(45 ) فتح ذي النعم بالبدر الأتم شرح صحيح مسلم
مجموعة: أحمد بن علي ، ومحمد البلوشي ، وعدنان البلوشي وعمر الشبلي وأسامة الحميري وأحمد بن خالد
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وأن يبارك في ذرياتهم وذرياتنا)
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
جاء في صحيح الإمام مسلم رحمه الله من (٥٦) – (كِتَابُ: الإيمان)، (١٩) – (بَابُ: الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ مِنَ خِصَالِ الإِيمَانِ: أَنْ يُحِبَّ لأَخِيهِ الْمُسْلِمِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ مِنَ الْخَيْرِ).
وقال الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى:
[١٧٨] (٤٥) – (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَابْنُ بَشَّارٍ، قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ – أَوْ قَالَ: لِجَارِهِ – مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ»).
[١٧٩] (…) – (وحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّم، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ، حَتَّى يُحِبَّ لِجَارِهِ – أَوْ قَالَ: لِأَخِيهِ – مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ»).
==========
تمهيد:
“لقد حث الإسلام على الأخلاق الحميدة والصفات الكريمة، ومن ذلك توطيد مبدأ وعلاقات الأخوة بين المسلمين، وهي تعني التآلف والترابط والتعاون على البر والتقوى، وأن يحب المرء لأخيه ما يحبه لنفسه من الخير والصلاح، وأن يكره له ما يكرهه لنفسه، فمن فعل ذلك فقد حسن إيمانه وكمل، ولأجل عظم هذا الأمر فقد حرم الإسلام دماء الناس وأعراضهم وأموالهم، ولم يبح لأحد أن يستحلها مهما كان الأمر، إلا من ارتكب شيئًا يجعله حلال الدم فقد حل دمه، كالثيب الزاني، والقاتل، والمرتد عن الدين”.
أولاً: شرح الحديث، وبيان مفرداته:
قال الحافظ النووي رحمة الله عليه: “(١٩) – (بَابُ: الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ مِنَ خِصَالِ الإِيمَانِ: أَنْ يُحِبَّ لأَخِيهِ الْمُسْلِمِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ مِنَ الْخَيْرِ)”.
قال الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى:
[١٧٨] (٤٥) – الحديث
شرح الحديث:
(عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) – رضي الله عنه -، وفي رواية النسائيّ: «قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا»، فصرّح قتادة بالسماع (عَنِ النَّبِيِّ – ﷺ – قَالَ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ) وفي الرواية التالية: «لا يؤمن عبدٌ»، والمراد به نفي كمال الإيمان، ونفي اسم الشيء على معنى نفي الكمال عنه مستفيضٌ في كلامهم، كقولهم: فلان ليس بإنسان.
[فإن قيل]: فيلزم أن يكون من حصلت له هذه الخصلة مؤمنًا كاملًا، وإن لم يأت ببقية الأركان.
[أجيب]: بأن هذا ورد مورد المبالغة، أو يستفاد من قوله: «لأخيه المسلم»، ملاحظة بقية صفات المسلم، وقد صرح ابن حبان من رواية ابن أبي عدي، عن حسين المعلم بالمراد، ولفظه: «لا يبلغ عبدٌ حقيقةَ الإيمان»، ومعنى الحقيقة هنا الكمال؛ ضرورةَ أن من لم يتصف بهذه الصفة، لا يكون كافرًا. قاله في «الفتح» [راجع: «الفتح» ١/ ٨٣].
وقال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله تعالى: «لا يؤمن»: أي لا يَكْمُل إيمانه؛ إذ مَن غَشّ المسلم، ولا ينصحه مرتكب كبيرة، ولا يكون كافرًا بذلك، كما بيّنّاه غير مرّة،
وعلى هذا فمعنى الحديث: أن الموصوف بالإيمان الكامل من كان في معاملته للناس ناصحًا لهم، مريدًا لهم ما يريده لنفسه، وكارهًا لهم ما يكره لنفسه، ويتضمّن أن يفضّلهم على نفسه؛ لأن كلّ أحد يحبّ أن يكون أفضل من غيره، فإذا أحبّ لغيره ما يُحبّ لنفسه، فقد أحبّ أن يكون غيره أفضل منه، وإلى هذا المعنى أشار الفضيل بن عياض لَمّا قال لسفيان بن عيينة: إن كنت تريد أن يكون الناس مثلك، فما أدّيت لله الكريم النصيحة، فكيف، وأنت تودّ أنهم دونك؟. انتهى [راجع: «المفهم» ١/ ٢٢٧].
وهو في «صحيح البخاريّ» وغيره بلفظ «لأخيه» من غير شكّ [«شرح النوويّ» ٢/ ١٦].
(مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ») أي «من الخير» كما ثبت في رواية النسائيّ بإسناد صحيح، و«الخير»: كلمة جامعة تَعُمُّ الطاعات، والمباحات الدنيوية، والأخروية، وتُخرِج المنهيات؛ لأن اسم الخير لا يتناولها، والمحبة إرادة ما يعتقده خيرًا، قال النووي: المحبة الميل إلى ما يوافق المحب، وقد تكون بحواسّه، كحسن الصورة، أو بفعله، إما لذاته، كالفضل والكمال، وإما بإحسانه، كجَلْب نفع، أو دفع ضرر. انتهى ملخصًا.
والمراد بالميل هنا: الاختياري، دون الطبيعي، والْقَسْريّ، والمراد أيضًا: أن يحب أن يحصل لأخيه نظيرُ ما يحصل له، لا عينه، سواء كان في الأمور المحسوسة، أو المعنوية قاله في “الفتح”.
وقال في “عمدة القاري” (١/ ١٦٠) ما حاصله: المحبّة مطالعة المنّة من رؤية إحسان أخيه، وبرّه، وأياديه، ونعمه المتقدّمة التي ابتدأ بها من غير عمل استحقّها به، وستره على معايبه، وهذه محبة العوامّ قد تتغيّر بتغيّر الإحسان، فإن زاد الإحسان زاد الحبّ، وإن نقصه نقصه. وأما محبّة الخواصّ، فهي تنشأ من مطالعة شواهد الكمال؛ لأجل الإعظام والإجلال، ومراعاة حقّ أخيه المسلم، فهذه المحبّة لا تتغيّر؛ لأنها له تعالى، لا لأجل غَرَض دنيويّ.
ويقال: المحبّة ههنا هي مجرّد تمنّي الخير لأخيه المسلم، فلا يَعْسُر ذلك إلا على القلب السقيم، غير المستقيم.
وقال القاضي عياض: المراد من قوله – ﷺ -: “حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه”، أن يحب لأخيه من الطاعات والمباحات، وظاهره يقتضي التسوية، وحقيقته التفضيل؛ لأن كلّ واحد يحبّ أن يكون أفضل الناس، فإذا أحبّ لأخيه مثله، فقد دخل هو من جملة المفضولين، وكذلك الإنسان يحب أن ينتصف من حقّه، ومظلمته، فإذا كانت لأخيه عنده مظلمة، أو حقّ بادر إلى الإنصاف من نفسه، وقد رُوي هذا المعنى عن الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى أنه قال لسفيان بن عيينة رحمه الله تعالى: إن كنت تريد أن يكون الناس كلهم مثلك، فما أدّيت لله الكريم نصحه، فكيف وأنت تودّ أنهم دونك. انتهى.
وتعقّب الحافظ على القاضي عياض قوله: لأن كل واحد يحب أن يكون أفضل الناس، فقال: وفيه نظر، إذ المراد الزجر عن هذه الإرادة؛ لأن المقصود الحث على التواضع، فلا يحب أن يكون أفضل من غيره، فهو مستلزم للمساواة، ويستفاد ذلك من قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣)﴾ [القصص: ٨٣]، ولا يتم ذلك إلا بترك الحسد، والغل، والحقد، والغش، وكلها خصال مذمومة. انتهى [«فتح» ١/ ٨٣].
