542 – فتح الاحد الصمد شرح الصحيح المسند
مشاركة أحمد بن علي وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وأسامة الحميري وعبدالله المشجري
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
قال الشيخ مقبل رحمه الله:
مسند عبد الله بن الأرقم رضي الله عنهما
542 – قال الإمام الترمذي رحمه الله (ج 1 ص 435): حدثنا هناد بن السري حدثنا أبو معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الأرقم قال: أقيمت الصلاة فأخذ بيد رجل فقدمه وكان إمام قومه وقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول «إذا أقيمت الصلاة ووجد أحدكم الخلاء فليبدأ بالخلاء».
قال أبو عيسى: حديث عبد الله بن الأرقم حديث حسن صحيح.
قال أبو عبد الرحمن: هو صحيحٌ على شرط الشَّيخين.
* قال الإمام أبو داود رحمه الله (ج 1 ص 158): حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الأرقم: أنه خرج حاجًّا أو معتمرًا ومعه الناس وهو يؤمهم فلما كان ذات يوم أقام الصلاة صلاة الصبح ثم قال ليتقدم أحدكم -وذهب إلى الخلاء- فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول «إذا أراد أحدكم أن يذهب الخلاء وقامت الصلاة فليبدأ بالخلاء».
قال أبو داود: روى وهيب بن خالد وشعيب بن إسحاق وأبو ضمرة هذا الحديث عن هشام بن عروة عن أبيه عن رجل حدثه عن عبد الله بن أرقم، والأكثر الذين رووه عن هشام قالوا كما قال زهير.
الحديث أخرجه النسائي (ج 2 ص 110) فقال رحمه الله: أخبرنا قتيبة، عن مالك، [ص: 465] عن هشام بن عروة به.
وأخرجه ابن ماجه (ج 1 ص 202) فقال رحمه الله: حدثنا محمد بن الصَّبَّاح، أنبأنا سفيان بن عيينة، عن هشام بن عروة به.
وأخرجه الإمام أحمد (ج 3 ص 483) فقال رحمه الله: حدثنا يحيى بن سعيد، عن هشام بن عروة به.
وأخرجه (ج 4 ص 35) فقال رحمه الله: ثنا عبد الله بن سعيد، عن هشام به. وسقطت (عن) بين أبي هشام وهو عروة وعبد الله بن أرقم.
وأخرجه عبد الرزاق (ج 1 ص 450): عن معمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: كنا مع عبد الله بن الأرقم … وفي هذا التصريح بأن عروة كان مع عبد الله بن الأرقم، إلا أن هذا من رواية معمر عن هشام بن عروة، وفي روايته عنه ضعف.
وأخرجه عبد الرزاق أيضًا: عن الثوري، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الأرقم، قال: كنا معه في سفر … وذكر الحديث.
وهذا سند صحيحٌ.
وأخرجه أيضًا: عن ابن جريج، عن أيوب بن موسى، عن هشام بن عروة. وسقط هنا (عن أبيه) كما في “النكت الظراف على تحفة الأشراف” للحافظ، قال عروة: خرجنا في حج أو عمرة مع عبد الله بن الأرقم.
فعلم من هذا صحة ما قاله أبو داود رحمه الله: أن الأكثرين رووه عن هشام بن عروة متصلًا، بدون واسطة بين عروة وعبد الله بن أرقم، وهكذا علم بتصريح عروة كما عند عبد الرزاق أنه كان مع عبد الله بن أرقم.
فصح الحديث، والحمد لله.
*ـــــــــــــــــــــ*
*دراسة الحديث رواية*
– *مَا جَاءَ إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَوَجَدَ أَحَدُكُمُ الْخَلَاءَ فَلْيَبْدَأْ بِالْخَلَاءِ*
*٨١ – سَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَرْقَمَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَوَجَدَ أَحَدُكُمُ الْخَلَاءَ فَلْيَبْدَأْ بِالْخَلَاءِ» فَقَالَ: رَوَاهُ وُهَيْبٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَرْقَمَ، وَكَانَ هَذَا أَشْبَهَ عِنْدِي. قَالَ أَبُو عِيسَى: رَوَاهُ مَالِكٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الثِّقَاتِ عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ الْأَرْقَمَ، لَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ عَنْ رَجُلٍ*
*العلل الكبير للترمذي = ترتيب علل الترمذي الكبير ١/٦١*
– قال الترمذي:
وَهُوَ قَوْلُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَالتَّابِعِينَ، وَبِهِ يَقُولُ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، قَالَا: لَا يَقُومُ إِلَى الصَّلَاةِ وَهُوَ يَجِدُ شَيْئًا مِنَ الغَائِطِ وَالبَوْلِ، وَقَالَا: إِنْ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ فَوَجَدَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَلَا يَنْصَرِفْ مَا لَمْ يَشْغَلْهُ ” وقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: لَا بَأْسَ أَنْ يُصَلِّيَ وَبِهِ غَائِطٌ أَوْ بَوْلٌ مَا لَمْ يَشْغَلْهُ ذَلِكَ عَنِ الصَّلَاةِ ”
[سنن الترمذي 1/ 264]
– الحديث صححه الألباني في الترمذي 142، وأبي داود 88
*دراسة الحديث دراية*
– بوب عليه مقبل في الجامع:
3 – يبدأ بالخلاء عند الحاجة إليه
77 – الحث على الخشوع
– قال ابن سيد الناس:
أخرجه النسائي وابن ماجة
وقيل إن عبد الله بن أرقم روى عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثًا واحدًا وليس له في هذه الكتب سوى هذا الحديث.
