(3025 ) فتح ذي النعم بالبدر الأتم شرح صحيح مسلم
جمع محمد البلوشي وأحمد بن علي وعدنان البلوشي وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وأسامة الحميري
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
جاء في صحيح الإمام مسلم رحمه الله من (٥٦) – (كِتَابُ: التفسير)، تابع9 لــ (١) – (باب في تفسير آيات متفرقة)
٢٢ – (٣٠٢٥) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم وأحمد بن عبدة الضبي – واللفظ لابن أبي شيبة – (قال: حدثنا، وقال الآخران: أخبرنا) سُفْيَانُ عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عباس رضي الله عنهما، قال:
لقي ناس من المسلمين رجلا في غنيمة له. فقال: السلام عليكم. فأخذوه فقتلوه وأخذوا تلك الغنيمة. فنزلت: ﴿ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلم لست مؤمنا﴾ [٤ /النساء /٩٤]. وقرأها ابن عباس: السلام.
==========
أولاً: شرح الحديث، وبيان مفرداته:
علاقة الحديث بكتاب التفسير: جاء هذا الحديث مفسرًا لآية من سورة النساء (آية 94) وبيّن سبب نزولها، فهو داخل في التفسير بالمأثور، ويُستدل به على أن السنة توضح وتبين القرآن.
وقال الإمام مسلم رحمه الله:
[٧٥٠٩] (٣٠٢٥) – الحديث
شرح الحديث:
(عَنْ عَمْرٍو) وفي رواية ابن أبي عمر، عن سفيان: «حدّثنا عمرو بن دينار»، كذا أخرجها أبو نعيم في «مستخرجه» من طريقه، (عَنْ عَطَاء) بن أبي رباح (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) رضي الله عنهما أنه (قَالَ: لَقِيَ نَاسٌ) لم يُسمّوا، (مِنَ الْمُسْلِمِينَ رَجُلًا) قيل: هو مِرداس بن نَهيك، وقيل: عامر بن الأضبط الأشجعيّ، وسيأتي تمام البحث فيه. (فِي غُنَيْمَةٍ لَهُ) بالتصغير، وفي رواية سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، عند أحمد، والترمذيّ، وحسنه، والحاكم، وصححه: «مَرّ رجل من بني سُليم، بنفر من الصحابة، وهو يسوق غنمًا له، فسلّم عليهم»، (فَقَالَ) الرجل: (السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، فَأَخَذُوهُ)؛ أي: أخذوا الرجل المسلّم عليهم، (فَقَتَلُوهُ) زاد في رواية سماك: «وقالوا: ما سَلَّم علينا إلا ليتعوذ منا»، (وَأَخَذُوا تِلْكَ الْغُنَيْمَةَ) التي كانت لذلك الرجل (فَنَزَلَتْ)؛ يعني: الآية، وهي قوله تعالى: (﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾) وفي رواية سماك: «وأتوا بغنمه النبيّ صلى الله عليه وسلم ، فنزلت»، وروى البزار من طريق حَبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في سبب نزول هذه الآية قصة أخرى، قال: «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سريةً، فيها المقداد، فلما أتوا القوم وجدوهم، قد تفرقوا، وبقي رجل له مال كثير، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، فقتله المقداد، فقال له النبيّ صلى الله عليه وسلم : كيف لك بلا إله إلا الله غدًا؟ وأنزل الله هذه الآية».
قال الحافظ رحمه الله: هذه القصة يمكن الجمع بينها وبين التي قبلها، ويستفاد منها تسمية القاتل، وأما المقتول فروى الثعلبيّ من طريق الكلبيّ، عن أبي صالح، عن ابن عباس، وأخرجه عبد بن حميد من طريق قتادة نحوه، واللفظ للكلبيّ أن اسم المقتول: مِرداس بن نَهيك، من أهل فَدَك، وأن اسم القاتل: أسامة بن زيد، وأن اسم أمير السرية: غالب بن فَضَالة الليثيّ، وأن قوم مِرداس لمّا انهزموا بقي هو وحده، وكان ألجأ غنمه بجبل، فلمّا لحقوه قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، السلام عليكم، فقتله أسامة بن زيد، فلمّا رجعوا نزلت الآية، وكذا أخرج الطبريّ من طريق السُّدّي نحوه، وفي آخر رواية قتادة: «لأن تحية المسلمين السلام، بها يتعارفون».
