413 جامع الأجوبة الفقهية ص 446
شارك ناصر الريسي وأحمد بن علي وأسامة وحسين البلوشي
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى ، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وأن يبارك في ذرياتهم وذرياتنا )
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——-
بلوغ المرام
١٥٢ – وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم). متفق عليه.
——
مسألة: الإبراد بصلاة الظهر عند اشتداد الحر
الإبرادُ: معناه تأخيرُ صلاة الظهر إلى البَرد، وهو سكون شدَّة الحر. يُنظر: ((المصباح المنير)) للفيومي (1/42)
الفَيْح: هو سُطوعُ الحَرِّ وفَورانُه؛ وقوله ((فيح جَهنَّمَ)) أيْ: كأَنَّه نارُ جهنَّمَ في حَرِّها. يُنظر: المعلم بفوائد مسلم، للمازري (1/431)، النهاية، لابن الأثير (3/484).
تنبيه : كذا تأولوا الفيح ، وذهب علماء أهل السنة إلى حمله على الظاهر
قال ابن عثيمين :
ثم قال: «إن شدة الحر من فيح جهنم»؛ أي: من سمومها وحرارتها، ووجه ذلك: «أن النار اشتكت إلى الله عزوجل فأذن الله تعالى لها بنفسين نفس في الصيف، ونفس في الشتاء، فأشد ما نجد من الحرارة هذا من نفس الصيف، وأشد ما نجد من البرودة هذا من نفس الشتاء»، وهذا العلم الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم لا يدركه علماء الفلك بعلومهم وعقولهم، لأنه شيء فوق ما يعرفونه، ولكننا نحن نؤمن بأن ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم حق لا مرية فيه، «وجهنم» اسم من أسماء النار أعاذنا الله وإياكم منها.
فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية ١/٤٢٩ — ابن عثيمين (ت ١٤٢١)
وستأتي نقولات أكثر في آخر البحث
وقد اختلف أهل العلم في مسألة الإبراد بصلاة الظهر على قولين:
الأول: أن يُستحبُّ الإبرادُ بالظُّهرِ في شِدَّةِ الحرِّ، وهذا مذهب جمهور أهل العلم ومنهم المذاهب الأربعة
واستدلوا بالتالي:
1- عن أبي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْه، قال: أذَّن مؤذِّنُ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الظُّهرَ، فقال: ((أَبرِدْ أَبرِدْ))، أو قال: ((انتظر انتظرْ))، وقال: ((شِدَّةُ الحرِّ مِن فَيحِ جَهنَّمَ، فإذا اشتدَّ الحرُّ فأبْرِدوا عن الصَّلاةِ))، حتى رَأيْنا فَيءَ التُّلولِ رواه البخاري (535)، ومسلم (616)
2- عن أبي هُرَيرَة رَضِيَ اللهُ عَنْه، عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((إذا اشتدَّ الحرُّ فأَبْرِدوا بالصَّلاة؛ فإنَّ شِدَّةَ الحرِّ مِن فَيحِ جَهنَّمَ)) رواه البخاري (536)، ومسلم (615).
3- عن أنسِ بنِ مالكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْه، قال: ((كان النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا اشتدَّ البردُ بَكَّرَ بالصَّلاةِ، وإذا اشتدَّ الحرُّ أَبْرَدَ بالصَّلاةِ )) رواه البخاري (906).
