391 جامع الأجوبة الفقهية ص 428
مجموعة ناصر الريسي
وأحمد بن علي وعمر الشبلي وأحمد بن خالد
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف الشيخ د. سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى ، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وأن يبارك في ذرياتهم وذرياتنا )
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——-
بلوغ المرام
مسألة: إذا بلغ الصبي بعد أن صلى، فهل تلزمه إعادة الصلاة؟
تتعلق هذه المسألة بحكم الصبي الذي بلغ بعد أن أدى الصلاة كاملة في وقتها. فهل تلزمه إعادة الصلاة بعد بلوغه، أم أن صلاته صحيحة ولا حاجة للإعادة؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين اثنين:
القول الأول: وجوب إعادة الصلاة على الصبي إذا بلغ بعد أدائها، وإلى هذا ذهب جمهور العلماء من الحنفية والمالكية وبعض الحنابلة إلى أن الصبي إذا بلغ بعد أداء الصلاة، فإنه يلزمه إعادتها؛ لأن الصلاة التي أداها قبل البلوغ تعتبر نافلة في حقه، ولم يؤدِّ الفريضة بوصفه مكلفًا.
القول الثاني: عدم وجوب إعادة الصلاة على الصبي إذا بلغ بعد أدائها، وهذا مذهب الشافعي وأصحابه ومعهم ابن تيمية وبعض من الحنابلة إلى أنه لا تلزم إعادة الصلاة على الصبي إذا بلغ بعد أدائها
أدلة أصحاب الأقوال:
أدلة القول الأول (وجوب إعادة الصلاة):
الدليل الأول كون الصلاة نافلة قبل البلوغ:
استدل أصحاب هذا القول بأن الصلاة التي أداها الصبي قبل بلوغه تُعد نافلة؛ لأنه غير مكلف قبل البلوغ، فلا تفي بشرط الأداء الواجب على المكلف.
الدليل الثاني : القياس على الحج:
قاسوا الصلاة بالحج، حيث يلزم الصبي الذي أدى مناسك الحج قبل بلوغه أن يعيد الفريضة بعد البلوغ، واعتبروا أن الفريضة لا تتحقق إلا من المكلفين بعد البلوغ.
ورد على هذا القياس:
قال النووي: “الجواب عن قياسهم بالحج: أن الحج غير مأمور به كالصلاة؛ فإنه يضرب على تركها”. فالحج لا يتكرر كل عام، أما الصلاة فهي عبادة يومية، ويترتب على تركها إثم، مما يجعل القياس بينهما غير دقيق.
الدليل الثالث :
يرى أصحاب هذا القول أن التكليف يبدأ عند البلوغ، وبالتالي لا تجزئ الصلاة التي أداها قبل ذلك عن الفريضة المطلوبة من المكلفين، فكما يجب على البالغ أداء الفريضة، يجب على الصبي إعادة الصلاة بعد بلوغه لأنها واجبة عليه بهذا الوصف.
أدلة القول الثاني (عدم وجوب إعادة الصلاة):
الدليل الأول أداء الصبي للصلاة على الوجه المطلوب:
استدل الشافعية ومن وافقهم بأن الصبي إذا صلى قبل بلوغه في وقت الصلاة فقد أدى العبادة في وقتها، مما يسقط عنه وجوب الإعادة بعد البلوغ؛ لأنه فعل ما كان عليه في الوقت المطلوب، وأسقط بذلك الفرض.
الدليل الثاني عدم وجود أمر بالإعادة عن الصحابة:
أشار الشيخ ابن عثيمين إلى أنه لم يُنقل عن الصحابة أنهم أمروا من بلغ في أثناء الوقت بإعادة الصلاة، مما يدل على أن الإعادة ليست واجبة، وأن ما فعله الصبي في وقته يُجزئ عنه بعد البلوغ.
قال الكاساني في بدائع الصنائع،(1/109): “لو بلغ الصبي أو أسلم الكافر في وقت صلاة، وقلنا بوجوب أداء هذه الصلاة عليه، فلا عبرة بالصلاة التي صلاها قبل البلوغ أو الإسلام”.
قال الدردير في الشرح الكبير (1/247): “الصبي الذي بلغ بعد أداء صلاة لا يُطالب بإعادتها؛ لأن العبادة وقعت منه على وجه شرعي”.
قال ابن قدامة في المغني (1/447): “الصلاة التي صلاها الصبي قبل بلوغه مجزئة عنه ولا تلزمه الإعادة، لأن رفع القلم عنه مستمر حتى البلوغ”.
قال الشيخ ابن عثيمين (فتاوى نور على الدرب): “الراجح أنه لا يعيد الصوم، ولا الصلاة؛ لأنه صلى وصام على الوجه الذي قد أُمر، فسقط عنه الطلب بالفعل، ويؤيد هذا أنه يقع كثيرًا، ولم يحفظ عن الصحابة أنهم يأمرون من بلغ في أثناء الوقت بالإعادة”.