وأخرج ابن أبي حاتم، من طريق ابن لَهِيعة، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: «أُنزلت هذه الآية: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ﴾ في مرداس»، وهذا شاهد حسن.
وورد في سبب نزولها عن غير ابن عباس شيء آخر، فروى ابن إسحاق في «المغازي»، وأخرجه أحمد من طريقه، عن عبد الله بن أبي حدرد الأسلميّ، قال: “بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من المسلمين، فيهم أبو قتادة، ومُحَلِّم بن جَثَّامة، فمرّ بنا عامر بن الأضبط الأشجعيّ، فسلّم علينا، فحمل عليه مُحَلِّم، فقتله، فلما قَدِمنا على النبيّ صلى الله عليه وسلم ، وأخبرناه الخبر، نزل القرآن، فذكر هذه الآية».
وأخرجها ابن إسحاق من طريق ابن عمر أتمّ سياقًا من هذا، وزاد أنه كان بين عامر ومحلم عداوة في الجاهلية، وهذه عندي قصة أخرى، ولا مانع أن تنزل الآية في الأمرين معًا. [«الفتح» ١٠/ ٦٢ – ٦٣، «كتاب التفسير» رقم (٤٥٩١)].
قال عطاء: (وَقَرَأَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ: السَّلَامَ) وهي قراءة الأكثرين.
قال في «الفتح»: قوله في آخر الحديث: «قال: قرأ ابن عباس: السلام» هو مقول عطاء، وهو موصول بالإسناد المذكور، قال: والسَّلَم، والسلام، والسِّلْم واحد، يعني: أن الأول بفتحتين، والثالث بكسر، ثم سكون، فالأول قراءة نافع، وابن عامر، وحمزة، والثاني قراءة الباقين، والثالث قراءة رُويت عن عاصم بن أبي النَّجُود، ورُوي عن عاصم الْجَحْدريّ بفتح، ثم سكون، فأما الثاني فمن التحية، وأما ما عداه فمن الانقياد. انتهى [«الفتح» ١٠/ ٦٢ – ٦٣، «كتاب التفسير» رقم (٤٥٩١)].
وقال القرطبيّ رحمه الله: قوله: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٤] قال: هذه قراءة ابن عباس، وجماعة من القراء، ﴿السَّلَام﴾ بألف، يعنون به التحية، وقرأه جماعة آخرون: ﴿السَّلَمَ﴾ بغير ألف، يعنون بذلك: الصلح، والقراءتان في السبع، وقرأ ابن وثّاب: «السِّلْم» -بكسر السين، وسكون اللام-، وهي لغة في السَّلْم، الذي هو الصلح.
وقوله: ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [النساء: ٩٤]؛ أي: تريدون المال، وما يَعْرِض من الأعراض الدنيوية.
وقوله: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ [النساء: ٩٤]؛ أي: إن اتقيتم الله، وكففتم عما ينهاكم عنه سلّمكم، وغنّمكم.
وقوله: ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء: ٩٤]؛ أي: قبل الهجرة حين كنتم تُخفون الشهادة، وقيل: من قبل أن تعرفوا الشهادة.
وقوله: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٩٤]؛ أي: بالإسلام، وبإعزازكم بمحمد صلى الله عليه وسلم .
وقوله: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] من البيان، و«تثبّتوا»: من التثبّت،
والقراءتان في السبع، وتفيدان وجوب التوقف، والتبيّن عند إرادة الأفعال، إلى أن يتّضح الحقّ، ويرتفع الإشكال. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله [«المفهم» ٧/ ٣٣٧ – ٣٣٨].
وحديث ابن عبّاس رضي الله عنهما هذا متّفقٌ عليه. [البحر المحيط الثجاج، بتصرف].
فقه وفوائد الحديث:
1 – (منها): ذمّ الحرص على الدنيا؛ لأن هؤلاء لم يقتلوا هذا الرجل إلا ليأخذوا غنيمته
2 – (ومنها): أن في الآية الكريمة دليلًا على أن من أظهر شيئًا من علامات الإسلام لم يحلّ دمه حتى يختبر أمره؛ لأن السلام تحية المسلمين، وكانت تحيتهم في الجاهلية بخلاف ذلك، فكانت هذه علامة. قاله الإتيوبي رحمه الله.
