(3032 ) فتح ذي النعم بالبدر الأتم شرح صحيح مسلم
مشاركة: أحمد بن علي ومحمد البلوشي و محمد سيفي وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وأسامة الحميري وعدنان البلوشي
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
جاء في صحيح الإمام مسلم رحمه الله من (٥٦) – (كِتَابُ: التفسير)، (٧) – (بَابٌ: فِي نُزُولِ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ)
٣٢ – (٣٠٣٢) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ. حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ أَبِي حَيَّانَ، عن الشعبي، عن ابن عمر، قال:
خطب عمر عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بعد: ألا وإن الخمر نزل تحريمها، يوم نزل، وهي من خمسة أشياء، من الحنطة والشعير، والتمر، والزبيب، والعسل، والخمر ما خامر العقل، وثلاثة أشياء وددت، أيها النَّاسُ! إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كان عهد إلينا فيها: الجد، والكلالة، وأبواب من أبواب الربا.
٣٣ – (٣٠٣٢) وحدثنا أبو كريب. أخبرنا ابن إدريس. حدثنا أبو حيان عن الشعبي، عن ابن عمر. قال:
سمعت عمر بن الخطاب، عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، يقول: أما بعد. أيها الناس! فإنه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة: من العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير، والخمر ما خامر العقل، وثلاث، أيها الناس! وددت إن رسول الله ﷺ كان عهد إلينا فيهن عهدا ننتهي إليه: الجد، والكلالة، وأبواب من أبواب الربا.
٣٣ – م – (٣٠٣٢) وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة. حدثنا إسماعيل بن علية. ح وحدثنا إسحاق بن إبراهيم. أخبرنا عيسى بن يونس، كلاهما عن أبي حيان، بهذا الإسناد، بمثل حديثهما، غير أن ابن علية في حديثه: العنب، كما قال ابن إدريس، وفي حديث عيسى: الزبيب كما قال ابن مسهر.
==========
أولاً: شرح الحديث، وبيان مفرداته:
قال الحافظ النووي رحمه الله: “(٧) – (بَابٌ: فِي نُزُولِ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ)”
وقال الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى:
[٧٥٢٠] (٣٠٣٢) – الحديث
شرح الحديث:
وقوله: (مِنَ الْحِنْطَةِ) إلى آخره بدل من «خمسة»، أو من «أشياء»، و«الحنطة» بكسر الحاء المهملة، وسكون النون، وهي والقَمْح، والبرّ، والطعام واحد. [«المصباح المنير» ١/ ١٥٤].
قال في «الفتح»: هذا الحديث أورده أصحاب المسانيد، والأبواب، في الأحاديث المرفوعة؛ لأن له عندهم حكمَ الرفع؛ لأنه خبر صحابيّ شَهِد التنزيل، أخبر عن سبب نزولها، وقد خطب به عمر رضي الله عنه على المنبر بحضرة كبار الصحابة وغيرهم، فلم يُنقل عن أحد منهم إنكاره، وأراد عمر بنزول تحريم الخمر آية المائدة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ [المائدة: ٩٠] إلى آخرها، فأراد عمر التنبيه على أن المراد بالخمر في هذه الآية ليس خاصًّا بالمتَّخذ من العنب، بل يتناول المتخذ من غيرها، ويوافقه حديث أنس الماضي، فإنه يدل على أن الصحابة فَهِموا من تحريم الخمر تحريم كل مسكر، سواء كان من العنب، أم من غيرها.
وقد جاء هذا الذي قاله عمر عن النبيّ ﷺ صريحًا، فأخرج أصحاب السنن الأربعة، وصححه ابن حبان من وجهين، عن الشعبيّ، أن النعمان بن بشير قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الخمر من العصير، والزبيب، والتمر، والحنطة، والشعير، والذرة، وإني أنهاكم عن كل مسكر»، لفظ أبي داود، وكذا ابن حبان، وزاد فيه: «أن النعمان خطب الناس بالكوفة»، ولأبي داود من وجه آخر عن الشعبيّ، عن النعمان، بلفظ: «إن من العنب خمرًا، وإن من التمر خمرًا، وإن من العسل خمرًا، وإن من البُر خمرًا، وإن من الشعير خمرًا»، ومن هذا الوجه أخرجها أصحاب السنن، والتي قبلها فيها الزبيب، دون العسل.
ولأحمد من حديث أنس، بسند صحيح عنه قال: «الخمر من العنب، والتمر، والعسل». ولأحمد من حديث أنس، بسند صحيح عنه قال: «الخمر والتمر، والعسل والحنطة، والشعير، والذرة» أخرجه أبو يعلي من هذا الوجه بلفظ: «حُرِّمت الخمر يوم حرمت، وهي ….»، فذكرها، وزاد الذرة.
وأخرج الخلعي في «فوائده» من طريق خلاد بن السائب، عن أبيه، رفعه، مثل الرواية الثانية، لكن ذكر الزبيب بدل الشعير، وسنده لا بأس به، ويوافق حديث ابن عمر: «نزل تحريم الخمر، وإن بالمدينة يومئذ لخمسةَ أشربة، ما فيها شراب العنب» [«الفتح» ١٢/ ٦١٤].
