(34 ) فتح ذي النعم بالبدر الأتم شرح صحيح مسلم
مجموعة: أحمد بن علي ، ومحمد البلوشي ، وأسامة الحميري ، ومحمد البلوشي ، وعمر الشبلي ، و أحمد بن خالد ، وعدنان البلوشي
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وأن يبارك في ذرياتهم وذرياتنا)
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
34 – فتح ذي النعم بالبدر الأتم شرح صحيح مسلم
جاء في صحيح الإمام مسلم رحمه الله من (٥٦) – (كِتَابُ: الإيمان)، (١٣) – بَابٌ: ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا
وقال الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى:
٥٦ – (٣٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ، وَبِشْرُ بْنُ الْحَكَمِ قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ، وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيُّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْهَادِ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا ».
==========
أولاً: شرح الحديث، وبيان مفرداته:
قال الحافظ النووي رحمة الله عليه: “بَابٌ: ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا”. وفي نسخة – دار الإحياء – : “باب الدليل على أن مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ ﷺ رسولا، فهو مؤمن، ولإن [وإن] ارتكب المعاصي الكبائر”.
وبوب الإتيوبي في شرحه على الحديث “(١٣) – (بَابٌ ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ مَنْ رَضِي بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ – ﷺ – رَسُولًا)”.
قال الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى:
[١٥٩] (٣٤) -الحديث
شرح الحديث:
يَقُولُ: «ذَاقَ) أي: وجد، وأدرك انتهى [»المصباح المنير” ١/ ٢١١].
وقال الراغب الأصبهانيّ: الذَّوْقُ وجود الطعم في الفم، وأصله فيما يَقِلّ تناوله، فإذا كثُر يقال له: الأكلُ، فاستعمل في التنزيل بمعنى الإصابة، إما في الرحمة، كقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً﴾ الآية [هود: ٩]، وإما في العذاب، نحو قوله تعالى: ﴿لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ الآية [النساء: ٥٦]، وقال غيره: الذوق: ضُرِب مثلًا لما ينالون عند رسول الله – ﷺ – من الخير، قال أبو بكر الأنباريّ: أراد لا يتفرّقون إلا عن علم يتعلّمونه، يقوم لهم مقام الطعام والشراب؛ لأنه – ﷺ – كان يحفظ أرواحهم كما يَحفَظ الطعام أجسامهم.
(طَعْمَ الإِيمَانِ) بفتح الطاء، وسكون العين المهملة، .
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: قوله: «ذاق طعم الإيمان»: أي: وجد حلاوته، كما في حديث أنس – رضي الله عنه -: «ثلاثٌ من كنّ فيه وَجَدَ حلاوة الإيمان»، وهي عبارة عمّا يجده المؤمن المحقِّق في إيمانه المطمئنّ قلبه به، من انشراح صدره، وتنويره بمعرفة الله تعالى، ومعرفة رسوله – ﷺ -، ومعرفة منّة الله تعالى عليه في أن أنعم عليه بالإسلام، ونَظَمَه في سلك أمة محمد – ﷺ – خير الأنام، وحَبَّبَ إليه الإيمان والمؤمنين، وبَغَّضَ إليه الكفر والكافرين، وأنجاه من قبيح أفعالهم، ورَكَاكة أحوالهم، وعند مطالعة هذه المنن، والوقوف على تفاصيل تلك النعم، تطير القلوب فَرَحًا وسُرُورًا، وتمتلئ إشراقًا ونورًا، فيا لها من حلاوة ما ألذّها! وحالة ما أشرفها!،
فنسأل الله تعالى أن يمنّ بدوامها وكمالها، كما منّ بابتدائها وحُصُولها، فإن المؤمن عند تذكّر تلك النعم والمنن لا يخلو عن إدراك تلك الحلاوة، غير أن المؤمنين في تمكّنها ودوامها متفاوتون، وما منهم إلا وله منها شِرْبٌ معلوم، وذلك بحسب ما قُسِم لهم من هذه المجاهدة الرياضيّة، والْمِنَح الربّانيّة. انتهى [«المفهم» ١/ ٢١٠].
(مَنْ رَضِيَ) بكسر الضاد المعجمة، من باب تَعِب (بِاللهِ) تعالى (رَبًّا، وَبِالإِسْلَامِ دينًا، وَبِمُحَمَّدٍ – ﷺ – رَسُولًا») انتصاب «ربًّا»، و«دينًا»، و«رسولًا» على الحال، ويجوز كونه على التمييز.
قال صاحب «التحرير» رحمه الله تعالى: معنى رَضِيتُ بالشيء: قَنِعْتُ به، واكتفيتُ به، ولم أطلب معه غيرَه،
فمعنى الحديث: لم يطلُب غير الله تعالى، ولم يَسْعَ في غير طريقِ الإسلام، ولم يَسْلُك إلا ما يوافق شريعة محمد – ﷺ -، ولا شكّ في أن من كانت هذه صفته، فقد خَلَصَت حلاوة الإيمان إلى قلبه، وذاق طعمه. انتهى [راجع: «شرح النوويّ» ٢/ ٢].
وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: معنى الحديث: صَحّ إيمانه، واطمأنّت به نفسه، وخامر باطنَهُ؛ لأن رضاه بالله عز وجل ربًّا، وبمحمّد – ﷺ – نبيًّا، وبالإسلام دينًا دليلٌ على ثبوت معرفته، ونفاذ بصيرته بما رضي به من ذلك، ومخالطة بشاشته قلبَهُ، وذلك كالحديث الآخر: «وجد حلاوة الإيمان من كان الله ورسول الله أحبّ إليه مما سواهما …» الحديث،
وذلك أن الإنسان إذا رَضِيَ أمرًا، واستحسنه، سَهُل عليه أمره، ولم يشقّ عليه شيء منه، فكذلك المؤمن إذا دَخَل قلبه الإيمان سَهُلت عليه طاعاتُ ربّه عز وجل، ولَذّت له، ولم يشُقّ عليه مُعاناتها. انتهى [«إكمال المعلم» ١/ ٢٦٢ – ٢٦٣].
وقال الأبيّ رحمه الله تعالى: فإن قلت: معرفة الله سبحانه وتعالى، واستحلاء الإيمان به هما الغاية، فلو أريدا في الحديث لم يُعبّر عنهما بالذّوْق؛ إذ لا يُعبّر عن غاية الشيء بمبدئه؛ لأن الذّوق مبدأ الفعل.
قلت: الذوق إنما هو مبدأ الفعل إذا استُعمل في المحسوسات، كذوق الطعام، أما إذا استُعمل في المعاني كما هنا، فإنما هو كناية عن كمال الإدراك، وأنت تعرف أن الرضا بالله تعالى يستلزم الرضا عنه. انتهى [«شرح الأبيّ» ١/ ١٢٩].
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى: قوله: «مَنْ رضي بالله ربًّا …» الحديث: الرضا بهذه الأمور الثلاثة على قسمين:
رضًا عامّ، وهو أن لا يتّخذ غير الله تعالى ربًّا، ولا غير دين الإسلام دينًا، ولا غير محمد – ﷺ – رسولًا، وهذا الرضا لا يخلو عنه مسلم؛ إذ لا يصحّ التديّن بدين الإسلام إلا بهذا الرضا.
ورضًا خاصّ، وهو الذي تكلّم فيه أرباب القلوب،
وهو ينقسم على قسمين:
رضًا بهذه الأمور، ورضًا عن مجريها تعالى، كما قال أبو عبد الله بن خفيف [قال الإتيوبي: “هو محمد بن خفيف الشيرازيّ، من مشايخ الصوفيّة، توفي سنة (٢٩٥ هـ)”. انتهى]: الرضا قسمان: رضًا به، ورضًا عنه، فالرضا به مدبّرًا، والرضا عنه فيما قضى، وقال أيضًا: هو سكون القلب إلى أحكام الربّ، وموافقته على ما رضِيَ واختار، وقال الجنيد: الرضا دفع الاختيار، وقال المحاسبيّ: هو سكون القلب تحت مجاري الأحكام، وقال أبو عليّ الروذباريّ: ليس الرضا أن لا يُحسّ بالبلاء، إنما الرضا أن لا يعترض على الحكم.
قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: وما ذكره هؤلاء المشايخ هو مبدأ الرضا عندهم، وقد ينتهي الرضا إلى ما قاله النوريّ: هو سرور القلب بمرّ القضاء، وسُئلت رابعة عن الرضا، فقالت: إذا سرّته المصيبة كما سرّته النعمة.
قال: وقد غلا بعضهم، وهو أبو سليمان الدارانيّ، فقال: أرجو أن أكون عرفتُ طرفًا من الرضا، لو أنه أدخلني النار لكنت به راضيًا، وقال رويم: الرضا هو لو جَعَل جهنم عن يمينه، ما سأل أن يحوّل عن شماله.
قال القرطبيّ: وهذا غلوّ، وفيه إشكال.
قال الإتيوبي عفا الله تعالى عنه: قد أحسن القرطبي في اعتراضه المذكور، فإن هذا مخالف لهدي رسول الله – ﷺ – الذي أرسله الله تعالى لهداية الخلق إلى الصراط المستقيم، وهو الذي حقّق مقام الرضا عن الله سبحانه وتعالى بكامل معناه،
وكان من هديه أنه يستعيذ من النار، وما أكثر ما كان يستعيذ منها، ويسأل الله تعالى أن يبعده عنها، وُيدخله الجنّة، وأمر أمته بذلك، فقال: «إذا تشهّد أحدكم، فليستعذ بالله من أربع، يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر فتنة المسيح الدجال»، متّفقٌ عليه، وعلَّم النبيّ – ﷺ – عائشة، لما سألته عن الجوامع الكوامل من الدعاء، فقال لها: «قولي: اللهم إني أسألك من الخير كله عاجله وآجله، ما علمت منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله، ما علمت منه وما لم أعلم، وأسألك الجنة وما قرّب إليها من قول أو عمل، وأعوذ بك من النار وما قرّب إليها من قول أو عمل، وأسألك من خير ما سألك عبدك ورسولك محمد – ﷺ -، وأستعيذك مما استعاذك منه عبدك ورسولك محمد – ﷺ -، وأسألك ما قضيت لي من أمر أن تجعل عاقبته رشدًا» [أخرجه أحمد في «مسنده» رقم (٢٣٩٨٤) بإسناد صحيح].
