501 – فتح الاحد الصمد شرح الصحيح المسند
مجموعة: أحمد بن علي وعدنان البلوشي وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وأسامة الحميري
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——
قال الشيخ مقبل رحمه الله:
501 – قال الإمام أحمد رحمه الله (ج 5 ص 256): حدثنا ابن نمير حدثنا الأعمش عن حسين الخرساني عن أبي غالب عن أبي أمامة قال: استضحك رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يومًا فقيل له يا رسول الله ما أضحكك قال «قوم يساقون إلى الجنة مقرنين في السلاسل».
هذا حديث حسنٌ.
الحسين الخرساني هو الحسين بن واقد، كما قاله الإمام أحمد في “المسند” (ج 5 ص 256)، وقاله أبو داود كما في “تهذيب التهذيب” في ترجمة الحسين بن منذر الخرساني.
——-
قال محققو المسند 22203:
صحيح لغيره، وهذا إسناد حسن في المتابعات والشواهد، أبو غالب البصري نزيل أصبهان، واسمه: حَزَوَّر، وقيل: سعيد بن الحَزَوَّر، وقيل: نافع، مختلف فيه، وهو ممن يعتبر به في المتابعات والشواهد، وباقي رجاله ثقات. ابن نمير: هو عبد الله بن نمير الهَمْداني الكوفي، والأعمش: اسمه سليمان بن مَهْران الأسدي الكوفي، وحسين الخراساني: هو ابن واقد.
وأخرجه ابن الأعرابي في “معجمه” (1367)، والطبراني في “الكبير” (8087)، وابن عدي في “الكامل” 2/ 861 من طريق عبد الله بن نمير، بهذا الإسناد.
وأخرجه أبو داود في “القدر” كما في “تهذيب الكمال” 6/ 481 من طريق أبي معاوية الضرير، عن الأعمش، عن حسين بن المنذر الخراساني، عن أبي غالب، به. قال أبو داود عقب الحديث: ذا وهم، هو حسين بن واقد.
وانظر ما سلف برقم (22148).اهـ
قال الألباني: (صحيح). انظر حديث رقم: 3886 في صحيح الجامع
بوب عليه مقبل في الجامع:
59 – أسباب دخول الجنة
9 – في الجهاد فائدة للمقاتلين
137 – لا بأس بالضحك لحاجة
قال أبو داود:
بَابٌ فِي الْأَسِيرِ يُوثَقُ
2677 – حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ يَعْنِي ابْنَ سَلَمَةَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «عَجِبَ رَبُّنَا عز وجل مِنْ قَوْمٍ يُقَادُونَ إِلَى الْجَنَّةِ فِي السَّلَاسِلِ»
[حكم الألباني] : صحيح
بوب عليه الإمام محمد بن عبدالوهاب:
[إثبات صفة التعجب لله سبحانه وتعالى]
21 – وعنه مرفوعا:
«عَجِبَ ربّنا من قومٍ يقادونَ» (1) «إِلى الجنَّةِ بالسلاسلِ» . رواه أَحمد والبخاري.
[أصول الإيمان لمحمد بن عبد الوهاب – ت الجوابرة ص52]
قال ابن حجر:
قال ابن الجوزي: معناه أنهم أسروا وقيدوا، فلما عرفوا صحة الإسلام دخلوا طوعا، فدخلوا الجنة، فكان الإكراه على الأسر والتقييد هو السبب الأول، وكأنه أطلق على الإكراه التسلسل، ولما كان هو السبب في دخول الجنة أقام المسبب مقام السبب. وقال الطيبي: ويحتمل أن يكون المراد بالسلسلة: الجذب الذي يجذبه الحق من خلص عباده من الضلالة إلى الهدى، ومن الهبوط في مهاوي الطبيعة إلى العروج للدرجات، لكن الحديث في تفسير آل عمران يدل على أنه على الحقيقة. ونحوه ما أخرجه من طريق أبي الطفيل رفعه: رأيت ناسا من أمتي يساقون إلى الجنة في السلاسل كرها. قلت: يا رسول الله من هم؟ قال: قوم من العجم يسبيهم المهاجرون فيدخلونهم في الإسلام مكرهين.
وأما إبراهيم الحربي فمنع حمله على حقيقة التقييد، وقال: المعنى: يقادون إلى الإسلام مكرهين فيكون ذلك سبب دخولهم الجنة، وليس المراد أن ثم سلسلة. وقال غيره: يحتمل أن يكون المراد المسلمين المأسورين عند أهل الكفر يموتون على ذلك أو يقتلون فيحشرون كذلك، وعبر عن الحشر بدخول الجنة لثبوت دخولهم عقبه. والله أعلم.
