(3029) فتح ذي النعم بالبدر الأتم شرح صحيح مسلم
مجموعة: أحمد بن علي، ومحمد بنياد وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وأسامة الحميري
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وأن يبارك في ذرياتهم وذرياتنا)
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
جاء في صحيح الإمام مسلم رحمه الله من (٥٦) – (كِتَابُ: التفسير)، (٤) – (بَابٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾)
٣ – باب في قوله تعالى: ﴿ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء﴾
٢٦ – (٣٠٢٩) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب. جميعا عن أبي معاوية (واللفظ لأبي كريب). حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنْ أَبِي سفيان، عن جابر، قال: كان عبد الله بن أبي بن سلول يقول لجارية له: اذهبي فابغينا شيئا. فأنزل الله عز وجل : ﴿ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن (لهن) غفور رحيم﴾ [٢٤ /النور /٣٣].
٢٧ – (٣٠٢٩) وحَدَّثَنِي أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ. حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ؛ أن جارية لعبد الله بن أبي بن سلول يقال لها: مسيكة. وأخرى يقال لها: أميمة. فكان يكرههما على الزنى، فشكتا ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم . فأنزل الله: ﴿ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء﴾، إلى قوله: ﴿غفور رحيم﴾.
==========
أولاً: شرح الحديث، وبيان مفرداته:
قال الحافظ النووي رحمه الله: (٤) – (بَابٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾)
“هدَمَ الإسلامُ ما كانَ عندَ العربِ مِن أمورِ الجاهليَّةِ الَّتي تَنشُرُ الرَّذيلةَ في المجتمعِ، ومِنْ هذه الأمورِ الَّتي حاربَها الإسلامُ: فاحشةُ الزِّنا، وأغلَقَ ونَهى عن كلِّ الطُّرقِ الَّتي تُؤدِّي إليه”.
وقال الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى:
[٧٥١٣] (٣٠٢٩) – الحديث
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي سُفْيَانَ) وقع تصريح الأعمش بالسماع من أبي سفيان، قال الحافظ أبو بكر البزار: حدّثنا عمرو بن عليّ، حدّثنا عليّ بن سعيد، حدّثنا الأعمش، حدّثني أبو سفيان، عن جابر، قال: كان لعبد الله بن أبي بن سلول جارية. . . الحديث، صرّح الأعمش بالسماع من أبي سفيان طلحة بن نافع، فدل على بطلان قول من قال: لم يسمع منه، إنما هو صحيفة، حكاه البزار، نقله ابن كثير [«تفسير ابن كثير» ٣/ ٢٨٩].
(عَنْ جَابِرٍ) رضي الله عنه؛ أنه (قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ) برفع «ابنُ»؛ لأنه صفة لـ«عبدُ الله»، لا لأبيّ، وأبيّ والد عبد الله، وسَلُول أمه، ولذا مُنعت من الصرف؛ للعلَميّة والتأنيث المعنويّ، ومن القاعدة أن همزة «ابن» الثاني تُكتب مع وقوعها بين علمين كالأُولى؛ لأن شرط حذفها كون العَلَم الثاني أبًا للأول، كـ«أبيّ»، والله تعالى وليّ التوفيق.
(يَقُولُ لِجَارِيَةٍ لَهُ) سيأتي في الرواية الثانية، أنهما أمتان له، يُقَالُ لإحداهما: مُسَيْكَةُ، وَأُخْرَى يُقَال لَهَا: أُمَيْمَةُ
وفي مرسل للزهري أنها كانت مسلمة
(اذْهَبِي، فَابْغِينَا) بقطع الهمزة، ووصلها، يقال: أبغاه الشيءَ: طلبه له، وكَبَغَاه إيّاه، كَرَماه، أو أعانه على طلبه، قاله المجد رحمه الله [«القاموس المحيط»
ص ١٢٠]، فتبيّن بهذا أن بَغَى ثلاثيًّا، وأبغى رباعيًّا يتعديان إلى اثنين، فـ «نا» هو المفعول الأول، والمفعول الثاني قوله: (شَيْئًا)؛ أي: من أجرة الزنا. (فَأَنْزَلَ اللهُ عز وجل: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ﴾ لَهُنَّ ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾).
قال الإمام ابن جرير رضي الله عنه في «تفسيره»: يقول تعالى ذِكره: زوّجوا الصالحين من عبادكم وإمائكم، ولا تُكرهوا إماءكم على البغاء، وهو الزنى، إن أردن تحصنًا، يقول: إن أردن تعففًا عن الزنى؛ لتبتغوا عرض الحياة الدنيا، يقول: لتلتمسوا بإكراهكم إياهن على الزنى عرض الحياة، وذلك ما تَعْرِض لهم إليه الحاجة من رياشها، وزينتها، وأموالها، ومن يُكرههن، يقول: ومن يكره فتياته على البغاء، فإن الله من بعد إكراهه إياهنّ على ذلك لهم غفور رحيم، ووزر ما كان من ذلك عليهم دونهن.
وذكر أن هذه الآية أُنزلت في عبد الله بن أبيّ ابن سلول حين أكره أمته مُسيكة على الزنى. انتهى [«تفسير الطبريّ» ١٨/ ١٣٢].
( لهم) كذا والصواب (لهن )
وقال ابن كثير رحمه الله: كان أهل الجاهلية إذا كان لأحدهم أمة أرسلها تزني، وجعل عليها ضريبة، يأخذها منها كل وقت، فلما جاء الإسلام نهى الله المؤمنين عن ذلك، وكان سبب نزول هذه الآية الكريمة فيما ذكر غير واحد من المفسرين من السلف، والخلف، في شأن عبد الله بن أبيّ ابن سلول، فإنه كان له إماء، فكان يُكرههنّ على البغاء؛ طلبًا لِخَراجهنّ، ورغبة في أولادهن، ورياسة منه فيما يزعم. انتهى [«تفسير ابن كثير» ٣/ ٢٨٩].
وقال أبو عبد الله القرطبيّ رحمه الله: قوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ راجع إلى الفتيات، وذلك أن الفتاة إذا أرادت التحصن فحينئذ يمكن ويتصور أن يكون السيد مُكرِهًا، ويمكن أن ينهى عن الإكراه. وإذا كانت الفتاة لا تريد التحصن فلا يتصور أن يقال للسيد: لا تكرهها؛ لأن الإكراه لا يتصور فيها وهي مريدة للزنى، فهذا أمر في سادة وفتيات حالهم هذه، وإلى هذا المعنى أشار ابن العربيّ، فقال: إنما ذكر الله تعالى إرادة التحصن من المرأة؛ لأن ذلك هو الذي يصور الإكراه، فأما إذا كانت هي راغبة في الزنى لم يتصور إكراه، فحصّلوه، وذهب هذا النظر عن كثير من المفسرين، فقال بعضهم: قوله: «إن أردن تحصنًا» راجع إلى الأيامى، قال الزجاج والحسين بن الفضل: في الكلام تقديم وتأخير؛ أي: وأنكحوا الأيامى والصالحين من عبادكم إن أردن تحصنًا. وقال بعضهم: هذا الشرط في قول: «إن أردن» مُلْغًى، ونحو ذلك مما يضعف، والله الموفق.
وقوله: ﴿لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾؛ أي: الشيء الذي تكسبه الأمة بفرجها، والولد يسترقّ، فيباع. وقيل: كان الزاني يفتدي ولده من المزني بها بمائة من الإبل يدفعها إلى سيدها.
وقوله: ﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ﴾؛ أي: يقهرهن. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ﴾ «لهن» ﴿رَحِيمٌ﴾ بهن، وقرأ ابن مسعود، وجابر بن عبد الله، وابن جبير: «لهن غفور» بزيادة لهنّ. انتهى [«تفسير القرطبيّ» ١٢/ ٢٥٥].
وقال النوويّ رحمه الله: قوله: «لهن غفور رحيم» هكذا وقع في النسخ كلها: «لهن غفور رحيم» وهذا تفسير، ولم يُرَد به أن لفظة «لهنّ» منزلة، فإنه لم يقرأ بها أحد، وإنما هي تفسير، وبيان، يريد أن المغفرة والرحمة لهنّ؛ لكونهنّ مكرهات، لا لمن أكرههنّ.
وأما قوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ فخرج على الغالب؛ إذ الإكراه إنما هو لمريدة التحصن، أما غيرها فهي تسارع إلى البغاء من غير حاجة إلى الإكراه، والمقصود أن الإكراه على الزنى حرام، سواء أردن تحصنًا أم لا، وصورة الإكراه مع أنها لا تريد التحصن أن تكون هي مريدة الزنى بإنسان، فيُكرهها على الزنى بغيره، وكله حرام. انتهى [«شرح النوويّ» ١٨/ ١٦٣].
وحديث جابر رضي الله عنه هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.
[البحر المحيط الثجاج، بتصرف].
فقه وفوائد الحديث:
١ – (منها): بيان سبب نزول الآية الكريمة.
2 – (ومنها): حِفْظُ الإسلامِ لكرامةِ المرأةِ حرَّةً كانتْ أو مملوكةً.
3 – (ومنها): “بيان تحريم الزنا، على جميع الناس حُرّهم، وعبدهم.
4 – (ومنها): بيان أن الإكراه بالزنا يُسقط الحدّ والإثم، وإنما يتحمّل الإثم المكرِه بكسر الراء.