وذكر الترمذي رواية وهيب بزيادة رجل بين عروة وعبد الله بن الأرقم، وقال : هذا أشبه عندي، وفي هذا الكلام مع تصحيحه هذا الحديث نظر.
وأخرجه ابن حبان في صحيحه من حديث مالك عن هشام، عن أبيه، أن عبد الله بن الأرقم وقال: قال أبو داود في سننه: روى حديث عبد الله بن الأرقم وهيب بن خالد وشعيب بن إسحاق وأبو ضمرة، عن هشام، عن أبيه، عن رجل حدثه، عن عبد الله بن الأرقم، وأكثر الذين رووه عن هشام قالوا كما قال زهير عن هشام، عن أبيه، عن هشام، عن أبيه، عن عبد الله.
وقال أبو عمر: ….
قال: ورواه أيوب بن موسى عن هشام عن أبيه أنَّه سمعه من عبد الله بن الأرقم، ذكره عبد الرزاق وقال: أنا ابن جريج عن أيوب بن موسى، عن هشام بن عروة، عن عروة؛ قال: خرجنا في حج أو عمرة مع عبد الله بن الأرقم الزهري فأقام الصلاة، ثم قال: صلوا، وذهب لحاجته، فلما رجع قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
“إذا أقيمت الصلاة وأراد أحدكم الغائط … ” فهذا الإسناد يشهد بأن رواية مالك ومن تابعه في هذا الحديث متصلة، وابن جريج وأيوب بن موسى ثقتان حافظان .
وأما حديث عائشة فعند أبي داود من طريق عبد الله بن محمد أخي القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق قال: كنا عند عائشة فجيء بطعامها فقام القاسم يصلي، فقالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “لا يصلي بحضرة الطعام ولا وهو يدافعه الأخبثان”.
وحديث عائشة هذا عند مسلم وحديث أبي هريرة عند أبي داود أيضًا من رواية أبي حي المؤذن عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يصلي وهو حقِن حتَّى يتخفف … ” الحديث.
وحديث ثوبان عند الترمذي وحسنه، وسيأتي.
وذكر حديث يزيد بن شريح، عن أبي أمامة، وحديث يزيد بن شريح، عن أبي هريرة في ذلك، وقال: وكأن حديث يزيد بن شريح عن أبي حي المؤذن عن ثوبان في هذا أجود إسنادًا وأشهر .
واختلف العلماء فيمن صلى وهو حقِن :
فقال الشافعي وأبو حنيفة وعبيد الله بن الحسن: تكره صلاته وهي جائزة مع ذلك إن لم يترك شيئًا من فرضها.
وقال ابن القاسم عن مالك: إذا شغله ذلك فصلى كذلك فإني أحب أن يعيد في الوقت وبعده.
وقال الثوري: إذا خاف أن يسبقه البول قدم رجلًا وانصرف.
وقال الطحاوي: لا يختلفون أنَّه لو شغل قلبه بشيء من أمر الدنيا لم يستحب له الإعادة، كذلك إذا شغله البول .
قال أبو عمر: قد أجمعوا أنَّه لو صلى بحضرة الطعام فأكمل صلاته ولم يترك من فرائضها شيئًا أن صلاته مجزئة عنه، فكذلك إذا صلى حاقنًا فأكمل صلاته، وفي هذا دليل على أن النهي عن الصلاة بحضرة الطعام من أجل خوف اشتغال بال المصلي بالطعام عن الصلاة وتركه إقامتها على حدودها فإذا أقامها على حدودها فقد خرج من المعنى الخوف عليه وأجزأته لذلك صلاته، وذكر حديثي أبي هريرة وثوبان اللذين ذكرناهما، وقال: مثل هذا لا تقوم به حجة عند أهل العلم بالحديث، ولو صح كان معناه إذا كان حاقنًا جدًّا لم يتهيأ له إكمال صلاته على وجهها. وقد روي عن عمر بن الخطاب أنَّه قال: من استطاع منكم فلا يصلي وهو مؤجج من خلاء أو بول.