القول الثاني: أن تعجيل الصلاة في أول وقتها أفضل مطلقاً
واستدلوا بحديث خباب, قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة في الرمضاء, فلم يشكنا. صحيح مسلم (2/ 352)
وجاء حاشية في مسند أحمد ت شاكر (8/ 242) تعليقا على حديث أبي هريرة ، قال السيوطي: حديث متواتر رواه بضعة عشر صحابيًا، وفي رواية “أبردوا بالصلاة” ورواه الترمذي عن قتيبة، ومالك عن أبي الزناد، وعن عبد الله بن يزيد في الصلاة. وقد ذكر الإِمام مسلم رحمه الله بعد هذا الحديث حديث خباب (شكونا إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – حر الرمضاء فلم يشكنا) قال زهير: قلت لأبي إسحق: أفى الظهر؟ قال: نعم، قلت: أفي تعجيلها؟ قال: نعم، اختلف العلماء في الجمع بين هذين الحديثين فقال بعضهم: الإبراد رخصة والتقديم أفضل واعتمدوا حديث خباب وحملوا حديث الإبراد على الترخيص والتخفيف في التأخير، وبهذا قال بعض أصحابنا وغيرهم، وقال جماعة: حديث خباب منسوخ بأحاديث الإبراد، وقال أخرون: المختار استحباب الإبراد لأحاديثه والصحيح استحباب الإبراد وبه قال الجمهور، لكثرة الأحاديث الصحيحة فيه. انتهى كلام أحمد بن شاكر
جاء في فتاوى اللجنة الدائمة – 1 (6/120):
فالأفضل الإبراد بالظهر عملا بهذا الحديث وما في معناه من الأحاديث الدالة على الإبراد بها عند شدة الحر فقط، وفيما عدا ذلك تبقى على الأصل، فخير لكم أن تهتدوا بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فتؤخروا الأذان في شدة الحر إلى الإبراد وتعجلوا به أول الوقت في غير ذلك حرصا على الفضيلة وكثرة الأجر وتخفيفا على الناس، وعلى تقدير وقوع الأذان أول الوقت في شدة الحر فعلى الجميع أن يبادروا إلى الجماعة ويحرصوا على الصلاة مجتمعين. ولا تفرقوا فإن الجماعة واجبة والفرقة محرمة، فلا يرتكب ذلك من أجل الحرص على فضيلة الإبراد ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم. انتهى
واختلف الجمهور هل استحباب الابراد مطلق أم هو خاص بالجماعة أو بالبلاد الحارة وغيرها من الأسباب
جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية (7/ 177)
ذهب الحنفية ، وهو مذهب الحنابلة إلى الإبراد بظهر الصيف ، والتعجيل بظهر الشتاء ، إلا في يوم غيم فيؤخر… وذهبت المالكية إلى أن التعجيل أفضل صيفا وشتاء إلا لمن ينتظر جماعة … وذهب الشافعية إلى أنه إن كان يصلي وحده يعجل ، وإن كان يصلي بجماعة يؤخر حتى يكون للحيطان ظل يمشي فيه طالب الجماعة ، بشرط أن يكون في بلد حار كالحجاز, انتهى
قال الشربيني في مغني مغني المحتاج (1/126):
ويسن الإبراد بالظهر أي بصلاته أي تأخير فعلها عن أول وقتها في شدة الحر إلى أن يصير للحيطان ظل يمشي فيه طالب الجماعة لخبر الصحيحين إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة وفي رواية للبخاري بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم أي هيجانها وانتشار لهيبها أجارنا الله تعالى منها والحكمة فيه أن في التعجيل في شدة الحر مشقة تسلب الخشوع أو كماله فسن له التأخير كمن حضره طعام يتوق إليه أو دافعه الخبث وما ورد مما يخالف ذلك فمنسوخ ولا تؤخر عن نصف الوقت على الصحيح… والأصح اختصاصه أي الإبراد ببلد حار قال في البويطي كالحجاز وبعض العراق وجماعة نحو مسجد كرباط ومدرسة يقصدونه من بعد ويمشون إليه في الشمس فلا يسن الإبراد في غير شدة الحر ولو بقطر حار ولا في قطر معتدل أو بارد وإن اتفق فيه شدة الحر ولا لمن يصلي منفردا أو جماعة بيته أو بمحل حضره جماعة لا يأتيهم غيرهم أو يأتيهم غيرهم من قرب أو بعد لكن يجد ظلا يمشي فيه إذ ليس في ذلك كبير مشقة نعم الإمام الحاضر في المسجد الذي يقصده الجماعة من بعد يسن له الإبراد اقتداء به صلى الله عليه وسلم. انتهى
– أخرج ابن أبي شيبة في المصنف 3307
عن عَبْد الْمَلِكِ، عَنْ أَبِيهِ أَبِي مَحْذُورَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: إِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ لَهُ: “يَا أَبَا مَحْذُورَةَ، إِنَّكَ بِأَرْضٍ حَارَّةٍ وَمَسْجِدٍ ضَاحٍ فَأَبْرِدْ، ثُمَّ أَبْرِدْ”. أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى 191 و 192 والفاكهي في أخبار مكة 1205 من طريق إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ: حَدَّثَنِي جَدِّي عَبْدُ الْمَلِكِ به
قَالَ إِبْرَاهِيمُ – أي ابن عبد العزيز راوي الأثر- : مُرَيْطَاهُ: أُنْثَوَيْهِ”.