ولو سلّم أن الخمر في اللغة يختص بالمتخذ من العنب، فالاعتبار بالحقيقة الشرعية، وقد تواردت الأحاديث على أن المسكر من المتخذ من غير العنب، يسمى خمرًا،
والحقيقة الشرعية مقدمة على اللغوية، وقد ثبت عند مسلم، وأصحاب السنن، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله ﷺ: «الخمر من هاتين الشجرتين: النخلة والعنبة»، قال البيهقي: ليس المراد الحصر فيها؛ لأنه ثبت أن الخمر تُتَّخذ من غيرهما في حديث عمر وغيره، وإنما فيه الإشارة إلى أن الخمر شرعًا لا تختص بالمتخذ من العنب. أفاده في «الفتح» [«الفتح» ١٢/ ٦١٥]،
وقوله: (الْجَدُّ) وما عُطف عليه بدل من «ثلاثة»، أو من «أشياء»، (وَالْكَلَالَةُ، وَأَبْوَابٌ منْ أَبْوَابِ الرِّبَا) أما الجد فالمراد قَدْر ما يَرِث؛ لأن الصحابة اختلفوا في ذلك اختلافًا كثيرًا، فقد جاء عن عمر رضي الله عنه أنه قضى فيه بقضايا مختلفة.
وأما الكلالة بفتح الكاف، وتخفيف اللام فقد اختُلف في تفسيره، والجمهور على أنه من لا ولد له، ولا والد [«الفتح» ١٥/ ٤٥٥].
وأما أبواب الربا فلعله يشير إلى ربا الفضل؛ لأن ربا النسيئة متفق عليه بين الصحابة، وسياق عمر يدلّ على أنه كان عنده نصّ في بعضٍ من أبواب الربا دون بعض، فلهذا تمنى معرفة البقية. [«الفتح» ١٢/ ٦٢٠]، والله تعالى أعلم.
وحديث عمر رضي الله عنه هذا متّفقٌ عليه.
ثانيا: خلاصة فقه وفوائد الحديث:
١ – (منها): بيان الأنواع التي كانت تتّخذ منها الخمر وقت نزول آية تحريم الخمر، وهي هذه الخمسة.
٢ – (ومنها): ذِكر الأحكام على المنبر؛ لتشتهر بين السامعين.
٣ – (ومنها): ذكر «أما بعد» فيها، كما ثبت في رواية الإسماعيليّ.
٤ – (ومنها): التنبيه بالنداء.
٥ – (ومنها): التنبيه على شرف العقل وفضله.
٦ – (ومنها): ما قاله الخطابيّ رحمه الله: إنما عَدّ عمر رضي الله عنه الخمسة المذكورة لاشتهار أسمائها في زمانه، ولم تكن كلها توجد بالمدينة الوجود العام، فإن الحنطة كانت بها عزيزة، وكذا العسل، بل كان أعزّ، فعدَّ عمر ما عُرف فيها، وجعل ما في معناها مما يُتَّخذ من الأرز وغيره خمرًا، إن كان مما يخامر العقل …
ثالثا:
قال في «الفتح»: جعل الطحاويّ هذه الأحاديث متعارضة، وهي حديث أبي هريرة، في أن الخمر من شيئين، مع حديث عمر، ومن وافقه، أن الخمر من غيرهما، وكذا حديث ابن عمر: «لقد حرمت الخمر، وما بالمدينة منها شيء»، وحديث أنس: «إن الخمر حرمت، وشرابهم الفضيخ»، وفي لفظ له: «وإنا نَعُدّها يومئذٍ خمرًا»، وفي لفظ له: «إن الخمر يوم حرمت: البسر والتمر».
قال: فلما اختلف الصحابة في ذلك، ووجدنا اتفاق الأمة على أن عصير العنب إذا اشتد وغلى، وقذف بالزبد فهو خمر، وأن مستحله كافر، دل على أنهم لم يعملوا بحديث أبي هريرة؛ إذ لو عملوا به لكفّروا مستحل نبيذ التمر، فثبت أنه لم يدخل في الخمر، غير المتَّخذ من عصير العنب. انتهى.
ولا يلزم من كونهم لم يكفِّروا مستحل نبيذ التمر، أن يمنعوا تسميته خمرًا، فقد يشترك الشيئان في التسمية، ويفترقان في بعض الأوصاف، مع أنه هو يوافق على أن حُكم المسكر من نبيذ التمر، حُكم قليل العنب في التحريم، فلم تبق المشاححة إلا في التسمية، والجمع بين حديث أبي هريرة وغيره،
بحمل حديث أبي هريرة على الغالب؛ أي: أكثر ما يُتخذ الخمر من العنب والتمر، ويُحمَل حديث عمر ومن وافقه، على إرادة استيعاب ذِكر ما عُهد حينئذ أنه يتَّخذ منه الخمر، وأما قول ابن عمر فعلى إرادة تثبيت أن الخمر يُطلق على ما لا يتخذ من العنب؛ لأن نزول تحريم الخمر لم يصادف عند من خوطب بالتحريم حينئذ إلا ما يُتَّخذ من غير العنب، أو على إرادة المبالغة، فأطلق نفي وجودها بالمدينة، وإن كانت موجودة فيها بقلّة
وقال صاحب «الهداية» من الحنفية: الخمر عندنا ما اعتُصر من ماء العنب، إذا اشتد، وهو المعروف عند أهل اللغة، وأهل العلم….