فهذا الذي قاله هؤلاء في معنى الرضا مخالف لهذا الهدي الذي لا هدي فوقه، فإن خير الهدي هدي محمد – ﷺ -، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلّ محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، فعليك بالسنّة، ودع المحدثات، تَنْجُ في الدنيا والآخرة، وتَسْعَد في المحيا والممات.
وبالجملة فالرضا بالله تعالى لا ينافي الاستعاذة من النار، والخوف من عذاب الله تعالى، فلا تلتفت إلى ما يُخالف هذا، اللهم أرنا الحقّ حقًّا، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا، وارزقنا اجتنابه، آمين.
قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: وعلى الجملة فالرضا باب الله الأعظم، وفيه جماع الخير كلّه، كما قال عمر لأبي موسى – رضي الله عنهما -: أما بعد؛ فإن الخير كلّه في الرضا، فإن استطعت أن ترضى، وإلا فاصبر. انتهى [«المفهم» ١/ ٢١٠ – ٢١١]..
وحديث العباس بن عبد المطّلب – رضي الله عنه – هذا مما انفرد به المصنّف عن البخاريّ رحمهما الله تعالى. [البحر المحيط الثجاج، بتصرف].
ثانيًا: فقه الحديث (أحكام ومسائل وملحقات):
(المسألة الأولى): الرضا
(المطلب الأول): تعريفه لغة واصطلاحا:
1- الرضا لغة:
الرّضا مصدر رضي يرضى وهو مأخوذ من مادّة (ر ض و) الّتي تدلّ على خلاف السّخط. وفي حديث الدّعاء: اللهمّ إنّي أعوذ برضاك من سخطك.
وقوله عز وجل: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ (البيّنة/ ٨) معناه أنّ الله تعالى رضي عنهم أفعالهم ورضوا عنه ما جازاهم به.
وقال الرّاغب: رضا العبد عن الله أن لا يكره ما يجري به قضاؤه، ورضا الله عن العبد هو أن يراه مؤتمرا بأمره ومنتهيا عن نهيه. وأرضاه: أعطاه ما يرضى به. وترضّاه طلب رضاه، والرضوان الرضا الكثير ولمّا كان أعظم الرّضا رضا الله- سبحانه- خصّ لفظ الرّضوان في القرآن بما كان من الله عز وجل- قال سبحانه يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانًا (الفتح/ ٢٩)، وقال عزّ من قائل يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ (التوبة/ ٢١) .
[لسان العرب لابن منظور (١٤/ ٣٢٤)، والصحاح للجوهري (٢٣٥٣) ومقاييس اللغة (٢/ ٤٠٢)، ومفردات الراغب (ص ١٩٧)].
2- الرضا اصطلاحا:
هو سرور القلب بمرّ القضاء. وقيل: الرّضا ارتفاع الجزع في أيّ حكم كان، وقيل الرّضا هو صحّة العلم الواصل إلى القلب. فإذا باشر القلب حقيقة العلم أدّاه إلى الرّضا.
وقيل استقبال الأحكام بالفرح. وقيل: سكون القلب تحت مجاري الأحكام. وهو ترك السّخط [التعريفات للجرجاني (ص ١١١)، مدارج السالكين لابن القيم (٢/ ١٨٥)، والتوقيف على مهمات التعاريف للمناوى (ص ١٧٨)].
وقال المناويّ: الرّضا طيب نفسيّ للإنسان بما يصيبه أو يفوته مع عدم التّغيّر، وقول الفقهاء يشهد على رضاها أي إذنها جعلوا الإذن رضا لدلالته عليه. [نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم (6/ 2103 – 2104)].
(المطلب الثاني): أنواع الرضا:
قال شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله-:
من لزم ما يرضي الله من امتثال أوامره واجتناب نواهيه لا سيّما إذا قام بواجبها ومستحبّها فإنّ الله يرضى عنه، كما أنّ من لزم محبوبات الحقّ أحبّه الله. كما قال في الحديث الصّحيح الّذي في البخاريّ: «من عادى لي وليّا فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرّب إليّ عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنّوافل حتّى أحبّه فإذا أحببته …» الحديث. وذلك أنّ الرّضا نوعان:
أحدهما: الرّضا بفعل ما أمر به وترك ما نهي عنه. ويتناول ما أباحه الله من غير تعدّ محظور.
(وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ راغِبُونَ )(التوبة/ ٥٩) . وهذا الرّضا واجب.
ولهذا ذمّ من تركه بقوله: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ* وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ …)
(التوبة/ ٥٨- ٥٩) .
والنّوع الثّاني: الرضا بالمصائب: كالفقر والمرض والذّلّ. فهذا رضا مستحبّ في أحد قولي العلماء، وليس بواجب، وقد قيل: إنّه واجب، والصّحيح أنّ الواجب هو الصّبر. كما قال الحسن:
الرّضا غريزة، ولكنّ الصّبر معوّل المؤمن. وقد روي في حديث ابن عبّاس أنّ النّبيّ ﷺ قال: «إن استطعت أن تعمّ بالرّضا مع اليقين فافعل، فإن لم تستطع فإنّ في الصّبر على ما تكره خيرا كثيرا» الضعيفة 5107 . وأمّا الرّضا بالكفر والفسوق والعصيان: فالّذي عليه أئمّة الدين أنّه لا يرضى بذلك، فإنّ الله لا يرضاه كما قال: (وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ )(الزمر/ ٧)، وقال: (وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ )(البقرة/ ٢٠٥)، وقال تعالى: (فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ )(التوبة/ ٩٦) [الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية (١٠/ ٦٨٣’ ٦٨١)].
قال ابن القيّم رحمه الله- بعد أن ساق حديثين: الأوّل: قوله ﷺ: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربّا وبالإسلام دينا وبمحمّد رسولا» .
والثّاني: قوله: «من قال حين يسمع النّداء رضيت بالله ربّا وبالإسلام دينا وبمحمّد رسولا غفرت له ذنوبه» . قال رحمه الله-: هذان الحديثان عليهما مدار مقامات الدّين، وإليهما ينتهي. وقد تضمّنا الرّضا بربوبيّته سبحانه وألوهيّته. والرّضا برسوله، والانقياد له، والرّضا بدينه والتّسليم له.
ومن اجتمعت له هذه الأربعة فهو الصّدّيق حقّا.
وهي سهلة بالدّعوى واللّسان، وهي من أصعب الأمور عند حقيقة الامتحان. ولا سيّما إذا جاء ما يخالف هوى النّفس ومرادها، من ذلك تبيّن [“هكذا في الأصل ولعلّ المراد: ومن تبيّن أنّ الرّضا”] أنّ الرّضا كان لسانه به ناطقا. فهو على لسانه لا على حاله.
فالرّضا بإلهيّته يتضمّن الرّضا بمحبّته وحده، وخوفه، ورجائه، والإنابة إليه، والتّبتّل إليه، وانجذاب قوى الإرادة والحبّ كلّها إليه، فعل الرّاضي بمحبوبه كلّ الرّضا. وذلك يتضمّن عبادته والإخلاص له، والرّضا بربوبيّته يتضمّن الرّضا بتدبيره لعبده. ويتضمّن إفراده بالتّوكّل عليه، وبالاستعانة به والثّقة به، والاعتماد عليه، وأن يكون راضيا بكلّ ما يفعل به. فالأوّل: يتضمّن رضاه بما يؤمر به. والثّاني: يتضمّن رضاه بما يقدّره عليه.
وأمّا الرّضا بنبيّه رسولا فيتضمّن كمال الانقياد له، والتّسليم المطلق إليه، بحيث يكون أولى به من نفسه، فلا يتلقّى الهدى إلّا من مواقع كلماته ولا يحاكم إلّا إليه، ولا يحكّم عليه غيره، ولا يرضى بحكم غيره البتّة. لا في شيء من أحكام ظاهره وباطنه، ولا يرضى في ذلك بحكم غيره ولا يرضى إلّا بحكمه.
فإن عجز عنه كان تحكيمه غيره من باب غذاء المضطّرّ إذا لم يجد ما يقيته إلّا من الميتة والدّم. وأحسن أحواله:
أن يكون من باب التّراب الّذي إنّما يتيمّم به عند العجز عن استعمال الماء الطّهور.
وأمّا الرّضا بدينه: فإذا قال، أو حكم، أو أمر، أو نهى، رضي كلّ الرّضا، ولم يبق في قلبه حرج من حكمه وسلّم له تسليما، ولو كان مخالفا لمراد نفسه أو هواها، أو قول مقلّده وشيخه وطائفته [مدارج السالكين لابن القيم (٢/ ١٧٩، ١٨٠) وراجع: بصائر ذوى التمييز (٣/ ٧٩- ٨١)]. [نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم (6/ 2104 – 2105)].
(المطلب الثالث): درجات الإيمان:
الإيمان له طعم، وله حلاوة، وله حقيقة.
١ – أما طعم الإيمان، فبَيَّنه النبي – ﷺ – بقوله: «ذَاقَ طَعْمَ الإيْمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإسْلامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا». أخرجه مسلم.
٢ – وأما حلاوة الإيمان، فبيَّنها النبي – ﷺ – بقوله: «ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيْهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإيْمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ المَرْءَ لا يُحِبُّهُ إلا للهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّار». متفق عليه.
٣ – وأما حقيقة الإيمان، فتحصل لمن كان عنده كمال اليقين وحقيقة الدين، وقام بجهد الدين، عبادةً ودعوة، هجرة ونصرة، جهادًا وإنفاقًا.
١ – قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال /٢ – ٤].
٢ – وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٧٤)﴾ [الأنفال/٧٤].
٣ – وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات /١٥].
– لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. [مختصر الفقه الإسلامي، (38 – 39)].
(المطلب الرابع): الأحاديث والأقوال في الرضا:
أولاً: الأحاديث الواردة في (الرضا) معنى:
1-* (عن أبي هريرة رضي الله عنه – أنّ رسول الله ﷺ قال لنسوة من الأنصار: «لا يموت لإحداكنّ ثلاثة من الولد فتحتسبه إلّا دخلت الجنّة» . فقالت امرأة منهنّ: أو اثنين يا رسول الله؟. قال: «أو اثنين») [البخاري- الفتح ٣ (١٢٤٩)، ومسلم (٢٦٣٢) واللفظ له].
2-* (عن أمّ سلمة رضي الله عنها- أنّها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من مسلم تصيبه مصيبة فيقول ما أمره الله: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، اللهمّ أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها. إلّا أخلف الله له خيرا منها») [مسلم (٩١٨)].
