرج إليهم، فوقعت بينهم وقعة الجمل المشهورة وانتصر علي، وقتل طلحة في المعركة، وقتل الزبير بعد أن انصرف من الوقعة، فهذه الطائفة هي التي كانت تطلب بدم عثمان بالاتفاق.
ثم قام معاوية بالشام في مثل ذلك وكان أمير الشام إذ ذاك، وكان علي أرسل إليه لأن يبايع له أهل الشام فاعتل بأن عثمان قتل مظلوما وتجب المبادرة إلى الاقتصاص من قتلته، وأنه أقوى الناس على الطلب بذلك، ويلتمس من علي أن يمكنه منهم، ثم يبايع له بعد ذلك، وعلي يقول: ادخل فيما دخل فيه الناس وحاكمهم إلي أحكم فيهم بالحق، فلما طال الأمر خرج علي في أهل العراق طالبا قتال أهل الشام، فخرج معاوية في أهل الشام قاصدا إلى قتاله، فالتقيا بصفين فدامت الحرب بينهما أشهرا.
وكاد أهل الشام أن ينكسروا فرفعوا المصاحف على الرماح ونادوا ندعوكم إلى كتاب الله تعالى وكان ذلك بإشارة عمرو بن العاص وهو مع معاوية، فترك جمع كثير ممن كان مع علي وخصوصا القراء القتال بسبب ذلك تدينا، واحتجوا بقوله تعالى: {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم} الآية، فراسلوا أهل الشام في ذلك، فقالوا: ابعثوا حكما منكم وحكما منا، ويحضر معهما من لم يباشر القتال فمن رأوا الحق معه أطاعوه، فأجاب علي ومن معه إلى ذلك، وأنكرت ذلك تلك الطائفة التي صاروا خوارج وكتب علي بينه وبين معاوية كتاب الحكومة بين أهل العراق والشام: هذا ما قضى عليه أمير المؤمنين على معاوية، فامتنع أهل الشام من ذلك، وقالوا: اكتبوا اسمه واسم أبيه، فأجاب علي إلى ذلك، فأنكره عليه الخوارج أيضا.
ثم انفصل الفريقان على أن يحضر الحكمان ومن معهما بعد مدة عينوها في مكان وسط بين الشام والعراق، ويرجع العسكران إلى بلادهم إلى أن يقع الحكم، فرجع معاوية إلى الشام، ورجع علي إلى الكوفة، ففارقه الخوارج وهم ثمانية آلاف، وقيل: كانوا أكثر من عشرة آلاف، وقيل: ستة آلاف، ونزلوا مكانا يقال له: حروراء بفتح المهملة وراءين الأولى مضمومة، ومن ثم قيل لهم: الحرورية، وكان كبيرهم عبد الله ابن الكواء بفتح الكاف وتشديد الواو مع المد اليشكري، وشبث بفتح المعجمة والموحدة بعدها مثلثة التميمي فأرسل إليهم علي ابن عباس فناظرهم فرجع كثير منهم معه.
ثم خرج إليهم علي، فأطاعوه ودخلوا معه الكوفة معهم رئيساهم المذكوران، ثم أشاعوا أن عليا تاب من الحكومة ولذلك رجعوا معه، فبلغ ذلك عليا فخطب وأنكر ذلك، فتنادوا من جوانب المسجد: لا حكم إلا لله، فقال: كلمة حق يراد بها باطل، فقال لهم: لكم علينا ثلاثة: أن لا نمنعكم من المساجد، ولا من رزقكم من الفيء، ولا نبدؤكم بقتال ما لم تحدثوا فسادا.
وخرجوا شيئا بعد شيء إلى أن اجتمعوا بالمدائن، فراسلهم في الرجوع، فأصروا على الامتناع حتى يشهد على نفسه بالكفر لرضاه بالتحكيم ويتوب، ثم راسلهم أيضا فأرادوا قتل رسوله، ثم اجتمعوا على أن من لا يعتقد معتقدهم يكفر ويباح دمه وماله وأهله، وانتقلوا إلى الفعل فاستعرضوا الناس فقتلوا من اجتاز بهم من المسلمين، ومر بهم عبد الله بن خباب بن الأرت وكان واليا لعلي على بعض تلك البلاد ومعه سرية وهي حامل فقتلوه وبقروا في سريته عن ولد، فبلغ عليا فخرج إليهم في الجيش الذي كان هيأه للخروج إلى الشام.