قال الإتيوبي عفا الله تعالى عنه: قوله: «إذ المراد الزجر عن هذه الإرادة … إلخ» سيأتي – إن شاء الله تعالى – الردّ على هذا، وأنه لا ينافي التواضع.
[تنبيه]: من الإيمان أيضًا أن يبغض لأخيه ما يبغض لنفسه، من الشرّ، ولم يذكره؛ لأن حبّ الشيء، مستلزم لبغض نقيضه، فترك التنصيص عليه؛ اكتفاء، أفاده الكرمانيّ [«شرح البخاريّ» ١/ ٩٥]، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
وحديث أنس رضي الله تعالى عنه هذا متّفقٌ عليه. [البحر المحيط الثجاج، بتصرف].
قال الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى:
[١٧٩] (…) – الحديث
قوله: «والذي نفسي بيده»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «والَّذِي نفسي بيده» فيه جواز الحلف عَلى الأمر المهم توكيدًا، وإن لم يكن هناك مُسْتَحْلِف. [النكت على صحيح البخاري (1/ 247)].
وقال الشيخ محمد الأمين الهرري -رحمه الله-:
«والذي نفسي بيده» أي: أقسمتُ بالله الذي رُوحي بيده؛ لا يكمل إيمان عبدٍ من عباد الله تعالى. [الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم (2/ 381)].
قوله: «لا يؤمن عَبدٌ»:
قال ابن حجر -رحمه الله-:
قوله: «يؤمن» أي: إيمانًا كاملًا. [النكت على صحيح البخاري (1/ 247)].
وقال القاضي عياض -رحمه الله-: أي: لا يتم إيمانه حتى يكون بهذه الصفة للمؤمنين، من كفه الأذى عنهم، وبذله المعروف لهم، ومودّته الخير لجميعهم، وصرف الضر عنهم. [إكمال المعلم (1/ 282)].
وقال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-: معناه: أنه لا يتم إيمان أحد الإيمان التام الكامل، حتى يضم إلى سلامة الناس منه إرادته الخير لهم، والنصح لجميعهم فيما يحاوله معهم.
ويستفاد…: أن الأصل في الحقوق النفسية والمالية المنع؛ فلا يحل شيء منها إلا بوجه شرعي -والله تعالى أعلم بغيبه وأحكم-. [المفهم (1/ 224)].
وقال ابن الصلاح -رحمه الله-: وهذا قد يُعَدُّ من الصعب الْمُمْتَنع، وَليس كذلك، إِذْ معناه -وَالله أعلم-: لَا يكمل إِيمَان أحدكُم حَتَّى يحب لِأَخِيهِ فِي الْإِسْلَام مثل مَا يحب لنَفسِهِ، وَالْقِيَام بذلك يحصل بِأَن يحب لَهُ حُصُول مثل ذلك من جِهَة لَا يزاحمه فِيهَا؛ بِحَيْثُ لَا ينقص النِّعْمَة على أخيه شيئًا من النعمة عليه، وذلك سهل على الْقلب السَّلِيم، وَإِنَّمَا يعسر على الْقلب الدَّغِل (الفاسد والشر) -عَافَانَا الله وإخواننا أجمعين آمين-. [صيانة صحيح مسلم (ص:203)].
هذا على رواية: الأخ، ورواية: الجار عامَّة للمسلم والكافر والفاسق، والصديق والعدو، والقريب والأجنبي، والأقرب جوارًا والأبعد؛ فمن اجتمعت فيه الصفات الموجبة لمحبة الخير له فهو في أعلى المراتب، ومن كان فيه أكثرها فهو لاحق به، وهَلُمَّ جَرًّا إلى الخصلة الواحدة؛ فيعطي كل ذي حق بحسب حاله.
وقد أخرج الطبراني من حديث جابر: «الجيران ثلاثة: جار له حق وهو المشرك له حق الجوار، وجار له حقان وهو المسلم له حق الجوار وحق الإسلام، وجار له ثلاثة حقوق: جار مسلم له رحم؛ له حق الإسلام والرحم والجوار». السلسلة الضعيفة ٣٤٩٣
وأخرج البخاري في الأدب المفرد: «أن عبد الله بن عمر ذبح شاة فأهدى منها لجاره اليهودي»؛ فإن كان الجار أخًا أحب له ما يحب لنفسه، وإن كان كافرًا أحب له الدخول في الإيمان؛ مع ما يحب لنفسه من المنافع بشرط الإيمان، قال الشيخ محمد بن أبي جمرة: حفظ حق الجار من كمال الإيمان، والإضرار به من الكبائر؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم-: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره»، قال: ويفترق الحال في ذلك بالنسبة إلى الجار الصالح وغيره.
والذي يشمل الجميع: إرادة الخير وموعظته بالحسنى والدعاء له بالهداية، وترك الإضرار له؛ إلا في الموضع الذي يحل له الإضرار بالقول والفعل، والذي يخص الصالح هو جميع ما تقدم، وغير الصالح كفُّه عن الأذى، وأمره بالحسنى على حسب مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والكافر يعرض الإسلام عليه، والترغيب فيه برفق، والفاسق يعظه بما يناسبه بالرفق ويستر عليه زلَلِه، وينهاه بالرفق؛ فإن نفع وإلا هجره قاصدًا تأديبه بذلك؛ مع إعلامه بالسبب لِيَكُفّ. [سبل السلام (4/ 633-634)].
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-: «لا يؤمن عبد حتى يحب لجاره»، أو قال: «لأخيه ما يحب لنفسه»، «جاره» يعني: القريب منه في البيت والسكن؛ سواء كان البيت والسكن من الحجر أو المدر أو الشعر، المهم أنه مسكنه قريب من جاره، ثم هل الجار كما جاء في بعض الأحاديث أنه أربعون دارًا أو أقل؟
الصحيح: أن الجار ما عُدَّ جارًا في العُرف وأربعون دارًا اليوم بعيدة جدًّا، تسع مساحة كبيرة؛ لكبر المنازل، ربما كانت في العهد الأول، … هذا الحديث يدل على الحث والترغيب في محبة الخير لإخوانك؛ لأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- إنما أخبرنا أن الإيمان ينتفي لا لنعلم أنه ينتفي، لكن من أجل أن نحافظ على إيماننا، ونحب لإخواننا ما نحبه لأنفسنا. [فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 286-287)].
وقال ابن هبيرة -رحمه الله-: في هذا الحديث من الفقه: أن المؤمن مع المؤمن كالنفس الواحدة، فينبغي له أن يحب له ما يحب لنفسه من حيث أنهما نفس واحدة، ومصداقه: الحديث: «المؤمنون كالجسد الواحد»، ومن أفحش الأحوال أن يرى في موطن ضانًّا على أخيه بأعمال الخير، إذا لم يوفق هو لها؛ كما جرى لابنَيْ آدم، فإنه قتله من أجل أن تقبل الله قربانه…. [الإفصاح عن معاني الصحاح (5/ 163-164)].
ثانيًا: فقه الحديث (أحكام ومسائل وملحقات):
(المسألة الأولى):
قوله: «لا يؤمن»: لا يعني نفي أصل الإيمان وصحته، بل كماله الواجب، أي: الذي ياثم تاركه ولا يخرج به من الدين، كما في لفظ الحديث عند ابن حبان «لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يحب للناس ما يحب لنفسه من الخير» [صحيح. صحيح ابن حبان (٢٣٥). صحيح الترغيب والترهيب (١٧٨٠).