قال النووي في المجموع (3/52):
(فَرْعٌ)
مَذْهَبُنَا الْمَشْهُورُ الْمَنْصُوصُ أَنَّ الصَّبِيَّ إذَا بَلَغَ فِي أَثْنَاءِ الْوَقْتِ وَقَدْ صَلَّى لَا يَلْزَمُهُ الْإِعَادَةُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ يَلْزَمُهُ إعَادَةُ الصَّلَاةِ دُونَ الطَّهَارَةِ وَقَالَ دَاوُد يَلْزَمُهُ إعَادَةُ الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ وَاحْتُجَّ لِأَبِي حَنِيفَةَ بان صلاته وقعت نقلا فَلَا تَنْقَلِبُ فَرْضًا وَقِيَاسًا عَلَى الْمُصَلِّي قَبْلَ الْوَقْتِ وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا بِأَنَّهُ أَدَّى وَظِيفَةَ يَوْمِهِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ وَقَوْلُهُمْ لَا تَنْقَلِبُ فَرْضًا نُوَافِقُهُمْ عَلَيْهِ فَنَقُولُ قَدْ صَلَّى
صَلَاةَ مِثْلِهِ وَوَقَعَتْ نَفْلًا وَامْتَنَعَ بِهِ وُجُوبُ الْفَرْضِ عَلَيْهِ لَا أَنَّهُ انْقَلَبَ فَرْضًا وَالْجَوَابُ عَنْ الْمُصَلِّي قَبْلَ
الْوَقْتِ أَنَّهُ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ وَلَا مَنْدُوبٍ إلَيْهِ وَلَا مَأْذُونٍ فِيهِ بخلاف
قال السمعاني:
(مسألة)
إذا صلى الصبي في أول الوقت ثم بلغ في آخره لا إعادة عليه عندنا.
وعندهم: عليه الإعادة وهو اختيار المزني.
والمسألة في نهاية الإشكال وهي واضحة للمخالفين، لأن المؤدي في أول الوقت نفل فإذا أدرك بالبلوغ آخر الوقت وجب فرض الوقت عليه…
الجواب :
والمعتمد في المسألة أن نقول: لم يدرك البلوغ وقت الوجوب فلا تجب عليه الصلاة كما لو بلغ بعد مضي الوقت.
وإنما قلنا ذلك، لأن الوقت غير مراد لعينه، وإنما هو مضروب للصلاة فإذا اتصل به الصلاة المضروب لها الوقت انتهى في حق المصلي، لأنه إذا كان إنما شرع لمعنى فإذا تم ذلك المعنى وانتهى لم يكن لبقاء الوقت معنى.
وهذا لأن وقت الصلاة بعد الفراغ عن الصلاة لا عمل له في معنى ما، فلم يكن وقت الصلاة بل كان زمانًا من الأزمنة مثل سائر الأزمنة.
فأما في حق غير المصلي فيبقى الوقت مشروعًا في حقه بظهور عمله وفائدته.
فإن قالوا: هذا الذي قلتم يستقيم في حق البالغ، لأنه أدى الفرض ولا يستقيم في حق غير البالغ، لأنه لم يؤد فرض الوقت فيبقى الوقت في حقه لطمع الأداء وترتيبه في ثاني الحال.
قلنا: هو قد أدى المشروع له الوقت، وهذا لأن الوقت شرع في حقه لصلاة يؤديها، فإذا أداها انتهى الوقت في حقه مثل ما ينتهي في حق البالغ، وهذا غاية الوسع.
والإشكال عظيم في المسألة، وقد تعلقوا بالحج إذا فعله الصبي ثم بلغ يلزمه وإنما ألزموه ذلك، لأن الواجب فريضة العمر فعين لفعله أكمل حالات الإنسان شرعًا ليجعل بفعله في هذه الحالة كالمستوعب لجميع عمره بفعله، وهذا لا يوجد في حال الصغر، لأنه حالة ناقصة ولا يمكن أن يجعل بفعله فيه بمنزلة المستوعب لجميع عمره بفعله. لأن الحالة الناقصة لا تنتظم الحالة الكاملة والحالة الكاملة جاز أن تنتظم الحالة الناقصة. والله أعلم. انتهى باختصار
الاصطلام . أبو المظفر السمعاني. فقه شافعي
والله أعلم
قال ابن تيمية :
قَالَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ: إنَّ الصَّبِيَّ إذَا صَلَّى ثُمَّ بَلَغَ لَمْ يُعِدْ الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّهَا تِلْكَ الصَّلَاةُ بِعَيْنِهَا سَابَقَ إلَيْهَا قَبْلَ وَقْتِهَا. وَهُوَ قَوْلٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد وَهَذَا الْقَوْلُ أَقْوَى مِنْ إيجَابِ الْإِعَادَةِ. وَمَنْ أَوْجَبَهَا قَاسَهُ عَلَى الْحَجِّ وَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ. كَمَا هُوَ مَبْسُوطٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي الْوُضُوءِ: هُوَ بِعَيْنِهِ فِي التَّيَمُّمِ. وَلِهَذَا كَانَ قَوْلُ الْعُلَمَاءِ: إنَّ التَّيَمُّمَ كَالْوُضُوءِ فَهُوَ طَهُورُ الْمُسْلِمِ مَا لَمْ يَجِدْ الْمَاءَ. وَإِنْ تَيَمَّمَ قَبْلَ الْوَقْتِ وَتَيَمَّمَ لِلنَّافِلَةِ فَيُصَلِّي بِهِ الْفَرِيضَةَ وَغَيْرَهَا؛ كَمَا هُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَهُوَ مَذْهَبُ كَثِيرٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ: أَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِ وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ عَنْ أَحْمَد. وَالْقَوْلُ الْآخَرُ – وَهُوَ التَّيَمُّمُ لِكُلِّ صَلَاةٍ – هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد. وَهُوَ قَوْلٌ لَمْ يَثْبُتْ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ. فَالْآيَةُ مُحْكَمَةٌ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. وَهِيَ عَلَى مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ كُلَّ قَائِمٍ إلَى الصَّلَاةِ فَهُوَ مَأْمُورٌ بِالْوُضُوءِ.
مجموع الفتاوى ٢١/٣٧٧ — ابن تيمية (ت ٧٢٨)