3-* (عن أنس رضي الله عنه- قال:
أصيب حارثة يوم بدر- وهو غلام- فجاءت أمّه إلى النّبيّ ﷺ، فقالت: يا رسول الله، قد عرفت منزلة حارثة منّي، فإن يك في الجنّة أصبر وأحتسب. وإن تكن الأخرى ترى ما أصنع؟. فقال: «ويحك. أو هبلت – أوجنّة واحدة هي؟. إنّها جنان كثيرة، وإنّه لفي جنّة الفردوس») [البخاري- الفتح ١١ (٦٥٥٠) ].
4-* (عن أبي موسى الأشعريّ رضي الله عنه- أنّ رسول الله ﷺ قال «إذا مات ولد العبد، قال الله لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم فيقول:
قبضتم ثمرة فؤاده، فيقولون: نعم، فيقول: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع. فيقول الله: ابنوا لعبدي بيتا في الجنّة وسمّوه بيت الحمد») [الترمذي (١٠٢١) وحسّن إسناده الألباني].
5-* (عن سعد بن أبي وقّاص رضي الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ: «عجبت من قضاء الله عز وجل- للمؤمن إن أصابه خير حمد ربّه وشكر، وإن أصابته مصيبة حمد ربّه وصبر. المؤمن يؤجر في كلّ شيء حتّى في اللّقمة يرفعها إلى فيّ امرأته») [أحمد (١/ ١٧٣، ١٧٧، ١٧٨) وشرح السنة (١٥٤٠) وقال مخرجه: إسناده حسن والبيهقي في السنن (٣/ ٣٧٥، ٣٧٦) والهيثمي في المجمع (٧/ ٢٠٩) وقال: رواه أحمد بأسانيد ورجالها كلها رجال الصحيح] .
6 -* (عن صهيب رضي الله عنه-: قال:
قال رسول الله ﷺ «عجبا لأمر المؤمن إنّ أمره كلّه خير، وليس ذاك لأحد إلّا للمؤمن. إن أصابته سرّاء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضرّاء صبر فكان خيرا له») [مسلم (٢٩٩٩)].
7-* (عن أبي هريرةرضي الله عنه- أنّ رسول الله ﷺ قال: «يقول الله تعالى: ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيّة من أهل الدّنيا ثمّ احتسبه إلّا الجنّة») [البخاري- الفتح ١١ (٦٤٢٤)].
ثانيا: المثل التطبيقي من حياة النبي ﷺ في (الرضا):
1-* (عن مالك بن صعصعة رضي الله عنه- أنّ نبي الله ﷺ حدّثه عن ليلة أسري به قال: «بينما أنا في الحطيم- وربّما قال في الحجر- مضطجعا، إذ أتاني آت فقدّ- قال: وسمعته يقول: فشقّ- ما بين هذه إلى هذه. فقلت للجارود وهو إلى جنبي: ما يعني به؟ قال: من ثغرة نحره إلى شعرته … الحديث. وفيه:
«ثمّ أتيت بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل، فأخذت اللّبن، فقال: هي الفطرة الّتي أنت عليها وأمّتك. ثمّ فرضت عليّ الصّلاة خمسين صلاة كلّ يوم، فرجعت فمررت على موسى، فقال: بم أمرت؟.
قال: أمرت بخمسين صلاة كلّ يوم. قال: إنّ أمّتك لا تستطيع خمسين صلاة كلّ يوم، وإنّي والله قد جرّبت النّاس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشدّ المعالجة، فارجع إلى ربّك فاسأله التّخفيف لأمّتك، فرجعت، فوضع عنّي عشرا، فرجعت إلى موسى فقال مثله.
فرجعت فوضع عنّي عشرا، فرجعت إلى موسى فقال مثله. فرجعت فوضع عنّي عشرا، فرجعت إلى موسى فقال مثله. فرجعت فأمرت بعشر صلوات كلّ يوم، فرجعت فقال مثله. فرجعت فأمرت بخمس صلوات كلّ يوم، فرجعت إلى موسى فقال: بم أمرت؟. قلت:
أمرت بخمس صلوات كلّ يوم. قال: إنّ أمّتك لا تستطيع خمس صلوات كلّ يوم، وإنّي قد جرّبت النّاس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشدّ المعالجة، فارجع إلى ربّك فاسأله التّخفيف لأمّتك. قال:
سألت ربّي حتّى استحييت، ولكن أرضى وأسلّم.
قال: فلمّا جاوزت نادى مناد. أمضيت فريضتي، وخفّفت عن عبادي») [البخاري- الفتح ٧ (٣٨٨٧) واللفظ له، ومسلم (١٦٤)].
2-* (عن أبي سعيد الخدريّ رضي الله عنه- أنّ رسول الله ﷺ جلس على المنبر؛ فقال: «إنّ عبدا خيّره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدّنيا وبين ما عنده فاختار ما عنده»، فبكى أبو بكر، وقال:
فديناك بآبائنا وأمّهاتنا. فعجبنا له. وقال الناس:
انظروا إلى هذا الشّيخ، يخبر رسول الله ﷺ عن عبد خيّره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدّنيا وبين ما عنده، وهو يقول: فديناك بآبائنا وأمّهاتنا، فكان رسول الله ﷺ هو المخيّر، وكا أبو بكر هو أعلمنا به. وقال رسول الله ﷺ: «إنّ من أمنّ النّاس عليّ في صحبته وماله أبا بكر، ولو كنت متّخذا خليلا من أمّتي لاتّخذت أبا بكر، إلّا خلّة الإسلام، لا يبقينّ في المسجد خوخة إلّا خوخة أبي بكر») [البخاري- الفتح ٧ (٣٩٠٤) واللفظ له، ومسلم (٢٣٨٢)].
3-* (عن أنس بن مالك رضي الله عنه- قال: دخلنا مع رسول الله ﷺ على أبي سيف القين، وكان ظئرا لإبراهيم عليه السلام، فأخذ رسول الله ﷺ إبراهيم فقبّله وشمّه. ثمّ دخلنا عليه بعد ذلك- وإبراهيم يجود بنفسه- فجعلت عينا رسول الله ﷺ تذرفان. فقال له عبد الرّحمن بن عوفرضي الله عنه-: وأنت يا رسول الله. فقال: «يا ابن عوف إنّها رحمة» . ثمّ أتّبعها بأخرى. فقال ﷺ: «إنّ العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلّا ما يرضى ربّنا. وإنّا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون») [البخاري- الفتح ٣ (١٣٠٣) واللفظ له، ومسلم (٢٣١٥)].
4-* (عن عائشة رضي الله عنها- قالت: فقدت رسول الله ﷺ ليلة في الفراش.
فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد وهما منصوبتان وهو يقول: «اللهمّ أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك. أنت كما أثنيت على نفسك») [مسلم (٤٨٦)].
ثالثا: من الآثار وأقوال العلماء الواردة في (الرضا):
1-* (قال لقمان لابنه: «أوصيك بخصال تقرّبك من الله وتباعدك من سخطه: أن تعبد الله لا تشرك به شيئا، وأن ترضى بقدر الله فيما أحببت وكرهت») [مدارج السالكين، لابن القيم (٢/ ٢٢٩)].
2- (كتب عمر بن الخطّاب إلى أبي موسى رضي الله عنهما-: «أمّا بعد، فإنّ الخير كلّه في الرّضى، فإن استطعت أن ترضى وإلّا فاصبر») [المرجع السابق: (٢/ ١٨٥)].
3-* (عن ابن عبّاس رضي الله عنهما- قال: «لمّا كان بين إبراهيم وبين أهله ما كان خرج بإسماعيل وأمّ إسماعيل، ومعهم شنّة فيها ماء، فجعلت أمّ إسماعيل تشرب من الشّنّة فيدرّ لبنها على صبيّها حتّى قدم مكّة فوضعها تحت دوحة، ثمّ رجع إبراهيم إلى أهله فاتّبعته أمّ إسماعيل حتّى لمّا بلغوا كداء نادته من ورائه: يا إبراهيم إلى من تتركنا؟ قال:
إلى الله. قالت: رضيت بالله») [البخاري – الفتح ٦ (٣٣٦٥)].
4-* (قال عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما- «إذا توفّي العبد المؤمن، أرسل الله إليه ملكين، وأرسل إليه بتحفة من الجنّة. فيقال: اخرجي أيّتها النّفس المطمئنّة، اخرجي إلى روح وريحان وربّ عنك راض»)[مدارج السالكين (٢/ ١٨٦)].
(المطلب ): من فوائد (الرضا):
(١) يثمر محبّة الله ورضاه وتجنّب سخطه.
(٢) دليل على كمال الإيمان وحسن الإسلام.
(٣) الفوز بالجنّة والنّجاة من النّار.
(٤) مظهر من مظاهر صلاح العبد وتقواه.
(٥) الوعد بالبشرى في الآخرة.
(٦) دليل حسن ظنّ العبد بربّه.
(٧) طريق إلى الفوز برضوان الله تعالى.
(٨) يضفي على الإنسان المسلم راحة نفسيّة وروحيّة.
(٩) يجنّب المسلم الأزمات النّفسيّة من قلق زائد وتوتّر.
(١٠) طريق واضح إلى تحقيق السّلام الاجتماعي. [ (6/ 2106 وما بعدها)].
(المسألة الثانية): بيان الأصول الثلاثة
“الأصول الثلاثة التي هي معرفة العبد ربه ودينه ونبيّه محمدًا ﷺ، ولهذه الأصول الثلاثة أهميَّة كبرى؛ فإنَّها التي يُسأل عنها الميت في قبره، فقد روى الإمام أحمد (١٨٥٣٤) بإسناد حسن عن البراء بن عازب رضي الله عنه حديثًا طويلًا وفيه: «فيأتيه – أي المؤمن – ملَكان فيجلسانه، فيقولان له: مَن ربُّك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بُعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله ﷺ»، وفيه: «ويأتيه – أي الكافر – مَلَكان فيُجلسانه، فيقولان له: مَن ربُّك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري! فيقولان له: مَا دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري! فيقولان له: مَا هذا الرجل الذي بُعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري!».
