(3028) فتح ذي النعم بالبدر الأتم شرح صحيح مسلم
مجموعة: أحمد بن علي، ومحمد بنياد وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وأسامة الحميري
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وأن يبارك في ذرياتهم وذرياتنا)
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
جاء في صحيح الإمام مسلم رحمه الله من (٥٦) – (كِتَابُ: التفسير)، (٣) – (بَابٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾) [الأعراف: ٣١].
٢٥ – (٣٠٢٨) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ (ح)، وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ -وَاللَّفْظُ لَهُ- حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ، وَهِيَ عُرْيَانَةٌ، فَتَقُولُ: مَنْ يُعِيرُنِي تِطْوَافًا، تَجْعَلُهُ عَلَى فَرْجِهَا، وَتَقُولُ:
الْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ … فَمَا بَدَا مِنْهُ فَلَا أُحِلُّهُ
فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾. [٧ /الأعراف /٣١].
==========
أولاً: شرح الحديث، وبيان مفرداته:
قال الحافظ النووي رحمه الله:
(٣) – (بَابٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾) [الأعراف: ٣١].
وقال الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى:
[٧٥١٢] (٣٠٢٨) – الحديث
شرح الحديث:
(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما؛ أنه (قَالَ: كَانَتِ الْمَرْأَةُ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ)؛ أي: الكعبة (وَهِيَ)؛ أي: والحال أنها (عُرْيَانَةٌ)؛ أي: متعرّية من اللباس، وهي تأنيث عارٍ، قال الفيّوميّ رحمه الله: عَرِيَ الرجلُ من ثيابه يَعْرَى، من باب تَعِبَ عُرْيًا، وعُرْيَةً، فهو عَارٍ، وعُرْيَانٌ، … وفرس عُرْيٌ لا سرج عليه، وُصِفَ بالمصدر، ثم جُعل اسمًا، وجُمع، فقيل: خيل أَعْرَاءٌ، مثل قُفْل وأَقْفَال، قالوا: ولا يقال: فرس عُرْيَانٌ، كما لا يقال: رجل عُرْيٌ، واعْرَوْرَى الرجلُ الدابةَ: ركبها عُرْيًا، وعَرِيَ من العيب يَعْرَى، فهو عَرٍ، من باب تَعِب: إذا سَلِم منه، والعَرَاءُ بالمدّ: المكان المتَّسِعُ الذي لا سُترة به. انتهي [«المصباح المنير» ٢/ ٤٠٦].
(فَتَقُولُ) المرأة: (مَنْ) استفهاميّة، استفهام استخبار؛ أي: أيّ شخص (يُعِيرُنِي تِطْوَافًا) بكسر التاء الفوقية: ثوب تلبسه المرأة، تطوف به، (تَجْعَلُهُ عَلَى فَرْجِهَا)؛ أي: تستر به فرجها.
وتقدّم لمسلم في «كتاب الحجّ» من طريق أبي أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: كانت العرب تطوف بالبيت عراة، إلا الحمس، والحمس: قريش، وما ولدت، كانوا يطوفون عراة، إلا أن تعطيهم الحمس ثيابًا، فيعطي الرجال الرجال، والنساء النساء، وكانت الحمس لا يخرجون من المزدلفة، وكان الناس كلهم يبلغون عرفات.
وفي غير مسلم: ويقولون: نحن أهل الحَرَم، فلا ينبغي لأحد من العرب أن يطوف إلا في ثيابنا، ولا يأكل إذا دخل أرضنا إلا من طعامنا، فمن لم يكن له من العرب صديق بمكة يُعيره ثوبًا، ولا يَسارٌ يستأجره به كان بين أحد أمرين: إما أن يطوف بالبيت عريانًا، وإما أن يطوف في ثيابه، فإذا فرغ من طوافه ألقى ثوبه عنه، فلم يمسّه أحد، وكان ذلك الثوب يسمى اللَّقَى، حتى قال شاعر العرب [من الطويل]:
كَفَى حَزَنًا كَرِّي عَلَيْهِ كَأَنَّهُ … لَقًى بَيْنَ أَيْدِي الطَّائِفَيْنَ حَرِيمُ
فكانوا على تلك الجهالة، والبدعة، والضلالة، حتى بعث الله نبيّه محمدًا صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]، وأذّن مؤذّن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يطوف بالبيت عريان [«المفهم» ٧/ ٣٤٦، و«تفسير القرطبيّ» ٧/ ١٨٩].
وذكر ابن إسحاق أن قريشًا ابتدعت قَبْل الفيل، أو بعده أن لا يطوف بالبيت أحد، ممن يَقْدَم عليهم من غيرهم أوّل ما يطوف إلا في ثياب أحدهم، فإن لم يجد طاف عريانًا، فإن خالف، وطاف بثيابه ألقاها إذا فرغ، ثم لم ينتفع بها، فجاء الإسلام، فهدم ذلك كله [«الفتح» ٤/ ٢٨٧].