“قال الأصمعي: المُرَيطاء ممدودة، وهي ما بين السُّرَّة إلى العانة”. نقله الإمام ابن كثير في مسند الفاروق.
– قال الترمذي: “وقد اختار قوم من أهل العلم تأخير صلاة الظهر في شدة الحر.وهو قول ابن المبارك، وأحمد، وإسحاق”. وقال الشافعي: “إنما الإبراد بصلاة الظهر إذا كان مسجدا ينتاب أهله من البعد، فأما المصلي وحده والذي يصلي في مسجد قومه فالذي أحب له أن لا يؤخر الصلاة في شدة الحر.
ومعنى من ذهب إلى تأخير الظهر في شدة الحر: هو أولى وأشبه بالاتباع.
وأما ما ذهب إليه الشافعي أن الرخصة لمن ينتاب من البعد والمشقة على الناس، فإن في حديث أبي ذر ما يدل على خلاف ما قال الشافعي.
قال أبو ذر: كنا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في سفر، فأذن بلال بصلاة الظهر، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: يا بلال أبرد، ثم أبرد.
فلو كان الأمر على ما ذهب إليه الشافعي لم يكن للإبراد في ذلك الوقت معنى لاجتماعهم في السفر، وكانوا لا يحتاجون أن ينتابوا من البعد”. انتهى كلام الترمذي
– قال ابن حجر بعد أن نقل كلام الترمذي السابق: وَتَعَقَّبَهُ الْكِرْمَانِيُّ بِأَنَّ الْعَادَةَ فِي الْعَسْكَرِ الْكَثِيرِ تَفْرِقَتُهُمْ فِي أَطْرَافِ الْمَنْزِلِ لِلتَّخْفِيفِ وَطَلَبِ الرَّعْيِ فَلَا نُسَلِّمُ اجْتِمَاعَهُمْ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ. انْتَهَى. وَأَيْضًا فَلَمْ تَجْرِ عَادَتُهُمْ بِاتِّخَاذِ خِبَاءٍ كَبِيرٍ يَجْمَعُهُمْ بَلْ كَانُوا يَتَفَرَّقُونَ فِي ظِلَالِ الشَّجَرِ، وَلَيْسَ هُنَاكَ كِنٌّ يَمْشُونَ فِيهِ فَلَيْسَ فِي سِيَاقِ الْحَدِيثِ مَا يُخَالِفُ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ، وَغَايَتُهُ أَنَّهُ اسْتَنْبَطَ مِنَ النَّصِّ الْعَامِّ وَهُوَ الْأَمْرُ بِالْإِبْرَادِ مَعْنًى يُخَصِّصُهُ، وَذَلِكَ جَائِزٌ عَلَى الْأَصَحِّ فِي الْأُصُولِ لَكِنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ فِي ذَلِكَ تَأَذِّيهِمْ بِالْحَرِّ فِي طَرِيقِهِمْ وَلِلْمُتَمَسِّكِ بِعُمُومِهِ أَنْ يَقُولَ الْعِلَّةُ فِيهِ تَأَذِّيهِمْ بِحَرِّ الرَّمْضَاءِ فِي جِبَاهِهِمْ حَالَةَ السُّجُودِ وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أَنَسٍ: كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ بِالظَّهَائِرِ سَجَدْنَا عَلَى ثِيَابِنَا اتِّقَاءَ الْحَرِّ. رَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِمٍ.