فأوقع بهم بالنهروان، ولم ينج منهم إلا دون العشرة ولا قتل ممن معه إلا نحو العشرة، فهذا ملخص أول أمرهم، ثم انضم إلى من بقي منهم من مال إلى رأيهم فكانوا مختفين في خلافة علي حتى كان منهم عبد الرحمن بن ملجم الذي قتل عليا بعد أن دخل علي في صلاة الصبح، ثم لما وقع صلح الحسن، ومعاوية ثارت منهم طائفة، فأوقع بهم عسكر الشام بمكان يقال له: النجيلة، ثم كانوا منقمعين في إمارة زياد وابنه عبيد الله على العراق طول مدة معاوية وولده يزيد.
وظفر زياد وابنه منهم بجماعة فأبادهم بين قتل وحبس طويل، فلما مات يزيد ووقع الافتراق وولي الخلافة عبد الله بن الزبير وأطاعه أهل الأمصار إلا بعض أهل الشام ثار مروان فادعى الخلافة وغلب على جميع الشام إلى مصر، فظهر الخوارج حينئذ بالعراق مع نافع بن الأزرق، وباليمامة مع نجدة بن عامر وزاد نجدة على معتقد الخوارج أن من لم يخرج ويحارب المسلمين فهو كافر ولو اعتقد معتقدهم، وعظم البلاء بهم وتوسعوا في معتقدهم الفاسد، فأبطلوا رجم المحصن، وقطعوا يد السارق من الإبط، وأوجبوا الصلاة على الحائض في حال حيضها، وكفروا من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إن كان قادرا، وإن لم يكن قادرا فقد ارتكب كبيرة، وحكم مرتكب الكبيرة عندهم حكم الكافر، وكفوا عن أموال أهل الذمة وعن التعرض لهم مطلقا، وفتكوا فيمن ينسب إلى الإسلام بالقتل والسبي والنهب، فمنهم من يفعل ذلك مطلقا بغير دعوة منهم، ومنهم من يدعو أولا ثم يفتك، ولم يزل البلاء بهم يزيد إلى أن أمر المهلب بن أبي صفرة على قتالهم، فطاولهم حتى ظفر بهم وتقلل جمعهم، ثم لم يزل منهم بقايا في طول الدولة الأموية وصدر الدولة العباسية، ودخلت طائفة منهم المغرب.
وقد صنف في أخبارهم أبو مخنف بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح النون بعدها فاء، واسمه لوط بن يحيى كتابا لخصه الطبري في تاريخه، وصنف في أخبارهم أيضا الهيثم بن عدي كتابا، ومحمد بن قدامة الجوهري أحد شيوخ البخاري خارج الصحيح كتابا كبيرا، وجمع أخبارهم أبو العباس المبرد في كتابه الكامل لكن بغير أسانيد بخلاف المذكورين قبله.
قال القاضي أبو بكر بن العربي: الخوارج صنفان؛ أحدهما يزعم أن عثمان، وعليا وأصحاب الجمل وصفين وكل من رضي بالتحكيم كفار، والآخر يزعم أن كل من أتى كبيرة فهو كافر مخلد في النار أبدا.
وقال غيره: بل الصنف الأول مفرع عن الصنف الثاني؛ لأن الحامل لهم على تكفير أولئك كونهم أذنبوا فيما فعلوه بزعمهم.
وقال ابن حزم: ذهب نجدة بن عامر من الخوارج إلى أن من أتى صغيرة عذب بغير النار، ومن أدمن على صغيرة فهو كمرتكب الكبيرة في التخليد في النار، وذكر أن منهم من غلا في معتقدهم الفاسد فأنكر الصلوات الخمس وقال: الواجب صلاة بالغداة وصلاة بالعشي.
ومنهم من جوز نكاح بنت الابن وبنت الأخ والأخت، ومنهم من أنكر أن تكون سورة يوسف من القرآن، وأن من قال لا إله إلا الله فهو مؤمن عند الله ولو اعتقد الكفر بقلبه.
وقال أبو منصور البغدادي في المقالات: عدة فرق الخوارج عشرون فرقة، وقال ابن حزم: أسوؤهم حالا الغلاة المذكورون، وأقربهم إلى قول أهل الحق الإباضية، وقد بقيت منهم بقية بالمغرب، وقد وردت بما ذكرته من أصل حال الخوارج أخبار جياد منها: ما أخرجه عبد الرزاق، عن معمر، وأخرجه الطبري من طريق يونس كلاهما عن الزهري قال: لما نشر أهل الشام المصاحف بمشورة عمرو بن العاص حين كاد أهل العراق أن يغلبوهم هاب أهل الشام ذلك إلى أن آل الأمر إلى التحكيم، ورجع كل إلى بلده إلى أن اجتمع الحكمان في العام المقبل بدومة الجندل وافترقا عن غير شيء، فلما رجعوا خالفت الحرورية عليا وقالوا: لا حكم إلا لله، وأخرج ابن أبي شيبة من طريق أبي رزين قال: لما وقع الرضا بالتحكيم ورجع علي إلى الكوفة اعتزلت الخوارج بحروراء فبعث لهم علي، عبد الله بن عباس فناظرهم، فلما رجعوا جاء رجل إلى علي فقال: إنهم يتحدثون أنك أقررت لهم بالكفر لرضاك بالتحكيم، فخطب وأنكر ذلك، فتنادوا من جوانب المسجد: لا حكم إلا لله.