5 – (ومنها): بيان ما كان عليه عبد الله بن أُبيّ من النفاق، وحبّه للفجور، حيث كان يُكره المسلمة العفيفة عليه، وهذا من جراءته، والله تعالى أعلم”. [البحر المحيط الثجاج، بتصرف].
6 – (ومنها): النهي عن إكراه النساء على البغي.
7 – (ومنها): سعة رحمة الله ومغفرته لمن تاب.
ثانيًا: الأحكام والمسائل والملحقات:
(المسألة الأولى): تفسير قول الله تعالى: {وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا}.
(المطلب الأول):
قال الله تعالى: {وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ۚ إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (32) وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۗ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ۖ وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ۚ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (33)} [النور].
(المطلب الثاني): غريب الكلمات:
الْأَيَامَى: أي: الذين لا أزواجَ لهم مِن الرِّجالِ والنِّساءِ، واحِدُهم أيِّمٌ [انظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة
وَإِمَائِكُمْ: جمعُ أَمَةٍ، والأمَةُ: ضِدُّ الحُرَّةِ، وهي المرأةُ المَملوكةُ [انظر: ((العين)) للخليل (8/431)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/136)].
وَلْيَسْتَعْفِفِ: أي: لِيطلُبِ العِفَّةَ عن الزنا، والعِفَّةُ: حصولُ حالةٍ للنَّفْسِ تمتَنِعُ بها عن غَلَبةِ الشَّهوةِ، وأصلُه: الكَفُّ عن القَبيحِ [انظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/3)، ((المفردات)) للراغب (ص: 573)
الْكِتَابَ: أي: المكاتَبةَ، وكتابةُ العبدِ: ابتياعُ نفْسِه مِن سَيِّدِه بما يؤدِّيهِ مِن كَسْبِه [نظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (5/158، 159)
(المطلب الثالث ): تفسير الآيتين:
وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ.
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا أمَرَ سُبحانَه بغَضِّ الأبصارِ، وحِفظِ الفُروجِ؛ أرشَدَ بعد ذلك إلى ما يَحِلُّ للعِبادِ مِن النِّكاحِ الذي يكونُ به قَضاءُ الشَّهوةِ، وسُكونُ دَواعي الزِّنا، ويَسهُلُ بَعدَه غَضُّ البَصَرِ عن المُحَرَّماتِ، وحِفظُ الفَرجِ عمَّا لا يَحِلُّ [انظر: ((تفسير الشوكاني)) (4/32). ويُنظر أيضًا: ((تفسير الرازي)) (23/368)].
وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ.
أي: وزوِّجُوا [قال القرطبي: (الخطابُ للأولياءِ. وقيل: للأزواجِ. والصحيحُ الأوَّلُ؛ إذ لو أراد الأزواجَ لقال «وانْكِحوا» بغير همزٍ، وكانت الألفُ للوصلِ). ((تفسير القرطبي)) (12/239)] -أيُّها المُسلِمونَ- كُلَّ مَن لا زوجَ له منكم مِن الرِّجالِ والنِّساءِ الأحرارِ؛ فإنَّ الزَّواجَ طَريقُ التعَفُّفِ [نظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/274)، ((تفسير القرطبي)) (12/239، 240)، ((تفسير ابن كثير)) (6/51)، ((تفسير السعدي)) (ص: 567)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/528، 529).
قال ابنُ تيميَّةَ: (هذه الآيةُ لم تتعرَّضْ للصفاتِ التي بها تحرُمُ المرأةُ مطلقًا أو مؤقَّتًا، وإنَّما أمر بإنكاحِ الأيَامى مِن حيثُ الجملةُ، وهو أمرٌ بإنكاحِهنَّ بالشروطِ التي بيَّنَها، وكما أنَّها لا تُنكَحُ في العِدَّة والإحرامِ، لا تُنكَحُ حتى تتوبَ [أي: مِن الزنا]). ((مجموع الفتاوى)) (32/115). ويُنظر: ((إغاثة اللهفان)) لابن القيم (1/66)].
وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ.
أي: وزوِّجُوا -أيُّها المالِكونَ للعبيدِ- كُلَّ مَن لا زوجَ له مِن مماليكِكم مِن الرِّجالِ والنِّساءِ الصَّالحينَ [نظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/274)، ((تفسير ابن جزي)) (2/68)، ((أحكام أهل الذمة)) لابن القيم (2/799)، ((روضة المحبين)) لابن القيم (ص: 317).
اختلف المفسِّرون في المرادِ بالصلاحِ المذكورِ هنا؛ فقيل: المرادُ به: الصلاحُ في الدِّين. وممَّن قال بذلك: ابنُ جرير ، والبيضاوي، وابن عاشور. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/274)، (3/233)، ((تفسير البيضاوي)) (4/105)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/216). وقال ابن عاشور: (ظاهِرُ وَصفِ العَبيدِ والإماءِ بالصَّالحينَ أنَّ المرادَ اتِّصافُهم بالصَّلاحِ الدِّينيِّ، أي: الأتقياء. والمعنى: لا يَحمِلْكم تحقُّقُ صَلاحِهم على إهمالِ إنكاحِهم؛ لأنَّكم آمِنون مِن وقوعِهم في الزِّنا، بل عليكم أن تُزَوِّجوهم؛ رفقًا بهم، ودفعًا لِمَشقةِ العَنَتِ عنهم. فيُفيدُ أنَّهم إن لم يكونوا صالحينَ كان تزويجُهم آكَدَ أمرًا، وهذا من دَلالةِ الفَحوى؛ فيَشمَلُ غيرُ الصَّالحينَ غيرَ الأعِفَّاءِ والعفائِفِ مِن المماليكِ المُسلِمينَ، ويَشمَلُ المماليكَ غيرَ المُسلمينَ. وبهذا التفسيرِ تنقَشِعُ الحَيرةُ التي عَرَضت للمفَسِّرينَ في التَّقييدِ بهذا الوَصفِ). ((تفسير ابن عاشور)) (18/216).
وقيل: المرادُ الذين يَصلُحون للنكاحِ، وممَّن ذهَب إلى ذلك: ابنُ عطية، وابنُ الفرس، وابنُ جزي، وابنُ القيم. يُنظر: ((تفسير ابن عطية)) (4/180)، ((أحكام القرآن)) لابن الفرس (3/375)، ((تفسير ابن جزي)) (2/68)، ((أحكام أهل الذمة)) لابن القيم (2/799).
قال ابنُ القيم: (المرادُ بـ «الصالحينَ»: مَن صلَحَ للنكاحِ، هذا أصحُّ التفسيرينِ، وذهبت طائفة إلى أنه الإيمانُ، والأوَّلُ أصَحُّ؛ فإنَّ الله سبحانه لم يأمُرْهم بإنكاحِ أهلِ الصلاحِ والدِّينِ خاصَّةً مِن عبيدِهم وإمائهم، كما لم يَخُصَّهم بوجوبِ الإنفاقِ عليهم، بل يجِبُ على السيِّدِ إعفافُ عبدِه وأمَتِه، كما يجبُ عليه الإنفاقُ عليه؛ فإنَّ ذلك مِن تمامِ مصالحِه وحقوقِه على سيِّدِه). ((أحكام أهل الذمة)) (2/799).
وممَّن ذهَب إلى احتمالِ إرادةِ كِلا المعنيَينِ: السعديُّ، فقال: (وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ يحتملُ أنَّ المرادَ بالصالحينَ: صلاحُ الدِّينِ، وأنَّ الصالحَ مِن العبيدِ والإماءِ -وهو الذي لا يكونُ فاجرًا زانيًا- مأمورٌ سيِّدُه بإنكاحِه؛ جزاءً له على صلاحِه، وترغيبًا له فيه؛ ولأنَّ الفاسِدَ بالزِّنا منهيٌّ عن تزوجِه، فيكونُ مؤيِّدًا للمذكورِ في أوَّلِ السورةِ: أنَّ نكاحَ الزاني والزانيةِ مُحرَّمٌ حتى يَتوبَ، ويَكونُ التخصيصُ بالصلاحِ في العبيدِ والإماءِ دُونَ الأحرارِ؛ لكثرةِ وُجودِ ذلك في العبيدِ عادةً. ويحتملُ أنَّ المرادَ بالصالحينَ: الصالحونَ للتزوُّجِ، المحتاجون إليه مِن العبيدِ والإماءِ، يؤيِّدُ هذا المعنى أنَّ السيِّدَ غيرُ مأمورٍ بتزويجِ مملوكِه قبْلَ حاجتِه إلى الزواجِ، ولا يبعُدُ إرادةُ المعنيَينِ كِلَيْهِما، والله أعلَمُ). ((تفسير السعدي)) (ص: 567).
وممَّن قال بالمعنيَين: ابنُ عثيمينَ، حيث قال: (ينبغي أن يُفَسَّر قولُه: «الصالحين» بصلاحِ الدينِ، وصلاحِ الدنيا). ((تفسير ابن عثيمين – سورة النور)) (ص: 203)].
إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ الله مِنْ فَضْلِهِ.