[وفي توفيق الرب المنعم (8/ 503): “أنه يجب التثبت وعدم العجلة لمن أعلن إسلامه، فلا يجوز قتله، بل يمهَل المشركُ، ويُنظَر إذا قال: السلام عليكم، أو قال: أسلمتُ، أو قال: أشهد أن لا إله إلا الله، فإن قالها وجب الكفُّ عنه، وحُكم بإسلامه، ثم يُنظَر بعد ذلك هل يلتزم بأحكام الدين، أم لا، فإذا لم يلتزم قُتل بعد ذلك ردةً”. انتهى].
3 – (ومنها): أنه على قراءة «السَّلَمَ» على اختلاف ضبطه، فالمراد به: الانقياد، وهو علامة الإسلام، لأن معنى الإسلام في اللغة: الانقياد.
قال الحافظ رحمه الله: ولا يلزم من هذا الحكمُ بإسلام من اقتصر على ذلك، وإجراء أحكام المسلمين عليه، بل لا بدّ من التلفظ بالشهادتين على تفاصيل في ذلك بين أهل الكتاب وغيرهم، والله تعالى أعلم. [«الفتح» ١٠/ ٦٣]. [البحر المحيط الثجاج].
4- أن هذا خطأ حدث منهم اجتهادًا، مثل ما حصل لخالد بن الوليد رضي الله عنه لما جاء إلى بني جذيمة، وجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا، يريدون: أسلمنا، فجعل خالد يقتلهم، فشدد النبي صلى الله عليه وسلم عليه، ورفع يده، وقال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ- مَرَّتَيْنِ»، وغرم ديتهم، ومع ذلك لم يعزله عن قيادة الجيش؛ لأنه فعل ذلك عن اجتهاد، لكن الله تعالى يؤدِّب عباده ويعاتبهم. [توفيق الرب المنعم، (8/ 504)]. وسيأتي غير هذه الفوائد بإذن الله تعالى.
ثانيًا: الأحكام والمسائل والملحقات:
(المسألة الأولى): في تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ ۚ كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [النساء: (94)].
(المطلب الأول ): تفسير الآيات:
قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا}
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبْلَها: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (93)}
لَمَّا تَبيَّنَ بهذا المنعِ الشَّديد مِنْ قَتْلِ العمْد، وما في قتلِ الخَطَأ من المؤاخذةِ الموجِبَة للتثبُّت، وكان الأمر قد بَرَزَ بالقتالِ والقَتْل في الجِهَاد ومؤكَّدًا بأنواعِ التَّأكيد، وكان ربَّما التبس الحالُ؛ أتبعَ ذلك التَّصريحَ بالأمرِ بالتثبُّتِ، ولَمَّا كان خفاءُ ذلك منوطًا بالأسفارِ، قال: إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ، وإلا فالتثبُّت والتبيُّن لازمٌ في قتلِ من تظاهَرَ بالإسلامِ في السَّفَر وفي الحَضَر [نظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (5/365)]
فرع:
القراءات ذات الأثَرِ في التَّفسير:
في قوله تعالى: {فَتَبَيَّنُوا} قراءتان:
1- “فَتَثَبَّتُوا”: من التثبُّت الَّذي هو خلاف العَجَلَةِ. [قرأ بها حمزة والكسائي وخلف. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (ص: 218). ويُنظر لمعنى هذه القراءة: ((تفسير ابن جرير)) (7/361)، ((الكشف)) لمكي (1/394)].
2- “فَتَبَيَّنُوا”: من التبيُّن، بمعنى: التَّأنِّي والنَّظَر والكَشْف عنه حتَّى يتَّضِحَ. [قرأ بها الباقون يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (ص: 218). ويُنظر لمعنى هذه القراءة: ((تفسير ابن جرير)) (7/361)، ((الكشف)) لمكي (1/394)].
قوله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا}
القراءات ذات الأثر في التَّفسير:
في قوله تعالى: السَّلَامَ قراءتان:
1- “السَّلَمَ” أي: الاستسلامُ والانقياد، فالمعنى: لا تقولوا لمنِ استسلَمَ إليكم وانقاد: لستَ مُسلمًا [قرأ بها المدنيَّان، وابنُ عامرٍ، وحمزةُ وخلفٌ. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (ص: 218). ويُنظر لمعنى هذه القراءة: ((الكشف)) لمكي (1/395)].
2- “السَّلَامَ” الَّذي هو تحيةُ الإسلام، فالمعنى: لا تقولوا لِمَن حيَّاكم بتحيَّة الإسلام: لستَ مؤمنًا. [قرأ بها الباقون. يُنظر: ((النشر)) لابن الجزري (ص: 218).
