389 جامع الأجوبة الفقهية ص 428
جمع ناصر الريسي
وشارك أحمد بن علي ومانع الغيثي وأسامه الحميري
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف الشيخ د. سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى ، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وأن يبارك في ذرياتهم وذرياتنا )
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——-
بلوغ المرام
مسألة: إذا ارتد المسلم، فهل تحبط أعماله التي عملها في إسلامه؟
——-
أجمع العلماء على أن من ارتد عن الإسلام ثم مات على الكفر فإن عمله الذي عمله قبل اسلامه يحبط، وممن نقل الإجماع على ذلك الإمام النووي في المجموع (2/ 75): “الردة المتصلة بالموت تحبط العبادات بالنص والإجماع”. انتهى
وشيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال في مجموع الفتاوى (4/257): وأما الردة عن الإسلام بأن يصير الرجل كافراً مشركاً أو كتابيّاً : فإنه إذا مات على ذلك حبط عمله باتفاق العلماء. انتهى
ولو ارتد ثم عاد للإسلام فكون أعماله التي عملها قبل الردة يحبطها اللَّه تعالى أم لا هذه المسألة اختلف العلماء فيها على قولين:
الأول: أن أعماله تحبط فقط إذا استمر بردته إلى أن مات على الكفر. وهذا قول الشافعي وأحمد في رواية والظاهرية
القول الثاني: أنها تحبط بمجرد الإرتداد حتى لو أسلم بعد ردته قبل أن يموت فإن أعماله التي فعلها قبل ردته إحبطت. وبهذا قال أبو حنيفة ومالك وأحمد في رواية
والمراد بحبوط الأعمال: أي صارت أعمالهم الحسنة التي عملوها في حالة الإسلام فاسدة بمنزلة ما لم تكن. قيل وأصل الحبط فساد يلحق الماشية بأكل الحباط وهو ضرب من الكلأ مضر وفي النهاية أحبط الله تعالى عمله أبطله، يقال: حبط عمله وأحبط وأحبطه غيره وهو من قولهم حبطت الدابة حبطاً بالتحريك إذا أصابت مرعى طيباً فأفرطت في الأكل حتى تنتفخ فتموت وقرء حبطت بالفتح وهو لغة فيه. انظر: تفسير الألوسي (1/505)
استدل أصحاب القول الأول:
الأول: قول الله تعالى 🙁 وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ ).
وجه الدلالة: أنه علق الحبوط بشرطين الردة والموت عليها والمعلق بشرطين لا يثبت بأحدهما.
الثاني: قالوا: أن الآية التي احتجوا بها وهي قوله تعالى 🙁 لَئِنْ أَشْرَكْتَ ليَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ) أن هذه الأية مطلقة والأية التي استدللنا بهلا مقيدة فيحمل المطلق على المقيد.
استدل أصحاب القول الثاني:
الأول: قول الله تعالى 🙁 لَئِنْ أَشْرَكْتَ ليَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ) وقالوا : هو خطاب للنبي – صلى الله عليه وسلم – والمراد به أمته لأنه – صلى الله عليه وسلم – يستحيل منه الردة شرعاً.
وأجيب عنه: بأنه خطاب للنبي – صلى الله عليه وسلم – على طريق التغليظ على الأمة وبيان أن النبي – صلى الله عليه وسلم – على شرف منزلته لو أشرك لحبط عمله فكيف أنتم ؟ لكنه لا يشرك لفضل مرتبته، كما قال الله تعالى : ( يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ) وذلك لشرف منزلتهن وإلا فلا يتصور إتيان فاحشة منهن صيانة لصاحبهن المكرم المعظم، قال ابن عباس حين قرأ 🙁 ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا) والله ما بغت امرأة نبي قط ولكنهما كفرتا.
ورد عليهم: إنما ذكر الموافاة شرطاً هاهنا لأنه علق عليها الخلود في النار جزاءً فمن وافى كافراً خلّده الله في النار بهذه الآية ومن أشرك حبط عمله بالآية الأخرى ، فهما آيتان مفيدتان لمعنيين مختلفين وحكمين متغايرين وما خوطب به النبي – صلى الله عليه وسلم – فهو لأمته حتى يثبت اختصاصه به وما ورد في أزواجه – صلى الله عليه وسلم -فإنما قيل ذلك فيهن ليبين أنه لو تصور لكان هتكاً لحرمة الدين وحرمة النبي – صلى الله عليه وسلم – ولكل هتك حرمة عقاب وينزل ذلك منزلة من عصى في شهر حرام أو في البلد الحرام أو في المسجد الحرام فإن العذاب يضاعف عليه بعدد ما هتك من الحرمات والله الواقي لا رب غيره. انظر: أحكام القرآن لابن العربي المالكي (1/147-148).