أي: إنْ يكُنْ هؤلاء الذين تُنكِحونَهم -مِن أيامى رجالِكم ونسائِكم، وعبيدِكم وإمائِكم- أهلَ فاقةٍ وفَقرٍ، فإنَّ اللهَ سيُغنيهم مِن فَضلِه؛ فلا تمتَنِعوا عن تزويجِهم بسبَبِ فَقرِهم [انظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/274)، ((روضة المحبين)) لابن القيم (ص: 317، 318)، ((تفسير السعدي)) (ص: 567)، ((أضواء البيان)) للشنقيطي (5/530).
قال القرطبي: (هذا وعْدٌ بالغنى للمتزوِّجينَ؛ طلبَ رضا الله، واعتصامًا مِن معاصيه). ((تفسير القرطبي)) (12/241).
وقال الشنقيطي: (الظاهرُ أن المتزوِّجَ الذي وعده الله بالغنى هو الذي يريدُ بتزويجِه الإعانةَ على طاعةِ الله بغَضِّ البصرِ، وحِفظِ الفَرجِ). ((أضواء البيان)) (5/531)].
عن أبي هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((ثلاثةٌ حَقٌّ على اللهِ عَونُهم: المجاهِدُ في سبَيلِ اللهِ، والمُكاتَبُ الَّذي يريدُ الأداءَ، والنَّاكِحُ الَّذي يُريدُ العَفافَ )) [أخرجه الترمذي (1655) واللفظ له، والنَّسائي (3218)، وابن ماجه (2518)، وأحمد (7416). حسَّنه الترمذي، وقال الدارقطني -كما في ((البدر المنير)) لابن الملقِّن (7/432): اختُلِف في رفعه ووقفِه، ورفعه صحيح. وصحَّحه ابن العربي في ((عارضة الأحوذي)) (3/5)، وابن الملقِّن في ((شرح صحيح البخاري)) (24/236)، وصحَّح إسنادَه أحمدُ شاكر في تحقيقِ ((مسند أحمد)) (13/149)، وجوَّد إسنادَه ابنُ باز في ((حاشية بلوغ المرام)) (765)، وذكر أنَّه ورد بإسنادٍ صَحيحٍ بلَفظِ: (الغازي في سَبيلِ اللهِ) بَدَلَ (المُجاهِدُ). وحسَّن الحديثَ الألبانيُّ في ((صحيح سنن الترمذي)) (1655)].
وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ.
أي: واللهُ واسِعُ الفَضلِ والغِنى، عليمٌ بعبادِه وأحوالِهم ونيَّاتِهم، عليمٌ بمن يستَحِقُّ منهم الإغناءَ مِن فَضلِه [نظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/275)، ((تفسير السمعاني)) (3/526)، ((تفسير ابن عطية)) (4/180)، ((تفسير السعدي)) (ص: 567)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/217، 218).
قال البقاعي: (وَاسِعٌ عَلِيمٌ أي: فهو بسَعةِ قُدرتِه يَسوقُ ما كتَبه للمرأةِ على يدِ الزوجِ، وبشمولِ علمِه يسبِّبُ أسبابَه). ((نظم الدرر)) (13/267)].
وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا ذكَرَ اللهُ سُبحانَه تزويجَ الحرائرِ والإماءِ؛ ذكَرَ حالَ مَن يَعجِزُ عن ذلك [انظر: ((تفسير الرازي)) (23/372)].
وأيضًا فإنَّ اللهَ تعالى أمَرَ كُلَّ مَن تعلَّقَ به الأمرُ بالإنكاحِ بأن يُلازِموا العَفافَ في مُدَّةِ انتظارِهم تيسيرَ النِّكاحِ لهم بأنفُسِهم، أو بإذْنِ أوليائِهم ومَواليهم [يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/218)].
قال الشنقيطي: (قَولُه تعالى: وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ) هذا الاستِعفافُ المأمورُ به في هذه الآيةِ الكريمةِ هو المذكورُ في قَولِه تعالى: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ [النور: 30] ، وقَولِه تعالى: وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا [الإسراء: 32] ، ونحوِ ذلك مِنَ الآياتِ). ((أضواء البيان)) (5/532).
قال السعدي: (قولُه: الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا أي: لا يَقدِرونَ نِكاحًا؛ إمَّا لفَقرِهم أو فقرِ أوليائِهم وأسيادِهم، أو امتناعِهم مِن تزويجِهم، وليس لهم مِن قدرةٍ على إجبارِهم على ذلك، وهذا التقديرُ أحسَنُ مِن تقديرِ مَن قدَّر: «لا يجدون مهرَ نكاحٍ» وجعلوا المضافَ إليه نائبًا مَنابَ المضافِ؛ فإنَّ في ذلك محذورينِ؛ أحدهما: الحذفُ في الكلامِ، والأصلُ عدمُ الحذف. والثاني: كونُ المعنى قاصرًا على مَن له حالانِ: حالةُ غنًى بمالِه، وحالةُ عدَمٍ، فيخرجُ العبيدُ والإماءُ ومَن إنكاحُه على وليِّه، كما ذكرنا). ((تفسير السعدي)) (ص: 567). ويُنظر: ((تفسير ابن عثيمين – سورة النور)) (ص: 207، 208)].
قال ابن عثيمين :
كما قال تعالى: وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا [الإسراء: 32].
وقال عزَّ وجلَّ: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق: 2، 3].
وعن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: ((كنَّا مع النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم شَبابًا لا نجِدُ شيئًا، فقال لنا رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: يا معشَرَ الشَّبابِ، مَنِ استطاع الباءةَ فلْيَتزَوَّجْ؛ فإنَّه أغَضُّ للبصَرِ، وأحصَنُ للفَرْجِ، ومَن لم يَستَطِعْ فعليه بالصَّومِ؛ فإنَّه له وِجاءٌ ) [رواه البخاري (5066) واللفظ له، ومسلم (1400)].
وعن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ رَضِيَ الله عنه، عن النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((ومَن يَستعفِفْ يُعِفَّهُ اللهُ، ومَن يَستغْنِ يُغْنِهِ اللهُ، ومَن يَتصبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ، وما أُعطِيَ أحدٌ عطاءً خيرًا وأوسَعَ مِنَ الصَّبرِ )) [رواه البخاري (1469) واللفظ له، ومسلم (1053)].
وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا.
أي: والذين يَلتَمِسونَ المُكاتَبةَ منكم -أيُّها المالِكونَ للعَبيدِ – [قال ابنُ الفرس: (والمخاطبونَ بإنكاحِهنَّ السادةُ، ولا خلافَ في هذا). ((أحكام القرآن))
(3/375)] مِن مماليكِكم مِن الرِّجالِ والنِّساءِ، فأجيبوهم إلى ما طَلَبوا ليتحَرَّروا مِن الرِّقِّ، إنْ عَلِمتُم فيهم قُدرةً على كَسبِ المالِ، وأمانةً للوفاءِ بما التَزَموا لكم [يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/276، 278، 282)، ((تفسير القرطبي)) (12/246)، ((تفسير ابن كثير)) (6/52)، ((تفسير السعدي)) (ص: 568)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/219).
اختلف أهلُ العلمِ في الأمرِ في قولِه تعالى: فَكَاتِبُوهُمْ؛ هل هو للوُجوبِ، أو للاستِحبابِ؟
قال ابنُ رشد: (قال أهلُ الظَّاهِرِ: هو واجِبٌ، واحتَجُّوا بظاهِرِ قَولِه تعالى: فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا والأمرُ على الوُجوبِ، وأمَّا الجُمهورُ فإنَّهم لَمَّا رَأَوا أنَّ الأصلَ هو ألَّا يُجبَرَ أحَدٌ على عِتقِ مَملوكِه، حمَلوا هذه الآيةَ على النَّدبِ؛ لئَلَّا تكونَ مُعارِضةً لهذا الأصلِ، وأيضًا فإنَّه لم يكُنْ للعَبدِ أن يُحكَمَ له على سَيِّدِه بالبَيعِ له، وهو خروجُ رَقَبتِه عن مِلكِه بعِوَضٍ؛ فأحرى ألَّا يُحكَمَ له عليه بخُروجِه عن غَيرِ عِوَضٍ هو مالِكُه؛ وذلك أنَّ كَسْبَ العَبدِ هو للسَّيِّدِ). ((بداية المجتهد)) (2/374).
ويُنظر: ((بدائع الصنائع)) للكاساني (4/134)، ((بداية المجتهد)) لابن رشد (2/374)، ((البيان في مذهب الإمام الشافعي)) للعمراني (8/412)، ((المغني)) لابن قدامة (10/365).
وقال ابنُ عثيمين في بيانِ دليلِ الجُمهورِ: (وحُجَّتُهم في ذلك أنَّ العبدَ مملوكٌ لك، ولا يجِبُ عليك إخراجُ مِلكِك إلَّا برضًا منك «لا يحِلُّ مالُ امرئٍ مُسلِمٍ إلَّا بطِيبِ نَفْسٍ منه»، وإذا كان كذلك، فإنَّ الأمرَ هنا للاستِحبابِ). ((تفسير ابن عثيمين- سورة النور)) (ص: 211). ويُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/220).