– قال الاتيوبي بعد أن نقل الخلاف هل الإبراد للمنفرد وللجماعة:
“أرجح الأجوبة عندي جواب من قال بنسخ حديث خباب بحديث المغيرة -رضي الله عنه- الذي استدل به الطحاوي عليه، قال: كنا نصلي مع النبي ﷺ الظهر بالهاجرة، ثم قال لنا: «أبردوا بالصلاة»، وهو حديث رجاله ثقات، رواه أحمد، وابن ماجه، وصححه ابن حبان، ونقل الخلال عن أحمد أنه قال: هذا آخر الأمرين من رسول الله ﷺ. كما قاله الحافظ في «الفتح» جـ ٢ ص ٢١.
وقال في «التلخيص»: وسئل البخاري عنه، فعده محفوظًا، وذكر الميموني عن أحمد أنه رجح صحته، وكذا قال أبو حاتم الرازي: هو عندي صحيح. وأعله ابن معين بما رَوَى أبو عوانة عن طارق، عن قيس، عن عمر موقوفًا، وقال: لو كان عند قيس، عن المغيرة مرفوعًا، لم يفتقر إلى أن يحدث به عن عمر موقوفًا، وَقَوَّى ذلك عنده أن أبا عوانة أثبتُ من شريك. والله أعلم. اهـ جـ ١ ص ١٨١.
قال الجامع: فتبين بهذا كله أن الأكثرين على تصحيحه، ويؤيد ذلك ما تقدم؛ حديث أنس: «كان النبي ﷺ إذا كان البرد بَكَّر بالصلاة، وإذا كان الحر أبرد بالصلاة».
والحاصل: أن الراجح كون حديث خباب منسوخًا، وأن أرجح المذاهب مذهب من قال بالإبراد في اشتداد الحر مطلقًا، سواء كان جماعة، أو منفردًا، لقوة دليله. والله أعلم.
وقال العلامة الشوكاني بعد ذكر نحو ما تقدم: ولو نسلم جهل التاريخ، وعدم معرفة المتأخر لكانت أحاديث الإبراد أرجح، لأنها في الصحيحين، بل في جميع الأمهات بطرق متعددة، وحديث خباب في مسلم فقط، ولا شك أن المتفق عليه مقدم، وكذا ما جاء بطرق. اهـ «نيل الأوطار» جـ ٢ ص ٣٢ – ٣٣.
– وقد ترجم عليه البخاري فقال: “باب الإبراد بالظهر في السفر” حيث أخرج الحديث 539 من طريق آدم بن أبي إياس وفيه: “كنا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في سفر فأراد المؤذن أن يؤذن للظهر”.
والله أعلم…
نقولات لائمة أهل السنة في حمل لفظة فيح جهنم على ظاهرها :
استدل بعض علماء أهل السنة بهذا الحديث على وجود النار الآن مما يدل أنهم أخذوا بظاهر النص
ووجه الدلالة: لا يمكن أن يكون هذا الحر الشديد من فيح جهنم وهي لم تخلق بعد.
وقد ذكره الإمام ابو القاسم الاصبهاني في الحجة في بيان المحجة تحت فصل:
الرد على الجهمية الذين يقولون ان الجنة والنار لم تخلقا.
وقال ابن رجب الحنبلي في حديث ( فإن تلك الساعة تسعر فيها جهنم ) :
وهذا يدل على أن شدة الحر عقيب الزوال من أثر تسجرها (فتح الباري:٣/٦٨)
وهذا يدل على حمله على ظاهره.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
وأيضا: فإن ضبط هذا الوقت متعسر فقد ثبت في الصحيح أنه قال صلى الله عليه وسلم ” {إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم} وهذا حديث اتفق العلماء على صحته وتلقيه بالقبول فأخبر أن شدة الحر من فيح جهنم وهذا موافق لقوله: ” {فإنه حينئذ تسجر جهنم} وأمر بالإبراد فدل على أن الصلاة منهي عنها عند شدة الحر؛ لأنه من فيح جهنم. ففي الصيف تسجر نصف النهار فيكون النهي عن الصلاة نصف النهار في الحر وهو يؤمر بأن يؤخر الصلاة عن الزوال حتى يبرد لكن إذا زالت الشمس فاءت الأفياء فطالت الأظلة بعد تناهي قصرها وهذا مشروع في الإبراد فلهذا كانت الصلاة جائزة من حين الزوال (مجموع الفتاوى: 23/207)
يظهر من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه يرى الحديث على ظاهره لا على سبيل المجاز، إذ قال: “فأخبر أن شدة الحر من فيح جهنم، وهذا موافق لقوله فإنه حينئذ تسجر جهنم”
وهذا يدل بوضوح على أنه يثبت الصلة الحقيقية بين شدة الحر وتسجير جهنم، لا مجرد المشابهة في الوصف، لأن استشهاده بالآية جاء على سبيل التقرير والتعليل، لا على سبيل التمثيل البلاغي.