ومن وجه آخر أن رءوسهم حينئذ الذين اجتمعوا بالنهروان عبد الله بن وهب الراسبي، وزيد بن حصن الطائي، وحرقوص بن زهير السعدي، فاتفقوا على تأمير عبد الله بن وهب، وسيأتي كثير من أسانيد ما أشرت إليه بعد في كتاب الفتن إن شاء الله تعالى.
وقال الغزالي في الوسيط تبعا لغيره في حكم الخوارج وجهان: أحدهما أنه كحكم أهل الردة، والثاني أنه كحكم أهل البغي، ورجح الرافعي الأول، وليس الذي قاله مطردا في كل خارجي؛ فإنهم على قسمين: أحدهما من تقدم ذكره، والثاني من خرج في طلب الملك لا للدعاء إلى معتقده، وهم على قسمين أيضا: قسم خرجوا غضبا للدين من أجل جور الولاة وترك عملهم بالسنة النبوية فهؤلاء أهل حق، ومنهم الحسن بن علي وأهل المدينة في الحرة والقراء الذين خرجوا على الحجاج، وقسم خرجوا لطلب الملك فقط سواء كانت فيهم شبهة أم لا وهم البغاة. وسيأتي بيان حكمهم في كتاب الفتن، وبالله التوفيق.
قوله: (وكان ابن عمر يراهم شرار خلق الله إلخ) وصله الطبري في مسند علي من تهذيب الآثار من طريق بكير بن عبد الله بن الأشج أنه سأل نافعا: كيف كان رأي ابن عمر في الحرورية؟ قال: كان يراهم شرار خلق الله، انطلقوا إلى آيات الكفار فجعلوها في المؤمنين.
قلت: وسنده صحيح، وقد ثبت في الحديث الصحيح المرفوع عند مسلم من حديث أبي ذر في وصف الخوارج: هم شرار الخلق والخليقة، وعند أحمد بسند جيد عن أنس مرفوعا مثله، وعند البزار من طريق الشعبي، عن مسروق عن عائشة قالت: ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الخوارج فقال: هم شرار أمتي يقتلهم خيار أمتي وسنده حسن.
وعند الطبراني من هذا الوجه مرفوعا: هم شر الخلق والخليقة يقتلهم خير الخلق والخليقة، وفي حديث أبي سعيد عند أحمد: هم شر البرية، وفي رواية عبيد الله بن أبي رافع، عن علي عند مسلم: من أبغض خلق الله إليه، وفي حديث عبد الله بن خباب يعني عن أبيه عند الطبراني: شر قتلى أظلتهم السماء وأقلتهم الأرض، وفي حديث أبي أمامة نحوه، وعند أحمد، وابن أبي شيبة من حديث أبي برزة مرفوعا في ذكر الخوارج: شر الخلق والخليقة، يقولها ثلاثا، وعند ابن أبي شيبة من طريق عمير بن إسحاق، عن أبي هريرة: هم شر الخلق، وهذا مما يؤيد قول من قال بكفرهم.