وبنحوه عن أبي هريرة مرفوعا «من ياخذ عني هؤلاء الكلمات فيعمل بهن أو يعلمهن من يعمل بهن؟» قال: قلت: أنا يا رسول الله، قال: فأخذ بيدي فعد فيها خمسا، وقال: «اتق المحارم تكن أعبد الناس، وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس، وأحسن إلى جارك تكن مؤمنا، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلما، ولا تكثر الضحك؛ فإن كثرة الضحك تميت القلب». صحيح. الترمذي (٢٣٠٥). الصحيحة (٩٣٠).
«تكن مؤمنا»: أي: كاملا، أو معطيا له الأمن، لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ» أي: شروره وغوائله». مرقاة المفاتيح (٨/ ٣٢٣٧)].
قال الحافظ ابن رجب الحنبلي رحمه الله: “فإن الإيمان كثيرا ما ينفى لانتفاء بعض أركانه وواجباته؛ كقوله صلى الله عليه وسلم : «لا يزني الزاني -حين يزني- وهو مؤمن».
متفق عليه
وقال الشيخ ابن دقيق العيد رحمه الله: «قال العلماء: يعني: لا يؤمن -من الإيمان التام-؛ وإلا فأصل الإيمان يحصل لمن لم يكن بهذه الصفة» [شرح الأربعين لابن دقيق العيد (ص: ٦٣)].
(المسألة الثانية):
في لفظ النسائي [صحيح. النسائي (٥٠١٧)، الصحيحة (٧٣)] قيد مفيد وهو قوله: «من الخير» وهذا يشمل الطاعات -من الاعتقاد والقول والعمل-، والمباحات من الخيرات الدنيوية.
(المسألة الثالثة):
قال الشيخ عبد المحسن العباد حفظه الله على السنة: “قوله: (لأخيه)، قيل: إن المراد بذلك أخوة الإسلام والإيمان.
وفي التنصيص على ذكر الأخوة ما يشعر بأن المطلوب من الإنسان أن يعطف على أخيه، وأن يحرص على فائدته، وأن يحب له ما يحب لنفسه، وأن يشعره بالاهتمام به، وأن يعطف عليه، وهو يختلف عما لو قال: لا يؤمن أحدكم حتى يحب للمؤمن ما يحب لنفسه؛ لأن التعبير بالأخوة هنا فيه إفادة هذا المعنى.
ومن العلماء من قال: إن المراد بالأخوة هنا الأخوة العامة التي هي أخوة النسب البعيد العالي، ويدخل في ذلك الكفار؛ لأنهم إخوة في النسب من جهة أن أبا الجميع هو آدم عليه الصلاة والسلام، يحب لأخيه في النسب العالي البعيد الهداية والاستقامة، وأن تحصل الهداية للكافر.
والغالب أن الأخوة إذا ذكرت مطلقة في النصوص فإنما يقصد أخوة الإيمان، فيكون التعاطف والتواد والتراحم والتواصل والألفة والمحبة بينهم بسبب أخوة الإسلام.
نعم، لا شك أن الإنسان يحب لغيره من الكفار الهداية، ويدعو لهم بها، ويسأل الله عز وجل لهم ذلك؛ ولكن ما جاء في مثل هذا النص فالغالب أن يكون المراد به هو الأخ المسلم، ولهذا جاء في الحديث: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يحقره ولا يخذله)، فيكثر ذكر الأخوة بين المسلمين والترابط ولقوة الصلة بينهم”. [شرح الأربعين النووية – العباد].
(المسألة الرابعة): قوله: «لأخيه»: أي: لأخيه في الإسلام يتفرع على هذا الحديث مسألة الإيثار، وهو ينقسم إلى قسمين:
١ – إيثار بأمور الدنيا، كالطعام واللباس و….، فهذا مستحب، كما في وصف خاصة المؤمنين، قال تعالى: ﴿والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون﴾ [الحشر: ٩] [« تفسير القرطبي (١٨/ ٢٩)].
٢ – إيثار بالقرب الدينية، وهذا مكروه؛ لأنه يخالف ما أمرنا به من المسابقة في الخيرات والمسارعة في أبواب الطاعات، قال تعالى: ﴿سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم﴾ [الحديد: ٢١].
وكما في قوله تعالى أيضا: ﴿وفي ذلك فليتنافس المتنافسون﴾ [المطففين: ٢٦]، ومقتضى التنافس محبة السبق إلى الطاعة فلا ينبغي أن يؤثر غيره على نفسه ليسبقه في ذلك!
قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: «وأما إن قام أحد من الصف تبرعا وآثر الداخل بمكانه؛ فهل يكره ذلك؛ أم لا؟
إن انتقل إلى مكان أفضل منه لم يكره، وإن انتقل إلى ما دونه؛ فكرهه الشافعية.
وقال أحمد -فيمن تأخر عن الصف الأول؛ وقدم أباه فيه-: هو يقدر أن يبر أباه بغير هذا! وظاهره: الكراهة، وأنه يكره الإيثار بالقرب» [(فتح الباري) لابن رجب (٨/ ٢١١)].
وقال الحافظ النووي رحمه الله: «الإيثار مكروه في القرب، بخلاف الإيثار بحظوظ النفس؛ فإنه محبوب» [التبيان في آداب حملة القرآن (ص: ٥١)].
قال ابن الجوزي:
1575 – / 1916 – وَفِي الحَدِيث السّبْعين: ((لَا يُؤمن أحدكُم حَتَّى يحب لِأَخِيهِ مَا يحب لنَفسِهِ)) .
إِن قيل: كَيفَ يتَصَوَّر هَذَا وكل أحد يقدم نَفسه فِيمَا يختاره لَهَا، وَيُحب أَن يسْبق غَيره فِي الْفَضَائِل، وَقد سَابق عمر أَبَا بكر؟ فَالْجَوَاب: أَن المُرَاد حُصُول الْخَيْر فِي الْجُمْلَة. واندفاع الشَّرّ فِي الْجُمْلَة، فَيَنْبَغِي للْإنْسَان أَن يحب ذَلِك لِأَخِيهِ كَمَا يُحِبهُ لنَفسِهِ، فَأَما مَا هُوَ من زَوَائِد الْفَضَائِل وعلو المناقب فَلَا جنَاح عَلَيْهِ أَن يوثر سبق نَفسه لغيره فِي ذَلِك.
[كشف المشكل من حديث الصحيحين 3/ 231]
قال ابن عثيمين:
ذكر المؤلف – رحمه الله تعالى – فيما نقله عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه” لا يؤمن: يعني لا يكون مؤمناً حقاً تام الإيمان إلا بهذا الشرط؛ أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير، وما يحب لنفسه، من ترك الشر، يعني ويكره لأخيه ما يكره لنفسه، هذا هو المؤمن حقاً، وإذا كان الإنسان يعامل إخوانه هذه المعاملة فإنه لا يمكن أن يغشهم أو يخونهم، أو يكذب عليهم، أو يعتدي عليهم، كما أه لا يحب أن يُفعل به مثل ذلك.
وهذا الحديث يدل على أن من كره لأخيه ما يحبه لنفسه أو أحب لأخيه ما يكره لنفسه فليس بؤمن، يعني ليس بمؤمن كامل الإيمان.
ويدل على أن ذلك من كبائر الذنوب إذا أحببت لأخيك ما تكره لنفسك، أو كرهت له ما تحب لنفسك.
وعلى هذا فيجب عليك أخي المسلم أن تربي نفسك على هذا، على أن تحب لإخوانك ما تحب لنفسك حتى تحقق الإيمان، وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” من احب أن يزحزح عن النار ويُدخل الجنة، فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، ويحب أن يأتي إلى الناس ما يؤتى إليه ” الأول حق الله، والثاني حق العباد، تأتيك المنية وأنت تؤمن باليوم الآخر- نسأل الله أن يجعلنا وإياكم كذلك- وأن تحب أن يأتي لأخيك ما تحب أن يُؤتى إليك.