كما أن تعليله الفقهي بقوله: “وأمر بالإبراد، فدل على أن الصلاة منهي عنها عند شدة الحر؛ لأنه من فيح جهنم”
يؤكد أنه جعل سبب النهي أمرا حقيقيا غيبيا له أثر محسوس في الدنيا، لا مجرد استعارة لغوية.
وأيضا قوله رحمه الله: “ففي الصيف تسجر نصف النهار فيكون النهي عن الصلاة نصف النهار في الحر…”
يدل على أنه يفهم التسجير على وجه حقيقي كوني يحدث في زمن معين من اليوم، أي أن جهنم يشتد تسجيرها في نصف النهار زمن الحر، فينعكس أثر ذلك في الدنيا بحرارة محسوسة.
فكلامه منسجم مع منهجه المعروف في إقرار النصوص على ظاهرها ما لم توجد قرينة تصرفها عن حقيقتها، وهو منهج السلف في التعامل مع النصوص الغيبية.
قال العلامة المعلمي رحمه الله:
أنَّنا نُسلِّمُ عدمَ السَّجْر يوم الجمعة لما ذكرتم، وأمَّا التنفُّس فالظَّاهر أنَّها تتنفَّس يوم الجمعة كتنفُّسها في سائر الأيام, لأن في حديث “الصحيحين”: “فإنَّ شِدَّة الحَرِّ من فَيحِ جهنَّم” الحديث.
ومن المحسوس أنَّ الحَرَّ في يوم الجمعة لا يَخِفُّ عن الأيَّام التي قبله وبعده، بل هو موجودٌ فيه كما فيها، وهو من فَيْحِ جهنَّم بالنَّصِّ. اهـ. آثار الشيخ المعلمي (16/345)
وهذا النقاش الفقهي يبين لنا أن الشيخ يرى أن الحديث على ظاهره
قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله:
قوله: (من فيح جهنم) لا يعني أنها هي جهنم، فقوله: من فيحها، أي: من حرارتها، والإنسان إذا كان حول النار أصابه من حرها، لكن الحر الذي يصيبه من النار عند قربه منها ليس كالحر الذي يصيبه لو دخل فيها. (لقاء الباب المفتوح)
وهذا يدل أن الشيخ يرى أن الحديث على ظاهره وليس المقصود مجرد التشبيه للتنبيه على عظم النار.
وقال أيضا رحمه الله في حديث آخر لكنه من نفس الباب:
وهو الحديث الرابع فهو أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء الحمى هي المرض الذي يصيب الإنسان بالحرارة في جسمه هذه من فيح جهنم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم أما كيف وصل فيح جهنم إلى بدن الإنسان فهذا أمره إلى الله ولا نعرفه ما ندري لكن نقول كما قال النبي صلى الله عليه وسلم إن الحمى من فيح جهنم اهـ (شرح رياض الصالحين)
وقال الخضير غفر الله له:
((فإن شدة الحر من فيح جهنم، واشتكت النار إلى ربها)) اشتكت بلسان المقال أو بلسان الحال؟
نعم الأصل الحقيقة؛ لأنه يقول: ((فقالت)) وإن كان القول يطلق ويراد به الفعل، لكن الأصل في القول النطق، ((فقالت: رب)) يعني يا ربي، كما في الصحيحين وغيرهما، ويحذف حرف النداء، كما تقول: ربنا تقبل منا، يحذف بكثرة ((رب أكل بعضي بعضاً)) نار تلظى يأكل بعضها بعضاً ((فأذن لها -جل وعلا- بنفسين، نفس في الشتاء، ونفس في الصيف)) يعني فتحة تتنفس منها في الشتاء، فيخرج هذا البرد الشديد من أثر ذلك النفس، وفتحة تتنفس فيها أو من قبلها في الصيف.