(وَتَقُولُ)، أي: تنشد تلك المرأة، وهي تطوف قائلةً، (الْيَوْمَ)؛ أي: يوم الطواف، وهو منصوب على الظرفية متعلّق بقوله: (يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ)؛ أي: ينكشف كلّ الفرج، أو بعضه، فالضمير يعود للفرج، (وَمَا بَدَا مِنْهُ)؛ أي: ما ظهر من الفرج، (فَلَا أُحِلُّهُ) بضم الهمزة؛ أي: لا أجيز لأحد أن ينظر إليه قصدًا.
وحاصل كلامها: أنها كشفت فرجها لضرورة الطواف، لا لإباحة النظر إليه، والاستمتاع به، فليس لأحد أن يفعل ذلك.
قَالَ ابن عباسّ رضي الله عنهما (فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ)؛ يعني: قوله تعالى: (﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾) قال أبو عبد الله القرطبيّ رحمه الله في «تفسيره»: هو خطاب لجميع العالم، وإن كان المقصود بها من كان يطوف من العرب بالبيت عريانًا، فإنه عامّ في كلّ مسجد؛ لأن العبرة للعموم، لا للسبب. (﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾)؛ أي ما يستر عورتكم، (﴿عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾)؛ أي: عند الصلاة، والطواف، والله تعالى أعلم.
وحديث ابن عباس رضي الله عنه هذا من افراد المصنّف رحمه الله.
فوائد الحديث:
١ – (منها): بيان سبب نزول الآية الكريمة.
٢ – (ومنها): أنه استُدلّ بالآية الكريمة على وجوب ستر العورة في الطواف، وبه قال الجمهور، وهو الحقُّ، وخالف في ذلك الحنفيّة، فقالوا: ستر العورة في الطواف ليس بشرط، فمن طاف عريانًا أعاد ما دام بمكة، فإن خرج لزمه، دم.
٣ – (ومنها): وجوب ستر العورة في الصلاة، وبه قال الجمهور، وهو الحقُّ، واختُلف فيه عن مالك على ثلاثة أقوال: الوجوب مطلقًا، والسُّنّة مطلقًا، والفرق بين العمد، والنسيان، فيجب مع العمد، ولا يجب مع النسيان، والعذر. قاله القرطبيّ.
٤ – (ومنها): بيان ما كانت عليه الجاهليّة من الضلالات، والفسوق، وعدم المبالاة بكشف العورات، والله تعالى أعلم. [البحر المحيط الثجاج، بتصرف].
ثانيًا: الأحكام والمسائل والملحقات:
(المسألة الأولى): مع قول الله تعالى: {۞ يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ} الآية [الأعراف].
(المطلب الأول): النص
قال الله تعالى: {۞ يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ۚ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (32)} [الأعراف].
(المطلب الثاني): غريب الكلمات:
{نُفَصِّلُ}: أي: نُبيِّنُ ونميِّزُ، والتفصيلُ التبيينُ، وقيل: نَأْتِي بِهَا شَيْئًا بعد شَيءٍ، وَلَا نُنَزِّلُها جُمْلَةً مُتَّصِلَةً، وأصلُ (فصل): يدلُّ على تَمييزِ الشَّيءِ مِنَ الشَّيءِ، وإبانَتِه عنه. [انظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 154)، ((تفسير ابن جرير)) (10/162)، ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/505)، ((تفسير القرطبي)) (6/437)، ((بصائر ذوي التمييز)) للفيروزابادي (4/194)].
(المطلب الثالث): المعنى الإجمالي:
يأمُرُ اللهُ تعالى بني آدَمَ أن يأخُذُوا زينَتَهم مِنَ اللِّباسِ الحَسَنِ، منظرًا ومخبرًا، ساترًا للعورة عند جَميعِ المساجِدِ، وفي جميعِ الصَّلَواتِ، وأن يأكُلُوا ويَشْرَبوا مِمَّا أحَلَّه لهم، ولا يُسرِفوا بالإفراطِ في الأكلِ والشُّربِ فوق ما يَكفِيهم، أو بتجاوُزِ حُدودِ اللهِ بتحريمِ ما أحَلَّه، أو بتناوُلِ ما حَرَّمَه مِنَ المأكولاتِ والمَشروباتِ؛ فاللهُ تعالى لا يُحِبُّ المُسرفينَ.
ثم أمَرَ اللهُ نبيَّه أن يقولَ لجَهَلةِ العَرَب الذين يتعَرَّونَ عند طَوافِهم بالبَيتِ، ويُحَرِّمونَ على أنفُسِهم ما أحلَّه اللهُ لهم؛ أمَرَه أن يقولَ لهم، مُنكِرًا عليهم: مَنِ الذي حَرَّمَ زينةَ اللهِ التي أخرَجَها لعبادِه، كاللِّباسِ الذي خَلَقَه لهم، ومَنِ الذي حَرَّمَ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزقِ، وأَمَرَه أن يقولَ لهم: إنَّ الزِّينةَ والطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزقِ هي للَّذينِ آمنوا في الدُّنيا، ويُشارِكُهم فيها الكُفَّارُ، لكنَّها خالصةٌ لهم يومَ القيامةِ، لا يشارِكُهم فيها أحدٌ مِنَ الكَفَرة، كذلك يُفَصِّلُ اللهُ الآياتِ لقومٍ يَعلمونَ.