وأيضًا فقد ورد ذكرُ هذه الثلاثة مجتمعة في بعض الأحاديث، منها ما يدلُّ على أنَّها من كمال الإيمان، وهو حديث العباس بن عبد المطلب في صحيح مسلم (٥٦) أنَّه سمع رسول الله ﷺ يقول: «ذاق طعم الإيمان مَن رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد رسولًا»، وفي صحيح مسلم أيضًا (١٨٨٤) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنَّ رسول الله ﷺ قال: «يا أبا سعيد! من رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًّا، وجبت له الجنة» الحديث، وقد وردت أيضًا في أدعية الأذان في صحيح مسلم (٣٨٦) عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: «من قال حين يسمع الأذان: أشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، وأنَّ محمدًا عبده ورسوله، رضيتُ بالله ربًّا، وبمحمد رسولًا، وبالإسلام دينًا، غفر له ذنبه».
[وهذا مما] لا يستغني عنه الخاص والعام؛ لِمَا اشتمل عليه من بيان هذه الأصول الثلاثة وأدلتها، وقد قال فيه: “فإذا قيل لك: ما الأصول الثلاثة التي يجب على الإنسان معرفتها؟
فقل: معرفة العبد ربه ودينه ونبيَّه محمدًا ﷺ، فإذا قيل لك: مَن ربُّك؟ فقل: ربي الله الذي ربَّاني وربَّى جميع العالَمين بنعمه، وهو معبودي ليس لي معبود سواه، والدليل قوله تعالى: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾، وكلُّ ما سوى الله عالَم، وأنا واحد من ذلك العالَم، فإذا قيل لك: بمَ عرفتَ ربَّك؟ فقل: بآياته ومخلوقاته، ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر، ومن مخلوقاته السموات السبع والأرضون السبع ومَن فيهنَّ وما بينهما»، واستدلَّ لذلك من القرآن، ثم قال: “والربُّ هو المعبود، والدليل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، قال ابن كثير رحمه الله تعالى: «الخالقُ لهذه الأشياء هو المستحقُّ للعبادة»، ثم ذكر جملة من أنواع العبادة وأدلتها، ثم قال: «الأصل الثاني: معرفة دين الإسلام بالأدلة، وهو الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والبراءة من الشرك وأهله، وهو ثلاث مراتب: الإسلام والإيمان والإحسان، وكلُّ مرتبة لها أركان»، ثم ذكر أركان الإسلام الخمسة، وأركان الإيمان الستة، والركن الواحد للإحسان، وذكر الأدلة على ذلك.
ثم قال: “الأصل الثالث: معرفة نبيِّكم محمد ﷺ، وهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، وهاشم من قريش، وقريش من العرب، والعرب من ذرية إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليه وعلى نبيِّنا أفضل الصلاة والسلام، وله من العمر ثلاث وستون سنة، منها أربعون قبل النبوة، وثلاث وعشرون نبيًّا ورسولًا، نبِّئَ بـ ﴿(اقْرَأْ﴾، وأُرسل
بالمدثر، وبلده مكة، وهاجر إلى المدينة، بعثه الله بالنذارة عن الشرك ويدعو إلى التوحيد»، ثم ذكر جُملًا أخرى تتعلَّق بالرسول ﷺ ورسالته واستدلَّ على ذلك، وقد ذكر رحمه الله نسبَه الشريف على سبيل الإجمال، ويدلُّ لشرف نسبه ﷺ ما رواه مسلم في صحيحه (٢٢٧٦) عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «إنَّ الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشًا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم»، وقريش هم أولاد فهر بن مالك، وهو الأب الحادي عشر للرسول ﷺ، وآباؤه ﷺ إلى عدنان واحد وعشرون، وهو المتفق عليه في نسبه، وما وراءه مختلف فيه، وهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كِلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مُدرِكَة بن إلياس بن مُضَر بن نزار بن مَعَدّ بن عدنان، وهذا النسب أورده الإمام البخاري في صحيحه في مطلع باب مبعث النَّبيِّ ﷺ في كتاب مناقب الأنصار، وأورد بعده الحديث (٣٨٥١) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «أُنزل على رسول الله ﷺ وهو ابن أربعين، فمكث بمكة ثلاث عشرة سنة، ثم أُمر بالهجرة، فهاجر إلى المدينة، فمكث بها عشر سنين، ثم توفي ﷺ»، وانظر هذا النسب في الطبقات الكبرى لابن سعد (١/٥٥)، ففيه نسبة قريش إلى فهر بن مالك الأب الحادي عشر للرسول ﷺ، وانظر ما قيل في نسبه ﷺ من عدنان إلى إسماعيل في فتح الباري (٦/٥٣٨ – ٥٣٩) . [منهج شيخ الإسلام للشيخ عبد المحسن العباد (19 – 25) بتصرف يسير].
(المسألة الثالثة): معتقد أهل السنة في الرضى بالقدر، وبيان أقوال المخالفين في ذلك، والرد عليهم
اختلف الناس في هذا المسألة على ثلاثة أقوالٍ:
القول الأوَّل: (قول أهل السنَّة).
قالوا: الرضى بالقضاء فيه تفصيلٌ باعتبار متعلَّقه؛ فإن القضاء إما أن يتعلَّق (بالطاعات والمعاصي)، أو (بالمسرَّات والمصائب).
وحكم الرضى به على وجهين:
الوجه الأوَّل: ما يُرضى به من القضاء، وهو ما دلَّت النصوص على الرضى به.
وهو على قسمين:
القسم الأوَّل: ما يُقدَّر للعبد من الطاعات، فهذا يجب الرضى به؛ لأن الله رضي لنا الدين، فقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. والواجب على العبد أن يرضى بما رضي له ربُّه من الدين. كما أن العبد أيضًا مأمورٌ في نفسه بالرضى بالدين، ورضاه بدينه منزلةٌ عظيمةٌ توجِب له لذَّة الإيمان، كما جاء في الحديث الذي أخرجه مسلمٌ من حديث العبَّاس بن عبد المطَّلب رضي الله عنه، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: «ذاق طعم الإيمان مَنْ رضي بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمَّدٍ رسولًا» [أخرجه مسلم (٣٤)].
فالرضى بما يقدِّره الله على العبد من فعل الطاعات مشروعٌ بل واجبٌ.
قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة رحمه الله: «والرضى بالقضاء ثلاثة أنواعٍ:
(أحدها): الرضى بالطاعات؛ فهذا طاعةٌ مأمورٌ بها.
و(الثاني): الرضى بالمصائب؛ فهذا مأمورٌ به: إما مستحبٌّ، وإما واجبٌ.
و(الثالث): الكفر والفسوق والعصيان؛ فهذا لا يُؤمر بالرضى به، بل يُؤمر ببغضه وسخطه؛ فإن الله لا يحبُّه ولا يرضاه» [مجموع الفتاوى (١٠/ ٤٨٢)، جامع الرسائل (٢/ ١٠٦)].
وقال رحمه الله: «ولم يأمر بالرضى بالمقدور، ولكن أمر بالرضى بالمشروع.
فالمأمور به يجب الرضى به، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا الله سَيُؤْتِينَا الله مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة: ٥٩]» [منهاج السنة (٣/ ٢٠٤)].
وقال ابن القيِّم رحمه الله: «الحكم والقضاء نوعان: دينيٌّ وكونيٌّ؛ فالدينيُّ يجب الرضى به، وهو من لوازم الإسلام» [شفاء العليل (٢/ ٧٦٢)].
القسم الثاني: ما يُقدَّر على العبد من النعم والمسرَّات، أو النقم والمصائب مما لا يدخل في اختياره، فهذا يُشرَع الرضى به. وقد احتُجَّ للرضى بهذا بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن: ١١].
قال علقمة بن قيسٍ: «هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله، فيسلِّم ذلك ويرضى» [تفسير الطبري (٢٣/ ١٢)].
ومن السنَّة: قول النبي ﷺ: «عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحبَّ قومًا ابتلاهم، فمَن رضي فله الرضى، ومَن سخط فله السخط» [أخرجه الترمذي (٢٣٩٦)، وابن ماجه (٤٠٣١)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع ح (٢١١٠)].
وقال أبو الدرداء: «إنَّ الله إذا قضى قضاءً أحبَّ أن يُرضى به» [ذكره ابن أبي الدنيا في الرضا عن الله بقضائه (ص: ٤٧) رقم (٦)، وابن الجوزي في الثبات عند الممات (ص: ٣٥)، وابن القيم في زاد المعاد (٤/ ١٧٨)، وابن رجب في جامع العلوم والحكم (١/ ٤٨٦)].
وقال عمر بن عبد العزيز: «أصبحت ومالي سرورٌ إلا في مواضع القضاء والقدر» [ذكره ابن رجب في جامع العلوم والحكم (١/ ٤٨٧].
وقد تقدَّم في كلام شيخ الإسلام ابن تيميَّة قوله: «الثاني: الرضى بالمصائب، فهذا مأمورٌ به: إما مستحبٌّ وإما واجبٌ» [تقدم ص (١٤٨)].
وقال في موطنٍ آخر: «وقد تنازع الناس في الرضى بالفقر والمرض والذلِّ ونحوها، هل هو مستحبٌّ أو واجبٌ؟ على قولين في مذهب أحمد وغيره. وأكثر العلماء على أن الرضى بذلك مستحبٌّ وليس بواجبٍ …
والقول الثاني: إنه واجبٌ؛ لأن ذلك من تمام رضاه بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمَّدٍ ﷺ نبيًّا» [منهاج السنة (٣/ ٢٠٤)].
والخلاف في وجوب الرضى أو استحبابه إنما هو فيما يُقدَّر من المصائب والبلاء، وأما ما يُقدَّر من النعم والمسرَّات؛ فالرضى به واجبٌ.
قال ابن القيِّم: «فنقول: الحكم والقضاء نوعان: دينيٌّ، وكونيٌّ … والكونيُّ منه ما يجب الرضى به، كالنعم التي يجب شكرها، ومن تمام شكرها الرضى بها. ومنه ما لا يجوز الرضى به، كالمعايب والذنوب التي يسخطها الله، وإن كانت بقضائه وقدره. ومنه ما يُستحَبُّ الرضى به، كالمصائب، وفي وجوبه قولان» [شفاء العليل (٢/ ٧٦٢)].
الوجه الثاني: ما يُقدَّر على العبد من الكفر والبدع والمعاصي؛ فهذا النوع فيه تفصيلٌ؛ فإن ما يقدِّره الله منها له وجهان:
الأوَّل: من جهة كونها فعلًا للعبد وكسبًا له؛ فهي مكروهةٌ مسخوطةٌ، فلا يُشرَع الرضى بها، بل يُشرَع بغضها وسخطها؛ فإن الله يبغضها، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧]، والكفر قد وقع من الناس فهو مقدَّرٌ، وقد قال تعالى: ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: ١٠٨]، وهذا أمرٌ موجودٌ مقدَّرٌ من أقوال العباد، وقد أخبر الله أنه لا يرضاه، فإذا لم يرضه كيف يأمر العبد بأن يرضاه؟ بل الواجب على العبد أن يبغض ما يبغضه الله، ويرضى بما يرضاه الله [انظر: منهاج السنة (٣/ ٢٠٦)].
