533 – فتح الاحد الصمد شرح الصحيح المسند
مجموعة: أحمد بن علي وعدنان البلوشي وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وأسامة الحميري
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
الصحيح المسند
قال الشيخ مقبل رحمه الله:
533 – قال الإمام أحمد رحمه الله (ج 5 ص 453): حدثنا يزيد أخبرنا الوليد يعني ابن عبد الله بن جميع عن أبي الطفيل قال: لما أقبل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من غزوة تبوك أمر مناديًا فنادى إن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أخذ العقبة فلا يأخذها أحد فبينما رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقوده حذيفة ويسوق به عمار إذ أقبل رهط متلثمون على الرواحل غشوا عمارًا وهو يسوق برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأقبل عمار يضرب وجوه الرواحل فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لحذيفة «قد قد» حتى هبط رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فلما هبط رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم نزل ورجع عمار فقال «يا عمار هل عرفت القوم؟ » فقال قد عرفت عامة الرواحل والقوم متلثمون قال «هل تدري ما أرادوا؟ » قال الله ورسوله أعلم قال «أرادوا أن ينفروا برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيطرحوه» قال فسأل عمار رجلًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال نشدتك بالله كم تعلم كان أصحاب العقبة فقال أربعة عشر فقال إن كنت فيهم فقد كانوا خمسة عشر فعدد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم منهم ثلاثة قالوا والله ما سمعنا منادي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وما علمنا ما أراد القوم فقال عمار أشهد أن الاثني عشر الباقين حرب لله ولرسوله في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد.
قال الوليد: وذكر أبو الطفيل في تلك الغزوة: أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال للناس وذكر له أن في الماء قلة فأمر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم مناديًا فنادى أن لا يرد الماء أحد قبل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فورده رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فوجد رهطًا قد وردوه قبله فلعنهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يومئذ.
[ص: 457] هذا حديث حسنٌ.
—–
قوله ( فعذر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم منهم ثلاثة)
قال محققو المسند : فعذر بينما وقعت في بعض النسخ فعدد . انتهى
وحملها صاحب الفتح الرباني على معنى تعداد اسماء من كان لهم عذر
بوب عليه مقبل في الجامع:
98 – غزوة تبوك
11 – تطرأ عليه صلى الله عليه وسلم الأعراض البشرية
2 – تحين المنافقين للفتك بالإسلام وأهله
193 – قوله تعالى: {يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ}
قال محققو المسند 23792:
إسناده قوي على شرط مسلم. يزيد: هو ابن هارون.
وهذا الحديث قد رواه أبو الطفيل عن حذيفة بن اليمان، فقد أخرجه البزار في “مسنده” (2800) و (2803) من طريق محمد بن فضيل، عن الوليد بن جُميع، عن أبي الطفيل، عن حذيفة.
وأخرج نحوه البيهقي في “دلائل النبوة” 5/ 260 – 261 من طريق محمد بن إسحاق، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي البَخْتَري، عن حذيفة بن اليمان قال: كنتُ آخذاً بخُطام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم أقود به وعمار يسوقه … فذكره. ورواية أبي البختري -وهو سعيد بن فيروز- عن حذيفة بن اليمان مرسلة.
والقطعة الأخيرة من الحديث سلفت في مسند حذيفة برقم (23321) و (23395) من طريق أبي الطفيل عنه.
—
شرح الحديث:
عن أبي الطُّفَيْلِ عامر بن واثلة رضي الله عنه؛ أنه (قَالَ: كَانَ بَيْنَ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْعَقَبَةِ) اسمه وديعة بن ثابت، كما بُيّن في رواية الطبرانيّ في «الكبير»، لكنه جعل الكلام بينه وبين عمّار رضي الله عنه، ويمكن أن يتكرّر، واللَّه تعالى أعلم.