(المطلب الرابع): تفسير الآيتين:
{يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31)}
مُناسَبةُ الآيةِ لِما قَبلَها:
لَمَّا أمَرَ اللهُ تعالى بالقِسطِ في الآيةِ الأُولى، وكان مِن جُملةِ القِسْطِ أمرُ اللِّباسِ، وأمرُ المأكولِ والمَشروبِ؛ لا جَرَمَ أتبَعَه بذِكْرِهما، وأيضًا لَمَّا أمَرَ بإقامةِ الصَّلاةِ في قوله: وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ، وكان سَترُ العَورةِ شَرطًا لصِحَّةِ الصَّلاةِ؛ لا جَرَمَ أتبَعَه بذِكرِ اللِّباسِ. [انظر: ((تفسير الرازي)) (14/228)]، فقال تعالى:
{يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ}
سببُ النُّزولِ:
عنِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما، قال: ((كانَتِ المرأةُ تَطوفُ بالبَيتِ وهي عُريانةٌ، فتقولُ: مَنْ يُعيرُني تِطوافًا ؟ …. [رواه مسلم (3028).
قال ابنُ رجب الحنبلي: (نزَلَتْ بسبَبِ طَوافِ المُشركينَ بالبَيتِ عُراةً، وقد صحَّ هذا عنِ ابنِ عَبَّاسٍ، وأجمع عليه المُفَسِّرونَ من السَّلَفِ بعده). ((فتح الباري)) (2/334). وروى البخاري (1665) ومسلم (1219) عن عُروةَ بنِ الزُّبير قال: (كان النَّاسُ يطوفون في الجاهليَّة عُراةً إلَّا الحُمْسَ، والحُمْسُ: قُريشٌ وما وَلَدَت، وكانت الحُمْسُ يحتسبونَ على النَّاسِ؛ يعطي الرَّجُلُ الرَّجُلَ الثِّيابَ يطوفُ فيها، وتُعطي المرأةُ المرأةَ الثِّيابَ تَطوفُ فيها، فمَن لم يُعطِه الحُمْسُ طاف بالبَيتِ عُريانًا).
ويُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/154)، ((تفسير القرطبي)) (7/189)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (26/222).
قال ابنُ كثيرٍ: (كانت العربُ- ما عدا قُرَيْشًا- لا يَطُوفون بالبيتِ في ثِيابِهم الَّتي لَبِسوها، يَتَأَوَّلون في ذلك أَنَّهم لا يَطُوفون في ثيابٍ عَصَوُا اللَّه فيها، وكانت قُرَيْشٌ- وهم الحُمْس- يَطُوفون في ثيابِهم، ومَن أعارَه أَحْمَسِيٌّ ثوبًا طَاف فيه، ومن معه ثوبٌ جَديدٌ طاف فيه، ثُمَّ يُلقيه فلا يتملَّكُه أحدٌ، فمن لم يَجِدْ ثوبًا جديدًا، ولا أعارَه أَحْمَسِيٌّ ثَوْبًا، طافَ عريانًا). ((تفسير ابن كثير)) (3/402)، ويُنظر: ((أخبار مكة)) للأزرقي (1/138)].
{يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ}
أي: يا بني آدَمَ خُذوا زينَتَكم مِنَ اللِّباسِ الحَسَن، واستُروا عَوْراتِكم به عند جميعِ المساجِدِ، في الصَّلواتِ كُلِّها؛ فَرضِها ونَفْلِها، وفي الطَّوافِ والاعتكافِ، وغيرِ ذلك. [انظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/149)، ((فتح الباري)) لابن رجب (2/335)، ((تفسير السعدي)) (ص: 287)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/94)].
عن أبي هُريرةَ رَضِيَ الله عنه، أنَّ أبا بكرٍ الصِّديقَ رَضِيَ الله عنه، بَعَثَه في الحَجَّةِ التي أمَّرَه عليها رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قبل حَجَّةِ الوَداعِ يومَ النَّحرِ، في رَهْطٍ يُؤَذِّنُ في النَّاسِ: ((ألَا لا يحُجُّ بعد العامِ مُشرِكٌ، ولا يطوفُ بالبَيتِ عُريانٌ)). [رواه البخاري (1622) ومسلم (1347)].
وعن أبي هُريرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((لا يُصَلِّي أحدُكم في الثَّوبِ الواحِدِ، ليس على عاتِقَيهِ مِنه شَيءٌ)). [رواه البخاري (359) ومسلم (516)].
وعن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه، عنِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((لا يدخُلُ الجنَّةَ مَن كان في قَلبِه مِثقالُ ذَرَّةٍ مِن كِبرٍ. قال رجل: إنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أن يكونَ ثَوبُه حَسَنًا، ونَعْلُه حَسَنةً، قال: إنَّ اللهَ جَميلٌ يُحِبُّ الجَمالَ؛ الكِبرُ بَطَرُ الحَقِّ ، وغَمْطُ النَّاسِ)). [رواه مسلم (91)].
{وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا}
أي: وكُلُوا واشرَبُوا مِمَّا أحلَلْتُه لكم مِنَ الطَّيباتِ، ولا تُفْرِطُوا في الأكلِ والشُّربِ بالزِّيادةِ على القَدرِ الكافي، ولا تتجاوَزوا حُدودَ اللهِ؛ فتُحَرِّموا ما أحَلَّ اللهُ مِنَ الأطعمةِ والأشرِبَةِ، أو تتناوَلوا ما حَرَّمَه منها. [انظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/149)، ، ((تفسير السعدي)) (ص: 287)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/95)، ((العذب النمير)) للشنقيطي (3/165-167)].
كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} [البقرة: 172] .
وقال سبحانه: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ * وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [الأنعام: 141-142] .
وقال عزَّ وجَلَّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ} [المائدة: 87-88] .
{إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}
أي: إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ المجاوِزينَ أمْرَه، الغالينَ فيما أحلَّ أو حرَّم، المُستكثرينَ ممَّا لا ينبغي الاستكثارُ منه؛ مِنَ الطَّعامِ والشَّرابِ وغيرِ ذلك. [انظر: ((تفسير ابن جرير)) (10/156)، ((الوجيز)) للواحدي (ص: 378)، ((تفسير الرازي)) (14/230)].
{قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (32)}
مُناسَبَةُ الآيةِ لِما قَبْلَها:
لَمَّا كان مِنَ المعلومِ أنَّ ما كانوا ألِفُوه واتَّخذوه دِينًا يستعظمونَ تَرْكَه؛ لأنَّ الشَّيطانَ يُوسْوِسُ لهم بأنَّه توسُّعٌ في الدُّنيا، والتَّوَسُّعُ فيها ممَّا ينبغي الزُّهدُ فيه، كما دعا إليه كثيرٌ مِنَ الآياتِ- أكَّدَ سُبحانَه الإذنَ في ذلك بالإنكارِ على مَن حَرَّمَه،
مُعْلِمًا أنَّ الزُّهدَ الممدوحَ ما كان مع صِحَّةِ الاعتقادِ في الحلالِ والحرامِ، وأمَّا ما كان مع تبديلِ شَيءٍ مِن الدِّينِ، بتحليلِ حرامٍ، أو عَكْسِه؛ فهو مذمومٌ. [انظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (7/388-389)].
وأيضًا لَمَّا حَرَّمَتِ العَرَبُ في جاهِلِيَّتِها زينةَ اللِّباسَ في الطَّوافِ تعبُّدًا وقُربةً، وحَرَّمَ بعضُهم أكْلَ بعضِ الطَّيِّباتِ مِنَ الأَدْهانِ وغَيرِها في حال الإحرامِ بالحَجِّ كذلك، وحَرَّموا مِنَ الحَرْثِ والأنعامِ ما بيَّنه تعالى في سورة الأنعام. وحَرَّمَ غَيرُهم مِنَ الوَثنِيِّينَ وأهلِ الكِتابِ كثيرًا مِنَ الطَّيِّباتِ والزِّينةِ كذلك- جاء دينُ الفِطرةِ الجامِعُ بين مصالِحِ البَشَرِ في معاشِهِم ومَعَادِهم، المُطَهِّرُ المُرَبِّي لأرواحِهم وأجسادهم، يُنكِرُ هذا التحَكُّمَ والظُّلمَ للنَّفْسِ
فقال تعالى:
{قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ}
عن أنَسٍ رَضِيَ اللهُ عنه: ((أنَّ نَفَرًا مِن أصحابِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، سألوا أزواجَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عن عَمَلِه في السِّرِّ؟ فقال بعضُهم: لا أتزوَّجُ النِّساءَ، وقال بعضُهم: لا آكُلُ اللَّحمَ، وقال بعضُهم: لا أنامُ على فِراشٍ، فحَمِدَ اللهَ وأثنى عليه، فقال: ما بالُ أقوامٍ قالوا كذا وكذا؟ لكِنِّي أُصَلِّي وأنامُ، وأصومُ وأُفطِرُ، وأتَزَوَّجُ النِّساءَ؛ فمَن رَغِبَ عن سُنَّتِي فليس مِنِّي )) [رواه البخاري (5063) ومسلم (1401)].
{قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ}
أي: قُل- يا نَبِيَّ اللهِ- لهؤلاءِ المُشركينَ الذين يُحَرِّمونَ ما أحَلَّ اللهُ عزَّ وجلَّ: إنَّ الزِّينةَ والطَّيباتِ مِنَ الرِّزقِ، قد خَلَقَها اللهُ في الدُّنيا للَّذين آمَنوا باللهِ ورَسولِه، ويُشارِكُهم فيها مَن كَفَرَ باللهِ ورَسولِه، ولكنَّها خالصةٌ للمُؤمنينَ في الآخِرَةِ، لا يشارِكُهم فيها أحَدٌ مِنَ الكُفَّارِ يومَئذٍ
وقال ابن عاشور: (المعنى: ما هي بحرامٍ، ولكنَّها مباحةٌ للَّذين آمنوا، وإنَّما حَرَمَ المشركون أنفُسَهم من أصنافٍ منها في الحياةِ الدُّنيا كُلِّها، مثل البَحِيرة والسَّائِبة والوَصِيلة والحامِي، وما في بُطونها، وحَرَم بعضُ المشركين أنفُسَهم من أشياءَ في أوقاتٍ مِنَ الحياة الدُّنيا، ممَّا حَرَّموه على أنفُسِهم مِنَ اللِّباسِ في الطَّوافِ، وفي مِنًى، ومِن أكْلِ اللُّحومِ والوَدَك والسَّمْن واللَّبَن، فكان الفَوزُ للمؤمنينَ؛ إذ اتَّبَعوا أمرَ اللهِ بتحليلِ ذلك كُلِّه في جميعِ أوقاتِ الحياةِ الدُّنيا). ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/96)].
كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ
أي: كهذا التَّفصيلِ الواضِحِ الذي فصَّلْنا لكم به الحلالَ والحَرامَ، وبَيَّنَّا لكم به حُرمةَ كَشْفِ العَوْراتِ، ولُزُومَ سَتْرِها، وإباحةَ الزِّينةِ والطَّيِّبات مِنَ الرِّزقِ؛ نُوَضِّحُ دائمًا في هذا القرآنِ جَميعَ ما يَحتاجُ إلى بيانٍ، وذلك للَّذين يفهمونَ عَنِ اللهِ آياتِه، وينتفعونَ بها.
وكذلك ينبغي التنبيه إلى أن تغطية الرأس من الزينة المأمور بها في الصلاة التي يكره تركها، ولم يُعرفْ أنه صلى الله عليه وسلم كان حاسرَ الرأسِ إلا في الإحرام، وقد ذكر بعض الفقهاء (رحمهم الله) استحباب ستر الرأس في الصلاة مطلقًا؛ كما جاء في “حاشية إعانة الطالبين” من كتب الشافعية: “وكُره كشف رأس ومنكب؛ لأن السنة التجمل في صلاته بتغطية رأسه وبدنه”
إعانة الطالبين على حل ألفاظ فتح المعين للبكري الدمياطي: (1/ 226).
تنبيه : غالبا إذا نص الفقهاء على استحسان لباس فيقصدون ما كان مشهورا في زمنهم وبلدانهم .
وقد سئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء :
أعفيت لحيتي وقصرت ثوبي ولبست العمامة بفضل الله ، اتباعا واقتداء ، ولكن الغريب في الأمر : أن الكثير والكثير من الناس أنكر علي ذلك ، واستهزؤوا بي لتركي الغترة والشماغ والعقال ، وينظرون إلي بسخرية واستنكار ، وكأني أفعل شيئا منكراً أو غريباً .
فهل الرسول صلى الله عليه وسلم لبس العمامة ، وهل هي سنة مؤكدة ، وهل هذه العمامة لا تصلح لهذا الزمان الذي نحن فيه ؟ وما هي صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم في لبس العمامة ، وهل كانت لها ألوان كالأبيض والأسود ، وهل أأثم على لبسها ، وهل علي إثم إن أنا حثيت من حولي على لبسها ؟
فأجابوا :
“الحمد لله الذي هداك ووفقك لاتباع السنة ، وما ذكرته من إعفاء اللحية فهو واجب ؛ لأنه من سنن الأنبياء ، ومن خصال الفطرة ، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن حلق اللحية وقصها ؛ لما فيه من التشبه بالكفار ، وأما تقصير الثوب فالواجب تقصيره إلى الكعبين ، وما نزل عن الكعبين فهو إسبال محرم وكبيرة من كبائر الذنوب ، وأما لبس العمامة فهو من المباحات وليس بسنة كما توهمت ، والأولى أن تبقى على ما يلبسه أهل بلدك على رؤوسهم من الغترة والشماغ ونحوه .
وأما استهزاء الناس بك بسبب تمسكك بالدين وحرصك على اتباع السنة فلا تلتفت إليه ، ولا يهمك . وفقنا الله وإياك للفقه في الدين والعمل بسنة سيد المرسلين” انتهى .
الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز … الشيخ عبد العزيز آل الشيخ … الشيخ عبد الله بن غديان … الشيخ صالح الفوزان … الشيخ بكر أبو زيد ” انتهى .
“فتاوى اللجنة الدائمة” (24/42).
وسئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : لبس العمامة هل هي سنة ثبتت عن الرسول صلى الله عليه وسلم؟
فأجاب : “لا ، لباس العمامة ليس بسنة ، لكنه عادة ، والسنة لكل إنسان أن يلبس ما يلبسه الناس ما لم يكن محرماً بذاته ، وإنما قلنا هذا ؛ لأنه لو لبس خلاف ما يعتاده الناس لكان ذلك شهرة ، والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لباس الشهرة ، فإذا كنا في بلد يلبسون العمائم لبسنا العمائم ، وإذا كنا في بلد لا يلبسونها لم نلبسها ، وأظن أن بلاد المسلمين اليوم تختلف ، ففي بعض البلاد الأكثر فيها لبس العمائم ، وفي بعض البلاد بالعكس ، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يلبس العمامة ؛ لأنها معتادة في عهده ، ولهذا لم يأمر بها ، بل نهى عن لباس الشهرة ، مفيداً إلى أن السنة في اللباس أن يتبع الإنسان ما كان الناس يعتادونه ، إلا أن يكون محرماً ، فلو فرضنا أن الناس صاروا يعتادون لباس الحرير وهم رجال قلنا : هذا حرام ولا نوافقهم ، ولو كنا في بلد اعتاد الرجال أن يلبسوا اللباس النازل عن الكعبين قلنا : هذا حرام ولا نوافقهم” انتهى من “لقاء الباب المفتوح” (160/23) .