[والجواب] عن الحجة الأولى: ثبوت النقل عن بعض أهل اللغة، بأن غير المتخذ من العنب يسمى خمرًا، وقال الخطابي: زعم قوم أن العرب لا تعرف الخمر إلا من العنب،
فيقال لهم: إن الصحابة الذين سموا غير المتخذ من العنب خمرًا، عرب فصحاء، فلو لم يكن هذا الاسم صحيحًا، لَمَا أطلقوه. وقال ابن عبد البر: ومن الحجة للجمهور : أن القرآن لَمّا نزل بتحريم الخمر، فَهِم الصحابة، وهم أهل اللسان، أن كل شيء يسمى خمرًا، يدخل في النهي، فأراقوا المتخذ من التمر والرطب، ولم يخصوا ذلك بالمتخذ من العنب، وعلى تقدير التسليم، فإذا ثبت تسمية كل مسكر خمرًا من الشرع، كان حقيقة شرعية، وهي مقدَّمة على الحقيقة اللغوية.
[وعن الثانية]: ما تقدم من أن اختلاف مشترِكَين في الحكم في الغلظ، لا يلزم منه افتراقهما في التسمية
[وعن الثالثة]: ثبوت النقل عن أعلم الناس بلسان العرب بما نفاه هو،
وكيف يستجيز أن يقول: لا لمخامرة العقل، مع قول عمر بمحضر الصحابة:
«الخمر ما خامر العقل»؟ كأن مستنده ما ادعاه من اتفاق أهل اللغة، فيُحمَل
قول عمر على المجاز، لكن اختلف قول أهل اللغة في سبب تسمية الخمر خمرًا، ولا مانع من صحة هذه الأقوال كلها؛ لثبوتها عن أهل اللغة، وأهل المعرفة باللسان.
قال ابن عبد البر: الأوجه كلها موجودة في الخمرة؛ لأنها تُركت حتى أَدركت، وسكنت، فإذا شُربت خالطت العقل، حتى تغلب عليه، وتغطيه.
وقال القرطبي: الأحاديث الواردة عن أنس وغيره، على صحتها وكثرتها، تُبطل مذهب الكوفيين القائلين: بأن الخمر لا يكون إلا من العنب، وما كان من غيره لا يسمى خمرًا، ولا يتناوله اسم الخمر، وهو قول مخالف للغة العرب، وللسُّنَّة الصحيحة، وللصحابة؛ لأنهم لما نزل تحريم الخمر، فهموا من الأمر باجتناب الخمر، تحريم كل مسكر، … وأما الأحاديث عن الصحابة التي تمسك بها المخالف، فلا يصح منها شيء، على ما قال عبد الله بن المبارك، وأحمد، وغيرهم، وعلى تقدير ثبوت شيء منها، فهو محمول على نقيع الزبيب، أو التمر من قبل أن يدخل حد الإسكار؛ جمعًا بين الأحاديث.
قال الحافظ: ويؤيده ثبوت مثل ذلك عن النبيّ ﷺ، كما في حديث سهل بن سعد الساعديّ أن أبا أسيد الساعديّ دعا النبيّ ﷺ لعُرسه، فأنقعت امرأته له تمرات من الليل في تور، فسقته منه، ولا فرق في الحل بينه وبين عصير العنب، أول ما يعصر،
وإنما الخلاف فيما اشتدّ منهما، هل يفترق الحكم فيه أو لا ….
. انتهى من «الفتح» [«الفتح» ١٢/ ٦١٥ – ٦١٩، «كتاب الأشربة» رقم (٥٥٨٨)]، وهو بحث نفيس جدًّا، فاغتنمه تَسعَد، والله تعالي أعلم. [البحر المحيط الثجاج، بتصرف يسير].
ربعًا: الأحكام والمسائل والملحقات:
(المسألة الأولى): في معنى قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90)} [المائدة].
(المطلب الأول): نص الآيات
قال الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ (91) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (92) لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوا وَّآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوا وَّآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوا وَّأَحْسَنُوا ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (93)} [المائدة].
(المطلب الثاني ): تفسير الآيات:
قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90)}.
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
لَمَّا أحلَّ اللهُ عزَّ وجلَّ الطيِّباتِ حرَّم الخبائثَ الْمُفْضيةَ إلى مفاسدَ؛ ولَمَّا كان الخمرُ والميسِرُ مِن جملةِ الأُمورِ المستطابةِ في جاهليَّتهم؛ بيَّن أنَّهما غيرُ داخِلَينِ في المحلَّلات، والميْسِرُ كان وسيلة للكسْبِ والأكْل؛ فكانتْ هذه الآيةُ كالاحتراسِ عمَّا قد يُساءُ تأويلُه مِن قَوْلِه سبحانه: {لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} [انظر: ((تفسير الرازي)) (12/66)، ((تفسير ابن عاشور)) (7/21)]، فقال تعالى:
قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ}.