قال النوويّ رحمه الله: هذه العقبة ليست العقبة المشهورة بمنى التي كانت بها بيعة الأنصار رضي الله عنهم، وإنما هذه عَقبة على طريق تبوك، اجتمع المنافقون فيها للغدر برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، في غزوة تبوك، فعصمه اللَّه تعالى منهم. انتهى
وقال ابن الجوزيّ رحمه الله: هذا الحديث يُشكل على المبتدئين؛ لأن أهل العقبة إذا أُطلقوا، فإنما يشار بهم إلى الأنصار المبايعين له صلى الله عليه وسلم ، وليس هذا من ذاك، وإنما هذه عَقبة في طريق تبوك، وقف فيها قوم من المنافقين؛ لِيَفتكوا به صلى الله عليه وسلم ، ثم أخرج بسنده عن أبي الطفيل قال: لَمّا أقبل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك، أمر مناديًا فنادى: إن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم آخذ العقبة، فلا يأخذها أحد، فبينما رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقوده حذيفة، ويسوقه عمار، إذ أقبل رهط متلثمون على الرواحل، غَشُوا عمّارًا، وهو يسوق برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، وأقبل عمار يضرب وجوه الرواحل، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لحذيفة: «قُدْ قُدْ»، حتى هبط رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، فلما هبط رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم نزل، ورجع عمار، فقال: «يا عمار هل عرفت القوم؟» فقال: قد عرفت عامة الرواحل، والقوم متلثمون، قال: «هل تدري ما أرادوا؟» قال: اللَّه ورسوله أعلم، قال: «أرادوا أن يُنَفِّروا برسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ، فيطرحوه. . .» الحديث
[تنبيه]: رواية مسلم واضحة في أن الكلام جرى بين حذيفة ورجل من أهل العقبة، ولكن روايات أحمد والطبرانيّ متّفقة على أنه جرى بين عمار وبين الرجل، ويُمكن أن يجاب بأن القصّتين وقعتا، أو يقال: ما في «الصحيح» أصحِّ، واللَّه تعالى أعلم.
(وَبَيْنَ حُذَيْفَةَ) بن اليمان رضي الله عنهما (بَعْضُ مَا يَكُونُ بَيْنَ النَّاسِ)؛ أي: من المنازعة، والمشاغبة، وقال القرطبيّ رحمه الله: وعنى أبو الطفيل بقوله: «بعض ما يكون بين القوم»: الملاحاة، والمعاتبة التي تكون غالبًا بين الناس. انتهى. (فَقَالَ) الرجل الذي نازع حذيفة لحذيفة رضي الله عنه: (أَنْشُدُكَ بِاللَّهِ) وفي نسخة: «أنشدك اللَّه»؛ أي: أسألك رافعًا نشيدتي؛ أي: صوتي، (كَمْ كَانَ أَصْحَابُ الْعَقَبَةِ؟)؛ أي: العقبة التي في طريق تبوك. (قَالَ) أبو الطفيل (فَقَالَ لَهُ)؛ أي: لحذيفة، (الْقَوْمُ) الحاضرون تلك المنازعة لحذيفة: (أَخْبِرْهُ)؛ أي: أخبر الرجل بما سألك عنه، وقوله: (إِذْ سَأَلَكَ) «إذ» تعليليّة؛ أي: لأنه سألك، وناشدك باللَّه
(قَالَ) حذيفة رضي الله عنه: (كُنَّا نُخْبَرُ) بالبناء للمفعول، وعبّر بالمجهول؛ طلبًا للسَّتر، وإلا فحذيفة رضي الله عنه يعلمهم يقينًا؛ لأن النبيّ ﷺ أخبره بأسمائهم وأعيانهم (أَنَّهُمْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ) رجلًا،
وهي في تأويل المصدر نائب الفاعل لـ «نُخْبَرُ»، (فَإِنْ كُنْتَ) أيها المناشد، وهذا الكلام لحذيفة رضي الله عنه، (مِنْهُمْ)؛ أي: من أصحاب العقبة، (فَقَدْ كَانَ الْقَوْمُ) أصحاب العقبة (خَمْسَةَ عَشَرَ)؛ أي: بزيادتك علمهم، (وَأَشْهَدُ بِاللَّهِ أَنَّ اثْنَيْ عَشَرَ مِنْهُمْ حَرْبٌ)؛ أي: محارب (للَّهِ) عز وجل (وَلِرَسُولِهِ) صلى الله عليه وسلم (فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) حيث أراداوا الفتك به في تلك الليلة، (وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ) حيث ينادى بهم على رؤوس الأشهاد: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨].