——
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في “مجموع الفتاوى” (22/117) :” فَتُؤْخَذُ الزِّينَةُ لِمُنَاجَاتِهِ سُبْحَانَهُ . وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ لِغُلَامِهِ نَافِعٍ لَمَّا رَآهُ يُصَلِّي حَاسِرًا: أَرَأَيْت لَوْ خَرَجْت إلَى النَّاسِ كُنْت تَخْرُجُ هَكَذَا؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَاَللَّهُ أَحَقُّ مَنْ يُتَجَمَّلُ لَهُ ” انتهى.
وقد روي عن ابن عمر بسياق آخر مقارب له ، ولعل شيخ الإسلام ذكره بالمعنى . وهو ما أخرجه الطحاوي في “شرح معاني الآثار” (2060) ، من طريق مالك .
وأخرجه عبد الرزاق في “مصنفه” (1390) و (1391) ، من طريق ابن جريج ومعمر .
وأخرجه البيهقي في “السنن الكبرى” (3273) ، من طريق أيوب .
جميعا عن نافع قال : ” تَخَلَّفْتُ يَوْمًا فِي عَلَفِ الرِّكَابِ ، فَدَخَلَ عَلَيَّ ابْنُ عُمَرَ وَأَنَا أُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ، فَقَالَ لِي: أَلَمْ تُكْسَ ثَوْبَيْنِ؟ قُلْتُ: بَلَى . قَالَ: أَرَأَيْتَ لَوْ بَعَثْتُكَ إِلَى بَعْضِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، أَكُنْتَ تَذْهَبُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ؟ قُلْتُ: لَا . قَالَ: فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ يُتَجَمَّلَ لَهُ أَمِ النَّاسُ؟” .
ولفظ عبد الرزاق :” الله أحق من تزين له ” .
وإسناده صحيح .
——
قَالَ شَيْخُ الإِسْلَامِ-رحمنا الله وإياه-: “فَأَخْذُ الزِّينَةِ فِي الصَّلَاةِ حَقُّ اللهِ وَلَو كَانَ وَحْدَهُ بِاللَّيْلِ، وَلَا يُصَلِّي عُرْيَانًا، وَلَو كَانَ وَحْدَهُ، وَيَسْتُرُ فِي صَلَاتِهِ مَا يَجُوزُ لَهُ إِبْدَاؤُهُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ لِلرِّجَالِ؛ مِثْلَ: الْمَنْكَبَينِ -الْكَتِفَينِ-؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نَهَى أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ (رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمُ).
- وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّي الرَّجُلُ مَكْشُوفَ الْفَخْذَينِ”. وَلَوْ صَلَّى وَحْدَهُ فِي البَيْتِ، كَانَ عَلَيْهِ تَغْطِيَةُ ذَلِكَ بِاتِّفَاقِ العُلَمَاءِ. وَصَلَاةُ الرَّجُلِ بَادِيَ الْفَخْذَينِ مَعَ القُدْرَةِ عَلَى الْإِزَارِ، فَهَذَا لَا يَجُوزُ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ، وَكَيْفَ يُؤْمَرُ بِسَتْرِ الْمَنْكَبَينِ، وَيُبَاحُ لَهُ كَشْفُ الْفَخْذِ؟”. وَقَد أَمَرَ الْمُصَلِّي بِالطَّهَارَةِ وَالنَّظَافَةِ وَالطِّيبِ، وَأَنْ تُتَّخَذَ المَسَاجِدُ فِي البُيُوتِ وَتُنَظَّفَ وَتُطَيَّبَ، فَيُسْتَتَرُ فِي الصَّلَاةِ أَبْلَغَ مِمَّا يَسْتَتِرُ الرَّجُلُ مِنَ الرَّجُلِ، وَالْمَرْأَةُ مِنَ الْمَرْأَةِ؛ وَلِذَا أُمِرَتِ الْمَرْأَةُ أَنْ تَخْتَمِرَ فِي الصَّلَاةِ”. هَذَا خُلَاصَةُ كَلَامِهِ الَّذِي أَوْرَدَهُ مُطَوَّلًا فِي الْفَتَاوَى.
قَالَ شَيْخُنَا ابْنُ عُثَيْمِينْ -رَحِمَهُ اللهُ-: “وَالْأَبْيَضُ خَيْرٌ مِنَ غَيْرهِ مِنْ جِهَةِ الْإِضَاءَةِ وَالنُّورِ، وَمَنْ جِهَةِ أَنَّهُ إِذَا اِتَّسَخَ أَدْنَى اِتِّسَاخٍ ظَهَرَ فِيهِ فَبَادَرَ إِلَى غَسْلِهِ”، ثُمَّ قَالَ -رَحِمَهُ اللهُ-: “وَيَشْمَلُ الثِّيَابَ وَالْقُمُصَ وَالْأُزُرَ وَالسَّرَاوِيلَ؛ فَإِنَّ اتِّخَاذَهَا مِنَ الْبَيَاضِ أَفْضَلُ، وَلَو لَبِسَ مِنْ لَوْنٍ آخَرَ فَلَا بَأْسَ بِهِ” اِنْتَهَى كَلَامُهُ -رَحِمَهُ اللهُ-.
أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ تَسْتُرُ فِي الصَّلَاةِ جَمِيعَ بَدَنِهَا؛ مَا عَدَا الوَجْهَ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا سَتْرُهُمَا، وَهَذَا مَا اخْتَارَهُ شَيْخُ الإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ -رَحِمَهُ اللهُ-؛ ولكنه مُستحب لها، فَعَلَى المَرْأَةِ الْمُسْلِمَةِ أَنْ تَأْخُذَ الزِّينَةَ؛ لِأَنَّهَا حَقٌّ لِلَّهِ، وَمَنِ ذَلِكَ أَنْ تُبَالِغَ فِي سَتْرِ جَمِيعِ بَدَنِهَا؛ مَا عَدَا الوَجْهَ.
- وَمَنِ زِينَتِهَا -أَيْضًا-: أَنْ تَلْبِسَ قَمِيصًا سَابِغًا يُغَطِي الْبَدَنَ، وَخِمَارًا يُغَطِّي الرَّأْسَ وَالْعُنُقَ، وَجِلْبَابًا وَهُوَ الْمِلَاءَةُ؛ أَيْ الْمِلْحَفَةُ الَّتِي تَلْتَحِفُ بِهَا المَرْأَةُ، وَقَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ -رَحِمَهُ اللهُ-: “اتَّفَقَ عَامَّتُهُمْ عَلَى الدِّرْعِ وَالْخِمَارِ، وَمَا زَادَ فَهُوَ خَيْرٌ وَأَسْتَرُ”، وَالدِّرْع:ُ هُوَ الْجَلَّابِيَّةُ.
- وَعَلَى المَرْأَةِ أَنْ تَجْتَنِبَ الِّلبَاسَ الَّذِي يُجَسِّمُ وَيَصِفُ جَسَدَهَا كَالْبِنْطَالِ؛ لِأَنَّهُ يُنَافِي الزِّينَةَ الشَّرْعِيَّةَ، وَلَو صَحَّتْ صَلَاتُهَا، وَلَكِنْ عَلَيْهَا أَنْ تَتَّقِيَ اللهَ، وَإِذَا صَلَّتِ الْمَرْأَةُ خَارِجَ بَيْتِهَا فِي الْمَسَاجِدِ فَعَلَيْهَا اجْتِنَابُ الزِّينَةِ الظَّاهِرَةِ الْفَاتِنَةِ وَالطِّيبِ.
(المطلب الخامسة): الفوائد التربوية:
1- أمَرَ اللهُ بقَدرٍ زائدٍ على سَترِ العَورةِ في الصَّلاةِ، وهو أخذُ الزِّينةِ؛ فقال تعالى: خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ فعَلَّقَ الأمرَ بأخذِ الزِّينةِ، لا بِسَترِ العَورةِ؛ إيذانًا بأنَّ العَبدَ ينبغي له أن يلبَسَ أزيَنَ ثيابِه، وأجمَلَها في الصَّلاةِ، وكان لبَعضِ السَّلَفِ حُلَّةٌ بمبلغٍ عظيمٍ مِنَ المالِ، وكان يلبَسُها وقتَ الصَّلاةِ، ويقولُ: (ربِّي أحَقُّ مَن تجمَّلْتُ له في صلاتِي). ومعلومٌ أنَّ اللهَ سبحانه وتعالى يُحِبُّ أن يرى أثَرَ نِعمَتِه على عَبدِه، لا سيَّما إذا وقَفَ بين يَدَيه، فأحسَنُ ما وَقَف بين يديه بملابِسِه ونِعمَتِه التي ألبَسَه إيَّاها ظاهرًا وباطنًا [انظر: ((الفتاوى الكبرى)) لابن تيمية (5/326)، ((مدارج السالكين)) لابن القيم (2/363)].
2- فيه النهيُ عن الإسرافِ؛ فإنَّ السَّرَفَ يُبغِضُه الله، ويَضُرُّ بَدنَ الإنسانِ ومَعيشَتَه [انظر: ((تفسير أبي حيان)) (5/41)، ((تفسير السعدي)) ( ص:287)].
3- في قَوْلِه تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا يُغني المُهتديَ به في أمْرِه ونَهْيِه عَن مُعظَمِ وصايا الطِّبِّ لِحِفظِ الصِّحَّةِ . قال عليُّ بنُ الحُسَينِ بنِ واقدٍ: (جَمَعَ اللهُ الطِّبَّ في نِصفِ آيةٍ، فقال: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا) [انظر: ((تفسير أبي السعود)) (3/224)].
4- التَّوسيعُ مِنَ الله لعبادِه بالطَّيِّباتِ؛ جَعَلَه لهم ليَسْتعينوا به على عِبادَتِه، فلم يُبِحْه إلَّا لعبادِه المؤمنينَ؛ ولهذا قال تعالى: قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، أي: لا تَبِعَةَ عليهم فيها، ومفهومُ الآيةِ أنَّ مَن لم يؤمِنْ بالله، بل استعانَ بها على مَعاصِيه، فإنَّها غيرُ خالصةٍ له، ولا مُباحةٍ، بل يُعاقَبُ عليها وعلى التنعُّمِ بها، ويُسألُ عنِ النَّعيمِ يومَ القيامةِ [انظر: ((تفسير السعدي)) ( ص:287)].