الثاني: من جهة كونها مخلوقةً للربِّ؛ فهي محبوبةٌ مرضيَّةٌ؛ لأن الله خلقها وقدَّرها لحكمةٍ، فيُشرَع الرضى بقضائه وقدره، ومتى لحظنا أن الله قضاها وقدَّرها رضينا عن الله وسلَّمنا لحكمه، وهذا من تمام الرضى بالله ربًّا ومالكًا ومدبِّرًا.
قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «وأما الرضى بالمنهيَّات من الكفر والفسوق والعصيان؛ فأكثر العلماء يقولون: لا يُشرَع الرضى بها، كما لا تُشرَع محبَّتها؛ فإن الله سبحانه لا يرضاها ولا يحبُّها وإن كان قد قدَّرها وقضاها، كما قال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: ٧]، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: ١٠٨]، بل يسخطها كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٢٨]. وقالت طائفةٌ: تُرضى من جهة كونها مضافةً إلى الله خلقًا، وتُسخَط من جهة كونها مضافةً إلى العبد فعلًا وكسبًا. وهذا القول لا ينافي الذي قبله، بل هما يعودان إلى أصلٍ واحدٍ، وهو سبحانه إنما قدَّر الأشياء لحكمةٍ، فهي باعتبار تلك الحكمة محبوبةٌ مرضيَّةٌ، وقد تكون في نفسها مكروهةً ومسخوطةً؛ إذ الشيء الواحد يجتمع فيه وصفان يُحَبُّ من أحدهما ويُكرَه من الآخر، كما في الحديث الصحيح: (ما تردَّدت عن شيءٍ أنا فاعله تردُّدي عن قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته، ولا بدَّ له منه) [حديث قدسي أخرجه البخاري (٦٥٠٢)]» [مجموع الفتاوى (١٠/ ٤٢)].
وقال رحمه الله: «فالعبد يوافق ربَّه، فيكره الذنوب ويمقتها ويبغضها؛ لأن الله يبغضها ويمقتها، ويرضى بالحكمة التي خلقها الله لأجلها، فهي من جهة فعل العبد لها مكروهةٌ مسخوطةٌ، ومن جهة خلق الربِّ لها محبوبةٌ مرضيَّةٌ؛ لأن الله خلقها لما له في ذلك من الحكمة، والعبد فعلها وهي ضارَّةٌ له موجِبةٌ له العذاب، فنحن ننكرها ونكرهها وننهى عنها كما أمرنا الله بذلك؛ إذ كان هو أيضًا سبحانه يسخطها ويبغضها، ونعلم أن الله أحدثها لما له في ذلك من الحكمة، فنرضى بقضائه وقدره. فمتى لحظنا أن الله قضاها وقدَّرها رضينا عن الله وسلَّمنا لحكمه. وأما من جهة كون العبد يفعلها؛ فلا بدَّ أن نكره ذلك وننهى عنه ونجتهد في دفعه بحسب إمكاننا، فإن هذا هو الذي يحبُّه الله منا» [منهاج السنة (٣/ ٢٠٨)].
القول الثاني: (قول الجهميَّة [ومن شاكلهم]).
قالوا: الرضى بالقضاء قربةٌ وطاعةٌ، ونحن مأمورون به، فنحن نرضى به ولا نسخطه. فنرضى بكلِّ ما قدَّره الله من المسرَّات والخيرات والنعم، والضرَّاء والبلاء والنقم، وكلِّ ما جرت به المقادير من إيمانٍ وكفرٍ وطاعةٍ ومعصيةٍ وخيرٍ وشرٍّ.
وهذا بناءً على أصلهم أن الإرادة والمشيئة مستلزمتان للمحبَّة والرضى. قالوا: كلُّ ما قدَّره الله وقضاه فهو محبوبٌ ومرضيٌّ له، ونحن مأمورون بالرضى بالقضاء، والرضى بما رضي الله به.
قال أبو بكرٍ الباقلانيُّ: «ونعتقد أن مشيئة الله تعالى ومحبَّته ورضاه ورحمته وكراهيته وغضبه وسخطه وولايته وعداوته كلَّها راجعٌ إلى إرادته، وأن الإرادة صفةٌ لذاته غير مخلوقةٍ» [الإنصاف (ص: ٢٦)].
وقال الإمام ابن القيِّم رحمه الله في وصف عقيدتهم: «فقالت الجبريَّة: الكون كلُّه -قضاؤه وقدره، طاعته ومعاصيه، خيره وشرُّه-؛ فهو محبوبه … ثم بنوا على ذلك أنهم مأمورون بالرضاء بالقضاء، وهذه قضاءٌ من قضائه، فنحن نرضى بها، فما لنا ولإنكارها ومعاداة فاعلها، ونحن مأمورون بالرضى بالقضاء؟ فتركَّب من اعتقادهم كونها محبوبةً للربِّ، وكونهم مأمورين بالرضى بها، والتسوية بين الأفعال، وعدم استقباح شيءٍ منها أو إنكاره. وانضاف إلى ذلك اعتقادهم جبر العبد عليها، وأنها ليست فعله» [مدارج السالكين (١/ ٢٦٥ – ٢٦٤)].
وقال رحمه الله: «وقالت غلاة الجبريَّة الذين طووا بساط الأمر والنهي: المعاصي بقضاء الله وقدره، والرضاء بالقضاء قربةٌ وطاعةٌ، فنحن نرضى بها ولا نسخطها» [شفاء العليل (٢/ ٧٦١)].
القول الثالث: (قول المعتزلة القدريَّة).
قالوا: الرضى بالقضاء مأمورٌ به، فنحن نرضى به. ولكن الكفر والذنوب ليست مقضيَّةً ولا مقدَّرةً من الله، وليست محبوبةً ولا مرضيَّةً له، فلا نرضى بها ولا نحبُّها، بل نسخطها ونبغضها.
وهذا بناءً على أصلهم أن الإرادة والمشيئة مستلزمةٌ للمحبَّة والرضى. قالوا: ونحن نعلم أن الله تعالى لا يحبُّ الكفر والفسوق والعصيان، فلا يشاؤها ولا يقدِّرها، فنحن لا نرضاها ولا نحبُّها.
فذهب القدريَّة إلى إنكار المشيئة والإرادة فيما يقع من الكفر والمعاصي؛ لأن الله لا يحبُّها ولا يرضاها.
قال القاضي عبد الجبَّار: «وأحد ما يدلُّ على أنه تعالى لا يجوز أن يكون مريدًا للمعاصي: هو أنه تعالى لو كان مريدًا لها لوجب أن يكون محبًّا لها وراضيًا بها، لأن المحبَّة والرضى والإرادة من بابٍ واحدٍ، بدلالة أنه لا فرق بين أن يقول القائل: أحببت أو رضيت، وبين أن يقول: أردت؛ حتى لو أثبت أحدهما ونفى الآخر لعُدَّ متناقضًا. فهذا جملة الكلام في ذلك» [شرح الأصول الخمسة (ص: ٤٥٣)].
وقال الإمام ابن القيِّم: «وقالت القدريَّة النفاة: ليست المعاصي محبوبةً لله ولا مرضيَّةً له، فليست مقدَّرةً له ولا مقضيَّةً، فهي خارجةٌ عن مشيئته وخلقه.
قالوا: ونحن مأمورون بالرضى بالقضاء، ومأمورون بسخط هذه الأفعال وبغضها وكراهتها، فليست إذًا بقضاء الله؛ إذ الرضى والقضاء متلازمان، كما أن محبَّته ومشيئته متلازمان أو متَّحدان» [مدارج السالكين (١/ ٢٦٥)].
وقال رحمه الله: «فقالت القدريَّة النفاة: الرضى بالقضاء طاعةٌ وقربةٌ، والرضى بالمعاصي لا يجوز، فليست بقضائه وقدره» [شفاء العليل (٢/ ٧٦١)].
بيان الحق في ذلك ومنشأ خطأ المخالفين والرد عليهم:
الحق في هذه المسألة هو ما عليه أهل السنة. على ما تقدَّم تفصيله.
ومدار قولهم فيها قائم على التفريق بين الإرادتين، فيفرِّقون بين الإرادة الشرعيَّة التي تستلزم محبَّة الله ورضاه، وبين الإرادة الكونيَّة التي قد يخلق الله بها مايحبه ويرضاه وما لا يحبُّه ولا يرضاه. وكذا التفريق بين مايقدره الله على العبد مما هو داخل في اختيار العبد كأفعال العبد الاختيارية، وما يقدره على العبد مما لا يدخل في اختياره كالنعم والمصائب. وكذلك التفريق بين الأمور المقدرة من جهة كونها فعلًا للعبد وكسبًا له؛ ومن جهة كونها مخلوقةً للربِّ.
ومنشأ خطأ المخالفين من الجبريَّة والقدريَّة عدم التفريق بين الإرادتين، فيجعلون الإرادة نوعًا واحدًا، ويرون أنها بمعنى المحبَّة والرضى، ثم افترقوا فيها:
فغلَّب الجبريَّة جانب القدر، وقالوا: علمنا أن كلَّ شيءٍ بقدرٍ، وكلَّ ما قدَّره الله فهو يحبُّه ويرضاه، ونحن مأمورون بالحبِّ والرضى لكلِّ ما قدَّره ولو كان من الكفر والمعاصي، فعطَّلوا بذلك الشرع.
وغلَّب القدريَّة جانب الشرع، وقالوا: علمنا أن الله لا يرضى الكفر والمعاصي ولا يحبُّها، فنحن لا نرضاها ولا نحبُّها، وكلُّ ما لا يرضاه ولا يحبُّه فهو لا يقدِّره ولا يخلقه، وعطَّلوا بذلك القدر.
فالجبريَّة مصيبون في قولهم: إن الله قدَّر المعاصي، ضالُّون في زعمهم أن الله يرضاها ويحبُّها.
والقدريَّة مصيبون في قولهم: إن الله لا يرضى المعاصي ولا يحبُّها، ضالُّون في زعمهم أن الله لم يخلقها ويقدِّرها.