(وَعَذَرَ ثَلَاثَةً)؛ أي: قَبِل النبيّ صلى الله عليه وسلم عُذرهم، ورفع عنهم اللوم، يقال: عذرته فيما صَنَع عَذْرًا، من باب ضَرَبَ: إذا رفعت عنه اللوم (١)، وإنما عَذَرهم لأنهم لم يريدوا شرًّا، وإنما تبعوا القوم جهلًا، فإنهم (قَالُوا) معتذرين: (مَا سَمِعْنَا مُنَادِيَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ) الذي نادى بأنه صلى الله عليه وسلم أخذ طريق العقبة، فلا يأخذها أحد، (وَلَا عَلِمْنَا بِمَا أَرَادَ الْقَوْمُ)؛ أي: المنافقون الذي سلكوا طريق العقبة مخالفين أمره صلى الله عليه وسلم ، ومريدين الفتك به، وغَرضُهم بذلك الاعتذار بأنهم لم يريدوا شرًّا، وإنما اتّبعوا القوم لعدم عِلمهم بكيدهم.
(وَقَدْ كَانَ) صلى الله عليه وسلم في مرجعه من تبوك (فِي حَرَّةٍ)؛ أي: في أرض ذات حجارة سُود، (فَمَشَى) صلى الله عليه وسلم (فَقَالَ) للناس: («إِنَّ الْمَاءَ) الذي سنأتيه (قَلِيلٌ)؛ أي: لا يكفي لجماعتنا، (فَلَا) ناهية، (يَسْبِقُنِي إِليْهِ أَحَدٌ») أراد أن لا يمسّ ذلك الماء أحد حتى يمسّه صلى الله عليه وسلم بيده المباركة، فيفيض الماء، ويكفي الجيش كلّه. (فَوَجَدَ قَوْمًا) من المنافقين (قَدْ سَبَقُوهُ) إلى ذلك الماء، ومسّوه، واغترفوا منه مخالفة له صلى الله عليه وسلم ؛ لشدّة نفاقهم (فَلَعَنَهُمْ)؛ أي: دعا على هؤلاء المنافقين الذي سبقوه إلى الماء (يَوْمَئِذٍ)؛ أي: يوم إذ وقعت تلك الواقعة، واللَّه تعالى أعلم.
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج ٤٣/٢٧٦-٢٨٠
—
قال ابن الجوزي:
وَفِي الحَدِيث الْخَامِس: كَانَ بَين رجل من أهل الْعقبَة وَبَين حُذَيْفَة بعض مَا يكون بَين النَّاس، فَقَالَ: أنْشدك الله، كم كَانَ أَصْحَاب الْعقبَة؟ قَالَ: فَقَالَ الْقَوْم: أخبرهُ إِذْ سَأَلَك. فَقَالَ: كُنَّا نخبر أَنهم أَرْبَعَة عشر، فَإِن كنت مِنْهُم فقد كَانَ الْقَوْم خَمْسَة عشر، وَأشْهد أَن اثْنَي عشر مِنْهُم حَرْب لله وَلِرَسُولِهِ فِي الدُّنْيَا وَيَوْم يقوم الأشهاد، وَعذر ثَلَاثَة قَالُوا: مَا سمعنَا مُنَادِي رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَلَا علمنَا بِمَا أَرَادَ الْقَوْم، وَقد كَانَ فِي حرَّة فَمشى فَقَالَ: ” إِن المَاء قَلِيل، فَلَا يسبقني إِلَيْهِ أحد ” فَوجدَ قوما قد سَبَقُوهُ فلعنهم.