وقال ابنُ حجر: (وقال أبو سعيدٍ الإصطخري: القرينةُ الصارفةُ للأمرِ في هذا عن الوجوبِ: الشرطُ في قوله: إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا؛ فإنَّه وكَل الاجتهادَ في ذلك إلى المولَى، ومقتضاه أنَّه إذا رأَى عدمَه لم يُجبَرْ عليه؛ فدلَّ على أنَّه غيرُ واجبٍ. وقال غيرُه: الكتابةُ عقدُ غررٍ، وكان الأصلُ أن لا تجوزَ، فلمَّا وقَع الإذنُ فيها كان أمرًا بعدَ منعٍ، والأمرُ بعدَ المنعِ للإباحةِ، ولا يَرِدُ على هذا كونُها مستحبةً؛ لأنَّ استحبابَها ثبَت بأدلةٍ أخرَى). ((فتح الباري))
(5/187). واختُلِف في معنى الخَيرِ في قَولِه: إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا: فقيل: خَيْرًا أي: مَالًا. وممَّن اختاره: مقاتلُ بن سليمان، ونَسَبه الواحديُّ إلى أكثَرِ المفَسِّرينَ. يُنظر: ((تفسير مقاتل بن سليمان)) (3/197)، ((الوسيط)) للواحدي (3/319).
وممَّن قال بهذا القولِ مِن السَّلفِ: ابنُ عباس في رواية عنه، والسُّدِّيُّ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، وقَتادةُ، والحسنُ في روايةٍ عنه، ومجاهدٌ، والضحَّاكُ، وعطاءٌ، ومقاتلُ بنُ حيان، وطاووسٌ في روايةٍ عنه. يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/280)،
وقيل: المرادُ بالخَيرِ: القُوَّةُ على الاحتِرافِ والاكتِسابِ، والقُدرةُ على أداءِ ما كُوتِبَ عليه، والوَفاءِ بما أوجَب على نفْسِه وألزَمَها. ومِمَّن اختار هذا المعنى: ابنُ جرير، والزجَّاج، ومكِّي، والواحديُّ، والشوكاني.
وممَّن قال بنحوِ هذا القولِ مِن السلفِ: ابنُ عُمرَ، وابنُ عبَّاسٍ في رواية عنه، ومالكُ بن أنس، وزيد، والثوري . يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (17/278)، ((تفسير الثعلبي)) (7/96).
وممَّن اختاره: الشافعيُّ، والبيضاوي، وجلال الدين المحلي، وأبو السعود، والألوسي، والقاسمي، وابن عاشور.
وقال البِقَاعي: (إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا أي: تصَرُّفًا صالحًا في دينِهم ودُنياهم؛ لئَلَّا يَفسُدَ حالُهم بعدَ الاستِقلالِ بأنفُسِهم). ((نظم الدرر)) (13/268). وقال السعدي: (خَيْرًا أي: قدرةً على التكَسُّبِ، وصلاحًا في دينِه). ((تفسير السعدي)) (ص: 568)].
وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ.
قال ابنُ كثيرٍ: (قولُه: وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ اختلَف المفسِّرون فيه؛ فقال قائلون: معناه: اطرَحوا لهم مِن الكتابةِ بعضَها، ثمَّ قال بعضُهم: مقدارُ الرُّبُعِ. وقيل: الثُّلُثُ. وقيل: النِّصْفُ. وقيل: جزءٌ من الكتابةِ مِن غيرِ حَدٍّ. وقال آخَرونَ: بل المرادُ مِن قَولِه: وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ هو النَّصيبُ الذي فَرَض الله لهم مِن أموالِ الزَّكواتِ… والقولُ الأوَّلُ أشهرُ). ((تفسير ابن كثير)) (6/53، 54). وممَّن جمع بيْن القولينِ السَّابقَينِ: القاسميُّ، والسعدي. يُنظر: ((تفسير القاسمي)) (7/383)، ((تفسير السعدي)) (ص: 568).
قال السعدي: (يدخلُ في ذلك أمرُ سَيِّدِه الذي كاتَبه أن يعطيَه مِن كتابتِه، أو يُسقِطَ عنه منها، وأمرُ النَّاسِ بمعونتِهم؛ ولهذا جعَل الله للمُكاتَبينَ قِسطًا مِن الزَّكاةِ، ورغَّب في إعطائِه). ((تفسير السعدي)) (ص: 568)].
وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا.
مُناسَبتُها لِما قَبْلَها:
لَمَّا أرشَدَ اللهُ سُبحانَه المَواليَ إلى نِكاحِ الصَّالِحينَ مِنَ المماليكِ؛ نهَى المُسلِمينَ عمَّا كان يَفعَلُه أهلُ الجاهِليَّةِ مِن إكراهِ إمائِهم على الزِّنا [يُنظر: ((تفسير الشوكاني)) (4/35)].
سَبَبُ النُّزولِ:
سبق كما في حديث الباب
التقييد بالتحصن :
وقال الشوكاني: (وقيل: إنَّ هذا الشرطَ خرَج مخرجَ الغالبِ؛ لأنَّ الغالِبَ أنَّ الإكراهَ لا يكونُ إلَّا عندَ إرادةِ التحصُّنِ؛ فلا يلزمُ منه جوازُ الإكراهِ عندَ عدمِ إرادةِ التحَصُّنِ، ..). ((تفسير الشوكاني)) (4/35).
قال الشنقيطي (غَفُورٌ رَحِيمٌ لهنَّ، وليس المرادُ أنَّه غَفورٌ رَحيمٌ للذين أكرَهوهنَّ؛ لأنَّ الغُفرانَ والرَّحمةَ يُناسِبانِ المقهورَ المُكْرَهَ، لا المُجرِمَ المُكرِهَ). ((تفسير سورة النور)) (ص: 120)].
كما قال تعالى: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ [النحل: 106] .))))
(((((
))))
(المطلب الخامس): الفوائد التربوية:
1- فائدةُ ربْطِه الغِنى بالنِّكاحِ في قولِه: إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ: أنَّه قد ركَزَ في الطِّباعِ السُّكونُ إلى الأسبابِ، والاعتمادُ عليها، والغَفلةُ عن المُسبِّبِ جلَّ وعلا، حتَّى غلَبَ الوهمُ على العقْلِ، فخيَّلَ أنَّ كثرةَ العيالِ سبَبٌ يُوجِبُ الفقرَ حتْمًا، وعدَمَها سببٌ يُوجِبُ تَوفيرَ المالِ جزْمًا، وإنْ كان واحدٌ مِن هذينِ السَّببينِ غيرَ مُؤثِّرٍ فيما ربطَهُ الوهمُ به؛ فأُرِيدَ قلْعُ هذا الخَيالِ المُتمكِّنِ مِن الطَّبعِ، بالايذانِ بأنَّ اللهَ تعالى قد يُوفِّرُ المالَ ويُنَمِّيه مع كثرةِ العيالِ الَّتي هي سببٌ في الأوهامِ لنَفادِ المالِ، وقد يُقدِّرُ الإملاقَ مع عدَمِه الَّذي هو سبَبٌ في الإكثارِ عندَ الأوهامِ، والواقِعُ يَشهَدُ بذلك بلا مِراءٍ… وأنَّ العبْدَ إنْ تَعاطى سببًا، فلا يكُنْ ناظرًا إليه، ولكنْ إلى مَشيئةِ اللهِ تعالى وتقدَّسَ [يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (11/76)]..
2- قَولُ الله تعالى: وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فيه استِحبابُ الصَّبرِ عن النكاحِ لِمن لا يقدِرُ على أُهبَتِه، والاستِعفافُ بأن يَكسِرَ شَهوتَه بالصَّومِ، كما بيَّنه الحديثُ .
(المطلب السادس): الفوائد العلمية واللطائف:
1- قَولُ الله تعالى: وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فيه حثٌّ على التزَوُّجِ، ووعدٌ للمُتزوِّجِ بالغِنَى بعدَ الفَقرِ [يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 567). ويُنظر أيضًا: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 193)].
2- قال الله تعالى: وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ أخَذَ بعضُ العُلَماءِ مِن هذه الآيةِ أنَّ العَبدَ التقيَّ الصَّالحَ في دينِه كُفُؤٌ للحُرَّةِ، ويدُلُّ لهذا قَولُه تعالى: وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ [البقرة: 221] [يُنظر: ((تفسير سورة النور)) للشنقيطي (ص: 112)]. فمَن أباح نِكاحَ العبَدِ الحُرَّةَ استدَلَّ بعمومِ آيةِ سورةِ (النُّورِ) [يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 193)].
3- قال الله تعالى: وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ أخَذَ مِن الآيةِ بَعضُ العُلَماءِ أنَّ العبدَ إذا طلَبَ التَّزويجَ لِيَعِفَّ نفْسَه أنَّه ليس للسيِّدِ أن يمنَعَه، بل يجِبُ عليه أن يأذَنَ له بذلك [قال ابنُ تيمية: (وإذا طَلَب النِّكاحَ فعلى السَّيِّدِ أنْ يُزَوِّجَه، لِقولِ اللَّهِ تعالَى: وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ). ((الفتاوى الكبرى)) لابن تيمية (3/126)]؛ للأمرِ في قَولِه تعالى: وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ [يُنظر: ((تفسير سورة النور)) للشنقيطي (ص: 112)]. وأنَّه يُجبَرُ على إنكاحِ عبدِه وأمَتِه [يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 193)].