[فتح الباري لابن حجر 12/ 282 ط السلفية]
من أخبار الخوارج :
قَالَ أَبُو الْحسن الْمَدَائِنِي دخل عمرَان بن حطَّان يَوْمًا على امْرَأَته وَكَانَ عمرَان قبيحًا ذَمِيمًا قَصِيرا وَقد تزينت وَكَانَت امْرَأَة حسناء فَلَمَّا نظر إِلَيْهَا ازدادت فِي عينه جمالًا وحسنًا فَلم يَتَمَالَك أَن يديم النّظر إِلَيْهَا فَقَالَت مَا شَأْنك قَالَ لقد أَصبَحت وَالله جميلَة فَقَالَت أبشر فَإِنِّي وَإِيَّاك فِي الْجنَّة قَالَ وَمن أَيْن علمت ذَلِك قَالَت لِأَنَّك أَعْطَيْت مثلي فَشَكَرت وابتليت سَلَامَته بمثلك فَصَبَرت والصابر والشاكر فِي الْجنَّة قَالَ المُصَنّف أدام الله سَلَامَته كَانَ عمرَان بن حطَّان أحد الْخَوَارِج وَهُوَ الْقَائِل يمدح عبد الرَّحْمَن بن ملجم على قَتله عَليّ بن أبي طَالب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وأرضاه بمنه وَكَرمه
(يَا ضَرْبَة من تَقِيّ مَا أَرَادَ بهَا … أَلا ليبلغ من ذِي الْعَرْش رضوانا)
(إِنِّي لأذكره يَوْمًا فأحسبه … أَو فِي الْبَريَّة عِنْد الله ميزانا)
(أكْرم بِقوم بطُون الأَرْض أقبرهم … لم يخلطوا دينهم بغيًا وعدوانا)
فبلغت هَذِه الأبيات القَاضِي أَبَا الطّيب الطَّبَرِيّ فَقَالَ مجيبًا لَهُ على الْفَوْر
(إِنِّي لأبرأ مِمَّا أَنْت قَائِله … على ابْن ملجم الملعون بهتانا)
(إِنِّي لأذكره يَوْمًا فألعنه … دينا وألعن عمرانًا وحطانا)
(عَلَيْك ثمَّ عَلَيْهِ الدَّهْر مُتَّصِلا … لعائن الله أسرار وأعلانا)
(فَأنْتم من كلاب النَّار جَاءَ بِهِ … نَص الشَّرِيعَة تبيانًا وبرهانا)
أَشَارَ أَبُو الطّيب إِلَى قَول النَّبِي ﷺ الْخَوَارِج كلاب النَّار
الأذكياء ١/٢١٠ — ابن الجوزي
النصيحة سرا :
قال ابن رجب رحمه الله تعالى:
” وكان السلف أذا أرادوا نصيحة أحد، وعظوه سرا حتى قال بعضهم: من وعظ أخاه فيما بينه وبينه، فهي نصيحة، ومن وعظه على رؤوس الناس فإنما وبخه” انتهى من “جامع العلوم والحكم” (1/225).
وإسرار النصيحة لولي الأمر يساهم في قبولها، ويدفع المفاسد التي عادة ما تحدث بإعلان النصح والجهر به بين الناس.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى:
” ومن دقيق الفطنة: أنك لا ترد على المطاع خطأه بين الملأ، فتحمله رتبته على نصرة الخطأ. وذلك خطأ ثان، ولكن تلطف في إعلامه به، حيث لا يشعر به غيره ” انتهى من “الطرق الحكمية” (1/103).
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله تعالى:
” ليس من منهج السلف التشهير بعيوب الولاة، وذكر ذلك على المنابر؛ لأن ذلك يفضي إلى الفوضى وعدم السمع والطاعة في المعروف، ويفضي إلى الخوض الذي يضر ولا ينفع، ولكن الطريقة المتبعة عند السلف: النصيحة فيما بينهم وبين السلطان، والكتابة إليه، أو الاتصال بالعلماء الذين يتصلون به حتى يوجهه إلى الخير.
أما إنكار المنكر بدون ذكر الفاعل: فينكر الزنا، وينكر الخمر، وينكر الربا من دون ذكر من فعله، فذلك واجب؛ لعموم الأدلة.
ويكفي إنكار المعاصي والتحذير منها، من غير أن يذكر من فعلها لا حاكما ولا غير حاكم.
ولما وقعت الفتنة في عهد عثمان رضي الله عنه: قال بعض الناس لأسامة بن زيد رضي الله عنه: ألا تكلم عثمان؟ فقال: إنكم ترون أني لا أكلمه، إلا أسمعكم؟ إني أكلمه فيما بيني وبينه دون أن أفتتح أمرا لا أحب أن أكون أول من افتتحه … ” انتهى من “مجموع فتاوى الشيخ ابن باز” (8 / 210 – 211).
*- سئل الشيخ ابن عثيمين في سلسلة لقاء الباب المفتوح-088a ما المقصود بقوله صلى الله عليه وسلم :” إذا اختلف الناس فعليكم بالسواد الأعظم” وهل هو صحيح ؟*
*السائل : ما المقصود من قوله صلى الله عليه وسلم: ( إذا اختلف الناس فعليكم بالسواد الأعظم )؟ وهل هذا الأثر صحيح؟*
*الشيخ : هذا الظاهر أنه يصح موقوفًا ولا يصح مرفوعًا، ومعناه أن الناس إذا اختلفوا في شيء فإن السواد الأعظم يعني الأكثر أقرب إلى الصواب، ولا يعني ذلك أن قول الأكثر هو الصواب على كل حال بل هو أقرب، وقد يكون الصواب مع الأقل، ولهذا يتبين من هذا الحديث فيه شيء من النظر حتى من جهة المعنى، نعم.*