أي: يا أيُّها المؤمنونَ، إنَّ الخمرَ والقِمارَ وما نُصِبَ لعبادةِ غيرِ الله تعالى، والأزلامَ التي يُسْتَقْسَم بها، كما كانتِ العربُ في جاهليَّتِها يَتعاطَون ذلك، وهي عبارةٌ عن قِداح ثلاثةٍ، مكتوبٌ على أحدِها: «افْعَل»، وعلى الآخَر: «لا تفعل»، والثَّالث ليس عليه شيءٌ، وقِيل: كان يُكتَب على الواحدِ منها: «أَمَرني ربِّي»، وعلى الآخَر: «نَهاني ربِّي»، والثالث ليس عليه شيءٌ، فإذا أجالَها فطَلَع السَّهمُ الآمِرُ فَعَلَه، أو النَّاهي ترَكَه، وإنْ طلَعَ الفارغُ أعاد الاستقسامَ، حتى يَخرُجَ أحدُ القَدَحينِ الآخَرَينِ فيَعملَ به.
واختار ابنُ جرير أنَّ المراد بالأنصاب: الأنصابُ التي يُذبح عندها.
قوله: {رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ}.
أي: إنَّ تلك الأشياءَ ما هي إلا خُبثٌ ونَتَنٌ وأمورٌ مُستقذَرَة، يَنبغي أن تَعافَها النُّفوسُ، وهي مِن تزيينِ الشيطان، ووحْيِه إليكم؛ ليُرغِّبَكم في إتيانِها وتعاطيها.
واختلف أهلُ العلمِ في هل الخمر نجسةٌ نجاسةً عينيَّة أو لا.
يُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (1/426-428)، ((مختصر فقه الطهارة)) (ص: 143)].
قوله: {فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.
أي: فابْتَعِدوا عن هذا الرِّجْس؛ كيما تَظْفَروا بما تَطلُبون، وتَنجوا ممَّا تَرهَبُون
وقوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91)}.
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
لَمَّا أمَرَ اللهُ تعالى باجتنابِ الخمرِ والميسرِ، عقَّب بذِكر نوعينِ من المفسدةِ التي تترتَّبُ على تعاطيها وارتكابها:
الأول: ما يتعلَّق بالدُّنيا، وهو قوله: إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ،
والثاني: ما يَتعلَّق بالدِّين وهو قولُه تعالى: وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ. [انظر: ((تفسير الرازي)) (12/424)].
سَببُ النُّزولِ:
عن مُصعَبِ بنِ سَعدٍ، عن أبيه، أنَّه قال: أتيتُ على نفرٍ مِنَ الأنصارِ والمهاجرينَ، فقالوا: تعالَ نُطْعِمْك، ونَسْقِك خمرًا، وذلك قبل أنْ تُحرَّم الخمرُ، قال: فأتيتُهم في حَشٍّ- والحَشُّ البُستانُ – فإذا رأسُ جَزورٍ مشويٌّ عندهم، وزِقٌّ مِن خَمْر، قال: فأكلتُ وشَرِبْتُ معهم، قال: فذكرتُ الأنصارَ والمهاجرينَ عندهم، فقُلْتُ: المهاجرون خيرٌ من الأنصارِ، قال فأخَذَ رجلٌ أحدَ لَحْيَيِ الرَّأْسِ فضَربَني به، فجرَح بأنفي، فأتيتُ رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فأخبرتُه، فأنزلَ اللهُ عزَّ وجلَّ فيَّ- يعني: نفْسَه – شأنَ الخمرِ: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ} [المائدة: 90] [رواه مسلم (1748)].
قوله: {فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ}.
مُناسَبتُها لِمَا قَبلَها:
أي: فهلْ تَمتنِعون عن تِلك القبائحِ بعدَ هذا البيانِ الجليِّ والموعظةِ البليغة؟
وقوله: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (92)}.
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
لَمَّا كان الخَمْرُ والميسرُ مألوفًا لهم، محبوبًا عندهم، وكان تركُ المألوفِ أمَرَّ مِن ضَرْبِ السُّيوف؛ أكَّد دعوتَهم إلى اجتنابِه، مُحذِّرًا من المخالفةِ بقولِه: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا}.[انظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (6/294)]
قوله: {فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ}.
أي: فإنْ أنتم أعرضتُم عن طاعةِ الله تعالى وطاعةِ رسولِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فاعْلَموا إذنْ أنَّه ليس على مَن أرسَلْناه إليكم سِوى إبلاغِكم رسالةَ ربِّكم بجَلاءٍ ووُضُوحٍ، وأمَّا إيقاعُ العقابِ بكم إذا تولَّيْتم عنها، فعلى الله تعالى وحْدَه.
و قوله: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (93)}.