[شرح رياض الصالحين لابن عثيمين 2/ 589]
(المسألة الخامسة):
أنه يحسن صياغة الكلام بما يحمل على العمل به، والشاهد لهذا قوله: «لأخيه»، لأن هذا يقتضي العطف والحنان والرقة، ونظير هذا قول الله عز وجل في آية القصاص: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء﴾ [البقرة: ١٧٨].
(المسألة السادسة):
في الحديث دليل لجواز نفي الشيء لانتفاء كماله، لقوله: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه»، وكقوله: «لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه» متفق عليه [البخاري (٦٠١٦)، ومسلم (٤٦)]، وكقوله: «لا صلاة بحضرة طعام» رواه مسلم [مسلم (٥٦٠)]، أي: لا صلاة كاملة.
قال ابن عثيمين : معنى قول الرسول صلى الله عليه وسلم : (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه)؟
معناها: أنه لا يكمل إيمان العبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير الديني والدنيوي.
وفي هذا الحديث: تحذير من الحسد الذي هو كراهة ما أنعم الله به على غيرك؛ لأن الحسد من خصال اليهود.
وبهذا عرفت أنه ليس المعنى أنه ليس له إيمان إطلاقًا، بل المعنى لا يكمل إيمانه.
لقاء الباب المفتوح ٩٧/١٢
– فائدة:
إن نفي الكمال إما أن يكون نفيا لواجب فيه، وإما لمستحب فيه، ولكنه لم يقع في ألفاظ الشريعة نفي للإيمان بانتفاء كماله المستحب!
قال شيخ الإسلام رحمه الله: «فمن قال: إن المنفي هو الكمال؛ فإن أراد أنه نفي الكمال الواجب -الذي يذم تاركه ويتعرض للعقوبة-؛ فقد صدق، وإن أراد أنه نفي الكمال المستحب! فهذا لم يقع قط في كلام الله ورسوله، ولا يجوز أن يقع؛ فإن من فعل الواجب كما وجب عليه ولم ينتقص من واجبه شيئا؛ لم يجز أن يقال: ما فعله، -لا حقيقة ولا مجازا-» [مجموع الفتاوى (٧/ ١٥)].
وقد سبق الإشارة إلى هذه المسألة، وسيأتي الإشارة إلى ذلك إن شاء الله تعالى.
(المسألة السابعة): وجوب معاملة الإنسان لغيره كما يجب أن يعاملوه
وقد جاء في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما في حديث طويل قوله ﷺ: (فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأتِ إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه)، وقوله ﷺ: (وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه)، وقد ذكر الله عز وجل في كتابه ذم من يكون كذلك فقال: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين:١ – ٣]،
وكذلك جاء عن النبي ﷺ أنه قال: (إن الله ينهاكم عن ثلاث: عقوق الأمهات، ووأد البنات، ومنعًا وهات)، بأن يأخذ ولا يعطي، ويكون جموعًا منوعًا، [شرح الأربعين النووية – العباد].
(المسألة الثامنة): مشكل ومختلف الحديث:
(المطلب الأول):
مما قد يعكر ظاهره على فقه حديث الباب حديث مسلم [(٨١٥)] عن ابن عمر مرفوعا؛ أنه قال: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن؛ فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالا؛ فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار» فظاهره تمني زوال النعمة عن غيره!
الجواب: أن الحديث محمول على معنى الغبطة وليس على معنى تمني زوال النعمة عن الغير!
قال النووي رحمه الله في شرح مسلم: «قال العلماء: الحسد قسمان: حقيقي، ومجازي. فالحقيقي تمني زوال النعمة عن صاحبها، وهذا حرام بإجماع الأمة، وأما المجازي فهو الغبطة، وهو أن يتمنى مثل النعمة التي على غيره من غير زوالها عن صاحبها، فإن كانت من أمور الدنيا كانت مباحة، وإن كانت طاعة فهي مستحبة، والمراد بالحديث: لا غبطة محبوبة إلا في هاتين الخصلتين وما في معناهما» [شرح مسلم للنووي (٦/ ٩٧)] [ففيه معنى قول العلماء: المسلم في دينه ينظر إلى من هو فوقه وليس إلى من هو دونه؛ بخلاف أمر الدنيا
(المطلب الثاني):
أشكل على هذا الحديث حديث مالك بن مرارة الرهاوي؛ قال: يا رسول الله؛ قد قسم لي من الجمال ما ترى؛ فما أحب أن أحدا من الناس فضلني بشراكين فما فوقها، أفليس ذلك هو البغي؟ قال: «لا، ليس ذلك بالبغي، ولكن البغي من بطر -أو قال: سفه- الحق، وغمط الناس» [.أحمد (٤٠٥٨). غاية المرام (١١٤)]؛ فإن ظاهره قد يحمل على عدم محبة الخير للغير كما يحبه المرء لنفسه!
الجواب: أنه يجوز للمسلم أن يسعى بأن يكون من أكثر الناس جمالا؛ مع كونه يحب ذلك لكل مسلم [كما في قول الشافعي رحمه الله: «وددت أن الناس تعلموا هذا العلم ولم ينسب إلي منه شيء». جامع العلوم والحكم (١/ ٣١٠)]، أما ما يذم فهو تلبسه في تلك الحال بالكبر واحتقار الناس.
وسيأتي تمام ذلك في الفوائد بإذن الله تعالى.
قصة مالك بن مرارة قال محققو المسند ٤٠٥٨ و٣٦٤٤ :
مسند أحمد ٣٦٤٤ حديث ابن مسعود في قول مالك بن مرارة الرهاوي؛ قال: يا رسول الله؛ قد قسم لي من الجمال ما ترى؛ فما أحب أن أحدا من الناس فضلني بشراكين فما فوقها، أفليس ذلك هو البغي؟ قال: «لا، ليس ذلك بالبغي، ولكن البغي من بطر -أو قال: سفه- الحق، وغمط الناس»
محتمل على شرط المتمم على الذيل على الصحيح
قال محققو المسند ٣٦٤٤ :
حديث صحيح، وهذا إسناد صحيح إن ثبت سماع حميد بن عبد الرحمن -وهو الحميري- من عبد الله بن مسعود، فروايته إنما هي عن صغار الصحابة كعبد الله بن عمر، وابن عباس، ولفظ تَحَملِهِ عنه هنا لا ينبىء بسماعه منه، ورجال الإسناد ثقات رجال الصحيح. إسماعيل: هو ابن إبراهيم المعروف بابن علَية، وابن عون: هو عبد الله الهلالي، وعمرو بن سعيد: هو القرشي، ويقال: الثقفي، أبو سعيد البصري.
وأخرجه الحاكم ٤/١٨٢ من طريق بشر بن المفضل، عن ابن عون، بهذا الإسناد، وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي!
وسيأتي برقم (٤٠٥٨) .
وله شاهد من حديث مالك بن مرارة الرهاوي نفسه أورده الحافظ في «الإصابة» ٣/٣٥٤، وعزاه إلى الحسن بن سفيان في مسنده، والبغوي من طريق عتبة بن أبي حكيم، عن عطاء بن أبي ميسرة: حدثني ثقة، عن مالك بن مرارة الرهاوي، عن النبي صلى الله عليه وسلم .
قلت سيف بن دورة الكعبي : أصله في الصحيح ، بقي التأكد من سماع حميد من ابن مسعود ، ورجح الشيخ مقبل عدم السماع ، وكذلك أحمد بن شاكر .