وروي عنه أنَّه قال: لا يدافعن أحدكم الخبث في الصلاة.
وروى ابن المبارك عن هشام، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: لأن أصلي وهو في ناحية ثوبي أحب إلي من أن أصلي وأنا أدافعه.
وجاءت فيه رخصة عن إبراهيم النخعي وطاوس اليماني.
قال أبو عمر: الَّذي نقول فيه أنَّه لا ينبغي لأحد أن يفعله، فإن فعله وسلمت له صلاته أجزأت عنه صلاته وبئس ما صنع.
وقد اختلف العلماء في تعليل هذه الكراهة:
فمنهم من علله بالشغل المؤدي إلى شرود القلب وإسقاط الخشوع، وقال الإمام أبو عبد الله أحمد بن حنبل: العلة فيه انتقال الحدث، وعنده أن انتقال الحدث يوجب الوضوء، وانتقال المني يوجب الغسل وإن لم يظهرا.
وتعلق أحمد بأن الشهوة حصلت بانتقال المني وإن لم ينزل فكان كالتقاء الختانين، وبأن انتقال الحدث سبب لخروجه فلا يكون أقل من مس الذكر ، فإن كان محتاجًا بدأ بالعشاء للحديث.
وإن لم يكن محتاجًا بدأ بالصلاة للمعنى الَّذي ذكرناه، هذا في صلاة الجماعة، أما إن كان وحده بدأ بأكله على كل حال (…..) إلا أن يرغب في الفضل فيبدأ بالصلاة، إلا أن يكون محتاجًا (…). ويلحق بمدافعة الأخبثين والصلاة بحضرة الطعام عند أصحابنا ما في معناه مما يشغل القلب ويذهب كمال الخشوع، وهذه الكراهة عند جمهور أصحابنا وغيرهم، إذا صلى كذلك وفي الوقت سعة، فإن ضاق بحيث لو أكل أو تطهر خرج وقت الصلاة صلى على حاله محافظة على حرمة الوقت ولا يجوز تأخيرها. وحكى أبو سعيد المتولي وجهًا لبعض الأصحاب أنَّه لا يصلي بحاله بل يأكل ويتوضأ وإن خرج الوقت لأن مقصود الصلاة الخشوع وإذا صلى على حاله وفي الوقت سعة فقد ارتكب المكروه وصلاته صحيحة عندنا وعند الجمهور، لكن يستحب إعادتها ولا يجب.
ونقل عن أهل الظاهر أنها باطلة….
[النفح الشذي شرح جامع الترمذي ط الصميعي 3/ 282]
*- ١٠٦٩ – (وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ” إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ وَوَجَدَ أَحَدُكُمُ الْخَلَاءَ) أَيِ: احْتِيَاجُهُ (فَلْيَبْدَأْ بِالْخَلَاءِ): وَجَازَ لَهُ تَرْكُ الْجَمَاعَةِ لِهَذَا الْعُذْرِ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ): قَالَ مِيرَكُ: وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ. (وَرَوَى مَالِكٌ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ نَحْوَهُ) أَيْ: بِمَعْنَاهُ.*
*مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ٣/٨٤٠ — الملا على القاري (ت ١٠١٤)*
– قال الإتيوبي:
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما بوب له المصنف رحمه الله، وهو أن البول والغائط عذر تسقط به صلاة الجماعة.
ومنها: أنه لا يجوز لأحد أن يصلي، وبه حاجة إلى البول والغائط.
ومنها: أنه يطلب من المصلي الإقبال على صلاته، والبعد عن كل ما يشغل قلبه عنها، فلا يدخل فيها، وهو يجد شيئًا يمنعه عن الخشوع.
ومنها: أنه ينبغي لمن فعل شيئًا مستغربًا أن يبين الدليل الشرعي الذي حمله على فعله، فإن عبد الله بن أرقم لما تخلف عن صلاة الجماعة بسبب حاجته، بين لأصحابه دليله.
ومنها: أن في قوله:” إذا وجد أحدكم الغائط” ما يدل على هروب العرب من الفحش، ودنائة القول، ومجانبتهم للخنا كله، فلهذا قالوا لموضع الغائط: الخلاء، والمذهب، والمخرج، والكَنِيف، والحُشّ، والمِرْحَاض، وكل ذلك كناية، وفرار عن التصريح في ذلك. قاله الحافظ ابن عبد البر رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم.