4- في قَولِه تعالى: وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ حجَّةٌ واضحةٌ في أنَّه ليس للبِكْرِ ولا للثَّيِّبِ أنْ تتزوَّجَ بغيرِ أمرِ وَلِيِّها؛ إذْ لو كان لها ذلك ما أُمِرَ غيرُها بإنكاحِها! [يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (2/444)] فالآيةُ فيها دليلٌ على اعتبارِ الوَليِّ؛ لأنَّ الخِطابَ له، وعدَمِ استقلالِ المرأةِ بالنِّكاحِ [يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 193). وهو مَذهَبُ الجُمهورِ: المالِكيَّةِ، والشَّافِعيَّةِ، والحَنابِلةِ؛ أنه لا يَصِحُّ النِّكاحُ بدونِ وليٍّ للمَرأةِ. يُنظر: ((الشرح الكبير)) للدردير (2/220)، ))روضة الطالبين)) للنووي (7/50)، ((كشاف القناع)) للبُهُوتي (5/48)].
5- قَولُ الله تعالى: وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ استدَلَّ بعمومِه مَن أباح نكاحَ الإماءِ بلا شرطٍ [يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 193)].
6- في قَولِه تعالى: وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ دَلالةٌ على جوازِ قولِ القائلِ: «عبدي» أو «أَمَتي» [يُنظر: ((فتح الباري)) لابن حجر (5/178)]، والنَّهْيُ الَّذي ورَد في الحديثِ عن قولِ الرجُلِ: «عبدي» و»أَمَتي» للتَّنزيهِ، لا للتَّحريمِ. وقيل: المرادُ بالنَّهيِ: مَنِ استعمَله على جهةِ التعاظُمِ والارتفاعِ، لا للوصفِ والتعريفِ [ يُنظر: ((شرح النووي على مسلم)) (15/7)، ((عمدة القاري)) للعيني (13/110)] .
7- في قَولِه تعالى: وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ دليلٌ على أنَّه ليس للعبدِ ولا للأَمَةِ أنْ يتزوَّجا بغير إذْنِ سيِّدِهما [يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (2/447)].
8- قَولُ الله تعالى: وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ فيه أمرُ الأولياءِ بإنكاحِ مَن تحتَ ولايتِهم مِن الأيامَى، وهم مَن لا أزواجَ لهم مِن رجالٍ ونساءٍ، ثيِّباتٍ وأبكارٍ، فيجبُ على القريبِ ووليِّ اليتيمِ أن يزوِّجَ مَن يحتاجُ للزَّواجِ ممن تجِبُ نفقتُه عليه، وإذا كانوا مأمورينَ بإنكاحِ مَن تحتَ أيديهم، كان أمرُهم بالنِّكاحِ بأنفُسِهم مِن بابِ أولى [يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 567)].
9- في قَولِه تعالى: وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ دليلٌ واضحٌ على أنَّ العبيدَ والإماءَ يَملِكونَ، ولا يكونُ المِلْكُ مضافًا إليهم على المجازِ وحقيقتُه للسَّادةِ؛ إِذْ لو كان كذلك ما استغنَوا بالإنكاحِ، ولكانوا فقراءَ قَبْلَه وبَعْدَه؛ لأنَّ مَن لا يملِكُ شيئًا لا يقعُ عليه اسمُ غِنًى ! [يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (2/450). قال الرازي: (لكنِ المفسِّرونَ تَأَوَّلوه على الأحرارِ خاصَّةً؛ فكأنَّهم قالوا: هو راجعٌ إِلى الأيامَى، أمَّا إذا فسَّرْنا الغنى بالعفافِ فالاستدلالُ به على ذلك ساقِطٌ). ((تفسير الرازي)) (23/371). قال ابنُ قُدامةَ: (ولا يملكُ العبدُ شيئًا، إذا لم يملِّكْه سيدُه، في قولِ عامةِ أهلِ العلمِ. وقال أهلُ الظاهرِ: يملكُ). ((المغني)) لابن قدامة (4/131). ويُنظر: ((المحلى)) لابن حزم (8/374)].
10- في قَولِه تعالى: إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ أي: لا يَمنَعْكم فَقْرُ الخاطِبِ إليكم -إذا كان كفُؤًا- عن تزويجِه؛ فإنَّ اللهَ تعالى سيُغنيهم، وفي هذا الرَّبطِ دليلٌ على أنَّ النِّكاحَ سبَبٌ في الغنى، قال بعضُ السَّلَفِ: (التَمِسوا الغِنى في النِّكاحِ) [أخرجه ابن جرير في ((تفسيره)) (17/275) عن ابن مسعود رضي الله عنه. ويُنظر: ((الدر المنثور)) للسيوطي (6/188)]. ولكِنْ في هذا الرَّبطِ إشكالٌ، وهو أنَّنا نَجِدُ كثيرًا مِن النَّاسِ يَتزوَّجون ويَبقَونَ فُقراءَ؟
الجوابُ مِن وَجهينِ:
الأوَّلُ: أنَّ غِناهم مُقيَّدٌ بالمشيئةِ؛ فمَن شاء تعالى أغناه، ومَن لم يشأْ بقِيَ على فَقرِه، كما قال تعالى: اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ [الرعد: 26] .
الوجهُ الثاني: أنَّ الرَّبطَ على بابِه، ولكنْ قد يحصُلُ مانعٌ لبعضِ النَّاسِ مِن الغنى؛ كعَدَمِ الطَّاعةِ، أو وجودِ المعصيةِ، أو أنَّ المتزوِّجَ لم يُرِدْ بزواجِه العِفَّةَ، واللهُ تعالى إنَّما وَعَدَ عبادَه الطائِعينَ [يُنظر: ((تفسير سورة النور)) للشنقيطي (ص: 113)].
11- يُستفادُ مِن قَولِه تعالى: إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ أنَّ الفقرَ في الحالِ لا يمنَعُ التزويجَ؛ لاحتمالِ حصولِ المالِ في المآلِ [يُنظر: ((فتح الباري)) لابن حجر (9/131)].
12- في قَولِه تعالى: وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ سُؤالٌ: وهو كَوْنُ اللهِ تعالى جَعَلَ غايةَ طلبِ العفَّةِ بحُصولِ الغِنى، وطلبُ العفَّةِ فَرضٌ في كلِّ وَقتٍ؟!
الجوابُ: أنَّ هذه الغايةَ لا مَفهومَ لها؛ فليس المرادُ أنَّ اللهَ إذا أغناهم مِن فضْلِه فلا حاجةَ إلى طلبِهم العفَّةَ، وهو كقَولِه تعالى: وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ [الأنعام: 152] ، فليس المرادُ أنَّه إذا بَلَغَ أشُدَّه فاقرَبوه بغيرِ التي هي أحسنُ! وإنَّما سَكَتَ عمَّا بعدَ الغايةِ؛ لأنَّ الذي لم يجِدْ ما يتزوَّجُ به هو الذي يَحتاجُ إلى أنْ يتكَلَّفَ طلبَ العفَّةِ؛ لشِدَّةِ حرارةِ الشَّهوةِ والغَريزةِ الجنسيَّةِ ما دامَ غيرَ متزَوِّجٍ، فإذا أغناه اللهُ تعالى بالزَّواجِ، فلا يحتاجُ إلى تكلُّفِ العفَّةِ الذي كان واجِبًا عليه مِن قَبلُ؛ لأنَّ الغالبَ على المؤمنِ أنْ يستغنيَ بالحَلالِ عنِ الحرامِ، واللهُ تعالى أعلمُ [يُنظر: ((تفسير سورة النور)) للشنقيطي (ص: 115)].
13- قَولُ الله تعالى: وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ استدلَّ بعضُهم به على بُطلانِ نِكاحِ المُتعةِ؛ لأنَّه لو صحَّ لم يَتعيَّن الاستعفافُ على فاقدِ المهرِ، وظاهرُ الآيةِ تعيُّنُه، ولا يلزمُ مِن ذلك تحريمُ مِلكِ اليمينِ؛ لأنَّ مَن لا يقدِرُ على النِّكاحِ لعدمِ المهرِ، لا يقدِرُ على شراءِ الجاريةِ غالبًا [يُنظر: ((أحكام القرآن)) لابن الفرس (3/376)، ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 193)، ((تفسير الألوسي)) (9/345)].
14- في قَولِه تعالى: وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ دليلٌ على وجوبِ نفقةِ الزَّوجاتِ -إماءً كُنَّ أو حرائرَ-، وعلى أنَّ المهرَ يكونُ نَقدًا إلَّا أنْ ترضَى المرأةُ بتأخيرِه؛ إذْ لا نَجِدُ شيئًا يلزمُ الراغبَ في النِّكاحِ غيرَ هذين الشيئينِ؛ مِن نَقْدِ المهرِ والإنفاقِ، وإلَّا فلِمَ لا يَجِدُ النكاحَ ؟! [يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (2/461)].
15- في قَولِه تعالى: حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إشارةٌ إلى أنَّ العِفَّةَ سببٌ للغِنى [يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين – سورة النور)) (ص: 209)].