لكن قال الشيخ سعود بن عيد الصاعدي في فضائل الصحابة حيث أثبت رجحان السماع :
قال فيه الحاكم – وقد رواه بسنده عن ابن عون به -: (هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه) ا هـ، ووافقه الذهبي في التلخيص ورجال أسانيد الحديث رجال الشيخين عدا ابن عون ، وعمرو بن سعيد فمن رجال مسلم وحده. وأعل أحمد شاكر في تعليقه على مسند الإمام أحمد الإسناد بالانقطاع بين حميد بن عبد الرحمن، وابن مسعود، قال: (وحميد بن عبد الرحمن هو الحميري تابعي، ثقة، لكنه يروي عن متأخري الصحابة كابن عمر، وأبي هريرة. وما أظنه من طبقة من يدرك ابن مسعود) اهـ.
وابن مسعود مات سنة: اثنتين وثلاثين، أو التي تليها ومات حميد بن عبد الرحمن بعد الثمانين ، ولا أدري متى ولد، وكم كان له من العمر يوم مات؟ غير أني لم أر من دفع سماعه من ابن مسعود في غير ما ظنه أحمد شاكر.
وسماعه منه محتمل؛ لما سلف آنفًا من تأريخ وفاة ابن مسعود، وحميد. ولأن الحافظ عد حميدًا في الطبقة الثالثة، وتمييزها : (الطبقة الوسطى من التابعين كالحسن، وابن سيرين).
وفي طبقة تلاميذ ابن مسعود في تهذيب الكمال جماعة كثيرة من الرواة الذين عدهم الحافظ في الطبقة الثالثة نفسها، ولم يدفع أحد من أهل العلم سماعهم من ابن مسعود – فيما أعلم – كالبراء بن ناجية ، وبلاد – بالدال – بن نقطة ، وعامر بن عبدة الكوفي ، وعبد الله بن بريدة ، وعبد الله بن زياد الأسدي ، وعبد الله بن عمرو الأودي ، وعبد الرحمن
ابن حرملة الكوفي ، وعبد الرحمن بن يزيد النخعي ، وعبيدة بن ربيعة ، وعمرو بن سلمة الهمداني ، وغيرهم.
والحديث في نقدي غير منقطع إلا إذا ثبت يقينًا أن حميدًا لم يسمع – أو يدرك – ابن مسعود – رضي الله عنه – … والحديث صحيح على شرط مسلم، قد صححه الحاكم، ووافقه الذهبي – كما تقدم، وبالله التوفيق، والسداد -.
انتهى الأحاديث الواردة في فضائل الصحابة ٩/٧٧ — سعود بن عيد الصاعدي (ت ١٤٣٩)
(المسألة التاسعة): هل يلزم كمال الإيمان من كمال هذه المحبة؟
الجواب: لا، لأنه أتى بإحدى المكملات؛ وليس بجميعها، ولكن التنصيص عليها دليل على أهميتها. [سبيل المهتدين، (187)].
رابعًا: فوائد الحديث:
1 – (منها): بيان بعض خصال الإيمان، وذلك: أن محبّة الإنسان لأخيه المسلم ما يحبّ لنفسه شعبة من شعب الإيمان، وعلامة على أنه مؤمن كامل الإيمان.
2 – (ومنها): أن فيه دلالة على التواضع؛ لأنه إذا أحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه كان دليلًا على أنه بريء من الكبر، والحسد، والحقد، والغلّ، والغشّ، وغيرها من الأخلاق الدنيئة، والخصال الذميمة، بل هو متحلّ بالتواضع، واللِّين، والرفق، وإيثار إخوانه على نفسه، وغيرها من الأخلاق الكريمة، والشيم العظيمة.
3 – (ومنها): ما قاله الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: لَمّا نفى النبيّ – ﷺ – الإيمان عمن لم يُحب لأخيه ما يُحبّ لنفسه، دلّ على أن ذلك من خصال الإيمان، بل من واجباته،
فإن الإيمان لا يُنفَى إلا بانتفاء بعض واجباته، كما قال: «لا يزني الزاني حين يزني، وهو مؤمن …» الحديث. وإنما يُحب الرجل لأخيه ما يُحبّ لنفسه إذا سلم من الحسد، والغلّ، والغشّ، والحقد، وذلك واجبٌ، كما قال النبيّ – ﷺ -: «لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابّوا»، رواه مسلم، فالمؤمن أخو المؤمن، يحبّ له ما يُحبّ لنفسه، ويحزنه ما يحزنه، كما قال – ﷺ -: «مثل المؤمنين في توادّهم، وتراحمهم، وتعاطفهم، مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضوٌ، تداعى له سائر الجسد بالحمّى والسهر»، متّفقٌ عليه.
فإذا أحب المؤمن لنفسه فضيلةً من دين، أو غيره أحبّ أن يكون لأخيه نظيرها، من غير أن تزول عنه، كما قال ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما: إني لأمرّ بالآية من القرآن، فأفهمها، فأودّ أن الناس كلَّهم فهموا منها ما أفهم، وقال الشافعيّ رحمه الله تعالى: ودِدتُ أن الناس كلّهم تعلّموا هذا العلمَ، ولم يُنسب إليّ منه شيء.
فأما حبّ التفرّد عن الناس بفعل دينيّ، أو دنيويّ، فهو مذموم، قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾ الآية [القصص: ٨٣]، وقد قال عليّ – رضي الله عنه – وغيره: هو أن لا يُحبّ أن يكون نعله خيرًا من نعل غيره، ولا ثوبه خيرًا من ثوب غيره.
وفي الحديث المشهور في «السنن»: «من تعلّم العلم ليباهي به العلماء، أو يماري به السفهاء، أو يصرف به وجوه الناس إليه، فليتبوّأ مقعده من النار».
[اشكال وجوابه:]
وأما الحديث الذي فيه أن رجلًا سأل النبيّ – ﷺ -، فقال: إني أحبّ الجمال، وما أحبّ أن يفوقني أحدٌ بشراك نعلي، فقال له النبيّ – ﷺ -: «ليس هذا من الكبر»، فإنما فيه أنه أحبّ أن لا يعلو عليه أحدٌ، وليس فيه محبة أن يعلو هو على الناس،
بل يَصْدُق هذا أن يكون مساويًا لأعلاهم، فما حصل بذلك محبّة العلوّ عليهم، والانفراد عنهم،
فإن حصل لأحد فضيلة خصّصه الله تعالى بها عن غيره، فأخبر بها على وجه الشكر، لا على وجه الفخر، كان حسنًا، كان النبيّ – ﷺ – يقول: «أنا سيّد ولد آدم، ولا فخر، وأنا أول شافع، ولا فخر». رواه مسلم، ورواه البخاريّ بلفظ مغاير لهذا، وقال ابن مسعود – رضي الله عنه -: لو أعلم أحدًا أعلم بكتاب الله منّي تبلغه الإبل، لأتيته. انتهى كلام ابن رجب رحمه الله تعالى [راجع: «شرح البخاريّ لابن رجب» ١/ ٤٥ – ٤٧].
قال الإتيوبي عفا الله تعالى عنه: قوله: فأما حبّ التفرّد عن الناس بفعل دينيّ … إلخ فيه نظرٌ لا يخفى، فكيف يكون هذا مذمومًا، وقد جاء فيه تنافس الأنبياء والصالحين فيه، فقد قال الله تعالى عن سليمان عليه السلام: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥] الآية، ومعلوم أن طلبه لملك لا ينبغي لغيره محبة للانفراد به، وقال تعالى في دعاء عباد الرحمن: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤]، ومعلوم أن من يحب أن يكون إمامًا يحب أن يكون رئيسًا في الخير على غيره.