[ذخيرة العقبى في شرح المجتبى 10/ 593]
– قال ابن عثيمين:
وَأَنْ يَكُونَ حَاقِناً أَوْ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ يَشْتَهِيهِ، ……….
قوله: «وأن يكون حاقناً» أي: يُكره أن يُصلِّي وهو حاقن، والحاقن هو المحتاج إلى البول، لأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم نهى عن الصَّلاةِ في حضرة طعام، ولا وهو يُدافعه الأخبثان.
والحكمة من ذلك: أن في هذا ضرراً بدنيًّا عليه، فإن في حبس البول المستعدِّ للخروج ضرراً على المثانة، وعلى العصب التي تمسك البول، لأنه ربما مع تَضخُّمِ المثانة بما انحقن فيها مِن الماء تسترخي الأعصاب، لأنها أعصاب دقيقة، وربما تنكمش انكماشاً زائداً، وينكمش بعضُها على بعض، ويعجز الإنسان عن إخراج البول، كما يجري ذلك أحياناً.
وفيه أيضاً ضررٌ يتعلَّقُ بالصَّلاة؛ لأن الإنسان الذي يُدافع البول لا يمكن أن يُحضر قلبه لما هو فيه من الصَّلاة؛ لأنه منشغل بمدافعة هذا الخَبَث، وإذا كان حاقباً فهو مثله، والحاقب: هو الذي حَبَسَ الغائط، فيُكره أن يُصلِّي وهو حابس للغائط يدافعه، والعِلَّة فيه ما قلنا في عِلَّة الحاقن، وكذلك إذا كان محتبس الرِّيح فإنه يُكره أن يُصلِّي وهو يدافعها.
مسألة: إذا قال قائل: رَجُلٌ على وُضُوء، وهو يدافع البول أو الرِّيح، لكن لو قضى حاجته لم يكن عنده ماء يتوضَّأ به، فهل نقول: اقْضِ حاجتك وتيمَّم للصَّلاة، أو نقول: صَلِّ وأنت مدافع للأخبثين؟
فالجواب: نقول: اقْضِ حاجتك وتيمَّم، ولا تُصَلِّ وأنت تُدافع الأخبثين، وذلك لأن الصلاة بالتيمُّم لا تُكره بالإجماع، والصَّلاةُ مع مدافعة الأخبثين منهيٌّ عنها مكروهة، ومِن العلماء مَن حَرَّمها وقال: إن الصَّلاةَ لا تصحُّ مع مدافعة الأخبثين، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يُدافعه الأخبثان».
مسألة: لو قال قائل: إنه حاقن، ويخشى إنْ قضى حاجته أن تفوته صلاة الجماعة، فهل يُصلِّي حاقناً ليدرك الجماعة، أو يقضي حاجته ولو فاتته الجماعة؟
فالجواب: يقضي حاجته ويتوضَّأ ولو فاتته الجماعة، لأن هذا عُذر، وإذا طرأ عليه في أثناء الصَّلاة فله أن يُفارق الإمام.
مسألة: إذا قال قائل: إنَّ الوقت قد ضاقَ، وهو الآن يُدافع أحد الأخبثين فإن قضى حاجته وتوضَّأ خرج الوقتُ، وإن صَلَّى قبل خروج الوقت صَلَّى وهو يدافع الأخبثين، فهل يُصلِّي وهو يدافع الأخبثين، أو يقضي حاجته ويُصلِّي؛ ولو بعد الوقت؟
فالجواب: إنْ كانت الصَّلاةُ تُجمع مع ما بعدَها فليقضِ حاجته وينوي الجمع؛ لأن الجمع في هذه الحال جائز، وإن لم تكن تُجمع مع ما بعدَها كما لو كان ذلك في صلاة الفجر، أو في صلاة العصر، أو في صلاة العشاء، فللعلماء في هذه المسألة قولان:
القول الأول: أنه يُصلِّي ولو مع مُدافعة الأخبثين حفاظاً على الوقت، وهذا رأي الجُمهور.
القول الثاني: يقضي حاجته ويُصلِّي ولو خرج الوقت.
وهذا القول أقرب إلى قواعد الشريعة؛ لأن هذا بلا شَكٍّ من اليُسر، والإنسان إذا كان يُدافع الأخبثين يَخشى على نفسِه الضَّرر مع انشغاله عن الصَّلاة.
وهذا في المدافعة القريبة.