عن أبي ظَبْيَانَ، قال: سمعتُ أسامةَ بنَ زيدِ بنِ حارثةَ رضِي اللهُ عنه يُحدِّث، قال: ((بعَثَنا النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى الـحُرَقةِ [الحُرَقَة-بضم الحاء وفتح الراء- : بَطْن من جُهَيْنَةَ، وإنَّما سُمُّوا الحُرقة؛ لأنَّهم أَحْرَقوا بني سهم بن مرَّة بِالنَّبلِ. يُنظر: ((توضيح المشتبه)) لابن ناصر الدين (3/182)، ((تبصير المنتبه)) لابن حجر (1/428)، ((تاج العروس)) للزبيدي (25/154)] مِن جُهينةَ، فصَبَّحْنا القومَ فهزمناهم، قال: ولحقتُ أنا ورجُلٌ من الأنصارِ رجُلًا منهم، فلمَّا غَشيناه، قال: لا إلهَ إلَّا اللهُ، قال: فكفَّ عنه الأنصاريُّ فطعنتُه برُمحي فقَتلتُه، فلمَّا قَدِمْنا بلَغَ ذلك النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقال: يا أسامةُ، أقتلتَه بعدَما قال: لا إلهَ إلَّا اللهُ؟! قلتُ: يا رسولَ الله، إنَّما كان مُتعوِّذًا! قال: أقتلتَه بعدَما قال: لا إلهَ إلَّا اللهُ؟! قال: ما زالَ يُكرِّرها عليَّ حتَّى تمنيتُ أنِّي لم أكُنْ أسلمتُ قبلَ ذلك اليومِ!)) [رواه البخاري (6872)، ومسلم (96)].
قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا}
أي: إنَّ اللهَ تعالى بكلِّ ما تَعملونه وتَنْوُونَه ذو خبرةٍ وعِلْمٍ به ومِنْ ذلك قَتْلُكم مَن تَقتُلون، وكَفُّكم عمَّنْ تكفُّون عن قتْلِه، فيَحفَظ عليكم ذلك ويُجازيكم به. [نظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/352)، ((تفسير السعدي)) (ص: 195)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/94-95)].
(المطلب الثاني ): الفوائد التربوية:
1- قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا} فيه بيانُ حكمةٍ عظيمة في حِفْظِ الجامعة الدِّينيَّة، وهي بثُّ الثِّقة والأمان بين أفراد الأمَّة، وطرْح ما من شأنه إدخالُ الشَّكِّ؛ لأنَّه إذا فُتِح هذا البابُ عَسُر سَدُّه، وكما يَتَّهِم الْمُتَّهِمُ غيرَه فللغيرِ أنْ يتَّهِم مَنِ اتَّهَمَه، وبذلك ترتفعُ الثِّقة، ويَسْهُل على ضعفاء الإيمان الْمُرُوقُ؛ إذ قد أصبحتِ التُّهْمَة تُظِلُّ الصادقَ والْمُنافِقَ. [انظر: ((تفسير ابن عاشور)) (5/168)].
2- في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا}، وجوب التثبُّت في الأمور، حتَّى في الجهاد في سبيل الله؛ فالتثبُّت يحصُل فيه من الفوائِد الكثيرة، والكفِّ لشرورٍ عظيمة، ما به يُعرَف دينُ العبد وعقْلُه ورَزَانته، بخلافِ المستعْجِل للأمور في بدايتها قبل أن يتبيَّنَ له حكمُها، فإنَّ ذلك يؤدِّي إلى ما لا ينبغي، كما جرى لهؤلاء الَّذين عاتَبَهم الله في الآية
[نظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 194)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/95)].
3- متاعُ الدُّنيا حُطامٌ سريع النَّفَاد، وثوابُ الله تعالى موصوفٌ بالدَّوام والبقاء، كما في قول الله تعالى تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ [نظر: ((تفسير الرازي)) (11/191)، ((تفسير الشربيني)) (1/166)].
4- أنَّ العبدَ يَنبغي له إذا رأَى دَواعيَ نفْسِه مائلةً إلى حالةٍ له فيها هوًى وهي مُضِرَّةٌ له، أن يُذَكِّرَها ما أعدَّ الله لمن نَهَى نفسَه عن هواها، وقدَّم مرضاةَ الله على رضا نفْسِه، فإنَّ في ذلك ترغيبًا للنَّفْس في امتثالِ أمْرِ الله، وإنْ شَقَّ ذلك عليها، قال تعالى: {فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ} [نظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 194)].