ومن الغريب الاستدلال على ذلك بآية: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية؛ إذ هي لا تدلّ على ذلك، وإنما المراد بالعلو فيها علوّ التكبّر والتجبّر، لا علوّ الإصلاح والزعامة في الحقّ، ودونك ما قاله المفسّرون في معنى الآية المذكورة:
قال الإمام ابن كثير رحمه الله: يُخبر تعالى أن الدار الآخرة، ونعيمها المقيم الذي لا يحول ولا يزول، جعلها لعباده المؤمنين المتواضعين، الذين لا يريدون علوًّا في الأرض، أي تَرَفُّعًا على خلق الله، وتعاظمًا وتجبُّرًا بهم، ولا فسادًا فيهم، كما قال عكرمة: العلُوُّ: التجبر، وقال سعيد بن جبير: العلو: البَغْيُ، وقال سفيان بن سعيد الثوري، عن منصور، عن مسلم البطين: العلوّ في الأرض: التكبر بغير حقّ، والفسادُ: أخذ المال بغير حقّ، وقال ابن جريج: لا يريدون علوًّا في الأرض تعظمًا وتجبرًا، ولا فسادًا عملًا بالمعاصي.
وقال ابن جرير: حدثنا وكيع، حدثنا أبي، عن أشعث السمان، عن أبي سلام الأعرج، عن عليّ، قال: إن الرجل ليُعجِبه من شِراك نعله أن يكون أجود من شراك نعل صاحبه، فيدخل في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣)﴾.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: وهذا محمول على ما إذا أراد بذلك الفخر والتطاول على غيره، فإن ذلك مذموم، كما ثبت في «صحيح مسلم» عن النبيّ – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: «إنه أُوحي إليّ أن تواضعوا، حتى لا يفخر أحدٌ على أحد، ولا يبغي أحدٌ على أحد»، وأما إذا أحب ذلك لمجرد التجمُّل فهذا لا بأس به، فقد ثبت في «صحيح مسلم» أيضًا: أن رجلًا قال: يا رسول الله إني أحب أن يكون ردائي حسنًا، ونعلي حسنةً، أفمن الكبر ذلك؟ فقال: «لا، إن الله جميل يحب الجمال» [أخرجه مسلم في «صحيحه» من حديث عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر»، قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا، ونعله حسنةً؟، قال: «إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بَطَرُ الحقّ، وغَمْطُ الناس»]. انتهى كلام ابن كثير [«تفسير ابن كثير» ٣/ ٤٠٣].
قال الإتيوبي عفا الله تعالى عنه: قد تبيّن بما ذُكر أن الآية ليست بحجة لما زُعِمَ من أن قصد التفرد عن الناس بخير من الخيور مذموم، فإن المفسّرين على أن المراد بالعلو فيها هو علوّ التجبّر والطغيان والبغي، لا علوّ الصلاح والإصلاح.
ومما يُتعجّب منه أنه ذكر أثر عليّ – رضي الله عنه – في تفسيره الآية، وفي سنده أشعث السمّان [وفي تفسير ابن أبي حاتم: حدثني أشعث بن يزيد الدمشقيّ، وترجمه في «لسان الميزان» ١/ ٧٠٦ فليُنظر] متروك الحديث، بل كذّبه بعضهم، فكيف يثبت أثره، ويُحتجّ به، وقد أجاب عنه ابن كثير على تقدير ثبوته؟.
والحاصل: أن محبة الإنسان لنفسه أن يكون إمامًا في الخير، ونحوه لا ينافي حديث الباب، ولا ينافي أيضًا التواضع، وكيف وهو أمنيّة عباد الله الصالحين، ففي «الصحيحين» أنه – صلى الله عليه وسلم – لَمّا قال: «لأعطينّ الراية غدًا رجلًا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله» بات الصحابة يدوكون ليلتهم أيهم يُعطاها، ثم غَدَوا عليه، وكلهم يريد أن يعطاها، حتى قال عمر – رضي الله عنه -: ما أحببت الإمارة إلا يومئذ، وفيهما أيضًا أنه – ﷺ – لما قال لأهل نجران: «لأبعثنّ معكم رجلًا أمينًا حق أمين» فاستشرف لها أصحاب رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، إلى غير ذلك مما يدلّ على محبّة كلّ منهم تقدّمه على الآخرين في الخير، فتأمله بالإنصاف، ولا تكن أسير التقليد، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. [البحر المحيط الثجاج].
قلت سيف بن دورة الكعبي :
الظاهر أن ابن رجب لم يرد عدم جواز طلب أن يكون المسلم منافسا في المنازل الدينية
وكون الصحابة يتنافسون ، هو صرح بطلب المنافسة ، والمنافسة ليس فيها التحاسد ، فعمر بن الخطاب كان ينافس أبا بكر ، لكن عند الخلافة عرف حق أبا بكر فقدمه مع أن أبابكر نفسه قدم عمر بن الخطاب وأباعبيدة رضي الله عنهم
أما الرسول صلى الله عليه وسلم ومنزلة الوسيلة فقد أجاب بعض العلماء بأنه يستثنى من ذلك المنزلة الواحدة كالوسيلة
أو المنزلة التي لا يجوز لغيرك أن تكون له
بقي طلب سليمان عليه الصلاة والسلام ملكا لا ينبغي لأحد من بعده
قال ابن جرير : إن قال لنا قائل: وما وجه رغبة سليمان إلى ربه في الملك، وهو نبيّ من الأنبياء، وإنما يرغب في الملك أهل الدنيا المؤثِرون لها على الآخرة؟ أم ما وجه مسألته إياه، إذ سأله ذلك مُلكا لا ينبغي لأحد من بعده، وما كان يضرّه أن يكون كلّ من بعده يُؤْتَى مثل الذي أوتي من ذلك؟ أكان به بخل بذلك، فلم يكن من مُلكه، يُعطي ذلك من يعطاه، أم حسد للناس، كما ذُكر عن الحجاج بن يوسف; فإنه ذكر أنه قرأ قوله (وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأحَدٍ مِنْ بَعْدِي) فقال: إن كان لحسودًا، فإن ذلك ليس من أخلاق الأنبياء! قيل: أما رغبته إلى ربه فيما يرغب إليه من المُلك، فلم تكن إن شاء الله به رغبةً في الدنيا، ولكن إرادة منه أن يعلم منزلته من الله فى إجابته فيما رغب إليه فيه، وقبوله توبته، وإجابته دعاءه.
وأما مسألته ربه مُلكا لا ينبغي لأحد من بعده، فإنا قد ذكرنا فيما مضى قبلُ قولَ من قال: إن معنى ذلك: هب لي مُلكا لا أسلبه كما سلبته قبل. وإنما معناه عند هؤلاء: هب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي أن يَسلُبنيه. وقد يتجه ذلك أن يكون بمعنى: لا ينبغي لأحد سواي من أهل زماني، فيكون حجة وعَلَما لي على نبوتي وأني رسولك إليهم مبعوث، إذ كانت الرسل لا بد لها من أعلام تفارق بها سائر الناس سواهم. ويتجه أيضا لأن يكون معناه: وهب لي ملكا تخُصُّني به، لا تعطيه أحدا غيري تشريفا منك لي بذلك، وتكرمة، لتبين منزلتي منك به من منازل من سواي، وليس في وجه من هذه الوجوه مما ظنه الحجاج في معنى ذلك شيء.