قال الإمام النووي في المجموع (7/9): ومن حج ثم ارتد ثم أسلم لم يلزمه الحج بل يجزئه حجته السابقة عندنا وقال أبو حنيفة وآخرون يلزمه الحج ومبنى الخلاف على أن الردة متى تحبط العمل ؟ فعندهم تحبطه في الحال سواء أسلم بعدها أم لا فيصير كمن لم يحج . وعندنا لا تحبطه إلا إذا اتصلت بالموت لقوله تعالى : ( وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ ).انتهى
قال القرطبي: قال القشيري: فمن ارتد؛ لم تنفعه طاعاته السابقة، ولكن إحباط الردة العمل مشروط بالوفاة على الكفر، ولهذا قال:”من يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم” فالمطلق ها هنا محمول على المقيد، ولهذا قلنا: من حج ثم ارتد، ثم عاد إلى الإسلام، لا يجب عليه إعادة الحج. قلت: هذا مذهب الشافعي، وعند مالك تجب عليه الإعادة. انتهى.
تفسير القرطبي = الجامع لأحكام القرآن ١٥/٢٧٧
قال العليمي -الحنبلي- في تفسير قوله تعالى: فيمت وهو كافر {البقرة:217}: في هذا دليل للشافعي وأحمد أن الردة لا تحبط العمل حتى يموت مرتدا، وأبو حنيفة ومالك يبطلانه بالردة، وإن رجع مسلما. انتهى.
وقال الشيخ الشنقيطي في أضواء البيان (2/6): ومقتضى الأصول حمل هذا المطلق على هذا المقيد فيقيد إحباط العمل بالموت على الكفر وهو قول الشافعي ومن وافقه خلافاً لمالك القائل بإحباط الردة العمل مطلقاً. انتهى
قال ابن باز في جواب على سؤال حول حبزط العمل :
نعم إذا أسلم وتاب تاب الله عليه، وأبقى له عمله السابق، وإنما تبطل أعماله إذا مات على الردة … كما قال النبي ﷺ لحكيم بن حزام: أسلمت على ما أسلفت من خير والله يقول -جل وعلا-: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ [البقرة:161] فشرط في بطلان أعمالهم أن يموتوا وهم كفار، فلا بد من هذا الشرط.
ولهذا قال في الآية الأخرى: فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ [البقرة:217]
وقال ابن باز أيضا :
ولأن الصحابة رضي الله عنهم لم يأمروا من أسلم من المرتدين في زمن أبى بكر الصديق رضي الله عنه وغيره بقضاء ما تركوا من الصلاة والصوم، وهم أعلم الناس بشريعة الله بعد نبيهم عليه الصلاة والسلام، ولأن في إلزامه بقضاء ما ترك من الصلاة والصوم تنفيرًا له من العودة إلى الإسلام، وهكذا الزكاة لا يقضي ما ترك منها؛ لأنها إنما تصح من المسلم، ولا يطالب بها سواه فهي كالصلاة والصوم
نشر في مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، العدد الثاني، السنة السابعة عام 1394 هـ. (مجموع فتاوى ومقالات الشيخ ابن باز 28/222).
موقع الشيخ ابن باز
قال ابن عثيمين :
هل يحبط العمل بمجرد الردة أم لا بد من شرط؟
الجواب: لا بد من شرط، وهو أن يموت على ردته، قال الله تعالى: (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) (البقرة: الآية ٢١٧). أما لو ارتد، ثم مَنَّ الله عليه بالرجوع إلى الإسلام، فإنه يعود عليه عمله الصالح السابق للردة.
تفسير العثيمين: الكهف ١/١٤٦
تنبيه : لا يجوز أن يرتد الشخص ثم يدخل في الإسلام لتمحى ذنوبه . ففي بعض الفتاوى :
وأما إن كان المقصود السؤال عن شخص ارتد ليعود إلى الإسلام؛ فتغفر ذنوبه، لكون الإسلام يهدم ما كان قبله.
فقد ارتكب هذا الشخص خطأ عظيما جدا، ومخاطرة كبيرة، وما كان يؤمنه أن يموت في حال ردته، فيخلد في النار -والعياذ بالله- أو أن يطبع الله على قلبه، فلا يتوب من تلك الردة.
وقد كان يكفيه أن يتوب إلى الله من ذنوبه توبة نصوحا، فتمحو توبته كل ذنوبه، كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: التائب من الذنب، كمن لا ذنب له. رواه ابن ماجه.
فإذا تاب هذا الشخص وعاد إلى الإسلام بعد ردته، وتاب من ذنوبه تلك؛ فيرجى أن يتوب الله عليه ويتجاوز عنه، والله ذو الفضل العظيم.
والله أعلم.