(المطلب السادسة): الفوائد العلمية واللطائف:
قال تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) جمعَتْ هذه الآيةُ أصُولَ أحكامِ الشَّريعةِ كُلَّها، فجَمَعتِ الأمرَ والنَّهيَ، والإباحةَ والخَبَر [انظر: ((بدائع الفوائد)) لابن القيم (4/7)].
لهذه الآيةِ وما ورَدَ في معناها مِنَ السُّنَّة، يُستحَبُّ التجمُّلُ عند الصَّلاةِ- ولا سيَّما يومُ الجُمُعة، ويومُ العِيدِ- والطِّيْبُ؛ لأنَّه مِنَ الزِّينةِ، والسِّواكُ؛ لأنَّه مِن تمامِ ذلك [انظر: ((تفسير ابن كثير)) (3/406)، ((تفسير القرطبي)) (7/196)].
في قَولِه تعالى: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ الأمرُ بسَترِ العَوراتِ عندَ المساجِدِ، فدخلَ في ذلك الطَّوافُ، والصَّلاةُ، والاعتكافُ، وغيرُ ذلك [انظر: ((تفسير ابن رجب الحنبلي)) (1/478)].
دلَّ قولُه تعالى: خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ على أنَّ الصَّلاةَ في الثَّوْبِ الحَسَنِ غَيرُ مَكروهةٍ، إلَّا أنْ يُخشَى منه الالْتِهاءُ عن الصَّلاةِ، أو حُدوثُ الكِبْرِ [انظر: ((تفسير ابن رجب الحنبلي)) (1/480)].
دلَّت الآية على أنَّ الأصلَ في الملابِسِ وأنواعِ التَّجَمُّلات والمطاعِمِ؛ الإباحةُ، إلَّا ما ورَدَ النَّصُّ بخِلافِه
و فيه ردٌّ على مَن يتوَرَّعُ عن أكلِ المُستَلَذَّاتِ، ولُبسِ المَلابِسِ الرَّفيعةِ؛ فإنَّ الاستفهامَ المرادُ منه تقريرُ الإنكارِ، والمبالغةُ فيه
قولُ الله تعالى: قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا أي: الزِّينةُ والطَّيِّباتُ هي لهم بالأصالةِ، والكَفَرةُ وإن شارَكُوهم فيها فتَبَعٌ؛ ولذا لم يَقُلْ تعالى: (لِلَّذِينَ آمنوا وغَيرِهم) [انظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (7/389)، ((تفسير الشربيني)) (1/472)].
(المطلب السابع): بلاغة الآيتين:
قولُه تعالى: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ
هذه الجُملةُ تتنَزَّلُ مِنَ التي بَعدَها، وهي قوله: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ منزلةَ النَّتيجةِ مِنَ الجَدَلِ، فقُدِّمَتْ على الجَدَلِ، فصارَتْ غَرَضًا بمنزلةِ دَعوى، وجُعِلَ الجدلُ حجَّةً على الدَّعوى [انظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/92)].
قوله: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ استئنافٌ مُعتَرِضٌ بين الخِطاباتِ المحكِيَّةِ والمُوجَّهة، وهو موضِعُ إبطالِ مَزاعِمِ أهلِ الجاهِليَّةِ فيما حرَّموه من اللِّباسِ والطَّعامِ، وهي زيادةُ تأكيدٍ لإباحةِ التسَتُّر في المساجِدِ، فابتُدِئَ الكلامُ السَّابِقُ بأنَّ اللِّباسَ نِعمةٌ مِنَ اللهِ [انظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/95)].
والاستفهامُ في قَولِه: مَنْ حَرَّمَ إنكاريٌّ، قُصِدَ به التهَكُّم؛ إذ جَعَلَهم بمنزلةِ أهلِ عِلمٍ يُطلَبُ منهم البيانُ والإفادةُ، وقرينةُ التهَكُّمِ إضافةُ الزِّينةِ إلى اسمِ اللهِ في قوله: زِينَةَ اللَّهِ، وتعريفُها بأنَّها أخرَجَها اللهُ لعِبادِه، ووصْفُ الرِّزقِ بالطَّيِّباتِ، وذلك يقتَضي عَدَمَ التَّحريمِ؛ فالاستفهامُ يَؤُولُ أيضًا إلى إنكارِ تَحريمِها، وتوبيخِ مُحَرِّمِيها [انظر: ((تفسير الزمخشري)) (2/101)، ((تفسير أبي حيان)) (5/42)، ((تفسير أبي السعود)) (3/224)، ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/96)].
قوله: كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ فيه تعريضٌ بجَهلِ وضَلالِ عُقولِ المُشركينَ الذين استَمَرُّوا على عنادِهم وضَلالِهم، رغمَ ما فُصِّلَ لهم مِنَ الآياتِ [انظر: ((تفسير ابن عاشور)) (8-ب/99)]. [موسوعة التفسير].