سَببُ النُّزول:
عن أنسٍ رضِيَ اللهُ عنه، قال: ((كنتُ ساقِيَ القومِ في مَنزلِ أبي طَلحةَ، وكان خمرُهم يومئذٍ الفَضيخَ، فأمَر رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مناديًا يُنادي: ألَا إنَّ الخمرَ قد حُرِّمت، قال: فقال لي أبو طَلحةَ: اخرُجْ فأهرِقْها. فخرَجْتُ فهَرَقْتُها فجرَتْ في سِكَكِ المدينةِ، فقال بعضُ القَوْمِ: قد قُتِل قومٌ وهي في بُطونِهم؛ فأنزَلَ اللهُ: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا الآيَةَ} )). [رواه البخاريُّ (2464) واللفظ له، ومسلم (1980)]. [والفَضِيخ: هو شرابٌ يُتَّخذ من البُسْرِ المَفضوخ – أي: المَشْدوخ- وحْدَه، من غيرِ أن تمسَّه النار.
ينظر: ((الصحاح)) للجوهري (1/429)، ((النهاية)) لابن الأثير (3/453)].
قوله: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا}.
أي: ليس على المؤمنينِ الذين يَعملون الأعمالَ الصالحة؛ إثمٌ فيما شَرِبوا وأَكَلوا ممَّا حرَّمَ الله تعالى قبلَ نُزولِ تحريمِه ومعرفتِه، وذلك كالخمرِ التي كانوا يَشربونها، والقِمارِ الذي كانوا يَتعاطَوْنه.
[انظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/664)، ((تفسير السعدي)) (ص: 243)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/365-368).
قوله: {إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}.
أي: يُنفَى عنهم الإثمُ بشَرْط أن يَجتنبوا ما حرَّم اللهُ تعالى، ومِن ذلك ما حرَّمَ عليهم من مَطعوماتٍ، ويُؤمنوا باللهِ تعالى إيمانًا صحيحًا، يَدعوهم إلى اكتسابِ الأعمالِ الصَّالحات
قوله: {ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا}.
أي: ثم استمرُّوا على اجتنابِ ما حُرِّم عليهم، وثَبَتوا واستمرُّوا على الإيمانِ به سبحانه، دون أن يُغيِّروا أو يُبدِّلوا.
قوله: {ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا}.
أي: ثمَّ داوَمُوا على اجتنابِ المحرَّماتِ، حتى دعاهم ذلك إلى بُلوغِ الإحسانِ في فِعل الطَّاعاتِ.
قوله: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}.
أي: والله تعالى يحِبُّ المحسنِينَ في عِبادتِه، الذين يَعبُدونه سبحانه كأنَّهم يَرونَه، المحسنِين في نَفْعِ عِبادِه.
[انظر: ((تفسير ابن جرير)) (8/665)، ((تفسير السعدي)) (ص: 243)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/370-373)].
(المطلب الخامس): الفوائد التربوية:
1- بَدْؤُه تعالى الكلامَ بهذا الوَصْفِ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا يدلُّ على أنَّ العملَ به تَصديقًا أو امتثالًا من مقتضياتِ الإيمانِ، كذلك أيضًا: يدلُّ على أنَّ مخالفتَه، أو الشكَّ فيه، أو تكذيبَه منافٍ للإيمانِ؛ إمَّا لأصلِه أو لكمالِه، وثالثًا: أنَّ في هذا إغراءً للمخاطَب، كأنَّه يقول: إنْ كنتَ مؤمنًا فاستمعْ وامتثِلْ. [انظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/327)].
2- يَكفي أنْ يعلمَ المؤمنُ أنَّ شيئًا ما مِن عملِ الشَّيطانِ؛ لينْفِرَ منه حسُّه، وتَشمئزَّ منه نفْسُه، ولم يكتفِ بذلك ذمًّا لهذا العَمَل، بل وفي هذه اللَّحظة يَصدُر النَّهيُ مصحوبًا كذلك بالإطماعِ في الفَلاح، وهي لمسةٌ أخرى من لمساتِ الإيحاءِ النفسيِّ العميقِ، فقال: فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. [انظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/24)].
3- قَوْلُه تعالى: رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ، فيه: بيانُ أنَّه لا مَعصيةَ أعظمُ وأقبحُ من معصيةٍ تُدنِّس صاحبَها، وتجعلُه من أهل الخُبثِ، وتُوقِعُه في أعمالِ الشَّيطانِ وشِباكه، فينقادُ له كما تنقادُ البهيمةُ الذليلةُ لراعيها، وتَحولُ بين العبدِ وبين فلاحِه، وتُوقِعُ العداوةَ والبغضاءَ بين المؤمنين، وتصدُّ عن ذِكر اللهِ وعن الصَّلاة؟ فهل فوقَ هذه المفاسدِ شيءٌ أكبرُ منها ؟!
[انظر: (تفسير السعدي)) (ص: 243)].
4- فضيلةُ الصَّلاةِ لتَخصيصِها بالذِّكر مِن بين ذِكرِ اللهِ عزَّ وجلَّ؛ لِقَوْلِه: وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ، وهذا يدلُّ على شَرَفِها وفَضلِها على غيرِها.
