(3024 ) فتح ذي النعم بالبدر الأتم شرح صحيح مسلم
جمع محمد البلوشي وأحمد بن علي وعدنان البلوشي وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وأسامة الحميري
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
جاء في صحيح الإمام مسلم رحمه الله من (٥٦) – (كِتَابُ: التفسير)، تابع8 لــ (١) – (باب في تفسير آيات متفرقة)
٢١ – (٣٠٢٤) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وهارون بن عبد الله وعبد بن حميد (قال عبد: أخبرنا. وقال الآخران: حدثنا) جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ. أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَيْسٍ عَنْ عبد المجيد بن سهيل، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عتبة، قال:
قال لي ابن عباس: تعلم (وقال هارون: تدري) آخر سورة نزلت من القرآن، نزلت جميعا؟ قلت: نعم. إذا جاء نصر الله والفتح. قال: صدقت.
وفي رواية ابن أبي شيبة: تعلم أي سورة. ولم يقل: آخر.
٢١ – م – (٣٠٢٤) وحَدَّثَنَا إِسْحَاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ. أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ. حدثنا أبو عميس، بهذا الإسناد، مثله. وقال: آخر سورة. وقال عبد المجيد: ولم يقل: ابن سهيل.
==========
أولاً: شرح الحديث، وبيان مفرداته:
وقال الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى:
[٧٥٠٧] (٣٠٢٤) – الحديث
شرح الحديث:
(آخِرَ سُورَةٍ نَزَلَتْ مِنَ الْقُرْآنِ؟ نَزَلَتْ جَمِيعًا)؛ أي: نزلت كلّها مرّة واحدة.
قال القرطبيّ رحمه الله: ﴿نَصْرُ اللَّهِ﴾: عونه على إظهار نبيّه صلى الله عليه وسلم على قريش، وغيرهم، و﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ [النصر: ١]: فتح مكة، كما فسّره النبيّ صلى الله عليه وسلم في حديت عائشة رضي الله عنها، ولا يُلتفت لِمَا قيل في ذلك مما يخالفه. و«الأفواج»: الزُّمَرُ، يعني: زمرةً بعد زمرة، وهذا كان بعد فتح مكة، فإنَّ أهل مكة كانوا عظماء العرب، وقادتهم، ومكة بيت الله تعالى، فتوقفت العرب في إسلامها على أهل مكة، ينظرون ما يفعلون، فلما فتح الله تعالى مكة على نبيّه صلى الله عليه وسلم ، وأسلم أهلها، أصفقت العرب على الدخول في الإسلام، وهَجَرت الأوثان، وعطّلت الأزلام، وحصل التّمام، وكمل الإنعام، فوجب الشكر لهذا المنعم الكريم، واستغفار هذا المولى الرحيم، لا سيما، وقد أفصح خطابًا: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ [النصر: ٣]؛ أي: قل يا محمد: سبحان الله وبحمده، وأستغفر الله، وأتوب إليه، فكان صلى الله عليه وسلم يكثر من قول ذلك شكرًا لله تعالى، وامتثالًا لِمَا أمر به هنالك، وقد تقدَّم أن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم، فَهِما من هذه السورة أن الله تعالى نَعَى لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم نفسه، وكذلك فهمه أبو بكر رضي الله عنه، وقال ابن عمر رضي الله عنهما: نزلت هذه السورة بمنى في حجَّة الوداع، ثم نزلت: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، فعاش بعدها النبيّ صلى الله عليه وسلم ثمانين يومًا، ثم نزلت آية الكلالة، فعاش بعدها خمسين يومًا، ثم نزل: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ الآية [التوبة: ١٢٨]، فعاش بعدها خمسة وثلاثين يومًا، ثم نزلت: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ الآية [البقرة: ٢٨١]، فعاش بعدها إحدى وعشرين يومًا. وقال مقاتل: سبعة أيام.
﴿إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ على النادمين، وإن كثروا، ومَحّاءً ذنوبَ الخطائين إذا استغفروا. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله [«المفهم» ٧/ ٤٣٦ – ٤٣٧]، وهو تحقيقٌ حسنٌ، والله تعالى أعلم.
وقال الحافظ في «الفتح»: ولأبي يعلى من حديث ابن عمر: «نزلت هذه السورة في أوسط أيام التشريق، في حجة الوداع، فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه الوداع».
قال: وسئلت عن قول الكشاف: إن «سورة النصر» نزلت في حجة الوداع أيام التشريق، فكيف صُدِّرت بـ«إذا» الدالة على الاستقبال؟.
فأجبت بضعف ما نقله، وعلى تقدير صحته، فالشرط لم يكتمل بالفتح؛ لأن مجيء الناس أفواجًا لم يكن كَمُل، فبقية الشرط مستقبل.
وقد أورد الطيبيّ السؤال، وأجاب بجوابين:
أحدهما: أن «إذا» قد تَرِد بمعنى «إذ»، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً﴾ الآية [الجمعة: ١١].
ثانيهما: أن كلام الله قديم، قال الحافظ: وفي كلِّ من الجوابين نَظَر لا يخفى. انتهى [«الفتح» ٨/ ٧٣٦].
[تنبيه]: فإن قلت:
ما وجه التوفيق بين حديث عبد الله بن عباس هذا، وبين ما رواه الشيخان عن البراء بن عازب قال: «آخر آية نزلت: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦]، وآخر سورة نزلت براءة»؟.