من المحسوسات أنه إذا اشتد برد المكيف مثلاً في غرفة تنفس تفتح شيء من النافذة أو شيء من الباب من أجل أن يحصل شيء من النفس، وتخف البرودة الشديدة، مع أنه لا مقارنة ولا مناسبة، وشيء لا يخطر على البال، فيما أعد في جهنم لأهلها -نسأل الله السلامة والعافية-، كما أنه في الجنة أيضاً وما أعد لأهلها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. (شرح المحرر في الحديث)
وقال أيضا في حديث: ((فأذن الله لها … بنفسين، نفس في الشتاء ونفس في الصيف)) ولا شك أن النفس وهو المتنفس للشيء المكتوم، وهذا أمر محسوس، فيخرج منها هذا الحر الشديد من نفس الصيف، والبرد الشديد من نفس الشتاء من باب التنفيس عليها، فيكون نفساً، ومنه نفس الإنسان، ومنه تنفيس الكرب لأنها تخفف، ((فأذن لها بنفسين في كل عام، نفس في الشتاء ونفس في الصيف)) ويبينه الحديث الذي يليه، يقول: “وحدثنا مالك عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وعن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن أبي هريرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إذا اشتد الحر فأبردوا عن الصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم)) ” (شرح الموطأ له)
وقال أيضا: ((فإن شدة الحر من فيح جهنم)) يعني من سعة انتشارها وتنفسها، ومنه مكان أفيح أي متسع، وهذه كناية عن شدة استعارها في هذا الوقت، وإذا اشتد استعارها مع وجود النفس التي تتنفس فيه، لا شك أن الأثر يصل إلى الأرض فيتأذى بذلك أهلها. (شرح سنن الترمذي)
تنبيه ذكر الرازي في كتابه: فيه وجهان ،
ذكر انها اشتقت من جهنم وذكر المراد التشبيه ونقل ابن القيم ذلك عنه في زاد المعاد والطب النبوي ولم يعقب
وما ذكره الرازي ذكره الشيخ عبد المحسن العباد في شرح سنن أبي داود لكن ذكره بصيغة قيل:
قوله: (إن شدة الحر من فيح جهنم) فسر هذا القول بتفسيرين: أحدهما: أن ذلك حقيقة، وأن هذا الذي يوجد من شدة الحر إنما هو من جهنم، وما يوجد من شدة البرودة في الشتاء إنما هو من زمهرير جهنم. وقيل: إن المقصود من ذلك التشبيه، أي أن ذلك يشبه فيح جهنم، وهو ما يظهر وينتشر، فإن ذلك فيه حرارة كما أن ذاك فيه حرارة اهـ.
وكلام الرازي بأكمله هو هذا:
وفيه وجهان:
أحدهما: أن ذلك أنموذج ورقيقة اشتقت من جهنم ليستدل بها العباد عليها، ويعتبروا بها، ثم إن الله سبحانه قدر ظهورها بأسباب تقتضيها، كما أن الروح والفرح والسرور واللذة من نعيم الجنة أظهرها الله في هذه الدار عبرة ودلالة، وقدر ظهورها بأسباب توجبها.
والثاني: أن يكون المراد التشبيه، فشبه شدة الحمى ولهبها بفيح جهنم، وشبه شدة الحر به أيضا تنبيها للنفوس على شدة عذاب النار، وأن هذه الحرارة العظيمة مشبهة بفيحها، وهو ما يصيب من قرب منها من حرها. اهـ.
ويرد على الوجه الثاني:
أولا: لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: “كفيح جهنم” والمتبادر من “من” في هذا السياق هو الابتداء الحقيقي لا التشبيه، فالأصل في اللفظ أنه سبب حقيقي صادر منها، ولا حاجة للتأويل.
ثانيا: أن علماء السلف أوردوا الحديث في باب إثبات وجود جهنم الآن فلو كان الحديث على سبيل التشبيه فقط، لما صحّ الاحتجاج به في هذا الباب؛ لأن التشبيه لا يلزم وجود المشبَّه به الآن إذ المراد مجرد التشبيه بجهنم وإن لتكن الجهنم موجودة الآن