[انظر: ((تفسير الشربيني)) (1/396)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/353)].
5- أنَّ كَلَّ ما صدَّ عن ذِكرِ الله فهو مِن أوامرِ الشَّيطانِ؛ لِقَوْلِه: وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ، وذِكرُ الله تبارك وتعالى يكونُ بالقلبِ واللِّسان والجوارحِ، فكلُّ ما صدَّك عن ذِكرِ اللهِ من هذه الأشياءِ، فهو من أوامِر الشيطانِ وإراداتِه. [انظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/353)].
6- أنَّ كلَّ ما وقَع في قلبك مِن التثاقُل عن الصَّلاة، فاعلمْ أنَّه من الشَّيطانِ، ومرادِ الشيطان؛ لِقَوْلِه: وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ [انظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/353)].
7- في قولِه تعالى: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ، الحضُّ على ترْكِ هذه الخبائثِ، والإقلاعِ عنها؛ لأنَّ العاقِلَ إذا نظَر إلى بعضِ تِلك المفاسدِ انزجَر عنها وكفَّتْ نفْسُه، ولم يَحتَجْ إلى وعْظٍ كثيرٍ، ولا زجرٍ بليغٍ. [انظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 243)].
8- في قوله تعالى: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ، بيانُ أنَّ طاعةَ الله وطاعةَ رسولِه واحدةٌ، فمَن أطاعَ الله فقدْ أطاعَ الرسولَ، ومَن أطاع الرسولَ فقد أطاع اللهَ، وذلك شاملٌ للقِيامِ بما أمَر اللهُ به ورسولُه من الأعمال والأقوالِ، الظاهرةِ والباطِنة، الواجبةِ والمستحبَّةِ، المتعلِّقة بحقوقِ اللهِ وحقوقِ خَلْقِه، والانتهاءِ عمَّا نهى الله ورسولُه عنه كذلك. [انظر: (((تفسير السعدي)) (ص: 243)].
9- أنَّ تولِّيَ الناسِ عمَّا يدعو إليه النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لا يضرُّه، ولا يُلامُ عليه؛ لِقَوْلِه: فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ [انظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/361)].
10- وجوبُ الرُّجوعِ إلى قولِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ لِقَوْلِه: فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ، وأنَّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ قام بالواجِب، فعلينا- نحن- أن نقومَ بالواجِبِ. [انظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/361)].
11- قَوْلُه تعالى: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا، فيه: ثناءٌ من الله، وحَمْدٌ لأحوال مَن يتَّصِفون بهذه الصِّفات: الإيمانِ والتقوى والإحسان، وهذا مدعاةٌ لتحرِّيها والاتصافِ بها. [انظر: ((تفسير الرازي)) (12/427)].
12- يُستَفادُ القيودُ الشَّديدة في نفْيِ الإثمِ عمَّن أكَل أو شَرِب في مأكولِه ومَشروبِه، والتقوى ذُكرتْ في الآيةِ ثلاثَ مرَّات، والإيمانُ مرَّتين، والإحسانُ مرَّة، قيودٌ شديدة عظيمة؛ فينبغي الحَذَر من أنْ يكون في المطعومِ إثمٌ.
[انظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/371)].
13- يُستَفادُ أنَّ مَن أكَلَ حلالًا بكسْبٍ حرامٍ فعليه الإثمُ؛ لأنَّه لم يتَّقِ اللهَ في كسْبِه، ولا بدَّ أن يتَّقيَ اللهَ عزَّ وجلَّ، وإذا كان الشيءُ المحرَّمُ مُعَيَّنًا فيكون الآكِلُ كالكاسِب، مثل: أنْ أعرفَ أنَّ هذه الشَّاةَ التي ذبَحَها إكرامًا لي قد سرقَها من فلانٍ، فهذه حرامٌ عليَّ أنْ آكُلَها.
[انظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/372)].
14- يُستَفادُ مِنْ قَوْلِه: ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا، فضيلةُ الإحسانِ إلى الخَلْق والإحسانِ في عِبادةِ الخالِق؛ فالإحسانُ إلى الخَلْق أن تبذُلَ جاهَك، تبذل مالَك، تبذل خِدمتك، تبذل منفعتَك البدنيَّة،
والإحسانُ في عبادة الخالِقِ فسَّره أعلمُ الناسِ بمعناه، وهو النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بقوله: ((أنْ تَعبُدَ اللهَ كأنَّك تراه، فإنْ لم تكُن تراه فإنَّه يَراك)).
[انظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/373). والحديث أخرجه البخاري (50)، ومسلم (10) من حديث أبي هريرة، وأخرجه مسلم (8) من حديث عمر].
(المطلب الخامس): الفوائد العلمية واللطائف:
1- أطْلقَ اللهُ عزَّ وجلَّ الإيمانَ في قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ولم يَذكُر ما يُؤمَن به؛ لأنَّ ذلك معلومٌ، وقد سأل جِبريلُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عنه؛ أي: عن الإيمانِ، فقال: ((أنْ تُؤمِنَ بالله، وملائكتِه، وكُتُبه، ورُسلِه، واليومِ الآخِر، والقَدَرِ خيرِه وشرِّه)).
[انظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/327). والحديث أخرجه مسلم (8) من حديث عمر رضي الله عنه].
2- قَوْلُه: إِنَّمَا الْخَمْرُ…، يُستفادُ منه تحريمُ الخمرِ مِن أيِّ شيءٍ كان، سواءٌ من العِنب أو مِن الرُّطَب، أو مِن الشَّعير، أو مِن البُرِّ، أو من أيِّ شيءٍ؛ لعمومِ الآيَةِ.
[انظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/333)].
3- قولُه تعالى: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ…، يُستفادُ من الآيَةِ تحريمُ الميسرِ قليلِه وكثيرِه؛ للعموم، حتى لو كانتِ المغالَبةُ بقِرشٍ واحدٍ، ولو يَسيرًا؛ لأنَّنا نقول: قليلُ الميسرِ الذي لا يُجحِف بمالِ الإنسانِ، ولا يُهتمُّ به، كقليلِ الخمرِ الذي إذا كان قليلًا لم يُسْكِر، وإذا كان كثيرًا أسْكَر، ولا شكَّ أنَّ المغالَبَةَ إذا كانتْ في شيءٍ يسيرٍ تجرُّ إلى المغالبةِ في شيءٍ كثيرٍ، ويُستثنَى من ذلك ما مَصلحتُه أعْلَى مِن مفسَدَتِه، وذلك في ثلاثةِ أشياءَ بَيَّنَها النبيُّ صلَّى الله عليه وآله وسلَّمَ فقال: ((لا سَبَقَ إلَّا في نصْلٍ أو خُفٍّ أو حافِرٍ)).
[أخرجه أبو داود (2574)، والترمذيُّ (1700)، والنَّسائيُّ (3585)، وأحمد (10142) من حديث أبي هُرَيرَة رضي الله عنه. حسَّنه التِّرمذي، وقال العُقيليُّ- كما في ((لسان الميزان)) لابن حجر (6/327)-: رواه الناسُ عن ابن أبي ذِئب، عن أبي هُرَيرة، وهو الصَّحيح.
واحتجَّ به ابن حزم في ((المحلى)) (7/354)، وصحَّحه ابن العربي في ((عارضة الأحوذي)) (4/160)، وصحَّح إسنادَه ابنُ القَطَّان في ((الوهم والإيهام)) (5/382)، وصحَّحه الألباني في ((صحيح سنن أبي داود)) (2574)] – السَّبَق بفَتْح الباءِ- هو: العِوَضُ المأخوذِ على السَّبْقِ- بسكون الباء-، والنَّصل: السِّهام، والخُف: البعير، والحافِر: الفرس- وإنَّما استثنى النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ ذلك؛ لأنَّ بها يقومُ الجهادُ في سَبيلِ الله الذي به إعلاءُ كلمةِ الله، وهذه مصلحةٌ عظيمةٌ؛ فإذا رُخِّص للنَّاسِ في أخْذ العِوَضِ عليها، كَثُرَ تسابُقُهم فيها [انظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/335)].
4- قَوْلُه تعالى: إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ، فيه: نصٌّ صريحٌ في أنَّ كلَّ مُسْكِرٍ حرامٌ؛ وذلك لأنَّه قال بعده: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ، فرتَّب النَّهيَ عن شُرْب الخمرِ على كونِ الخَمْرِ مشتملةً على تلك المفاسِد، ومِن المعلومِ في بَدائِهِ العقولِ أنَّ تلك المفاسدَ إنَّما تَولَّدتْ مِن كونِها مؤثِّرةً في السُّكْر، وهذا يُفيد القطعَ بأنَّ عِلَّة قوله: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ، هي كونُ الخمرِ مُؤثِّرةً في الإسكارِ، وإذا ثبَت هذا وجبَ القطعُ بأنَّ كلَّ مُسكِرٍ حرامٌ.
[انظر: ((تفسير الرازي)) (12/426)].
5- للقرآنِ الكريمِ طريقةٌ في بيان العِلل؛ فتارةً يَتقدَّم بيانُ العِلَّة، وتارةً يتأخَّر، يعني: إذا ذَكَر الله حُكمًا، وذَكَر له عِلَّةً، فتارةً يَذكُر العِلة قَبلُ ثم يَبني عليها الحُكمَ، وتارةً يَذكُرُ الحُكمَ ثم يأتي بالعِلَّةِ، حسَبَ ما تَقتضيه الحالُ وقرائنُ السِّياقِ، فهنا ذَكَر العِلَّة قبلَ الحُكم، وهي: رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ.
[انظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/341)].
6- تحريمُ الأصنامِ؛ لقولِه تعالى: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ، فالأنصابُ: ما يُنصب ليُعبدَ مِن دون الله، وهو يعمُّ كلَّ ما اتُّخِذَ صَنمًا من أيِّ مادةٍ كان؛ لأنَّ الآيةَ مُطلَقةٌ.
[انظر: ((تفسير ابن عثيمين – سورة المائدة)) (2/328، 339)].