هَذَا الحَدِيث يشكل على المبتدئين؛ لِأَن أهل الْعقبَة إِذا أطْلقُوا فَإِنَّمَا يشار بهم إِلَى الْأَنْصَار الْمُبَايِعين لَهُ، وَلَيْسَ هَذَا من ذَاك، وَإِنَّمَا هَذِه عقبَة فِي طَرِيق تَبُوك، وقف فِيهَا قوم من الْمُنَافِقين ليفتكوا بِهِ:
أخبرنَا هبة الله بن الْحصين قَالَ: أخبرنَا أَبُو عَليّ بن الْمَذْهَب قَالَ: أخبرنَا أَحْمد بن جَعْفَر قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن أَحْمد قَالَ: حَدثنَا أبي قَالَ: حَدثنَا يزِيد قَالَ: أخبرنَا أَبُو الْوَلِيد – يَعْنِي ابْن عبد الله بن جَمِيع عَن أبي الطُّفَيْل قَالَ: لما أقبل رَسُول الله صلى الله عليه وسلم من غَزْوَة تَبُوك أَمر مناديا فَنَادَى: إِن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم آخذ الْعقبَة فَلَا يَأْخُذهَا أحد….
قَالَ أَبُو سُلَيْمَان الدِّمَشْقِي الْمُفَسّر: أَصْحَاب الْعقبَة خَمْسَة عشر من الْمُنَافِقين، تَابَ ثَلَاثَة وَمضى اثْنَا عشر على النِّفَاق، مِنْهُم معتب بن قُشَيْر، ووديعة بن ثَابت، وَرِفَاعَة بن التابوت، وسُويد، وداعس، وجد بن عبد الله بن نتيل، والْحَارث بن يزِيد الطَّائِي، وَأَوْس بن قيظي، وَسعد بن زُرَارَة، وَقيس بن عَمْرو بن سهل، وَهُوَ عَم قَتَادَة بن النُّعْمَان، وَقد ذكر عَنهُ قَتَادَة أَنه رأى مِنْهُ مَا يدل على صِحَة إِسْلَامه. وَزيد بن النَّصِيب، كَذَا قَالَ أَبُو سُلَيْمَان. وَغَيره يَقُول: اللصيت وَكَانَ يَهُودِيّا منافقا، وسلالة بن الْحمام، والجلاس بن سُوَيْد، وَقيل: وَكَعب، وَأَبُو لبَابَة، وَتَابَ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة.
[كشف المشكل من حديث الصحيحين 1/ 391]
قال القرطبي:
وعنى أبو الطفيل بقوله: بعض ما يكون بين الناس: الملاحاة والمعاتبة التي تقع غالبًا بين الناس.
و(قوله: أنشدك الله) أي: أسالك بالله، والقائل: أنشدك بالله؛ هو الرجل الذي لاحاه حذيفة رضي الله عنه والقائل: كنا نخبر أنهم أربعة عشر، فإن كنت فيهم فالقوم خمسة عشر: هو حذيفة، والمخاطب بذلك القول: هو الرجل المعاتب السائل له بأنشدك الله، وظاهر كلام حذيفة: أنه ما شك فيه، لكنه ستر ذلك إبقاء عليه. وهؤلاء الأربعة عشر، أو الخمسة عشر هم الذين سبقوا إلى الماء، فلعنهم النبي صلى الله عليه وسلم، غير أنه قبل عذر ثلاثة منهم لما اعتذروا له بأنهم ما سمعوا المنادي، وما علموا بما أراد من كان معهم من المنافقين؛ فإنَّهم أرادوا مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن يسبقوا إلى الماء، ويحتمل أن يريد بهم الرهط الذين عرضوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالعقبة ليقتلوه، والله تعالى أعلم.
[المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم 7/ 412]
قال ابن كثير:
وقوله: {وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا} قيل: أنزلت في الجُلاس بن سويد وذلك أنه همَّ بقتل ابن امرأته حين قال: لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل: في عبد الله بن أُبي، همَّ بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال السدي: نزلت في أناس أرادوا أن يتوجوا عبد الله بن أُبي وإن لم يرض رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد ورد أن نفرًا من المنافقين همّوا بالفتك بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو في غزوة تبوك، في بعض تلك الليالي في حال السير، وكانوا بضعة عشر رجلًا، قال الضحاك: ففيهم نزلت هذه الآية. وذلك بيِّن فيما رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب (دلائل النبوة) من حديث محمد بن إسحاق، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: كنت آخذًا بخطام ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم أقود به وعمار يسوق الناقة، أو أنا أسوقه وعمار يقوده حتى إذا كنا بالعقبة فإذا أنا باثني عشر راكبًا قد اعترضوه فيها، قال فأنبهت رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم، فصرخ بهم، فولُّوا مدبرين. فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “هل عرفتم القوم؟ ” قلنا: لا يا رسول الله قد كانوا متلثمين ولكنا قد عرفنا الركاب قال: “هؤلاء المنافقون إلى يوم القيامة وهل تدرون ما أرادوا؟ ” قلنا: لا، قال: “أرادوا أن يزاحموا رسول الله صلى الله عليه وسلم في العقبة فيلقوه منها” قلنا: يا رسول الله أفلا تبعث إلى عشائرهم حتى يبعث إليك كل قوم برأس صاحبهم؟ قال: “لا، أكره أن تتحدث العرب بينها أن محمدًا قاتل بقوم حتى إذا أظهره الله بهم أقبل عليهم يقتلهم -ثم قال:- اللَّهم ارمهم بالدبيلة” قلنا: يا رسول الله وما الدبيلة؟ قال: “شهاب من نار يقع على نياط قلب أحدهم فيهلك”.
وقال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا يزيد، أخبرنا الوليد بن عبد الله بن جُميع، عن أبي الطفيل قال: لما أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك أمر مناديًا فنادى…..”.
وهكذا روى ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة بن الزبير نحو هذا، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أن يمشي الناس في بطن الوادي وصعد هو وحذيفة وعمار العقبة، فتبعهم هؤلاء النفر الأرذلون وهم متلثمون فأرادوا سلوك العقبة، فأطلع الله على مرادهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر حذيفة فرجع إليهم فضرب وجوه رواحلهم ففزعوا ورجعوا مقبوحين، وأعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم حذيفة وعمارًا بأسمائهم وما كانوا همُّوا به من الفتك به صلوات الله وسلامه عليه وأمرهما أن يكتما عليهم، وكذا روى يونس بن بكير عن ابن إسحاق، إلا أنه سمَّى جماعة منهم، فالله أعلم.
وكذا قد حكي في معجم الطبراني قاله البيهقي، ويشهد لهذه القصة بالصحة ما رواه مسلم: حدثنا زهير بن حرب، حدثنا أبو أحمد الكوفي، حدثنا الوليد بن جميع، حدثنا أبو الطفيل قال: كان بين رجل من أهل العقبة أو بين حذيفة بعض ما يكون بين الناس، فقال: أنشدك بالله كم كان أصحاب العقبة؟] ….
وما رواه مسلم أيضًا من حديث قتادة عن أبي نضرة، عن قيس بن عباد، عن عمار بن ياسر قال: أخبرني حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “في أصحابي اثنا عشر منافقًا لا يدخلون الجنة ولا يجدون ريحها حتى يلج الجمل في سَمِّ الخياط: ثمانية منهم تكفيكهم الدبيلة: سراج من نار تظهر بين أكتافهم حتى ينجم في صدورهم” ولهذا كان حذيفة يقال له: صاحب السر الذي لا يعلمه غيره، أي من تعيين جماعة من المنافقين وهم هؤلاء قد أطلعه عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم دون غيره، والله أعلم.