5- قولُ الله تعالى: {كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا} فيه تربيةٌ عظيمةٌ، وهي أنْ يستشعرَ الإنسانُ عندَ مؤاخذتِه غيرَه أحوالًا كان هو عليها تُساوِي أحوالَ مَن يؤاخِذُه. [نظر: ((تفسير ابن عاشور)) (5/168)].
6- في قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا}، تهديدُ الإنسانِ أنْ يعملَ ما لا يُرضي الله عزَّ وجلَّ، يعني: لا تظُنَّ أنَّكَ إذا عَمِلْتَ شيئًا فإنَّه يخفى على الله أبدًا، وكلَّما هَمَّ بشيء ذَكَرَ عظمةَ الله عزَّ وجلَّ وعِلْمَه بما سيعمل حتَّى يمتنع [انظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/97)].
(المطلب الثالث ): الفَوائِدُ العِلميَّةُ واللَّطائف:
1- أنَّ الواجِبَ علينا معاملةُ الخَلق بالظَّاهر؛ لقوله: وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا ولم يقل: لستَ مسلمًا؛ لأنَّه ألقى السَّلامَ واستسلم، لكن لا تقولوا: لست مؤمنًا، يعني: لم يدخُلِ الإيمانُ في قَلبِك، فلا يجوزُ لنا أنَّ نتعدَّى الظَّاهِرَ الَّذي يبدو من الإنسان، حتَّى وإن وُجِدَت قرائنُ تدلُّ على خلافِ ظاهره، والدَّليل: وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا [انظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/95، 96)].
2- عِلْمُ الله سبحانَه ببواطِنِ الأمور؛ لقوله: إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا، ويدلُّ لذلك قولُه تعالى: هُوَ الْأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ [الحديد: 3] ، فقد فسَّر النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم الباطِنَ بأنَّه (الَّذي ليس دونه شيءٌ) [نظر ما رواه مسلم (2713)]؛ فكلُّ شيءٍ بأمْره، وكلُّ شيء بعِلْمِه، وكلُّ شيءٍ بسَمْعِه، وكلُّ شيء ببَصَرِه، فَعُلُوُّهُ عزَّ وجلَّ فوقَ كلِّ شيءٍ، ولا يمنَعُ مِنْ عِلْمِه بكلِّ شيءٍ [انظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/97)].
3- الإسلامُ يمنعُ قَتْلَ مَن يُظهر الإسلامَ، ومن يُلْقِي السَّلَم أو السَّلامَ، ومَنْ بينَه وبينَ المسلمين عهدٌ وميثاقٌ إمَّا على المناصَرة، وإمَّا على تَرْكِ القتالِ، ومن اتَّصل بأهلِ الميثاقِ المعاهَدِين، ومن اعتزل القتالَ فلم يساعدْ فيه قومَه المقاتلينَ، وبَعْدَ هذا كلِّهِ رغَّب عن ابتغاء عَرَض الدُّنيا بالقتالِ; والدول الكافرة يسعون لجَمْعُ الأموالِ، وهم ينقضُون العهدَ والميثاق مع الضُّعفاءِ، وحافظ عليه النَّبيُّ- صلَّى الله عليه وسلَّم- في عهده، وحافَظَ عليه خلفاؤه الرَّاشِدونَ من بعده، فأين أرقى أمَمِ المدنيَّةِ من أولئك الأئمَّة الْمَهْدِيِّين [انظر: ((تفسير المنار)) (5/285)] !؟
(المطلب الرابع ): بَلاغةُ الآياتِ:
1- والتَّصدير بالنِّداء للمؤمنين؛ لبيانِ أهميَّةِ الحُكم، وأنَّ امتثالَه من مُقتضياتِ الإيمانِ، وفيه فضيلةُ المؤمنينَ؛ حيث يُخاطبهم الله عزَّ وجلَّ بما شاءَ من أحكام. [نظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/95)].
2- قوله: {فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ}: جملة خبريَّة، فيها تعليلٌ للنهي عن ابتغاءِ مالِه بما فيه من الوَعد الضِّمْني؛ كأنَّه قيل: لا تَبتغوا مالَه؛ فعندَ الله مغانمُ كثيرةٌ يُغنمكموها، فيُغنيكم عن ارتكابِ ما ارتكبتموه. [نظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/218)].