وأهل السنَّة جمعوا بين إصابتي الفريقين، وتجنَّبوا ضلالتيهما، وأثبتوا الإرادتين، واعتدلوا في لوازمهما من الرضى والبغض، وجمعوا بين القدر والشرع، ولم يعارضوا بينهما، فلله الحمد والمنَّة على هدايته وتوفيقه.
قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة: «وجهمٌ ومَن وافقه من المعتزلة اشتركوا في أن مشيئة الله ومحبَّته ورضاه بمعنىً واحدٍ. ثم قالت المعتزلة: وهو لا يحبُّ الكفر والفسوق والعصيان، فلا يشاؤه. فقالوا: إنه يكون بلا مشيئةٍ. وقالت الجهميَّة: بل هو يشاء ذلك؛ فهو يحبُّه ويرضاه. وأبو الحسن وأكثر أصحابه وافقوا هؤلاء؛ فذكر أبو المعالي الجوينيُّ: أن أبا الحسن أوَّل مَنْ خالف السلف في هذه المسألة، ولم يفرِّق به بين المشيئة والمحبَّة والرضى.
وأما سلف الأمَّة وأئمَّتها وأكابر أهل الفقه والحديث والتصوُّف وكثيرٌ من طوائف النظَّار -كالكُلَّابيَّة والكرَّاميَّة وغيرهم-؛ فيفرِّقون بين هذا وهذا؛ ويقولون: إن الله يحبُّ الإيمان والعمل الصالح ويرضى به؛ كما لا يأمر [قال المؤلف: “هكذا وردت في المصدر، والذي يظهر أن الصواب الذي يقتضيه السياق -والله أعلم-: «ويرضى به؛ كما يأمر به، ولا يرضى بالكفر …»”. انتهى]، ولا يرضى بالكفر والفسوق والعصيان ولا يحبُّه؛ كما لا يأمر به، وإن كان قد شاءه» [مجموع الفتاوى (٨/ ٤٧٤، ٤٧٥). وانظر: مجموع الفتاوى (١١/ ٣٥٥)].
قال ابن القيِّم: «أصل ذلك كلِّه هو الفرق بين محبَّة الله ورضاه، ومشيئته وإرادته الكونيَّة. ومنشأ الضلال في هذا الباب من التسوية بينهما، أو اعتقاد تلازمهما، فسوَّى بينهما الجبريَّة والقدريَّة، وقالوا: المشيئة والمحبَّة سواءٌ، أو متلازمان، ثم اختلفوا.
فقالت الجبريَّة: الكون كلُّه -قضاؤه وقدره، طاعته ومعاصيه، خيره وشرُّه-؛ فهو محبوبه. ثم بنوا على ذلك أنهم مأمورون بالرضاء بالقضاء، وهذه قضاءٌ من قضائه، فنحن نرضى بها، فما لنا ولإنكارها ومعاداة فاعلها.
وقالت القدريَّة النفاة: ليست المعاصي محبوبةً لله ولا مرضيَّةً له، فليست مقدَّرةً له ولا مقضيَّةً، فهي خارجةٌ عن مشيئته وخلقه. قالوا: ونحن مأمورون بالرضى بالقضاء، ومأمورون بسخط هذه الأفعال وبغضها وكراهتها، فليست إذًا بقضاء الله، إذ الرضى والقضاء متلازمان، كما أن محبَّته ومشيئته متلازمان، أو متَّحدان.
ومذهب سلف الأمَّة وأئمَّتها أنه مسخوطٌ للربِّ، مكروهٌ له قدرًا وشرعًا، مع أنه وُجِد بمشيئته وقضائه، فإنه يخلق ما يحبُّ وما يكره، فالكفر والشكر واقعان بمشيئته وقدره، وأحدهما محبوبٌ له مرضي، والآخر مبغوضٌ له مسخوطٌ» [باختصارٍ من مدارج السالكين (١/ ٢٦٦ – ٢٦٤)]. [المعتبر في عقيدة أهل السنة ومخالفيهم في القدر (131 – 140)]. وانظر: [القواعد الكلية في باب القدر، (2/ 741 وما بعدها)].
أقوال العلماء : قال القاضي عياض:
وقوله عليه السلام «ذاق طعم الإيمان» الحديث: معناه: صح إيمانه، واطمأنت به نفسه، وخامر باطنه؛ لأن رضاه بالله ربًا، وبمحمد نبيًا وبالإسلام دينًا دليل ثبوت معرفته ونفاذ بصيرته بما رضى به من ذلك ومخالطة بشاشته قلبه، وهذا كالحديث الآخر: «وجد حلاوة الإيمان من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما» الحديث (١)، وذلك أن الإنسان إذا رضى أمرًا واستحسنه سهل عليه أمره، ولم يشق عليه شىء منه، فكذلك المؤمن إذا دخل قلبه الإيمان، سهلت عليه طاعات ربه ولذت له، ولم يشق عليه معاناتها.
إكمال المعلم بفوائد مسلم ١/٢٧٠
قال ابن تيمية -رحمه الله-:
فَإِنَّ الْمُخْلِصَ لِلَّهِ ذَاقَ مِنْ حَلَاوَةِ عُبُودِيَّتِهِ لِلَّهِ مَا يَمْنَعُهُ مِنْ عُبُودِيَّتِهِ لِغَيْرِهِ، وَمِنْ حَلَاوَةِ مَحَبَّتِهِ لِلَّهِ مَا يَمْنَعُهُ عَنْ مَحَبَّةِ غَيْرِهِ، إذْ لَيْسَ عِنْدَ الْقَلْبِ لَا أَحْلَى وَلَا أَلَذُّ وَلَا أَطْيَبُ وَلَا أَلْيَنُ وَلَا أَنْعَمُ مِنْ حَلَاوَةِ الْإِيمَانِ الْمُتَضَمِّنِ عُبُودِيَّتَهُ لِلَّهِ، وَمَحَبَّتَهُ لَهُ، وَإِخْلَاصَهُ الدِّينَ لَهُ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي انْجِذَابَ الْقَلْبِ إلَى اللَّهِ فَيَصِيرُ الْقَلْبُ مُنِيبًا إلَى اللَّهِ خَائِفًا مِنْهُ رَاغِبًا رَاهِبًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: ٣٣] .
الفتاوى الكبرى لابن تيمية ٥/٢٠٣
وقال ابن تيمية:
وَقَالَ ﷺ ذاق طعم الايمان من رَضِي بِاللَّه رَبًّا وبالاسلام دينا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولا فَالنَّاس فِيمَا يجده أهل الايمان ويذوقونه من حلاوة الايمان وطعمه على ثَلَاث دَرَجَات دَرَجَات أهل الايمان الأولى من علم ذَلِك مثل من يُخبرهُ بِهِ شيخ لَهُ يصدقهُ أَو يبلغهُ مَا أخبر بِهِ العارفون عَن أنفسهم أَو يجد من آثَار أَحْوَالهم مَا يدل على ذَلِك وَالثَّانيَِة من يُشَاهد ذَلِك وعاينه مثل أَن يعاين من أَحْوَال أهل الْمعرفَة والصدق وَالْيَقِين مَا يعرف بِهِ مواجيدهم وأذواقهم وان كَانَ هَذَا فِي الْحَقِيقَة لم يُشَاهد مَا ذاقوه ووجدوه وَلَكِن شَاهد مَا دلّ عَلَيْهِ لَكِن هُوَ أبلغ من الْمخبر والمستدل بآثارهم
وَالثَّالِثَة أَن يحصل لَهُ من الذَّوْق وَالْوَجْه فِي نَفسه مَا كَانَ سَمعه كَمَا قَالَ بعض الشُّيُوخ لقد كنت فِي حَال أَقُول فِيهَا ان كَانَ أهل الْجنَّة فِي الْجنَّة فِي مثل هَذَا الْحَال انهم لفي عَيْش طيب وَقَالَ آخر انه ليمر على الْقلب أَوْقَات يرقص مِنْهَا طَربا وَقَالَ الآخر لأهل اللَّيْل فِي ليلهم ألذ من أهل اللَّهْو فِي لهوهم دَرَجَات النَّاس فِي الايمان بِالآخِرَة وَالنَّاس فِيمَا أخبروا بِهِ من أَمر الْآخِرَة على ثَلَاث دَرَجَات احداها الْعلم بذلك لما أَخْبَرتهم الرُّسُل وَمَا قَامَ من الْأَدِلَّة على وجود ذَلِك الثَّانِيَة اذا عاينوا مَا وعدوا بِهِ من الثَّوَاب وَالْعِقَاب وَالْجنَّة وَالنَّار وَالثَّالِثَة اذا باشروا ذَلِك فَدخل أهل الْجنَّة الْجنَّة وذاقوا مَا كَانُوا يوعدون وَدخل أهل النَّار النَّار وذاقوا مَا كَانُوا يوعدون فَالنَّاس فِيمَا يُوجد فِي الْقُلُوب وَفِيمَا يُوجد خَارج الْقُلُوب على هَذِه الدَّرَجَات الثَّلَاث دَرَجَات النَّاس فِيمَا يخبروا بن من أُمُور الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ فِي أُمُور الدُّنْيَا فان من أخبر بالعشق أَو النِّكَاح وَلم يره وَلم يذقه كَانَ لَهُ علم بِهِ فان شَاهده وَلم يذقه كَانَ لَهُ مُعَاينَة لَهُ فَإِن ذاقه بِنَفسِهِ كَانَ لَهُ ذوق وخبرة بِهِ وَمن لم يذقْ الشَّيْء لم يعرف حَقِيقَته فان الْعبارَة انما تفِيد التَّمْثِيل والتقريب وَأما معرفَة الْحَقِيقَة فَلَا تحصل بِمُجَرَّد الْعبارَة الا لمن يكون قد ذاق ذَلِك الشَّيْء الْمعبر عَنهُ وعرفه وَخَبره وَلِهَذَا يسمون أهل الْمعرفَة لأَنهم عرفُوا بالخبرة والذوق مَا يُعلمهُ غَيرهم بالْخبر وَالنَّظَر وَفِي الحَدِيث الصَّحِيح أَن هِرقل ملك الرّوم سَأَلَ أَبَا سُفْيَان بن حَرْب فِيمَا سَأَلَهُ عَنهُ من أُمُور النَّبِي ﷺ قَالَ فَهَل يرجع