16- إنْ قيلَ: قد قال اللهُ تعالى: وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، وقال في الآيةِ الأُخرى: وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ أمَرَهم بالاستِعفافِ إلى وَقتِ الغِنى، وأمَرَ بتَزويجِ أولئك مع الفَقرِ، وأخبَرَ أنَّه تعالى يُغنيهم. فما مَحمَلُ كُلٍّ مِنَ الآيتَينِ؟
الجَوابُ: أنَّ قَولَه تعالى: وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ في حَقِّ الأحرارِ، أمَرَهم اللهُ تعالى أن يَستَعِفُّوا حتى يُغنيَهم اللهُ مِن فَضْلِه؛ فإنَّهم إن تزَوَّجوا مع الفَقرِ التَزَموا حُقوقًا لم يَقدِروا عليها، وليس لهم مَن يَقومُ بها عنهم. وأمَّا قَولُه: وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ فإنَّه سُبحانَه أمَرَهم فيها أن يُنكِحوا الأَيامى وهنَّ النِّساءَ اللَّواتي لا أزواجَ لهُنَّ. هذا هو المَشهورُ مِن لَفظِ الأَيِّمِ عندَ الإطلاقِ، وإنِ استُعمِلَ في حَقِّ الرَّجُلِ بالتَّقييدِ، مع أنَّ العَزَبَ عندَ الإطلاقِ للرَّجُلِ وإنِ استُعمِلَ في حَقِّ المرأةِ، ثمَّ أمَرَهم سُبحانَه أن يُزَوِّجوا عَبيدَهم وإماءَهم إذا صَلَحوا للنِّكاحِ؛ فالآيةُ الأُولى في حُكمِ تزَوُّجِهم لأنفُسِهم، والثَّانيةُ في حُكمِ تَزويجِهم لِغَيرِهم، وقَولُه في هذا القِسمِ: وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يَعُمُّ الأنواعَ الثَّلاثةَ التي ذُكِرَت فيه؛ فإنَّ الأَيِّمَ تَستغني بنَفَقةِ زَوجِها، وكذلك الأَمَةُ، وأمَّا العَبدُ فإنَّه لَمَّا كان لا مالَ له، وكان مالُه لسَيِّده، فهو فقيرٌ ما دام رقيقًا، فلا يُمكِنُ أن يُجعَلَ لنِكاحِه غايةٌ، وهي غِناه ما دام عَبدًا، بل غِناه إنَّما يكونُ إذا عَتَقَ واستغنى بهذا العِتقِ، والحاجةُ تَدعوه إلى النِّكاحِ في الرِّقِّ- فأَمَر سُبحانَه بإنكاحِه، وأخبَرَ أنَّه يُغنيه مِن فَضْلِه؛ إمَّا بكَسْبِه، وإمَّا بإنفاقِ سَيِّدِه عليه وعلى امرأتِه، فلم يُمكِنْ أن يَنتَظِرَ بنِكاحِه الغِنى الذي يُنتظَرُ بنِكاحِ الحُرِّ. واللهُ أعلَمُ [يُنظر: ((روضة المحبين ونزهة المشتاقين)) لابن القيم (ص: 317)].
17- تشَوَّفَ الشَّارِعُ تَشَوُّفًا شَديدًا للحُرِّيَّةِ والإخراجِ مِنَ الرِّقِّ، فأكثَرَ أسبابَ ذلك، كما أوجَبَه في الكفَّاراتِ؛ مِن قَتلٍ خَطَأٍ، وظِهارٍ، ويَمينٍ، وغَيرِ ذلك، وأوجبَ سِرايةَ العِتقِ ، وأمَرَ بالكِتابةِ في قَولِه تعالى: فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا [النور: 33] ، ورَغَّب في الإعتاقِ تَرغيبًا شَديدًا [يُنظر: ((أضواء البيان)) للشنقيطي (3/30)].
18- قَولُه تعالى: وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا استُدلَّ به على أنَّه فَرْضٌ على السَّيِّدِ -إذا عَرَف مِن عَبدِه خيرًا أو مِن أَمَتِه- أنْ يُكاتِبَهما إذا التمَسَا منه الكِتابةَ، ولا يكونَ بالخِيارِ في إجابتِهما؛ لأنَّ ظاهرَ الآيةِ أمرٌ [يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (2/463)]، والأصلُ في أوامرِ اللهِ ورَسولِه الوُجوبُ [يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين – سورة النور)) (ص: 213). وسبق أن الجمهورَ حمَلوا الأمرَ في الآيةِ على الندبِ. يُنظر: ((بداية المجتهد)) لابن رشد (2/374)].
19- قَولُ الله تعالى: وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ مفهومُ الآيةِ الكريمةِ أنَّ العبدَ إذا لم يطلُبِ الكتابةَ لا يُؤمَرُ سَيِّدُه أن يبتدئَ بكتابتِه، وأنَّه إذا لم يعلَمْ منه خيرًا -بأنْ عَلِمَ منه عكْسَه-؛ إمَّا أنَّه يعلمُ أنَّه لا كسْبَ له، فيكونُ بسبَبِ ذلك كَلًّا على الناسِ ضائِعًا، وإمَّا أن يخافَ إذا أُعتِقَ وصار في حرِّيَّةِ نَفْسِه أن يتمكَّنَ مِن الفساد- فهذا لا يُؤمَرُ بكتابتِه، بل يُنهى عن ذلك؛ لِما فيه من المحذورِ المذكورِ [يُنظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 567)].
20- قَولُ الله تعالى: وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ فيه سؤالٌ: كيف يصِحُّ أن يبيعَ مالَه بمالِه؟
الجوابُ: إذا ورد الشرعُ به أنَّه يجوزُ -كما إذا علَّقَ عِتقَه على مالٍ يكتَسِبُه فيؤدِّيه أو يؤدَّى عنه- صار سببًا لعِتقِه [يُنظر: ((تفسير الرازي)) (23/374)].
21- قَولُ الله تعالى: وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ استدَلَّ به الشافعيُّ على وجوبِ أن يحُطَّ السيِّدُ عن المكاتَبِ جُزءًا من المال الذي كاتَبَه عليه، أو يدفَعَه إليه. وقال غيرُه: هو أمرُ نَدبٍ [يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 193). والقول بأنَّ الأمر في الآيةِ للوجوبِ هو مذهبُ الشافعيَّةِ، والحنابلةِ. يُنظر: ((المجموع)) للنووي (16/28)، ((كشاف القناع)) للبُهُوتي (4/560). ومذهبُ الحنفيَّةِ والمالكيَّةِ أنَّه على النَّدبِ. يُنظر: ((البناية شرح الهداية)) للعيني (10/364)، ((الشرح الكبير)) للدردير (4/389)].
22- قال الله تعالى: وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ في الآية ردٌّ على من حدَّد القَدْرَ المؤتَى [يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 193، 194)].
23- في قَولِه تعالى: وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا دليلٌ على أنَّ السيِّدَ الذي له مملوكاتٌ -ولو كُنَّ كبارًا- يُزوِّجُهنَّ بغيرِ إذنِهنَّ؛ لأنَّه مالكٌ لهُنَّ ملكًا مطلقًا، فمفهومُ الآيةِ أنَّ إكراهَهُنَّ على غيرِ البغاءِ -كالنكاحِ الصحيحِ- لا بأسَ به [يُنظر: ((الشرح الممتع)) لابن عثيمين (12/63). ويُنظر أيضًا: ((تفسير الرازي)) (23/377)].
24- قَولُ الله تعالى: وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا فيه أنَّ الإكراهَ على الزِّنا يُتصَوَّرُ [يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 194)]، وإنَّما ذَكَر اللَّهُ إرادَةَ التَّحَصُّنِ مِن المرأةِ؛ لأنَّ ذلك هو الَّذي يُصَوِّرُ الإكراهَ، فأمَّا إذا كانَتْ راغبةً في الزِّنا لم يُتَصَوَّرْ إكراهٌ [يُنظر: ((أحكام القرآن)) لابن العربي (3/402)].
25- قَولُ الله تعالى: وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ فيه أنَّ مَهرَ البَغِيِّ حرامٌ [يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 194)].
26- قال تعالى: لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا أي: بكسبِهنَّ وبيعِ أولادهنَّ مِن الفجورِ [يُنظر: ((تفسير الرسعني)) (5/249)، ((تفسير العليمي)) (4/536)]، وفيه دليلٌ على أنَّ وَلَدَ الأَمَةِ مِن زنًى عَبدٌ لسَيِّدِها [يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (2/470)].
27- في قَولِه تعالى: وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ دليلٌ على أنَّ إِثْمَ الزِّنا مدفوعٌ عن المكرَهةِ، ولا حَدَّ عليها فيه [يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (2/471)]، وأنَّ المُكرَهَ غيرُ مُكَلَّفٍ ولا آثمٍ [يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 194)]، فالآيةُ فيها ردٌّ على مَن أوجَب الحَدَّ على المُكرَهِ [يُنظر: ((الإكليل)) للسيوطي (ص: 194)].
28- قَولُه تعالى: وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ استُدلَّ به على إبطالِ قولِ مَن قال: «إنَّ الرجلَ إذا أكرَى جاريتَه مِن الفُسَّاقِ بِيْعَتْ عليه»؛ أَلَا ترى أنَّ اللهَ تعالى وعَدَها الغفرانَ على الإكراهِ؟! ولو كان البيعُ عليه جائزًا لكان حائِلًا بيْنها وبينَ الإكراهِ، فلا يكونُ السيدُ بعدَه مُكرِهًا، ولا هي محتاجةً بسببِ الإكراهِ إلى المغفرةِ والرحمةِ، وإنْ كانت محتاجةً في غيرِه ! [يُنظر: ((النكت الدالة على البيان)) للقصاب (2/471)].