3- قوله:{كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ}: تعليلٌ للنهيِ عن القول المذكور، ولعلَّ تأخيرَه لِمَا فيه من نوعِ تفصيلٍ ربَّما يُخلُّ تقديمُه بتجاوُب أطرافِ النَّظم الكريم، مع ما فيه من مراعاةِ المقارنة بين التعليل السابق، وبين ما عُلِّل به، كما في قوله تعالى: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ …} إلخ [آل عمران: 106] [نظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/218)، ((تفسير ابن عاشور)) (5/168-169)].
4- وكرَّر قوله: {فَتَبَيَّنُوا}؛ تأكيدًا لتعظيم الأمْر، وتَرتيبِ الحُكم على ما ذُكِر من حالهم [نظر: ((تفسير البيضاوي)) (2/91)، ((تفسير أبي حيان)) (4/46)]
5- والتذييلُ بقوله: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} تعليلٌ لِمَا قَبْلَه بطريقِ الاستئنافِ، وفيه الجمْعُ بين الوعيدِ والوَعْدِ، أي: فيُجازيكم بِحَسَبِها إنْ خيرًا فخيرٌ وإنْ شرًّا فشرٌّ، فلا تَتهاونوا في القَتْلِ واحتاطُوا فيه. [نظر: ((تفسير أبي السعود)) (2/219)، ((تفسير ابن عاشور)) (5/169)]
(المسألة الثانية ):
يجب قبل الحكم على المسلم بكفر أو فسق أن ينظر في أمرين:
أحدهما: دلالة الكتاب أو السنة على أن هذا القول أو الفعل موجب للكفر أو الفسق.
الثاني: انطباق هذا الحكم على القائل المعين أو الفاعل المعين بحيث تتم شروط التكفير أو التفسيق في حقه وتنتفي الموانع.
[القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى لمحمد بن صالح بن عثيمين– ص: ٨٧].
حمل من أظهر الإسلام على ظاهره
الحكم بالظاهر وأدلته
هذه من المسائل العظيمة في مذهب أهل السنة في الحكم على الناس، فلا تكون أحكامهم مبنية على ظنون وأوهام أو دعاوي لا يملكون عليها بينات، وهذه من رحمة الله وتيسيره على عباده ومن باب تكليفهم بما يطيقون ويستطيعون، وكل ما سبق المقصود به الحكم الدنيوي على الشخص بالإسلام أو الكفر، أما الحكم على الحقيقة فلا سبيل إليه، يقول الإمام الشاطبي رحمه الله مبينًا أهمية هذا الأصل وخطورة إهماله: (إن أصل الحكم بالظاهر مقطوع به في الأحكام خصوصًا، وبالنسبة إلى الاعتقاد في الغير عمومًا، فإن سيد البشر مع إعلامه بالوحي يجري الأمور على ظواهرها في المنافقين وغيرهم، وإن علم بواطن أحوالهم، ولم يكن ذلك بمخرجه عن جريان الظواهر على ما جرت عليه. لا يقال: إنما كان ذلك من قبيل ما قال: (خوفًا من أن يقول الناس أن محمدًا يقتل أصحابه) [الحديث رواه البخاري (٤٩٠٥)، ومسلم (٢٥٨٤). من حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنهما. بلفظ: (دعه لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه)]، فالعلة أمر آخر لا ما زعمت، فإذا عدم ما علل به فلا حرج. لأنا نقول: هذا أدل الدليل على ما تقرر، لأن فتح هذا الباب يؤدي إلى أن لا يحفظ ترتيب الظواهر فإن من وجب عليه القتل بسبب ظاهر، فالعذر فيه ظاهر واضح، ومن طلب قتله بغير سبب ظاهر بل بمجرد أمر غيبي ربما شوش الخواطر وران على الظواهر، وقد فهم من الشرع سد هذا الباب جملة ألا ترى إلى باب الدعاوي المستند إلى أن البينة على المدعي واليمين على من أنكر، ولم يستثن من ذلك أحدًا حتى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتاج في ذلك إلى البينة، فقال من يشهد لي؟ حتى شهد له خزيمة بن ثابت فجعلها الله شهادتين فما ظنك بآحاد الأمة، فلو ادعى أكذب الناس على أصلح الناس لكانت البينة على المدعي، واليمين على من أنكر وهذا من ذلك والنمط واحد، فالاعتبارات الغيبية مهملة بحسب الأوامر والنواهي الشرعية) [«الموافقات» للشاطبي (٢/ ٢٧١،٢٧٢)].