تفسير الطبري جامع البيان – ط دار التربية والتراث ٢٠٨/٢١
وقال ابن عرفة في تفسيره: قوله تعالى: {وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي … (35)} نقلوا عن الحجاج، أنه قال: لقد كان حسودا. قال ابن عطية: وهذا من فسقه. قال ابن عرفة: كان بعضهم يقول: بل هذا من جهله؛ فإن الإنسان تارة يطلب من أن يعطيه شيئا يخصه به دون غيره، وتارة يطلب منه شيئا علم منه أنه لا يعطيه إلا رجلا واحدا؛ فيرغب منه أن يكون هو ذلك الرجل، والأول: طلب الإعطاء والخصوصية، والثاني: طلب الإعطاء فقط؛ فلعل الله تعالى أوحى إلى سليمان عليه الصلاة والسلام أن هذه الهبة لا ينالها إلا رجل واحد يكون نوعه منحصرا في شخصيه، فرغب من الله تعالى أن يكون هو ذلك الرجل، فليس في هذا حسد؛ إنما الحسد على طلب الإعطاء والخصوصية؛ لأنه يطلب منه شيئا؛ ويحرم منه غيره.
وقال ابن جزي الغرناطي في التسهيل: { قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي } قدم الاستغفار على طلب الملك ، لأن أمور الدين كانت عندهم أهم من الدنيا فقدم الأولى والاهم ، فإن قيل : لأي شيء قال لا ينبغي لأحد من بعدي ، وظاهر هذا طلب الانفراد به حتى قال فيه الحجاج إنه كان حسودا؟ فالجواب من وجهين : أحدهما أنه إنما قال ذلك لئلا يجري عليه مثل ما جرى من أخذ الجني لملكه ، فقصد أن لا يسلب ملكه عنه في حياته ويصير إلى غيره ، والآخر أنه طلب ذلك ليكون معجزة ، دلالة على نبوته.
قال ابن كثير :
( قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب ) قال بعضهم : معناه : لا ينبغي لأحد من بعدي أي : لا يصلح لأحد أن يسلبنيه كما كان من قضية الجسد الذي ألقي على كرسيه لا أنه يحجر على من بعده من الناس . والصحيح أنه سأل من الله تعالى ملكا لا يكون لأحد من بعده من البشر مثله ، وهذا هو ظاهر السياق من الآية وبه وردت الأحاديث الصحيحة من طرق عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – … ثم ساق الأحاديث
قال ابن عثيمين :
: قال تعالى ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا﴾ يعني أعطني ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي، أي: لا يصلح أن يكون لأحد من بعدي. يعني مُلكًا عظيمًا، لا يفكِّر فيه أحدٌ من بعدي، فغفر الله له واستجاب له.
قال المؤلف: [﴿مِنْ بَعْدِي﴾ أي: سواي نحو: ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ٢٣] أي: سوى الله]، وليس المراد من بعدي زمنًا، بل لا ينبغي لأحد في زمني أو زمن بعد زمني، ولكن المراد بـ: ﴿من بعدي﴾: سواي، واستشهد لذلك بقوله: ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ٢٣] ومعلوم أنَّه لا أحد بعد الله، فالله هو الآخر الذي ليس بعده شيء، ولكن ﴿مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ أي: من سوى الله.
والقول الثَّاني: أنّ المراد ﴿لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ أي: ملكًا لا يغلبه عليه أحد، ويؤيد القول الأوَّل قوله عليه الصلاة والسلام حين تفلَّت عليه عفريت وهو يصلِّي، وأراد أن يمسكه وأن يربطه بسارية المسجد ليلعب به صبيان أهل المدينة، وقال: «لولا أنِّي ذكرتُ قول أحْي سليمان: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ لفعلت» (١)، وهذا يدلُّ على المراد ﴿مِنْ بَعْدِي﴾ زمنًا.
والمرجَّح أنّ سليمان عليه الصلاة والسلام سأل مُلكًا عظيمًا لا يكون لأحد من بعده، وبناءً عليه، فإنَّه يحصل الإشكال: لماذا تحجَّر هذا المُلك؟ قد نقول: إنّ القول الثَّاني أصح، وإنّ النَّبيَّ -ﷺ- ترك ذلك تورُّعًا، لأنَّه خاف أن يكون مراد سليمان زمنًا، فترك هذا من باب التورُّع، ولكن هذا الجواب فيه أيضًا بعض الشيء، لأنّ النَّبيُّ -ﷺ- إذا فسر الآية بشيء أو أتى بشيء يقتضي تفسيرها على وجه ما، فإنَّه لا شكّ أولى من الاحتمال الآخر، وأن يكون المراد ﴿مِنْ بَعْدِي﴾ أي: مِن سواي، والله أعلم.
﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٣٥)﴾: هذه جملة تعلقها بما قبلها، أنَّها من باب التوسل. لما سأل الله مُلكًا توسَّل إلى الله بالاسم الذي يناسب ما دعا به…
تفسير العثيمين: ( ص١٦٨-١٦٩)
وهناك من استشكل الحديث لكن وجهوه توجيهات أخرى مثل ابن الجوزي فقال : فَالْجَوَاب: أَن المُرَاد حُصُول الْخَيْر فِي الْجُمْلَة. واندفاع الشَّرّ فِي الْجُمْلَة، فَيَنْبَغِي للْإنْسَان أَن يحب ذَلِك لِأَخِيهِ كَمَا يُحِبهُ لنَفسِهِ، فَأَما مَا هُوَ من زَوَائِد الْفَضَائِل وعلو المناقب فَلَا جنَاح عَلَيْهِ أَن يوثر سبق نَفسه لغيره فِي ذَلِك.
[كشف المشكل من حديث الصحيحين 3/ 231]
وسبق نقله
4 – (ومنها): قوله: «والَّذِي نفسي بيده» فيه جواز الحلف عَلى الأمر المهم توكيدًا، وإن لم يكن هناك مُسْتَحْلِف. [النكت على صحيح البخاري (1/ 247)].
وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
جواز الإقسام بغير استقسام، يعني: بجواز أن يقسم الإنسان بغير ما يطلب منه؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يطلب منه ذلك، إذا قال قائل: أليس هذا مخالف لقوله تعالى: {وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ} المائدة:89، يعني: لا تحلفوا إلا بسبب؟ فيقال: نعم نحفظ أيماننا، وهذا لا يعارض الآية؛ لأن هذا مهمٌّ جدًّا، أقسم النبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك من أجل قوَّة الحث على أن يحب لجاره ما يحب لنفسه؛ فلأهمية الموضوع أقسم النبي -صلى الله عليه وسلم- عليه، أليس الله تعالى أمر نبيه أن يقسم؟ بلى، في ثلاث آيات:
الأولى: الحلف على أن الناس يبعثون: {قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ} التغابن:7.
الثانية: الحلف على أن القرآن حق: {وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ} يونس:35.
الثالثة: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ} سبأ:3، والنبي -صلى الله عليه وسلم- أقسم في أكثر من ستين موضعًا؛ لكنه لا يقسم إلا والمقام يقتضي القسم -صلى الله عليه وسلم-.
5 – (ومنها): جواز القسم بهذه الصيغة، وجه ذلك: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أقسم به.
6 – (ومنها): انتفاء الإيمان عمن لا يحب لجاره أو لأخيه ما يحب لنفسه.
وهل هذا يعني الكفر؟ لا، لكنه ينتفي عنه كمال الإيمان؛ لأن أهل السنة أجمعوا على أنَّ مَن لا يحب لأخيه ما يحبه لنفسه ليس بكافر؛ لكن انتفى عنه كمال الإيمان.
7 – (ومنها): أنه يجوز نفي الشيء لنفي كماله؛ كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا صلاة بحضرة طعام» هذا نفي للكمال، الصلاة لا تكون كاملة بحضرة الطعام، «ولا وهو يدافعه الأخبثان»؛ لكن لا ينفي شيء إلا لانتفاء واجب فيه، ومن ثم نأخذ أنه يجب علينا أن نحب لإخواننا ما نحبه لأنفسنا.