أحد مِنْهُم دينه سخطَة لَهُ بعد أَن يدْخل فِيهِ قَالَ لَا قَالَ وَكَذَلِكَ الايمان اذا خالطت بشاشته الْقلب لَا يسخطه أحد الْقلب بَين زِيَادَة الايمان وَزِيَادَة الْمحبَّة فالايمان اذا بَاشر الْقلب وخالطته بشاشته لَا يسخطه الْقلب بل يُحِبهُ ويرضاه فَإِن لَهُ من الْحَلَاوَة فِي الْقلب واللذة وَالسُّرُور والبهجة مَا لَا يُمكن التَّعْبِير عَنهُ لمن لم يذقه وَالنَّاس متفاوتون فِي ذوقه والفرح وَالسُّرُور الَّذِي فِي الْقلب لَهُ من البشاشة مَا هُوَ بِحَسبِهِ واذا خالطت الْقلب لم يسخطه قَالَ تَعَالَى قل بِفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هُوَ خير مِمَّا يجمعُونَ وَقَالَ تَعَالَى وَالَّذين آتَيْنَاهُم الْكتاب يفرحون بِمَا أنزل اليك وَمن الْأَحْزَاب من يُنكر بعضه وَقَالَ تَعَالَى وَإِذا مَا أنزلت سُورَة فَمنهمْ من يَقُول أَيّكُم زادته هَذِه ايمانا فَأَما الَّذين آمنُوا فزادتهم ايمانا وهم يستبشرون فَأخْبر سُبْحَانَهُ أَنهم يستبشرون بِمَا أنزل من الْقُرْآن والاستبشار هُوَ الْفَرح والسرو وَذَلِكَ لما يجدونه فِي قُلُوبهم من الْحَلَاوَة واللذه والبهجة بِمَا أنزل الله واللذة أبدا تتبع الْمحبَّة فَمن أحب شَيْئا ونال مَا أحبه وجد اللَّذَّة بِهِ فالذوق هُوَ ادراك المحبوب اللَّذَّة الظَّاهِرَة كَالْأَكْلِ مثلا حَال الانسان فِيهَا أَنه يَشْتَهِي الطَّعَام وَيُحِبهُ ثمَّ يذوقه ويتناوله فيجد حِينَئِذٍ لذته وحلاوته وَكَذَلِكَ النِّكَاح وأمثال ذَلِك
وَلَيْسَ لِلْخلقِ محبَّة أعظم وَلَا أكمل وَلَا أتم من محبَّة الْمُؤمنِينَ لرَبهم وَلَيْسَ فِي الْوُجُود مَا يسْتَحق أَن يحب لذاته من كل وَجه الا الله تَعَالَى وكل مَا يحب سواهُ فمحبته تبع لحبه فَإِن الرَّسُول عليه الصلاة والسلام انما يحب لأجل الله ويطاع لأجل الله وَيتبع لأجل الله كَمَا قَالَ تَعَالَى قل إِن كُنْتُم تحبون الله فَاتبعُوني يحببكم الله وَفِي الحَدِيث أَحبُّوا الله لما يغذوكم بِهِ من نعمه وأحبوني لحب الله وأحبوا أهل بَيْتِي لحبي وَقَالَ تَعَالَى قل ان كَانَ آباؤكم الى قَوْله أحب اليكم من الله وَرَسُوله وَجِهَاد فِي سَبيله فتربصوا حَتَّى يَأْتِي الله بأَمْره وَالله لَا يهدي الْقَوْم الْفَاسِقين وَقَالَ النَّبِي ﷺ لَا يُؤمن أحدكُم حَتَّى أكون أحب اليه من وَلَده ووالده وَالنَّاس أَجْمَعِينَ وَفِي حَدِيث التِّرْمِذِيّ وَغَيره من أحب لله وَأبْغض لله وَأعْطى لله وَمنع لله فقد اسْتكْمل الايمان وَقَالَ تَعَالَى وَمن النَّاس من يتَّخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله وَالَّذين آمنُوا أَشد حبا لله فَالَّذِينَ آمنُوا أَشد حبا لله من كل محب لمحبوبه وَقد بسطنا الْكَلَام على هَذَا فِي مَوَاضِع مُتعَدِّدَة وَالْمَقْصُود هُنَا أَن أهل الايمان يَجدونَ بِسَبَب محبتهم لله وَلِرَسُولِهِ
من حلاوة الايمان مَا يُنَاسب هَذِه الْمحبَّة وَلِهَذَا علق النَّبِي ﷺ مَا يجدونه بالمحبة فَقَالَ ثَلَاث من كن فِيهِ وجد حلاوة الايمان أَن يكون الله وَرَسُوله أحب اليه مِمَّا سواهُمَا وَأَن يحب الْمَرْء لَا يُحِبهُ الا لله وَأَن يكره أَن يعود فِي الْكفْر كَمَا يكره أَن يقذف فِي النَّار وَمن ذَلِك مَا يجدونه من ثَمَرَة التَّوْحِيد والاخلاص والتوكل وَالدُّعَاء لله وَحده فَإِن النَّاس فِي هَذَا الْبَاب على ثَلَاث دَرَجَات دَرَجَات النَّاس فيا يجدونه من ثَمَرَة التَّوْحِيد مِنْهُم من علم ذَلِك سَمَاعا واستدلالا وَمِنْهُم من شَاهد وعاين مَا يحصل لَهُم وَمِنْهُم من وجد حَقِيقَة الاخلاص والتوكل على الله والالتجاء اليه والاستعانة بِهِ وَقطع التَّعَلُّق بِمَا سواهُ وجرب من نَفسه أَنه اذا تعلق بالمخلوقين ورجاهم وطمع فيهم أَن يجلبوا لَهُ مَنْفَعَة أَو يدفعوا عَنهُ مضرَّة فَإِنَّهُ يخذل من جهتهم وَلَا يحصل مَقْصُوده بل قد يبْذل لَهُم من الْخدمَة وَالْأَمْوَال وَغير ذَلِك مَا يَرْجُو أَن ينفعوه وَقت حَاجته اليهم فَلَا ينفعونه اما لعجزهم واما لانصارف قُلُوبهم عَنهُ واذا توجه الى الله بِصدق الافتقار اليه واستغاث بِهِ مخلصا لَهُ الدّين أجَاب دعاءه وأزال ضَرَره وَفتح لَهُ أَبْوَاب الرَّحْمَة فَمثل هَذَا قد ذاق من حَقِيقَة التَّوَكُّل وَالدُّعَاء لله مَا لم يدق غَيره وَكَذَلِكَ من ذاق طعم إخلاص لله وارادة وَجهه دون مَا سواهُ يجد من الْأَحْوَال والنتائج والفوائد مَا لَا يجده من لم يكن كَذَلِك بل من اتبع هَوَاهُ فِي مثل طلب الرِّئَاسَة والعلو وتعلقه بالصور الجميلة أَو جمعه لِلْمَالِ يجد فِي أثْنَاء ذَلِك من الهموم والغموم وَالْأَحْزَان
والآلام وضيف الصَّدْر مَا لَا يعبر عَنهُ وَرُبمَا لَا يطاوعه قلبه على ترك الْهوى وَلَا يحصل لَهُ مَا يسره بل هُوَ فِي خوف وحزن دَائِما ان كَانَ طَالبا لما يهواه فَهُوَ قبل ادراكه حَزِين متألم حَيْثُ لم يحصل فَإِذا أدْركهُ كَانَ خَائفًا من زَوَاله وفراقه وأولياء الله لَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ فَإِذا ذاق هَذَا أَو غَيره حلاوة الاخلاص لله وَالْعِبَادَة وحلاوة ذكره ومناجاته وَفهم كِتَابه وَأسلم وَجهه لله وَهُوَ محسن بِحَيْثُ يكون عمله صَالحا وَيكون لوجه الله خَالِصا فَإِنَّهُ يجد من السرُور واللذة والفرح مَا هُوَ أعظم مِمَّا يجده الدَّاعِي المتَوَكل الَّذِي نَالَ بدعائه وتوكله مَا يَنْفَعهُ من الدُّنْيَا أَو انْدفع عَنهُ مَا يضرّهُ فَإِن حلاوة ذَلِك هِيَ بِحَسب مَا حصل لَهُ من الْمَنْفَعَة أَو انْدفع عَنهُ من الْمضرَّة وَلَا أَنْفَع للقلب من التَّوْحِيد واخلاص الدّين لله وَلَا أضرّ عَلَيْهِ من الاشراك فَإِذا وجد حَقِيقَة الاخلاص الَّتِي هِيَ حَقِيقَة اياك نعبدمع حَقِيقَة التَّوَكُّل الَّتِي هِيَ حَقِيقَة اياك نستعين كَانَ هَذَا فَوق مَا يجده كل أحد لم يجد مثل هَذَا وَالله أعلم
الزهد والورع والعبادة ١/٧٨
——
قال ابن القيم -رحمه الله-:
رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا. وَبِمُحَمَّدٍ – ﷺ – رَسُولًا» فَأَخْبَرَ: أَنَّ لِلْإِيمَانِ طَعْمًا، وَأَنَّ الْقَلْبَ يَذُوقُهُ كَمَا يَذُوقُ الْفَمُ طَعْمَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ.
وَقَدْ عَبَّرَ النَّبِيُّ – ﷺ – عَنْ إِدْرَاكِ حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ، وَالْإِحْسَانِ، وَحُصُولِهِ لِلْقَلْبِ وَمُبَاشَرَتِهِ لَهُ: بِالذَّوْقِ تَارَةً، وَبِالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ تَارَةً، وَبِوُجُودِ الْحَلَاوَةِ تَارَةً، كَمَا قَالَ «ذَاقَ طَعْمَ الْإِيمَانِ» وَقَالَ «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا. وَمَنْ كَانَ يُحِبُّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ. وَمَنْ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي الْكُفْرِ – بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ – كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ» .
وَلَمَّا نَهَاهُمْ عَنِ الْوِصَالِ قَالُوا: «إِنَّكَ تُوَاصِلُ، قَالَ: إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إِنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى» وَفِي لَفْظٍ «إِنِّي أَظَلُّ عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي» وَفِي لَفْظٍ «إِنَّ لِي مُطْعِمًا يُطْعِمُنِي، وَسَاقِيًا يَسْقِينِي» .