[فتح الباري لابن حجر 6/ 145 ط السلفية]
قال المناوي:
أراد الأسارى الذين يؤخذون عنوة في السلاسل فيدخلون في الإسلام فيصيرون من أهل الجنة
[فيض القدير 4/ 253]
قوله تعالى: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) آية محكمة غير منسوخة ، فلا يكره أحد على الدخول في الإسلام، وإن كان الجهاد يقتضي إكراه أناسٍ على الخضوع لنظام الإسلام وشريعته، لكن تكون لهم الحرية في البقاء على دينهم، مع دفع الجزية.
ولا تتنافى الآية مع الحديثان:
الحديث الأول، هو ما رواه البخاري في صحيحه (3010) باب الأسارى فى السلاسل، عن أبى هريرة رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وسلم قال : (عَجِبَ اللَّهُ مِنْ قَوْمٍ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ فِي السَّلاَسِلِ).
وقد اختلف في معناه: قال الحافظ ابن حجر في “الفتح” (6/145) : ” المراد بكون السلاسل في أعناقهم : مقيد بحالة الدنيا ؛ فلا مانع من حمله على حقيقته . والتقدير : يدخلون الجنة ، وكانوا قبل أن يسلموا في السلاسل .
وسيأتي في تفسير آل عمران من وجه آخر عن أبي هريرة في قوله تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس ) قال : ( خير الناس للناس ، يأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام.
….
وسبقت التوجيهات
وأما الحديث الثاني، وهو حديث جرير بن عبد الله البجلي، فقد رواه البخاري أيضاً (4357) عن جرير قال : ” قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( أَلاَ تُرِيحُنِي مِنْ ذِي الخَلَصَةِ ) فَقُلْتُ: بَلَى، فَانْطَلَقْتُ فِي خَمْسِينَ وَمِائَةِ فَارِسٍ مِنْ أَحْمَسَ، وَكَانُوا أَصْحَابَ خَيْلٍ، وَكُنْتُ لاَ أَثْبُتُ عَلَى الخَيْلِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَضَرَبَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِي حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ يَدِهِ فِي صَدْرِي، وَقَالَ: ( اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ، وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا ) قَالَ: فَمَا وَقَعْتُ عَنْ فَرَسٍ بَعْدُ، قَالَ: وَكَانَ ذُو الخَلَصَةِ بَيْتًا بِاليَمَنِ لِخَثْعَمَ، وَبَجِيلَةَ، فِيهِ نُصُبٌ تُعْبَدُ، يُقَالُ لَهُ الكَعْبَةُ، قَالَ: فَأَتَاهَا فَحَرَّقَهَا بِالنَّارِ وَكَسَرَهَا، قَالَ: وَلَمَّا قَدِمَ جَرِيرٌ اليَمَنَ، كَانَ بِهَا رَجُلٌ يَسْتَقْسِمُ بِالأَزْلاَمِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَا هُنَا، فَإِنْ قَدَرَ عَلَيْكَ ضَرَبَ عُنُقَكَ، قَالَ: فَبَيْنَمَا هُوَ يَضْرِبُ بِهَا إِذْ وَقَفَ عَلَيْهِ جَرِيرٌ، فَقَالَ: لَتَكْسِرَنَّهَا وَلَتَشْهَدَنَّ: أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَوْ لَأَضْرِبَنَّ عُنُقَكَ؟ قَالَ: فَكَسَرَهَا وَشَهِدَ، ثُمَّ بَعَثَ جَرِيرٌ رَجُلًا مِنْ أَحْمَسَ يُكْنَى أَبَا أَرْطَاةَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُبَشِّرُهُ بِذَلِكَ، فَلَمَّا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، مَا جِئْتُ حَتَّى تَرَكْتُهَا كَأَنَّهَا جَمَلٌ أَجْرَبُ، قَالَ: فَبَرَّكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى خَيْلِ أَحْمَسَ وَرِجَالِهَا خَمْسَ مَرَّاتٍ” .
وهذه واقعة عين ، لا يعارض بها النص المحكم؛ إذ يحتمل أن يكون هذا الرجل قد ارتد ، أو نقض عهده، فلم يكن يقبل منه إلا الإسلام ، أو القتل .
أو كان الرجل وثنيا غير كتابي ، ويقويه استقسامه بالأزلام ، ولعل جريراً رضي الله عنه كان يرى عدم أخذ الجزية من الوثنيين .