[وقد ترجم الطبراني في مسند حذيفة تسمية أصحاب العقبة، ثم روي عن علي بن عبد العزيز، عن الزبير بن بكار أنه قال: هم [معتب بن قشير]، ووديعة بن ثابت، وجد بن عبد الله بن نبتل بن الحارث من بني عمرو بن عوف، والحارث بن يزيد الطائي، وأوس بن قيظي، والحارث بن سويد، وسعد بن وراه، وقيس بن فهد، وسويد بن داعس من بنى الحبلى، وقيس بن عمرو بن سهل، [وزيد بن اللصيت]، وسلالة بن الحمام وهما من بني قينقاع أظهرا الإسلام].
[تفسير ابن كثير – ط ابن الجوزي 4/ 319]
قال صاحب الكوكب الوهاج:
قال أبو الطفيل: (وقد كان) صلى الله عليه وسلم في مرجعه من تبوك (في حرة) أي في أرض ذات حجارة سود، ويُجمع على حرار …..
ولفظ رواية أحمد في سنده قال الوليد بن جُميع وذكر أبو الطفيل في تلك الغزوة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للناس .. وذُكر له أن في الماء قلة فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مناديًا فنادى أن لا يرد الماء أحد قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فورده رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد رهطًا قد وردوه قبله فلعنهم يومئذٍ.
ويظهر من روايات أهل السير أن هذه القصة وقعت مرتين مرة في سفره صلى الله عليه وسلم إلى تبوك وقد مرَّت تلك القصة في كتاب مسلم في باب معجزات النبي صلى الله عليه وسلم من كتاب الفضائل حديث رقم [5901] من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم قبل وصوله إلى تبوك بيوم “إنكم ستأتون غدًا إن شاء الله تعالى عين تبوك وإنكم لن تأتوها حتى يُضحي النهار فمن جاءها منكم فلا يمس من مائها شيئًا حتى آتي “فسبقه رجلان فسبهما النبي صلى الله عليه وسلم.
والقصة الأخرى وقعت عند رجوعه من تبوك فيما ذكره الواقدي في مغازيه [3/ 1039] ولفظه: وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلًا حتى إذا كان بين تبوك وواد يقال له وادي الناقة وكان فيه وشل – أي ماء قليل – يخرج منه في أسفله قدر ما يروي الراكبين أو الثلاثة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من سبقنا إلى ذلك الوشل فلا يستقين منه شيئًا حتى نأتي” فسبق إليه أربعة من المنافقين معتب بن قشير والحارث بن يزيد الطائي حليف في بني عمرو بن عوف ووديعة بن ثابت وزيد بن اللصيت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ألم أنهكم” ولعنهم ودعا عليهم، ثم نزل فوضع يده في الوشل ثم مسحه بأصبعه حتى اجتمع في كفه منه ماء قليل ثم نضحه ثم مسحه بيده ثم دعا بما شاء الله أن يدعو به فانخرق الماء.
ولعل المراد في حديث الباب هذه القصة الثانية وقوله: (وقد كان في حرة) المراد منه أنه صلى الله عليه وسلم حين أمر الناس بأن لا يسقين من الماء الوشل أحد حتى يأتيه كان في حرة أي في أرض ذات حجارة سود والله سبحانه وتعالى أعلم. وهذا الحديث مما انفرد به الإمام مسلم من بين الأئمة الستة رحمه الله تعالى.
[الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج 25/ 361]
شبهه والرد عليها :
لم نقف على رواية للوليد بن جميع ولا لغيره، لحديث حذيفة ولا غيره، فيها تسمية أبي بكر وعمر في أصحاب العقبة الذين حاولوا قتل النبي صلى الله عليه وسلم في مرجعه من غزوة تبوك!! لا من طريق صحيح, ولا ضعيف, ولا تالف!!
وحديث حذيفة رواه مسلم في صحيحه من طريق الوليد بن جميع, وأورده ابن حزم نفسه قبل ذلك بإسناد الإمام مسلم, وليس فيه إلا ذكر عددهم دون أسمائهم, ثم إن ابن حزم إنما أراد بذلك أن يبطل الاحتجاج بهذا الحديث وأمثاله على أن المرتد لا يقتل, فرد الاحتجاج به بتضعيف إسناده، فقال: أما حديث حذيفة فساقط، لأنه من طريق الوليد بن جميع، وهو هالك، ولا نراه يعلم من وضع الحديث؛ فإنه قد روى أخبارا فيها أن أبا بكر وعمر وعثمان وطلحة وسعد بن أبي وقاص – رضي الله عنهم – أرادوا قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم, وإلقاءه من العقبة في تبوك، وهذا هو الكذب الموضوع الذي يلعن الله تعالى واضعه، فسقط التعلق به. اهـ.