* واستند أهل السنة في تقريرهم لهذا الأصل العظيم إلى أدلة كثيرة منها:
١ – قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [سورة النساء:٩٤]
قال الشوكاني رحمه الله: (والمراد هنا: لا تقولوا لمن ألقى بيده إليكم واستسلم لست مؤمنًا فالسلم والسلام كلاهما بمعنى الاستسلام، وقيل هما بمعنى الإسلام: أي لا تقولوا لمن ألقى إليكم التسليم فقال السلام عليكم: لست مؤمنًا والمراد نهي المسلمين عن أن يهملوا ما جاء به الكافر مما يستدل به على إسلامه ويقولوا إنه إنما جاء بذلك تعوذًا وتقية) [«فتح القدير» (١/ ٥٠١)].
وقال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله – (فالآية تدل على أنه يجب الكف عنه والتثبت، فإذا تبين منه بعد ذلك ما يخالف الإسلام قتل، لقوله تعالى: {فتبينوا}، ولو كان لا يقتل إذا قالها للتثبت معنى، إلى أن يقول: (وإن من أظهر التوحيد والإسلام وجب الكف عنه إلى أن يتبين منه ما يناقض ذلك). [«كشف الشبهات» (٤٩)].
٢ – واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله» [رواه البخاري (٢٥)، ومسلم (٢٢). من حديث ابن عمر رضي الله عنهما].
والشاهد من الحديث قوله (وحسابهم على الله)
قال ابن رجب: (وأما في الآخرة فحسابه على الله عز وجل، فإن كان صادقًا أدخله الله بذلك الجنة، وإن كان كاذبًا فإنه من جملة المنافقين في الدرك الأسفل من النار) [«جامع العلوم والحكم» (٨٣)].
وقال الحافظ في الفتح: (أي: أمر سرائرهم … وفيه دليل على قبول الأعمال الظاهرة والحكم بما يقتضيه الظاهر) [«فتح الباري» (١/ ٧٧)، وانظر «شرح النووي» (١/ ٢١٢)، و«جامع العلوم والحكم» (٨٣)]،
وقال الإمام البغوي: (وفي الحديث دليل على أن أمور الناس في معاملة بعضهم بعضًا إنما تجري على الظاهر من أحوالهم دون باطنها، وأن من أظهر شعار الدين أجري عليه حكمه، ولم يكشف عن باطن أمره، ولو وجد مختون فيما بين قتلى غلف، عزل عنهم في المدفن، ولو وجد لقيط في بلد المسلمين حكم بإسلامه) [«شرح السنة» (١/ ٧٠)].
٣ – واستدلوا أيضًا بقصة أسامة رضي الله عنه المشهورة … وسبق ذكرها
والحديث فيه زجر شديد وتحذير من الإقدام على قتل من تلفظ بالتوحيد وتحذير صريح من تجاوز الظاهر والحكم على ما في القلب دون بينة، قال النووي – رحمه الله: (وقوله صلى الله عليه وسلم : «أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا»؟ الفاعل في قوله: «أقالها» هو القلب، ومعناه أنك إنما كلفت بالعمل بالظاهر وما ينطق به اللسان، وأما القلب فليس لك طريق إلى معرفة ما فيه فأنكر عليه امتناعه من العمل بما ظهر باللسان، وقال أفلا شققت عن قلبه لتنظر، هل قالها القلب واعتقدها وكانت فيه أم لم تكن فيه بل جرت على اللسان فحسب، يعني وأنت لست بقادر على هذا فاقتصر على اللسان فحسب ولا تطلب غيره) [«مسلم بشرح النووي» (٢/ ١٠٤)]، وقال أيضًا في تعليقه على قوله – صلى الله عليه وسلم : «أفلا شققت عن قلبه؟»: (وفيه دليل على القاعدة المعروفة في الفقه والأصول أن الأحكام فيها بالظاهر والله يتولى السرائر) [«مسلم بشرح النووي» (٢/ ١٠٧)].
٤ – ومن الأحاديث العظيمة في هذا الباب حديث جارية معاوية بن الحكم السلمي لما سأل رسول الله ﷺ: «أفلا أعتقها؟ قال: ائتني بها فأتيته بها فقال لها: أين الله؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة» [رواه مسلم (٥٣٧). من حديث معاوية بن الحكم السلمي رضي الله عنه].