وقضايا الأعيان محتملة مظنونة ، لا يعارض بها المحكمات .
والثابت أن أهل اليمن لم يكرهوا على الدخول في الإسلام، بل منهم من أسلم طوعا، ومنهم من دفع الجزية، كما في حديث معاذ بن جبل قال: ” أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا أَوْ عِدْلَهُ مَعَافِرَ) رواه أحمد (22066) ، والنسائي (24529) ، وأبو داود (1576) ، والترمذي (623) وصححه الألباني .
والمعافر ثياب في اليمن معروفة.
قال ابن القيم : “بعث معاذا رضى الله عنه إلى اليمن، فعقد لمن لم يسلم من يهودها الذمة، وضرب عليهم الجزية” انتهى من “زاد المعاد” (3/51).
قال المناوي:” ضحِكت من قوم يساقون إِلَى الْجنَّة مُقرنين فِي السلَاسِل) كِنَايَة عَن كراهتهم للشَّهَادَة الموصلة للجنة ” ( التيسير بشرح جامع الصغير)
قال الصنعاني:” أراد بهم الأسارى الذين يؤخذون عنوة في السلاسل فيدخلون في الإِسلام فيصيرون من أهل الجنة” ( التنوير شرح الجامع الصغير)
إثبات صفة العجب :
قال ابن تيمية:
فصل:
في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم
فالسنة تفسر القرآن وتبينه، وتدل عليه وتعبر عنه؛ وما وصف الرسول صلى الله عليه وسلم به ربه عز وجل من الأحاديث الصحاح التي تلقاها أهل المعرفة بالقبول وجب الإيمان بها كذلك. مثل قوله صلى الله عليه وسلم ” {ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له} ؟ ” متفق عليه وقوله صلى الله عليه وسلم ” {لله أشد فرحا بتوبة عبده من أحدكم براحلته} الحديث متفق عليه وقوله صلى الله عليه وسلم ” {يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة} متفق عليه
وقوله: {عجب ربنا من قنوط عباده وقرب غيره ينظر إليكم أزلين قنطين فيظل يضحك يعلم أن فرجكم قريب} حديث حسن وقوله {لا تزال جهنم يلقى فيها وهي تقول: هل من مزيد؟ حتى يضع رب العزة فيها رجله – وفي رواية: عليها قدمه – فينزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط} متفق عليه وقوله صلى الله عليه وسلم ” {يقول الله تعالى: يا آدم فيقول: لبيك وسعديك. فينادي بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار} متفق عليه، وقوله: {ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان} وقوله صلى الله عليه وسلم في رقية المريض: {ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك أمرك في السماء والأرض كما رحمتك في السماء اجعل رحمتك في الأرض. اغفر لنا حوبنا وخطايانا؛ أنت رب الطيبين أنزل رحمة من رحمتك وشفاء من شفائك على هذا الوجع؛ فيبرأ} حديث حسن. رواه أبو داود وغيره وقوله: {ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء} حديث صحيح وقوله: {والعرش فوق الماء والله فوق العرش وهو يعلم ما أنتم عليه} حديث حسن رواه أبو داود وغيره {وقوله صلى الله عليه وسلم للجارية: أين الله؟ قالت: في السماء. قال: من أنا؟ قالت أنت رسول الله. قال: أعتقها فإنها مؤمنة} رواه مسلم
وقوله: {أفضل الإيمان: أن تعلم أن الله معك حيثما كنت} حديث حسن وقوله: ” {إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصق قبل وجهه ولا عن يمينه فإن الله قبل وجهه ولكن عن يساره أو تحت قدمه} متفق عليه وقوله: ” {اللهم رب السموات السبع ورب العرش العظيم ربنا ورب كل شيء فالق الحب والنوى منزل التوراة والإنجيل والقرآن؛ أعوذ بك من شر نفسي ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها أنت الأول فليس قبلك شيء وأنت الآخر فليس بعدك شيء؛ وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء اقض عني الدين وأغنني من الفقر} رواه مسلم وقوله لما رفع أصحابه أصواتهم بالذكر: ” {أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنما تدعون سميعا قريبا إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته} متفق عليه وقوله صلى الله عليه وسلم ” {إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها: فافعلوا} متفق عليه. إلى أمثال هذه الأحاديث التي يخبر فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه بما يخبر به.