هكذا في مطبوعة المحلى, ونظن أن صواب العبارة: ولا نراه يسلم من وضع الحديث. والله أعلم.
فحال الوليد عند ابن حزم أنه هالك مردود الرواية!! وقد قارب هذا الحكم ابن حبان فذكره في المجروحين وقال: كان ممن ينفرد عن الأثبات بما لا يشبه حديث الثقات، فلما فحش ذلك منه بطل الاحتجاج. اهـ.
وذكره العقيلي في الضعفاء الكبير وقال: في حديثه اضطراب اهـ.
وقد خالف هؤلاء من هو أقدم وأعلم، فأخرج له مسلم في صحيحه، فوثقه ابن معين والعجلي وابن سعد، وقال أحمد وأبو زرعة وأبو داود: ليس به بأس, وقال أبو حاتم: صالح الحديث, وقال البزار: احتملوا حديثه، وكان فيه تشيع. ولخص ابن حجر أقوالهم في التقريب فقال: صدوق يهم, ورمي بالتشيع. اهـ.
والجدير بالذكر هنا أننا لم نجد ـ بعد البحث ـ الرواية التي طعن بها ابن حزم في الوليد، والتي فيها ذكر أن أبا بكر وعمر وعثمان وطلحة وسعد – رضي الله عنهم – أرادوا قتل النبي صلى الله عليه وآله وسلم!! فإن وجدت هذه الرواية فستكون الجناية في من رووا ذلك عن الوليد، وإلا فمثل هذه الرواية لا يمكن أن تصح بحال!!
وبالتالي: فلا يصح الاحتجاج بتوثيق الجمهور للوليد على تصحيح هذه الرواية, والثابت كما في صحيح مسلم من طريق الوليد ما قدمناه من ذكر عدد المنافقين الذي حاولوا فعل ذلك في غزوة تبوك، دون ذكر أسمائهم.
وأخيرا ننبه على أن ابن حزم وإن كان من بحور العلم، إلا أن أقواله في الجرح والتعديل تحتاج إلى بحث ومراجعة، قال ابن حجر في ترجمته في لسان الميزان: كان واسع الحفظ جدا, إلا أنه لثقته بحافظته كان يهجم بالقول في التعديل والتجريح, وتبيين أسماء الرواة فيقع له من ذلك أوهام شنيعة. اهـ. وعقد في أثناء ترجمته فصلا لذكر نبذ من أغلاطه في وصف الرواة.
وعلى أية حال: فاعتقاد أن أبا بكر وعمر حاولا قتل النبي صلى الله عليه وسلم من السخف والبطلان بحيث لا يستحسن الانشغال برده، ويكفي كلمة ابن حزم السابقة: وهذا هو الكذب الموضوع الذي يلعن الله تعالى واضعه.
ثم ليعلم الأخ السائل أن أهل البدع من أكذب البشر وأجهلهم، قال ابن تيمية: القوم من أكذب الناس في النقليات، ومن أجهل الناس في العقليات، يصدقون من المنقول بما يعلم العلماء بالاضطرار أنه من الأباطيل، ويكذبون بالمعلوم من الاضطرار المتواتر أعظم تواتر في الأمة جيلا بعد جيل. اهـ.
وقال أيضا: قد اتفق أهل العلم بالنقل والرواية والإسناد، على أن الرافضة أكذب الطوائف، والكذب فيهم قديم، ولهذا كان أئمة الإسلام يعلمون امتيازهم بكثرة الكذب, قال الشافعي: لم أر أحدا أشهد بالزور من الرافضة. اهـ.
——