8 – (ومنها): أنه يصح أن ينفى الإيمان المطلق عمن عنده مطلق إيمان؛ لأن هذا الحديث نفى الإيمان المطلق الذي هو الكمال، واستمع إلى قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} الأنفال:2-3، {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُوْنَ} يعني: ما المؤمنون إلا هؤلاء، لو قلنا: إن المراد بهذه الآية: مطلق الإيمان- لانتفى الإيمان عن كثير من الناس اليوم، مَن الذين إذا ذكر الله تَوْجَلُ قلوبهم؟ قليل، {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا} الأنفال: 2، هذه أيضًا قليل؛ لكن المراد هنا: المؤمنون الكُمَّل الذين كَمُل إيمانهم، أما قوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} النساء:92، فالمراد: مطلق الإيمان؛ ولهذا يصح أن يعتق الإنسان عبدًا فاسقًا ليس بكافر؛ إذن نفي الإيمان هنا الإيمان المطلق، يعني: الكامل. [فتح ذي الجلال والإكرام (6/ 287-288)توضيح الأحكام من بلوغ المرام (7/ 333-334)].
وقال الشيخ عبد الله البسام -رحمه الله-:
9 – (ومنها): حق الجار على جاره كبير جدًّا
10 – (ومنها): حديث الباب صريحٌ في نفي الإيمان عن العبد الَّذي لا يحب لجاره من حصول الخير وبُعْدِ الشر، ما يحب لنفسه.
11 – (ومنها): أوَّلَ العلماء نفي الإيمان هنا بأنَّ المراد به: نفي كماله الواجب؛ إذ قد علم من قواعد الشريعة: أنَّ من لم يتصف بذلك لا يخرج من الإيمان.
12 – (ومنها): المحبوب المذكور لم يُعيَّن، وقد عيَّنه في رواية النسائي (5017) بلفظ: «حتَّى يحب لأَخيه من الخير ما يحب لنفسه»، قال العلماء: المراد: من الطاعات وأعمال الخير والأمور المباحة، وهذا فيه صعوبةٌ على النفوس الشحيحة، ولكنَّه سهل على ذوي القلوب السليمة.
13 – (ومنها): وقال في شرح البلوغ (أي: الصنعاني): الجار عامٌّ للمسلم، والكافر، والفاسق، والصديق، والعدو، والقريب، والأجنبي، فمن اجتمعت فيه الصفات الموجبة لمحبَّة الخير له، فهو في أعلى المراتب، ومن كان فيه أكثرها، فهو لاحق به، وهلمَّ جَرًّا إلى الخصلة الواحدة، فيعطي كلَّ ذي حقٍّ بحسب حاله.
وجاء في الطبراني من حديث جابر: «الجار الكافر له حق الجوار، والجار المسلم له مع الجوار حق الإسلام، والجار المسلم القريب له ثلاثة حقوق». [توضيح الأحكام من بلوغ المرام (7/ 333-334)].
14 – (ومنها): أن الناس يتفاوتون في الإيمان، وأن الإيمان يزيد وينقص، وقد جاءت الآيات والأحاديث الكثيرة الدالة على أن الإيمان يزيد وينقص، وأن الناس يتفاوتون فيه، فمنهم من يكون متصفًا بالكمال، ومنهم من يكون بين ذلك. [شرح الأربعين النووية – العباد، ص()].
15 – (ومنها): وجوب محبة المرء لأخيه ما يحبُّ لنفسه؛ لأن نفي الإيمان عمن لا يحب لأخيه ما يحب لنفسه يدل على وجوب ذلك.
16 – (ومنها): الأُخوّة في الله فوق أخوّة النسب، فحقُّها أوجب.
17 – (ومنها): تحريم كل ما ينافي هذه المحبة من الأقوال والأفعال كالغش والغيبة والحسد والعدوان على نفس المسلم أو ماله أو عرضه، ولكن لا يحرم الربح على المسلم في البيع بلا غبن ولا تدليس ولا كذب.
18 – (ومنها): استخدام بعض الألفاظ المحفِّزة على الفعل ؛ لقوله “لأخيه”.
لأن من الفصاحة صياغة الكلام بما يحمل على العمل به، فقوله: “لأَخِيهِ”، لأن هذا يقتضي العطف والحنان والرّقة.
19 – (ومنها): قال الكِرْماني رحمه الله: ومن الإيمان أيضًا أنْ يُبغِضَ لأخيه ما يبغض لنفسه من الشر، ولم يذكره؛ لأنَّ حب الشيء مستلزم لبغض نقيضه، فترك التنصيص عليه اكتفاء.
20 – أقسام :
وقسم آخر إذا وجد من نفسه الحسد سعى في إزالته، وفي الإحسان إلى المحسود بإسداء الإحسان إليه، والدعاء له، ونشر فضائله، وفي إزالة ما وجد له في نفسه من الحسد حتى يبدله بمحبة أن يكون أخوه المسلم خيرا منه وأفضل، وهذا من أعلى درجات الإيمان، وصاحبه هو المؤمن الكامل الذي يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وقد سبق الكلام على هذا في تفسير حديث: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه».
— جامع العلوم والحكم – ت الفحل – ابن رجب الحنبلي (٧١٤)
21 -قال ابن تيمية:
وقد قال تعالى
﴿وَإِنَّ مِنكُم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ فَإِن أَصابَتكُم مُصيبَةٌ قالَ قَد أَنعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذ لَم أَكُن مَعَهُم شَهيدًا وَلَئِن أَصابَكُم فَضلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقولَنَّ كَأَن لَم تَكُن بَينَكُم وَبَينَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيتَني كُنتُ مَعَهُم فَأَفوزَ فَوزًا عَظيمًا﴾ [النساء: 72-73]
فهؤلاء المبطئون لم يحبوا لإخوانهم المؤمنين ما يحبون لأنفسهم بل إن أصابتهم مصيبة فرحوا باختصاصهم وإن أصابتهم نعمة لم يفرحوا لهم بها بل أحبوا أن يكون لهم منها حظ فهم لا يفرحون إلا بدنيا تحصل لهم أو شر دنيوي ينصرف عنهم إذ كانوا لا يحبون الله ورسوله والدار الآخرة ولو كانوا كذلك لأحبوا إخوانهم وأحبوا ما وصل إليهم من فضله وتألموا بما يصيبهم من المصيبة *ومن لم يسره ما يسر المؤمنين ويسوؤه ما يسوء المؤمنين فليس منهم…*
أمراض القلوب وشفاؤها ١/٢٢
22 – وفي فقه الأدعية :
إنَّ من الأمور المهمَّة التي ينبغي أن يلحظها المسلمُ في الدعاء، بل قد عدَّه بعضُ أهل العلم في جملة آداب الدعاء العنايةَ بالدعاء للمسلمين بالتوفيق والمغفرة والرحمة والإعانة على الخير؛ … قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًاّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٣،
قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي رحمه الله:»
هذا شاملٌ لجميع المؤمنين ينتفع بعضهم ببعض، ويدعو بعضهم لبعض بسبب المشاركة في الإيمان المقتضي لعقد الأخوة بين المؤمنين التي من فروعها أن يدعو بعضُهم لبعض وأن يحبَّ بعضُهم بعضًا، ولهذا ذكر الله في هذا الدعاء نفيَ الغلِّ عن القلب، الشامل لقليله وكثيره، الذي إذا انتفى ثبت ضدُّه وهو المحبَّةُ بين المؤمنين والموالاةُ والنصحُ ونحوُ ذلك ممَّا هو من حقوق المؤمنين … ” . تيسير الكريم الرحمن (٨/١٠٣)
فقه الأدعية والأذكار ٢٢٣/٢-٢٢٤
—————