فإن الفرقة الناجية – أهل السنة والجماعة – يؤمنون بذلك كما يؤمنون بما أخبر الله به في كتابه العزيز من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تكييف ولا تمثيل؛ بل هم الوسط في فرق الأمة كما أن الأمة هي الوسط في الأمم. فهم وسط في (باب صفات الله سبحانه وتعالى بين أهل التعطيل الجهمية؛ وأهل التمثيل المشبهة. وهم وسط في (باب أفعال الله تعالى بين القدرية والجبرية وفي باب (وعيد الله بين المرجئة والوعيدية: من القدرية وغيرهم وفي (باب أسماء الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة وبين المرجئة والجهمية (وفي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الروافض والخوارج
[مجموع الفتاوى 3/ 138]
قال ابن عثيمين:
- الحديث الرابع: في إثبات العجب وصفات أخرى.
وهو قوله: “عَجِبَ رَبُّنا مِنْ قُنوطِ عِبادِه وقُرب غِيَرِهِ؛ يَنْظُرُ إِلَيْكُمْ أَزِلينَ قَنِطينَ، فَيَظَلُّ يَضْحَكُ؛ يَعْلَمُ أنَّ فرَجَكُمْ قَرِيبٌ”. حديث حسن (2).
* العجب: هو استغراب الشيء، ويكون ذلك لسببين:
السبب الأول: خَفاء الأسباب على هذا المستغرب للشيء المتعجَّب منه؛ بحيث يأتيه بغتة بدون توقع، وهذا مستحيل على الله تعالى؛ لأن الله بكل شيء عليم، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
والثاني: أن يكون السبب فيه خروج هذا الشيء عن نظائره وعمّا ينبغي أن يكون عليه، بدون قصور من المتعجب؛ بحيث يعمل عملًا مستغربًا لا ينبغي أن يقع من مثله.
وهذا ثابت لله تعالى؛ لأنه ليس عن نقص من المتعجِّب، ولكنه عجب بالنظر إلى حال المتعجَّب منه…..
* في هذا الحديث عدة صفات:
-أولًا: العجب، لقوله: “عجب ربنا من قنوط عباده”.
وقد دلَّ على هذه الصفة القرآن الكريم، قال الله تعالى: {بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ} [الصافات: 12]؛ على قراءة ضم التاء.
– وفيه أيضًا بيان قدرة الله عز وجل، لقوله: “وقرب غِيَره”، وأنه عز وجل تام القدرة، إذا أراد؛ غيَّر الحال من حال إلى ضدها في وقت قريب.
– وفيه أيضًا إثبات النظر، لقوله: “ينظر إليكم”.
– وفيه إثبات الضحك، لقوله: “فيظل يضحك”.
– وكذلك العلم، “يعلم أن فرجكم قريب”.
– والرحمة؛ لأن الفرج من الله دليل على رحمة الله بعباده.
وكل هذه الصفات التي دلَّ عليها الحديث يجب علينا أن نثبتها لله عز وجل حقًّا على حقيقتها، ولا نتأول فيها.
* والفائدة المسلكية في هذا: أن الإنسان إذا علم ذلك من الله سبحانه وتعالى، حذر من هذا الأمر، وهو القنوط من رحمة الله، ولهذا، كان القنوط من رحمة الله من الكبائر….
[شرح العقيدة الواسطية – العثيمين 2/ 26]
قال العباد :
…ووأرد أبو داود حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [(عجب ربنا عز وجل من قوم يقادون إلى الجنة في السلاسل)] والمقصود بهم الأسارى الذين يؤسرون وهم كفار، فإن ذلك الأسر من أسباب إسلامهم ودخولهم في الإسلام، فهم يقادون إلى الجنة في السلاسل، يعني أنهم يجرون إلى شيء لا يريدونه وهو خير لهم، فيئول بهم الأمر إلى أن يسلموا ويكونوا من أهل الجنة وقد كانوا كارهين في أول الأمر؛ لأن أسرهم مكروه لهم، ولكنه يترتب على أسرهم وبقائهم وعدم قتلهم أنهم يشاهدون أحوال المسلمين وأعمال المسلمين وأحكام الإسلام، فيدخلون في الإسلام، فيكونون من أهل الجنة، ويسلمون من أن يكونوا من أهل النار الذين هم الكفار الذين لا سبيل لهم إلى الجنة، ومآلهم إلى النار، ويبقون فيها أبد الآباد ولا يخرجون منها أبداً.
هذا هو المقصود بالحديث، وفيه إثبات صفة العجب لله عز وجل، وهي ثابتة في السنة كما في هذا الحديث وغيره، وأيضاً ثابتة في القرآن على إحدى القراءتين في قول الله عز وجل: {بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ} [الصافات:12].
وقد قال المنذري: (عجب ربنا) قيل: عظم ذلك عنده.