وَقَدْ غَلُظَ حِجَابُ مَنْ ظَنَّ أَنَّ هَذَا طَعَامٌ وَشَرَابٌ حِسِّيٌّ لِلْفَمِ. وَلَوْ كَانَ كَمَا ظَنَّهُ هَذَا الظَّانُّ: لَمَا كَانَ صَائِمًا، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ مُوَاصِلًا. وَلَمَا صَحَّ جَوَابُهُ بِقَوْلِهِ «إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ» فَأَجَابَ بِالْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ. وَلَوْ كَانَ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ بِفِيهِ الْكَرِيمِ حِسًّا، لَكَانَ الْجَوَابُ أَنْ يَقُولَ: وَأَنَا لَسْتُ أُوَاصِلُ أَيْضًا. فَلَمَّا أَقَرَّهُمْ عَلَى قَوْلِهِمْ إِنَّكَ تُوَاصِلُ عُلِمَ أَنَّهُ – ﷺ – كَانَ يُمْسِكُ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَيَكْتَفِي بِذَلِكَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ الْعَالِي الرُّوحَانِيِّ، الَّذِي يُغْنِي عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ الْمُشْتَرَكِ الْحِسِّيِّ.
وَهَذَا الذَّوْقُ هُوَ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ هِرَقْلُ عَلَى صِحَّةِ النُّبُوَّةِ، حَيْثُ قَالَ لِأَبِي سُفْيَانَ: فَهَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ سَخْطَةً لِدِينِهِ؟ فَقَالَ: لَا. قَالَ: وَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ، إِذَا خَالَطَتْ
حَلَاوَتُهُ بَشَاشَةَ الْقُلُوبِ.
فَاسْتَدَلَّ بِمَا يَحْصُلُ لِأَتْبَاعِهِ مِنْ ذَوْقِ الْإِيمَانِ – الَّذِي خَالَطَتْ بِشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ: لَمْ يَسْخَطْهُ ذَلِكَ الْقَلْبُ أَبَدًا – عَلَى أَنَّهُ دَعْوَةُ نُبُوَّةٍ وَرِسَالَةٍ، لَا دَعْوَى مُلْكٍ وَرِيَاسَةٍ.
وَالْمَقْصُودُ: أَنَّ ذَوْقَ حَلَاوَةِ الْإِيمَانِ وَالْإِحْسَانِ، أَمْرٌ يَجِدُهُ الْقَلْبُ. تَكُونُ نِسْبَتُهُ إِلَيْهِ كَنِسْبَةِ ذَوْقِ حَلَاوَةِ الطَّعَامِ إِلَى الْفَمِ، وَذَوْقِ حَلَاوَةِ الْجِمَاعِ إِلَى إِلْفَةِ النَّفْسِ. كَمَا قَالَ النَّبِيُّ – ﷺ – «حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ. وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ» فَلِلْإِيمَانِ طَعْمٌ وَحَلَاوَةٌ يَتَعَلَّقُ بِهِمَا ذَوْقٌ وَوَجْدٌ. وَلَا تَزُولُ الشُّبَهُ وَالشُّكُوكُ عَنِ الْقَلْبِ إِلَّا إِذَا وَصَلَ الْعَبْدُ إِلَى هَذِهِ الْحَالِ. فَبَاشَرَ الْإِيمَانَ قَلْبُهُ حَقِيقَةَ الْمُبَاشَرَةِ. فَيَذُوقَ طَعْمَهُ وَيَجِدَ حَلَاوَتَهُ. وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
مدارج السالكين – ط الكتاب العربي ٣/٨٧-٨٨
قال عبدالحق الدهلوي:
– وفيه: إشارة إلى أن القلوب السليمة من أمراض الغفلة والهوى تتنعم بملذوذات المعاني كما تتنعم النفوس بملذوذات الأطعمة، وإنما ذاق طعم الإيمان من رضي باللَّه ربًّا؛ لأنه لما رضي باللَّه ربًّا استسلم له وانقاد لحكمه، وأبقى قياده إليه خارجًا عن تدبيره واختياره إلى حسن تدبير اللَّه واختياره، فوجد لذاذة العيش وراحة التفويض، ولما رضي باللَّه ربًّا كان له الرضا من اللَّه كما قال: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾، وإذا كان له الرضا من اللَّه تعالى أوجده اللَّه تعالى حلاوة ذلك ليعلم ما منّ به عليه، وليعرف إحسان الله إليه، ولا يكون الرضا بالله تعالى إلا مع الفهم، ولا يكون الفهم إلا مع النور، ولا يكون النور إلا مع الدنو، ولا يكون الدنو إلا مع العناية، فلما سبقت لهذا العبد العناية خرجت له العطايا من خزائن المنن، فلما واصلته أمداد الله تعالى وأنواره؛ عوفي قلبه من الأمراض والأسقام، فكان سليم الإدراك، فأدرك لذاذة الإيمان وحلاوته لصحة إدراكه وسلامة ذوقه، ولو سقم قلبه بالغفلة عن الله لم يدرك ذلك، لأن المحموم ربما وجد طعم السكر مرا، وليس هو في نفس الأمر كذلك، فإذا زالت أسقام القلوب أدركت الأشياء على ما هي عليه، فتدرك حلاوة الإيمان ولذاذة الطاعة ومرارة القطيعة والمخالفة، فيوجب إدراكها لحلاوة الإيمان اغتباطها به وشهود المنة من الله عليها، وتطلب الأسباب الحافظة للإيمان والجالبة له، ويوجب إدراك لذاذة الطاعة المداومة عليها وشهود المنة من الله فيها، ويوجب إدراكها لمرارة الكفران والمخالفة الترك لهما والنفور عنهما وعدم الميل إليهما، فيكمل الترك للذنب وعدم التطلع، وليس كل متطلع تاركا، ولا كل تارك غير متطلع، وإنما كان كذلك لأن نور البصيرة دله على أن المخالفة لله تعالى والغفلة عنه سم للقلوب مهلك، فنفرت قلوب المؤمنين عن مخالفة الله تعالى كنفرتك عن الطعام المسموم.
لمعات التنقيح في شرح مشكاة المصابيح ١/٢٢٨
قال ابن عثيمين:
فقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًّا» المراد به ذوق القلب لا ذوق اللسان، وإذا قيل: ذاق الثمرة، فهذا ذوق اللسان، ذاق العذاب: هذا ذوق البدن، فلكل مقام مقال.
تفسير العثيمين: آل عمران ٢/٢٨
(المسألة ): الفتاوى:
٨٤ – من أسباب ذوق حلاوة الإيمان
س: يقول هذا السائل عن نفسه سماحة الشيخ أنا مؤمن والحمد لله وقد أديت مناسك الحج والعمرة ومع ذلك لا أشعر بحلاوة الإيمان، فبماذا تنصحونني؟ [السؤال الحادي والعشرون من الشريط رقم ٣٠٨]
أجاب فضيلة الشيخ ابن باز رحمة الله عليه:
ننصحك باستعمال ما شرع الله جل وعلا من الحرص على الطاعات، وقراءة القرآن الكريم، والإكثار من ذكر الله عز وجل، فإن هذا من أسباب ذوق المحبة، ذوق حلاوة الإيمان، يقول النبي ﷺ: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه، كما يكره أن يقذف في النار». [أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب حلاوة الإيمان، برقم ١٦]، فالصدق في محبة الله ورسوله، والإيمان بالله ورسوله، ومحبة إخوانك في الله،
وكراهة الكفر بالله، من أسباب ذوق طعم الإيمان، ويقول ﷺ: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا». [أخرجه مسلم في كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد ﷺ رسولا، فهو مؤمن، وإن ارتكب المعاصي الكبائر، برقم ٣٤]، ويقول من حديث ابن عباس رضي الله عنه: «من أحب في الله، وأبغض في الله، وأعطى لله، ومنع لله، وجد حلاوة الإيمان» [أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط، ج٩، برقم ٩٠٨٣]، أو قال: «ذاق طعم الإيمان».
المقصود أن الإكثار من ذكر الله، ومن قراءة القرآن، والاستقامة على طاعة الله ورسوله، ومحبة الله ورسوله، وأن تحب إخوانك في الله،
وأن تكره الكفر وسائر المعاصي، كل هذا من أسباب ذوق طعم الإيمان، ووجود حلاوة الإيمان في قلبك، وأنسك بطاعة الله ورسوله، وتلذذك بذلك، بسبب صدقك في طاعة الله، ومحبة الله سبحانه وتعالى. [فتاوى نور على الدرب لابن باز – بعناية الشويعر، (4/ 213 وما بعدها)].
رابعًا: فوائد الحديث:
1 – (منها): “الحثّ على الرضا بهذه الأمور الثلاثة، وأن من رضي بها وجد طعم الإيمان.
2 – (ومنها): بيان تفاوت أهل الإيمان فيه، فإن منهم من وصل غايته، ووجده حلاوته، ونسي كدر الدنيا، واستأنس بذكر الله تعالى، واطمأنّ قلبه به، ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾.
3 – (ومنها): أن تعبيره بالذوق دون الشبع، ونحوه، يدلّ على أن هذا القدر من الاستحلاء، وإن كان في نفسه رفيعًا، إلا أنه ليس غاية المقصود الذي يجب أن يقف عنده، بل هو يزداد، فكلما ازداد إقباله على ربّه، واشتدّ شوقه إليه، ازدادت العطيّات، وتكاثرت الهبات، و﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. [البحر المحيط الثجاج].
4 – (ومنها): التَّرغيبُ في الإيمانِ التَّامِّ باللهِ ورَسولِه ودينِهِ.
5 – (ومنها): الإيمان له حلاوةٌ وطعْمٌ يُذاق بالقلوب، كما تُذاق حلاوة الطعام والشراب بالفم.
6 – (ومنها): الجسد لا يجد حلاوة الطعام والشراب إلا عند صحته، فكذلك القلب إذا سَلِم من مرض الأهواء المُضلَّة والشهوات المحرَّمة، وجد حلاوة الإيمان، ومتى مرض وسقم لم يجد حلاوة الإيمان، بل قد يستحلي ما فيه هلاكُه من الأهواء والمعاصي.
7 – (ومنها): الإنسان إذا رضي أمرًا واستحسنه سَهُل عليه أمره، ولم يشق عليه شيء منه، وفرح بكل ما جاء به، وخالط بشاشته قلبه، فكذلك المؤمن إذا دخل قلبه الإيمان، سهلت عليه طاعة ربه ولذَّت له نفسه، ولم يشق عليه معاناتها.
8 – (ومنها): قال ابن القيم: هذا الحديث تضمن الرضا بربوبيته سبحانه وألوهيته، والرضا برسوله والانقياد له، والرضا بدينه والتسليم له.
—