أما المدافعة الشديدة التي لا يدري ما يقول فيها، ويكاد يتقطَّع من شدة الحصر، أو يخشى أن يغلبه الحَدَث فيخرج منه بلا اختيار، فهذا لا شَكَّ أنه يقضي حاجته ثم يُصلِّي، وينبغي ألا يكون في هذا خلاف.
قوله: «أو بحضرة طعام يشتهيه» أي: يكره أن يُصلِّي بحضرة طعام تتوقُ نفسُه إليه فاشترط المؤلِّف شرطين وهما:
1 ـ أن يكون الطَّعام حاضراً.
2 ـ أن تكون نفسه تَتُوقُ إليه.
وينبغي أن يُزاد شرطٌ ثالث وهو: أن يكون قادراً على تناوله حِسًّا وشرعاً.
فإنْ لم يحضر الطَّعام ولكنه جائع، فلا يؤخِّر الصَّلاة؛ لأننا لو قلنا بهذا؛ لزم أن لا يُصلِّي الفقير أبداً؛ لأن الفقير قد يكون دائماً في جوع، ونفسه تتوقُ إلى الطعام.
ولو كان الطَّعام حاضراً ولكنه شبعان لا يهتمُّ به فليصلِّ، ولا كراهة في حَقِّهِ.
وكذلك لو حضر الطَّعامُ، لكنه ممنوع منه شرعاً أو حِسًّا.
شرعا كالصائم . وحسا كالطعام الحار
وقال بعض العلماء: بل النفيُ نفيٌ للصِّحَّة، فلو صَلَّى وهو يُدافع الأخبثين بحيث لا يدري ما يقول فصلاتُه غيرُ صحيحة، لأن الأصل في نفي الشَّرع أن يكون لنفي الصِّحَّة، وعلى هذا تكون صلاتُه في هذه الحال محرَّمة؛ لأن كلَّ عبادة باطلة فتلبُّسه بها حرام؛ لأنه يشبه أن يكون مستهزئاً؛ حيث تَلَبَّسَ بعبادة يعلم أنها محرَّمة.
وكلٌّ مِن القولين قويٌّ جدًّا.
[الشرح الممتع على زاد المستقنع 3/ 235] باختصار
من أدلة الخشوع:
قال الإمام مسلم
١٥٢ – (٦٠٢) حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَابْنُ حُجْرٍ عَنْ إِسْمَاعِيل بْنِ جَعْفَرٍ. قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ: حدثنا إِسْمَاعِيل. أَخْبَرَنِي الْعَلَاءُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قَالَ:
«إِذَا ثُوِّبَ لِلصَّلَاةِ فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ. وَأْتُوهَا وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ. فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا. وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا. فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا كَانَ يَعْمِدُ إِلَى الصَّلَاةِ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ».
صحيح مسلم – ت عبد الباقي ١/٤٢١ — مسلم (ت ٢٦١)
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى :
فَقَدْ دَلَّ كِتَابُ اللَّهِ عز وجل عَلَى مَنْ كَبُرَ عَلَيْهِ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ. وَأَنَّهُ مَذْمُومٌ بِذَلِكَ فِي الدِّينِ مَسْخُوطٌ مِنْهُ ذَلِكَ وَالذَّمُّ أَوْ السُّخْطُ لَا يَكُونُ إلَّا لِتَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ فِعْلِ مُحَرَّمٍ وَإِذَا كَانَ غَيْرُ الْخَاشِعِينَ مَذْمُومِينَ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى وُجُوبِ الْخُشُوعِ. فَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْخُشُوعَ الْمَذْكُورَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ لَا بُدَّ أَنْ يَتَضَمَّنَ الْخُشُوعَ فِي الصَّلَاةِ. فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ الْخُشُوعَ خَارِجَ الصَّلَاةِ لَفَسَدَ الْمَعْنَى إذْ لَوْ قِيلَ: إنَّ الصَّلَاةَ
لَكَبِيرَةٌ إلَّا عَلَى مَنْ خَشَعَ خَارِجَهَا وَلَمْ يَخْشَعْ فِيهَا: كَانَ يَقْتَضِي أَنَّهَا لَا تَكْبُرُ عَلَى مَنْ لَمْ يَخْشَعْ فِيهَا وَتَكْبُرُ عَلَى مَنْ خَشَعَ فِيهَا. وَقَدْ انْتَقَى مَدْلُولَ الْآيَةِ. فَثَبَتَ أَنَّ الْخُشُوعَ وَاجِبٌ فِي الصَّلَاةِ.
مجموع الفتاوى ٢٢/٥٥٤ — ابن تيمية (ت ٧٢٨)