قال شيخ الإسلام في تعليقه على هذا الحديث (فإن الإيمان الذي علقت به أحكام الدنيا، هو الإيمان الظاهر وهو الإسلام، فالمسمى واحد في الأحكام الظاهرة، ولهذا لما ذكر الأثرم لأحمد احتجاج المرجئة بقول النبي صلى الله عليه وسلم : «أعتقها فإنها مؤمنة» أجابه بأن المراد حكمها في الدنيا حكم المؤمنة، لم يرد أنها مؤمنة عند الله تستحق دخول الجنة بلا نار إذا لقيته بمجرد هذا الإقرار) [«الإيمان» (٣٩٨) وانظر (٢٠١، ٢٠٢، ٢٤٣)]،
(لأن الإيمان الظاهر الذي تجري عليه الأحكام في الدنيا لا يستلزم الإيمان في الباطن الذي يكون صاحبه من أهل السعادة في الآخرة) [«الإيمان» (١٩٧)].
ولذلك كان صلى الله عليه وسلم يعامل المنافقين على ظواهرهم مع علمه بنفاق كثير منهم ليقرر هذا الأصل العظيم (فهم في الظاهر مؤمنون يصلون مع الناس ويصومون، ويحجون ويغزون والمسلمون يناكحونهم ويوارثونهم .. ولم يحكم النبي صلى الله عليه وسلم في المنافقين بحكم الكفار المظهرين للكفر، لا في مناكحتهم ولا موارثتهم ولا نحو ذلك، بل لما مات عبدالله بن أبي بن سلول وهو من أشهر الناس بالنفاق ورثه ابنه عبدالله وهو من خيار المؤمنين، وكذلك سائر من كان يموت منهم يرثه ورثته المؤمنون، وإذا مات لأحدهم وارث ورثوه مع المسلمين .. لأن الميراث مبناه على الموالاة الظاهرة، لا على المحبة التي في القلوب، فإنه لو علق بذلك لم تمكن معرفته، والحكمة إذا كانت خفية أو منتشرة علق الحكم بمظنتها، وهو ما أظهروه من موالاة المؤمنين .. وكذلك كانوا في الحقوق والحدود كسائر المسلمين) [«الإيمان» لابن تيمية (ص: ١٩٨)]، (وهكذا كان حكمه صلى الله عليه وسلم في دمائهم وأموالهم كحكمه في دماء غيرهم لا يستحل منها شيئًا إلا بأمر ظاهر، مع أنه كان يعلم نفاق كثير منهم) [«الإيمان» (ص: ٢٠١)]، ومع ذلك (يجب أن يفرق بين أحكام المؤمنين الظاهرة التي يحكم فيها الناس في الدنيا، وبين حكمهم في الآخرة بالثواب والعقاب، فالمؤمن المستحق للجنة لابد أن يكون مؤمنًا في الباطن باتفاق جميع أهل القبلة) [«الإيمان» (ص: ٢٠٣)]. [العقدية].
وسئل فضيلة الشيخ ابن باز رحمة الله عليه، ونصه: هل يحكم بالإسلام لمن أظهر شيئا من أمور الإسلام، أم يتوقف إلى أن تعرف عقيدته؟.
فأجاب رحمه الله تعالى:
الواجب هو الحكم بالإسلام لمن أظهر ما يدل على إسلامه؛ كالشهادتين، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وكصلاته مع المسلمين،
فإن هذا يدل على أنه مسلم حتى يتبين ما يخالف ذلك،
فإذا تبين منه ما يخالف ذلك وجبت نصيحته، ووجب إرشاده ودلالته على ما قد يخفى عليه، فإن ظهر منه الردة عن الإسلام، وما يحكم به عليه بذلك فإن على ولي الأمر أن يستتيبه، فإن تاب وإلا وجب أن يقتل؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم : «من بدل دينه فاقتلوه» رواه البخاري في صحيحه.
والخلاصة: أن الواجب حمل من أظهر الإسلام على الإسلام وتوجيهه إلى الخير وتعليمه ما جهل، وإرشاده إلى ما قد يخفى عليه؛ حتى يتبين منه ما يدل على كفره وضلاله، فيعامل كما يعامل غيره من الكفرة المرتدين. نسأل الله السلامة والعافية. [فتاوى نور على الدرب لابن باز بعناية الشويعر، (1/ 93)].
[تنبيه]: وجوب قتله يحكم عليه من قبل العلماء والقضاة، ولا يحكم عليه من أفراد المسلمين.