وقيل: عظم جزاؤه.
فسمى الجزاء عجباً، وقال ابن فورك: والعجب المضاف إلى الله تعالى يرجع إلى معنى الرضا والتعظيم، وأن الله يعظم من أخبر عنه بأنه يعجب منه ويرضى عنه.
وهذا من التأويل، والأصل في الصفات أنها لا تؤول، وإنما تثبت على الوجه الذي يليق بالله بكماله وجلاله، والصفات كلها من باب واحد يؤتى بها على نهج واحد وعلى طريقة واحدة بدون تأويل وبدون تحريف وبدون تكييف وبدون تشبيه أو تعطيل أو تمثيل، بل على حد قول الله عز وجل: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى:11].
[شرح سنن أبي داود للعباد 317/ 3 بترقيم الشاملة آليا]
قال الراجحي:
وفي هذا الحديث: إثبات صفة العَجَب لله تبارك وتعالى في قوله: ((قَدْ عَجِبَ اللَّهُ مِنْ صَنِيعِكُمَا بِضَيْفِكُمَا اللَّيْلَةَ)): وهي ثابتة لله، كما يليق بجلاله، كسائر الصفات، فهو لا يُماثِل أحدًا في صفاته سبحانه، ومثل صفة العجب الضحكُ، والاستواء، والعُلُو، والرضا، والسخط، والعلم، والقدرة، والسمع.
والقاعدة عند أهل العلم: أنَّ الله تعالى تُثبَت له الصفات التي أثبتها لنفسه، أو أثبتها له رسوله صلى الله عليه وسلم من غير تكييفٍ ولا تمثيل، ولا تحريف ولا تعطيل.
ومما يدل على العَجَب- أيضًا-: قول الله تعالى في سورة الصافات في إحدى القراءات: ((بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ)) [الصافات: 12] بضم تاء ((عَجِبْتُ))، وهي في قراءة حفص: {بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ} بفتح تاء عجبتَ، ومنه حديث: ((إِنَّ اللَّهَ عز وجل لَيَعْجَبُ مِنَ الشَّابِّ لَيْسَتْ لَهُ صَبْوَةٌ)).
وأما قول النووي رحمه الله: ((قوله صلى الله عليه وسلم: ((عَجِبَ اللَّهُ مِنْ صَنِيعِكُمَا بِضَيْفِكُمَا اللَّيْلَةَ)) قال القاضي: المراد بالعجب من الله: رضاه ذلك، قال: وقد يكون المراد: عجبتْ ملائكة الله، وأضافه إليه سبحانه وتعالى تشريفًا)).
فهذا تأويل لا وجه له على طريقة أهل البدع؛ فالعجب غير الرضا، فهذا وصفٌ، وذاك آخَرُ.
[توفيق الرب المنعم بشرح صحيح الإمام مسلم 6/ 114]
قال الألباني :
في الحديث «فأطعموهم مما تأكلون، وألبسوهم مما تلبسون» .. أو هكذا، فوجدوا في الشرع الإسلامي ما جذبهم جذبًا إلى الدخول في الإسلام بمحض اختيارهم، ولذلك كان منهم من كبار العلماء والفقهاء، وحسبكم أن الإمام أبا حنيفة ﵀ الذي هو أول الأئمة الأربعة المتبعين ..، أبوه من هؤلاء الأرقاء، فضلًا عن مثل طاووس وأمثاله من كبار المحدثين، فهؤلاء يعجب ربك من أقوام يجرون إلى الجنة في السلاسل أي: أنهم جيء بهم كما قلنا مغللين أسرى، فلما خالطوا المسلمين وتبين لهم الإسلام الحق آمنوا، فدخلوا الجنة بسبب إيمانهم، هذا معنى الحديث إن ربك ليعجب من أقوام يجرون إلى الجنة في السلاسل، أي: إلى الإسلام الذي يأخذ بهم إلى الجنة، وقد جيء بهم من قبل بالسلاسل، وهذه حقيقة يشهد بها التاريخ الصحيح، فكم وكم من مولى من الموالي، أي: من هؤلاء العبيد، الذين أعتقهم أسيادهم أو عتقوا أنفسهم بالمكاتبة، كم وكم من هؤلاء أصبحوا من كبار العلماء الذين نحن الآن نستفيد العلم منهم، وهم كانوا أسرى جيء بهم مغللين.
«الهدى والنور» (٢٥٠/ ١٥: ٠٢: ٠٠)
موسوعة الألباني في العقيدة ٩/٣٩٦ – ٣٩٧