416 جامع الأجوبة الفقهية ص 449
بلوغ المرام
154- وعن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: – من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح, ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر – متفق عليه .
155- ولمسلم عن عائشة نحوه, وقال: “سجدة” بدل “ركعة”. ثم قال: والسجدة إنما هي الركعة.
مسألة: هل يدرك الرجل الصلاة بإدراك ما دون الركعة قبل خروج الوقت؟
اختلف الفقهاء فيمن أدرك أقل من الركعة هل يكون مدركاً للوقت؟ على قولين:
القول الأول: إدراك الصلاة بإدراك تكبيرة الإحرام قبل خروج الوقت. وبهذا قال الحنفية والحنابلة.
دليلهم: يُعتبر من كبّر تكبيرة الإحرام قبل خروج الوقت مدركًا للصلاة أداءً، مستندين إلى عموم الأحاديث التي تشير إلى أن من أدرك جزءًا من الصلاة قبل خروج الوقت فقد أدركها.
ومنها حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( من أدرك سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته , وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته ) متفق عليه وللنسائي : ( فقد أدركها ) ; ولأن الإدراك إذا تعلق به حكم في الصلاة استوى فيه الركعة وما دونها , كإدراك الجماعة , وإدراك المسافر صلاة المقيم , ولفظ الحديث الأول يدل بمفهومه , والمنطوق أولى منه .
القول الثاني: لا يُعتبر مدركًا للصلاة إلا بإدراك ركعة كاملة قبل خروج الوقت. وهذا قول: المالكية والشافعية.
دليلهم: استندوا إلى حديث أبي هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة”
وقالوا أن الحديث صريح في أن الإدراك يكون بإدراك ركعة كاملة، فلا يُعتبر من أدرك أقل من ذلك مدركًا للصلاة في وقتها.
وأجاب أصحاب القول الأول بأن الحديث يدل على أن من أدرك ركعة فقد أدرك فضل الجماعة، ولكن الإدراك الحقيقي للصلاة يكون بإدراك تكبيرة الإحرام قبل خروج الوقت.
قال ابن قدامة في المغني (1/ 274):
وهل يدرك الصلاة بإدراك ما دون ركعة؟ فيه روايتان: إحداهما لا يدركها بأقل من ذلك، وهو ظاهر كلام الخرقي ومذهب مالك؛ لظاهر الخبر الذي رويناه، فإن تخصيصه الإدراك بركعة يدل على أن الإدراك لا يحصل بأقل منها؛ ولأنه إدراك للصلاة، فلا يحصل بأقل من ركعة كإدراك الجمعة. والثانية، يدركها بإدراك جزء منها، أي جزء كان. قال القاضي: ظاهر كلام أحمد أنه يكون مدركا لها بإدراكه. وقال أبو الخطاب: من أدرك من الصلاة مقدار تكبيرة الإحرام قبل أن يخرج الوقت فقد أدركها. وهذا مذهب أبي حنيفة. وللشافعي قولان كالمذهبين. ولأن أبا هريرة روى عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه قال: «من أدرك سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته، وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته» متفق عليه وللنسائي «فقد أدركها» ؛ ولأن الإدراك إذا تعلق به حكم في الصلاة استوى فيه الركعة وما دونها، كإدراك الجماعة، وإدراك المسافر صلاة المقيم، ولفظ الحديث الأول يدل بمفهومه، والمنطوق أولى منه، والقياس يبطل بإدراك ركعة دون تشهدها. انتهى
قال في إعانة الطالبين (1/118): وقوله فالكل أداء أي لخبر من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة ، أي مؤداة ، قوله ( وإلا فقضاء ) أي وإن لم يدرك ركعة من الوقت بأن أدرك دونها فهي قضاء سواء أخر لعذر أم لا ، والفرق بينه وبين من أدرك ركعة اشتمال الركعة على معظم أفعال الصلاة إذ غالب ما بعدها تكرير لها فجعل ما بعد الوقت تابعا لها بخلاف ما دون الركعة. انتهى
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في شرح العمدة (ص: 186): إن إدراك أقل من ركعة (مثل تكبيرة الإحرام، أو الركوع فقط) في وقت الصلاة فيه روايتان: الأولى: يُعتبر مدركًا للصلاة، وهي اختيار أكثر أصحابنا الحنابلة؛ استنادًا إلى حديث: “من أدرك من العصر سجدة قبل أن تغرب الشمس، أو من الصبح قبل أن تطلع الشمس، فقد أدركها”، ولأن جزءًا من الصلاة وُجِد في الوقت، فيُعتبر أداءً. والثانية: لا يُعتبر مدركًا؛ لأن الحديث يُفسَّر بأن السجدة تعني الركعة الكاملة، حيث إن الركعة لا تصح إلا بالركوع والسجدتين. وهذا المعنى مستفاد من سياقات أخرى في الحديث حيث تُطلق السجدة على الركعة بأكملها. ثم قال المسألة محتملة، لكن يُفضل اعتبار الركعة الكاملة شرطًا للإدراك؛ لأن ما دون ذلك غير منضبط، بخلاف الركعة التي تُعتبر جزءًا واضحًا ومعلومًا من الصلاة. انتهى كلامه بتصرف
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : ” والقول الثاني : أنها لا تُدرك الصَّلاة إلا بإدراك ركعة ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( مَنْ أدرك ركعةً من الصَّلاة فقد أدركَ الصَّلاةَ ) ، وهذا القول هو الصَّحيح ، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ؛ لأن الحديث ظاهر فيه ، فهو جملة شرطيَّة ( مَنْ أدرك ركعةً فقد أدرك …) ، مفهومه : من أدرك دون ركعة فإنه لم يُدركْ … ويَنْبَني على هذا أيضاً إدراكات أخرى مثل إدراك الجماعة : هل تُدرك الجماعة بركعة ، أو تُدرك بتكبيرة الإحرام ؟ والصَّحيح : أنها لا تُدرك إلا بركعة ، كما أن الجمعة لا تدرك إلا بركعة بالاتفاق ، فكذلك الجماعة لا تدرك إلا بركعة ” انتهى من “الشرح الممتع” (2/121).
والله أعلم…