29- في قولِه تعالى: وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ دَليلٌ لِمن قال بإباحةِ الأفعالِ المُحَرَّمةِ بالإكراهِ، فلا يَختصُّ بالأقوالِ فقط، وهذا في الأفعالِ المحرَّمةِ لحقِّ اللهِ فيها، فأمَّا قَتلُ المعصومِ فلا يُباحُ بالإكراهِ بلا نزاعٍ [يُنظر: ((الاستقامة)) لابن تيميَّة (2/323)]، فالآيةُ فيها رَدٌّ على مَن فَرَّقَ مِن أهلِ العلمِ بين الإكراهِ على القَولِ والإكراهِ على الفِعلِ، ففي هذه الصُّورةِ الإكراهُ على البِغاءِ، والبِغاءُ فِعلٌ [يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين – سورة النور)) (ص: 225)]. فليس كلُّ مَكرَهٍ على فِعلٍ مُحَرَّمٍ يأثَمُ به، وعليه جمهورُ العُلَماءِ، وقد دَلَّ على ذلك نَصُّ هذه الآيةِ، فإذا كان هذا في الإكراهِ على البِغاءِ، فالإكراهُ على شُربِ الخَمرِ وأكلِ المَيتةِ دونَ ذلك؛ فإنَّ الزِّنا مِن أكبرِ الكبائِرِ بعد القَتلِ، كما دلَّ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على ذلك عندَما سُئِلَ: أيُّ الذَّنْبِ أعظَمُ؟ قال: ((أن تجعَلَ لله نِدًّا…)) الحديثَ، إلى قَولِه: ثمُّ أيٌّ؟ قال: ((أن تُزانيَ بحَليلةِ جارِك))، ثمَّ قرأ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ [الفرقان: 68] [أخرجه البخاري (6001) واللفظ له، ومسلم (86)]، ومعلومٌ أنَّ المُكرَهاتِ مِن الإماءِ على البغاءِ -كما كان ابنُ أُبَيٍّ وأمثالُه يُكرِهونَ إماءَهم على الاكتسابِ بالبغاءِ- ليس هو أن يفعَلَ بها بلا فِعلٍ منها، بل هو أن تُكرَهَ حتى تقصِدَ ذلك وتفعَلَه؛ ولهذا سَمَّاه بِغاءً [يُنظر: ((الاستقامة)) لابن تيمية (2/343، 344)].
30- قَولُ الله تعالى: وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ لعلَّه عبَّرَ بلَفظِ (بَعد) إشارةً إلى العَفوِ عن الميلِ إلى ذلك الفِعلِ عند مواقَعتِه إن رجَعَت إلى الكَراهةِ بعْدَه؛ فإنَّ النَّفْسَ لا تَملِكُ بُغضَه حينَئذٍ [يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/270)].
31- قال تعالى: وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ وحاجَتُهنَّ إلى المغفرةِ المُنبئةِ عن سابقةِ الإثمِ: إمَّا باعتبارِ أنَّهنَّ وإنْ كنَّ مُكرَهاتٍ لا يَخْلونَ في تَضاعيفِ الزِّنا عن شائبةِ مُطاوَعةٍ ما بحُكْمِ الجِبلَّةِ البشريَّةِ، وإمَّا باعتبارِ أنَّ الإكراهَ قد يكونُ قاصِرًا عن حدِّ الإلجاءِ المُزيلِ للاختيارِ بالمرَّةِ، وإمَّا لغايةِ تَهويلِ أمْرِ الزِّنا، وحثِّ المُكرَهاتِ على التَّثبُّتِ في التَّجافي عنه، والتَّشديدِ في تَحذيرِ المُكرِهينَ، ببَيانِ أنَّهنَّ حيث كنَّ عُرضةً للعُقوبةِ لولا أنْ تَداركَهنَّ المغفرةُ والرَّحمةُ، مع قِيامِ العُذْرِ في حَقِّهنَّ؛ فما حالُ مَن يُكْرِهُهنَّ في استحقاقِ العذابِ ؟! [يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/174)].
32- قال الله تعالى: وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ، في قَولِه: رَحِيمٌ إشارةٌ إلى أنَّ اللهَ سيجعلُ لهنَّ فَرَجًا؛ لأنَّ الرحمةَ بها حصولُ المطلوبِ وزوالُ المرهوبِ؛ لذلك نقولُ: إنَّ في هذه الآيةِ إشارةً إلى الفَرَجِ لِمَن أُكرِه على فِعل مُحَرَّمٍ؛ وأنَّ اللهَ تعالى سيَجْعَلُ له فَرَجًا، ويؤيِّدُ ذلك قولُ النَّبِيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم: ((واعلمْ أنَّ النصرَ مع الصبرِ، وأنَّ الفَرَجَ مع الكربِ، وأنَّ مع العُسرِ يُسرًا) ) [يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين – سورة النور)) (ص: 225). والحديث أخرجه أحمد (2803)، والطبراني (11/123) (11243)، والحاكم (6304) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. صحَّحه عبدالحق الإشبيلي في ((الأحكام الشرعية الكبرى)) (3/333)، وحسَّنه ابن رجب في ((جامع العلوم والحكم)) (1/459)، وابن حجر في ((موافقة الخبر الخبر)) (1/327)، والسخاوي في ((المقاصد الحسنة)) (188)].
33- في قَولِه تعالى: وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ دَليلٌ على أنَّ المُسلِمَ إذا وَقَعَ في ذَنبٍ وهو مُكرَهٌ مقهورٌ، لا يُؤخَذُ به، والقرآنُ الكريمُ قد دلَّ على أنَّ المكرهَ لا يُؤاخَذُ بما أُكْرِه عليه، كما قال تعالى: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [النحل: 106] [يُنظر: ((تفسير سورة النور)) للشنقيطي (ص: 121)].
(المطلب السابع): بلاغة الآيتين:
1- قَولُه: وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ
– قَولُه: وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ خصَّ الصَّالحينَ؛ لِيُحصِّنَ دِينَهم، ويَحفَظَ عليهم صَلاحَهم -وذلك على أحدِ الأقوالِ في معنى الصلاحِ في الآيةِ-، ولأنَّ الصَّالحينَ مِن الأرِقَّاءِ هم الَّذين مَواليهم يُشفِقون عليهم، ويُنزِّلونَهم مَنزلةَ الأولادِ في الأثَرةِ والموَدَّةِ؛ فكانوا مَظِنَّةً للتَّوصيةِ بشأْنِهم، والاهتمامِ بهم، وتقبُّلِ الوصيةِ فيهم، والمُفسِدون منهم حالُهم عندَ مَواليهم على عكْسِ ذلك [يُنظر: ((تفسير الزمخشري)) (3/235)، ((تفسير البيضاوي)) (4/105)، ((تفسير أبي حيان)) (8/38)، ((تفسير أبي السعود)) (6/171)].
– وجُملةُ: إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ … إلخ، استئنافٌ بَيانيٌّ؛ لأنَّ عُمومَ الأيَامى والعبيدِ والإماءِ في صِيغةِ الأمرِ يُثِيرُ سُؤالَ الأولياءِ والموالي: أنْ يكونَ الرَّاغبُ في تزوُّجِ المرأةِ الأيِّمِ فقيرًا؛ فهل يرُدُّه الولِيُّ؟ وأنْ يكونَ سيِّدُ العبدِ فقيرًا لا يجِدُ ما يُنفِقُه على زَوجِه، وكذلك سيِّدُ الأمَةِ يخطُبُها رجُلٌ فقيرٌ حُرٌّ أو عبْدٌ؟ فجاء هذا لبَيانِ إرادةِ العُمومِ في الأحوالِ [يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/217)].
– وعَلِيمٌ في قولِه: وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ تَكميلٌ لقولِه: وَاسِعٌ؛ فذِكْرُ عَلِيمٌ بعدَ وَاسِعٌ إشارةٌ إلى أنَّه يُعْطي فضْلَه على مُقْتضى ما عَلِمَه مِن الحِكمةِ في مِقدارِ الإعطاءِ [يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (11/76)، ((تفسير ابن عاشور)) (18/218)].
2- قَولُه تعالى:
– قَولُه: وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ السِّينُ والتَّاءُ في قولِه: وَلْيَسْتَعْفِفِ للمُبالَغةِ في الفِعلِ [يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/218)].
– وقولُه: لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا قيل: فيه إيجازٌ بالحذْفِ، والتَّقديرُ: لا يَجِدون قُدرةً على النِّكاحِ [يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/218)].
