394 جامع الأجوبة الفقهية ص 430
شارك ناصر الريسي وأحمد بن علي وأحمد بن خالد وأسامة وعمر الشبلي وعدنان البلوشي
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف الشيخ د. سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى ، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وأن يبارك في ذرياتهم وذرياتنا )
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——-
بلوغ المرام
مسألة: هل تجب الصلاة على المجنون؟
صورة المسألة:
تتناول هذه المسألة حكم وجوب الصلاة على المجنون، أي إذا فقد شخص عقله بسبب الجنون لفترة من الزمن، فهل تلزمه الصلاة التي فاتته أثناء فترة الجنون إذا أفاق، أم تُسقط عنه هذه الصلوات ولا تلزمه قضاؤها؟
للعلماء في هذه المسألة قولين:
القول الأول: سقوط وجوب الصلاة عن المجنون مطلقًا، ولا يجب عليه قضاؤها، وهذا قول جمهور الفقهاء من الحنفية، المالكية، الشافعية، والحنابلة على أن المجنون لا تجب عليه الصلاة أثناء فترة الجنون، ولا يلزمه قضاؤها إذا أفاق. ويستند هذا القول إلى أن المجنون ليس مكلفًا خلال فترة فقدان العقل، حيث أن التكليف مرتبط بالعقل والقدرة على الوعي بالأحكام الشرعية.
القول الثاني: وجوب قضاء الصلاة على المجنون إذا كانت مدة الجنون قصير، وقال بهذا القول بعض الحنفية حسث ذهبوا إلى أنه إذا كانت مدة الجنون قصيرة بحيث لا تتجاوز يومًا أو يومين، فعليه قضاء الصلوات التي فاتته، أما إن طالت مدة الجنون فلا يلزمه القضاء. ويرى أصحاب هذا القول أن الجنون القصير يُشبه النوم أو الإغماء، فلا يُسقط التكليف تمامًا بل يستدعي القضاء في هذه الحالة.
أدلة القول الأول (سقوط وجوب الصلاة عن المجنون):
الأول حديث رفع القلم:
قال رسول الله ﷺ: “رُفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل” (رواه أبو داود). يدل هذا الحديث على أن المجنون غير مكلف بأداء العبادات، بما في ذلك الصلاة، لعدم وعيه وإدراكه.
الثاني الإجماع:
أجمعت المذاهب الأربعة على أن المجنون مرفوع عنه التكليف أثناء فقدان عقله، وبالتالي فلا تجب عليه الصلاة ولا يلزمه قضاؤها بعد الإفاقة، لأن تكليفه يسقط بانعدام أهلية العقل التي تُعد شرطًا رئيسيًا للالتزام بالعبادات. وسيأتي نقل بعض أهل العلم الإجماع على ذلك.
أدلة القول الثاني (وجوب القضاء إذا كانت مدة الجنون قصيرة):
الأول قياس الجنون القصير على الإغماء والنوم:
قاس بعض الفقهاء الجنون القصير على الإغماء أو النوم، حيث يكون فقدان الوعي فيه مؤقتًا، وبهذا يُعتبر فقدان الوعي لمدة قصيرة غير مسقط للواجبات، فيلزمه قضاء الصلاة التي فاتته.
الثاني دفع الحرج بالمشقة:
قال أصحاب هذا القول إن الجنون الطويل يُسقط وجوب القضاء للتخفيف عن المكلف ورفع المشقة، أما الجنون القصير فلا يُسقط الوجوب، ويُلزم المكلف بالقضاء عند الإفاقة.
قال الكاساني في “بدائع الصنائع” (1/71): “وأما المجنون إذا كان جنونه طويلًا سقطت عنه الصلاة اتفاقًا، وإن كان جنونه يومًا أو يومين لزمه القضاء عند بعض الحنفية، قياسًا على النائم”. انتهى
قال ابن رشد في “بداية المجتهد” (1/116): “أجمع العلماء على أن المجنون غير مكلف بالصلاة أثناء جنونه، ولا يجب عليه قضاء ما فاته عند الإفاقة؛ لأن عدم العقل يرفع التكليف، والله سبحانه وتعالى لا يُكلف نفسًا ما لا تطيق”. انتهى
قال الإمام النووي في “المجموع” (3/68): “اتفق أصحابنا على أن المجنون لا يلزمه قضاء الصلاة التي فاتته أثناء جنونه، لأنه ليس بمكلف، ولا يصح منه العبادة بدون عقل، وهذا إجماع”. انتهى
قال ابن قدامة في “المغني” (2/68): “المجنون لا يجب عليه قضاء الصلاة التي فاتته أثناء جنونه، لأن الجنون يرفع التكليف، ولا يمكنه أداء العبادة بدون عقل، وقد اتفق العلماء على عدم إلزامه بذلك”. انتهى
قال ابن حزم :
[لَا صَلَاة عَلَى مجنون وَلَا مغمى عَلَيْهِ وَلَا حائض وَلَا نفساء]
مَسْأَلَةٌ: وَلَا عَلَى مَجْنُونٍ، وَلَا مُغْمًى عَلَيْهِ، وَلَا حَائِضٍ، وَلَا نُفَسَاءَ، وَلَا قَضَاءَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ إلَّا مَا أَفَاقَ الْمَجْنُونُ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ؛ أَوْ طَهُرَتْ الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ فِي وَقْتٍ أَدْرَكُوا فِيهِ بَعْدَ الطَّهَارَةِ الدُّخُولَ فِي الصَّلَاةِ.
المحلى بالآثار ٢/٨ —
قال ابن باز في “مجموع فتاوى ابن باز” (12/246): “المجنون لا يلزمه قضاء الصلاة إذا أفاق، لأنه مرفوع عنه القلم بحكم فقدان العقل، وهذا متفق عليه بين العلماء، ولا يجب عليه قضاء ما فاته”. انتهى
قال ابن عثيمين في “فتاوى نور على الدرب” (4/122): “إذا أفاق المجنون فلا يلزمه قضاء الصلاة التي فاتته أثناء فترة فقدان عقله، لأن المجنون غير مكلف، وهذا مذهب الجمهور، والله أعلم”. انتهى
والله أعلم…