7- في قولِه تعالى: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}، حُذِفَ المتعلَّق لإفادةِ العُموم، فلمْ يَخُصَّ سبحانه وتعالى الاجتنابَ بنَوعٍ من أنواعِ الانتفاعِ؛ فيُحمَل على العُموم، ويكون المعنى: اجتَنِبوا بَيعَه، وشُرْبَه، وإهداءَه، وتخليلَه، وهِبتَه، وغيرَ ذلك. [نظر: ((قواعد التفسير)) (ص: 599)].
8- رحمةُ اللهِ تبارَك وتعالَى بعِبادِه الَّذين خَلَقَهم لعِبادتِه؛ حيثُ حذَّرهم مِن كلِّ ما فيه ضَررٌ؛ لِقَوْلِه: فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.
[انظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/349)].
9- إثباتُ الإرادةِ للشَّيطانِ؛ لِقَوْلِه: إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ، والله تعالى يقول: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لآِدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ [البقرة: 34] ، وقد جادَلَ ربَّه عن إرادةٍ.
[انظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/350)].
10- في قولِه تعالى: إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ، اقتصرتِ الآيةُ على تبيينِ مفاسِدِ شُرْبِ الخمرِ وتعاطي الميسِر، دون تَبْيينِ ما في عِبادَةِ الأنصابِ والاستقسامِ بالأزلامِ من الفَسادِ؛ وذلك لأنَّ إقلاعَ المسلمينَ عنهما قد تَقرَّر قَبلَ هذه الآيةِ مِن حِين الدُّخولِ في الإسلامِ؛ لأنَّهما من مآثِر عَقائدِ الشِّركِ، ولأنَّه ليس في النُّفوسِ ما يُدافِعُ الوازعَ الشرعيَّ عنهما بخِلافِ الخَمْر والميسِرِ؛ فإنَّ ما فيهما من اللَّذَّات التي تُزجِي بالنُّفوسِ إلى تَعاطيهما قد يُدافِع الوزاعَ الشرعيَّ؛ فلذلك أكَّد النهيَ عنهما أشدَّ ممَّا أكَّد النهيَ عن الأنصابِ والأزلامِ. [انظر: ((تفسير ابن عاشور)) (7/30)].
11- لَمَّا كانتِ العداوةُ قد تزولُ أسبابُها، ذكَر ما يَنشَأُ عنها ممَّا إذا استحكَم تعسَّر، أو تَعذَّر زوالُه، فقال: وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ أي: في تعاطيهما؛ لأنَّ الخَمْرَ تُزيل العَقْلَ، فيزول المانعُ من إظهارِ الكامِنِ من الضَّغائن والمحاسَدة، فربَّما أدَّى ذلك إلى حروبٍ طويلةٍ، وأمورٍ مَهولة، والميسِرُ يُذهِبُ المالَ، فيُوجِبُ ذلك الحقدَ على مَن سَلَبه مالَه، ونغَّص عليه أحوالَه [انظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (6/293)].
12- كراهةُ اللهِ تبارك وتعالى للعداوةِ والبغضاءِ بين المسلمينَ؛ لأنَّ قولَه: إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إلى آخِره، فهذا تحذيرٌ ليس بعدَه تحذيرٌ؛ وذلك لأنَّ الله تعالى أمَرَ بالاجتماعِ ونهَى عن التفرُّقِ، فقال جلَّ وعلا: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103] [انظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/350)].
13- في قولِه تعالى: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُول،َ ناسَب العطفُ في وَأَطِيعُوا على معنى قولِه: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ؛ إذ تضمَّن هذا معنى الأمْر، وهو قوله (فَانْتَهُوا). [انظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/359)].
14- أنَّ طاعةَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ مستقلَّة، بمعنى: أنَّه إذا أمَرَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بشيءٍ، لا نقول: هل يوجدُ في القرآن هذا الأمرُ أو لا يوجد، بل طاعتُه مستقلَّةٌ؛ وجْه ذلك: أنَّه أعادَ الفِعلَ فقال: وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ، وإعادة الفِعل تدلُّ على أنَّ طاعةَ الرَّسول مستقلَّةٌ، بمعنى: أنَّنا لا نحتاجُ إلى شاهدٍ مِن القرآنِ فيما أمَرَ به الرسولُ صلَّى الله عليه وسلَّم [انظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/357)].
15- أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم يمتازُ عن غيرِه بالرِّسالةِ، والرِّسالةُ من أشرفِ الأوصافِ التي يتَّصِفُ بها العبدُ؛ لِقَوْلِه: الرَّسُولَ، ولا شكَّ أنَّ الرسولَ يَفضُل ويَشرُف بحسَبِ منزلةِ مُرسِله.
[انظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/357، 358)].
16- يُستَفادُ مِنْ قَوْلِه: فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم لا يَستطيعُ أنْ يَهدِيَ أحدًا؛ لأنَّه بلَّغَ البلاغَ المبينَ، ومع ذلك حصَلتِ المخالفةُ والتولِّي.
[انظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة المائدة)) (2/361)]. [التفسير، بتصرف].