– وقولُه: حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ فيه تَرجيةٌ للمُستعفِّينَ، وتَقدِمةُ وَعدٍ بالتَّفضُّلِ عليهم بالغِنى؛ ليكونَ انتظارُ ذلك وتأْميلُه لُطْفًا لهم في استعفافِهم، وربْطًا على قُلوبِهم، وليَظهَرَ بذلك أنَّ فضْلَه أوْلَى بالأعِفَّاءِ، وأدْنَى مِن الصُّلحاءِ؛ ففي إيقاعِ الغِنى غايةً للأمرِ بالاستعفافِ فائدتانِ؛ إحداهما: أنْ يُوطِّنَ المُستعفِفُ نفْسَه على الإمساكِ عن النِّكاحِ، ولا يَستعجِلَ قبْلَ الاستغناءِ. وثانيهما: أنَّه تعالى لمَّا رتَّبَ الأمرَ بالاستعفافِ على قولِه: يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، آذَنَ أنَّ فضْلَه أَولى بالأعِفَّاءِ؛ لأنَّ ترتُّبَ الحُكْمِ على الوصفِ المُناسِبِ مُشعِرٌ بالعِلِّيَّةِ، وكأنَّه قِيل: استَعِفُّوا إلى أنْ يُغِنيَكم اللهُ مِن فضْلِه [يُنظر: ((حاشية الطيبي على الكشاف)) (11/79)، ((تفسير أبي حيان)) (8/39)، ((تفسير أبي السعود)) (6/172)].
– قَولُه: وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا دُخولُ الفاءِ في فَكَاتِبُوهُمْ؛ لتَضمينِ الموصولِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ … معنى الشَّرطيَّةِ؛ كأنَّه قِيل: إنِ ابْتَغى الكتابَ ما ملَكَتْ أيمانُكم فكاتِبوهم؛ تأْكيدًا لترتُّبِ الخيرِ على تحقُّقِ مَضمونِ صِلَةِ الموصولِ بأنْ يكونَ كترتُّبِ المشروطِ على الشَّرطِ [يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/219)].
– قَولُه: وَآَتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آَتَاكُمْ فيه إضافةُ المالِ إليه تعالى، ووَصْفُه بإيتائِه إيَّاهم؛ للحثِّ على الامتثالِ بالأمْرِ بتَحقيقِ المأْمورِ به، كما في قولِه تعالى: وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ [الحديد: 7] ؛ فإنَّ مُلاحظةَ وُصولِ المالِ إليهم مِن جِهَتِه تعالى مع كونِه هو المالِكَ الحقيقيَّ له: مِن أقْوى الدَّواعي إلى صَرْفِه إلى الجِهةِ المأمورِ بها، والإضافةُ والوَصْفُ لتَعيينِ المأخَذِ [يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/173)]. وقِيل: إضافةُ المالِ إلى اللهِ؛ لأنَّه مُيسِّرُ أسبابِ تَحصيلِه. وفيه إيماءٌ إلى أنَّ الإعطاءَ مِن ذلك المالِ شُكْرٌ، والإمساكَ جَحدٌ للنِّعمةِ قد يَتعرَّضُ به المُمسِكُ لسلبِ النِّعمةِ عنه [يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/221)].
– وقولُه: الَّذِي آَتَاكُمْ على القولِ بأنَّه وصْفٌ لاسمِ الجَلالةِ؛ فيكونُ امتنانًا وحثًّا على الامتثالِ بتذكيرِ أنَّه ولِيُّ النِّعمةِ، ويكونُ مَفعولُ آَتَاكُمْ مَحذوفًا للعُمومِ، أي: آتاكم نِعَمًا كثيرةً، كقولِه: وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ [إبراهيم: 34] [يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/221)].
– قَولُه: وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فيه مِن زِيادةِ تَقبيحِ حالِهم وتَشنيعِهم على ما كانوا عليه مِن القبائحِ ما لا يخفى؛ فإنَّ مَن له أدْنى مُروءةٍ لا يَكادُ يَرضى بفُجورِ مَن يَحويهِ حرَمُه مِن إمائهِ، فضْلًا عن أمْرِهنَّ به أو إكراهِهنَّ عليه، لا سيَّما عندَ إرادتِهنَّ التَّعفُّفَ [يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/173)].
– قَولُه: وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ، أي: إماءَكم؛ فإنَّ كُلًّا مِن الفَتَى والفَتاةِ كِنايةٌ مَشهورةٌ عن العبدِ والأمَةِ، ولهذه العبارةِ في هذا المقامِ باعتبارِ مَفهومِها الأصليِّ حُسْنُ مَوقعٍ، ومَزيدُ مُناسَبةٍ لقولهِ تعالى: عَلَى الْبِغَاءِ وهو الزِّنا مِن حيثُ صُدورُه عن النِّساءِ؛ لأنَّهنَّ اللَّاتي يُتوقَّعُ منهنَّ ذلك غالبًا دُون مَن عداهنَّ مِن العجائزِ والصَّغائرِ [يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/173)].
– قَولُه: إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا في التعبيرِ بكلمةِ (إنْ) وإيثارُها على (إذا) إيذانٌ بأنَّ المُساعياتِ كنَّ يَفعلْنَ ذلك برغبةٍ وطواعيةٍ منهنَّ، وأنَّ ما وُجِدَ مِن إرادةِ التَّحصُّنِ مِن خبَرِ الشَّاذِّ النَّادرِ . وقِيل: إيثارُ كَلمةِ (إنْ) على (إذا) مع تحقُّقِ الإرادةِ في مَوردِ النَّصِّ حتْمًا؛ للإيذانِ بوُجوبِ الانتهاءِ عن الإكراهِ عندَ كونِ إرادةِ التَّحصُّنِ في حيِّزِ التَّردُّدِ والشَّكِّ؛ فكيف إذا كانت مُحقَّقةَ الوُقوعِ كما هو الواقعُ ؟! [يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/173)].
– وقولُه: لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مُتعلِّقٌ بـ تُكْرِهُوا، أي: لا تُكْرِهوهنَّ لهذه العِلَّةِ؛ ذكَرَ هذه العِلَّةَ لزِيادةِ التَّبشيعِ [يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/227)]. فهو قَيدٌ للإكراهِ، لكنْ لا باعتبارِ أنَّه مَدارُ النَّهيِ عنه، بلْ باعتبارِ أنَّه المُعتادُ فيما بيْنهم؛ تَشنيعًا لهُم فيما هُم عليه مِن احتمالِ الوِزْرِ الكبيرِ لأجْلِ النَّزْرِ الحقيرِ [يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/173)]؛ فإنَّ العَرَضَ مُتَحَقِّقٌ فيه الزوالُ، والدنيا مُشْتقَّةٌ مِن الدناءةِ [يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (13/269)].
– قَولُه: وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ جَملةٌ مُستأنفةٌ سِيقَت لتَقريرِ النَّهيِ، وتأْكيدِ وُجوبِ العمَلِ به، ببَيانِ خَلاصِ المُكْرَهاتِ مِن عُقوبةِ المُكرَهِ عليه عِبارةً، ورُجوعِ غائلةِ الإكراهِ إلى المُكرِهينَ إشارةً [يُنظر: ((تفسير أبي السعود)) (6/174)].
– وقولُه: فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ فيه توسيطُ الإكراهِ بيْن اسم (إنَّ) وخبَرِها؛ للإيذانِ بأنَّ ذلك هو السَّببُ للمغفرةِ والرَّحمةِ. وفي تَخصيصِهما بهنَّ، وتَعيينِ مَدارِهما، مع سَبْقِ ذِكْرِ المُكرِهينَ أيضًا في الشَّرطيةِ: دَلالةٌ بيِّنةٌ على كونِهم مَحرومينَ منهما بالكُلِّيَّةِ؛ كأنَّه قِيل: لا للمُكْرِهِ. ولظُهورِ هذا التَّقديرِ اكْتَفى به عن العائدِ إلى اسمِ الشَّرطِ.
– قَولُه: فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ قِيل: إنَّه دَليلُ جوابِ الشَّرطِ المحذوفِ؛ إذ حُذِفَ الجوابُ إيجازًا، واستُغْنِيَ عن ذِكْرِه بذِكْرِ عِلَّتِه الَّتي تشمَلُه وغيرَه. والتَّقديرُ: فلا إثْمَ عليهنَّ؛ فإنَّ اللهَ غفورٌ رحيمٌ لأمْثالِهنَّ ممَّن أُكْرِهَ على فِعْلِ جريمةٍ. وحرْفُ (إنَّ) في هذا المقامِ يُفِيدُ التَّعليلَ، ويُغْني غَناءَ لامِ التَّعليلِ [يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/228)].
– وأيضًا في قولِه: فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ تَعريضٌ بالوعيدِ للَّذين يُكْرِهون الإماءَ على البغاءِ [يُنظر: ((تفسير ابن عاشور)) (18/228)].
– وفي الآياتِ الثَّلاثِ السَّابقةِ تَرتيبٌ حسَنٌ بَديعٌ؛ فما أحسَنَ ما رتَّبَ هذه الأوامِرَ! حيث أمَرَ أوَّلًا بما يَعصِمُ مِن الفتنةِ، ويُبعِدُ مِن مُواقَعةِ المعصيةِ؛ وهو غضُّ البصرِ، ثمَّ بالنِّكاحِ الَّذي يُحصَنُ به الدِّينُ، ويقَعُ به الاستغناءُ بالحلالِ عن الحرامِ، ثمَّ بالحمْلِ على النَّفسِ الأمَّارةِ بالسُّوءِ، وعزْفِها عن الطُّموحِ إلى الشَّهوةِ عندَ العجْزِ عن النِّكاحِ إلى أنْ يُرزَقَ القُدرةَ عليه. [يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (8/39)].
[موسوعة التفسير].