[قلت]: أجاب البيهقيّ رحمه الله عن هذا بأنه يُجمع بين هذه الاختلافات بأن كل واحد أجاب بما عنده.
وقال القاضي أبو بكر رحمه الله في «الانتصار»: هذه الأقوال ليس فيها شيء مرفوع إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم ، وكلٌّ قاله بضرب من الاجتهاد، وغلبة الظنّ [راجع: «تحفة الأحوذي» ٨/ ٣٤٦].
(وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ: تَعْلَمُ أَيُّ سُورَةٍ) بدل قول الشيخين الآخرين: «تعلم آخر»، أو «تدري آخر سورة»، وقوله: (وَلَمْ يَقُلْ)؛ أي: ابن أبي شيبة (آخِرَ)؛ أي: أسقط لفظة «آخر»، والله تعالى أعلم.
وحديث ابن عبّاس رضي الله عنهما هذا من أفراد المصنّف رحمه الله.
[البحر المحيط الثجاج، (45/ 415 – 419)، بتصرف].
فقه وفوائد الحديث:
1 – (منها): “بيان أن هذه السورة نزلت في آخر ما أنزل من القرآن، وقد نزلت جملة واحدة في آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم ،
2 – (منها): وفيها الإعلام بأجل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قال: «كَانَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رضي الله عنه يُدْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: إِنَّ لَنَا أَبْنَاءً مِثْلَهُ، فَقَالَ: إِنَّهُ مِنْ حَيْثُ تَعْلَمُ، فَسَأَلَ عُمَرُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالفَتْحُ﴾، فَقَالَ: أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَعْلَمَهُ إِيَّاهُ، قَالَ: مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلَّا مَا تَعْلَمُ».
3 – (منها): ومعنى آيات السورة: أنه إذا فُتحت مكة، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، فأكثر من الاستغفار والتسبيح، واستعِدَّ للقائنا؛ فإن مهمتك في الدنيا قد قضيت”. [توفيق الرب المنعم، (8/ 502 – 503)].
4 – (ومنها): جواز تحدث المرء بنعمة الله عليه.
5 – (ومنها): جواز إدخال الصغار على الكبار إذا كان في ذلك منفعة.
6 – (ومنها): التنبيه على الاستغفار عند دنو الأجل؛ لأنه يكون في خواتم الأمور.
7 – (ومنها): بشرى للنبي -صلى الله عليه وسلم- بفتح مكة.
8 – (ومنها): يتقدم المرء على أقرانه بحسن فهمه وسعة علمه.
9 – (ومنها): فضل عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما-، وفهمه لكتاب الله -تعالى- حتى لُقِّبَ ترجمان القرآن.
10 – (ومنها): فضل العلم والعلماء.
11 – (ومنها): ينبغي على الحاكم والأمير مشاورة أهل العلم والفضل في مهمات الأمور”. [الأحاديث النبوية].
ثانيًا: فقه الحديث (أحكام ومسائل وملحقات):
(المطلب الأول ): تفسير الآيات:
وقال ابنُ كثير: (المرادُ بالفَتحِ هاهنا فَتحُ مكَّةً قَولًا واحِدًا؛ فإنَّ أحياءَ العرَبِ كانت تَتلَوَّمُ [أي: تنتظر] بإسلامِها فَتحَ مكَّةَ، يقولونَ: إنْ ظَهَر على قَومِه فهو نبيٌّ، فلمَّا فتح اللهُ عليه مكَّةَ دخَلوا في دينِ اللهِ أفواجًا، فلم تَمْضِ سنَتانِ حتَّى استَوْسَقَت جزيرةُ العَربِ إيمانًا، ولم يَبْقَ في سائِرِ قبائِلِ العَرَبِ إلَّا مُظهِرٌ للإسلامِ، وللهِ الحَمدُ والمِنَّةُ). ((تفسير ابن كثير)) (8/513). ويُنظر: ((صحيح البخاري)) (4302).].
عن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: ((لَمَّا نزَلَت: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ قال النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: أتاكم أهلُ اليَمَنِ، هم أرَقُّ قُلوبًا، الإيمانُ يَمانٍ، الفِقهُ يَمانٍ، الحِكمةُ يَمانيَةٌ)) [أخرجه أحمدُ (7722)، وعبدُ الرَّزَّاقِ في ((التفسير)) (3726). صحَّح إسنادَه أحمد شاكر في تخريج ((مسند أحمد)) (14/149)، والألبانيُّ على شَرطِ الشَّيخَينِ في ((سلسلة الأحاديث الصحيحة)) (3369)، وشعيبٌ الأرناؤوط على شَرطِ الشَّيخَينِ في تخريج ((مسند أحمد)) (13/156). وقال ابنُ حَجَرٍ في ((الكافي الشاف)) (327): (أصلُه في مسلمٍ دونَ ما في أوَّلِه، وله شاهِدٌ)].
ثم قال تعالى: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3)}.
قوله تعالى: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ}.
أي: فنَزِّهْ – يا محمَّدُ – رَبَّك عن النَّقائِصِ والعُيوبِ تنزيهًا مُقتَرِنًا بحَمْدِه، وهو وَصْفُه بصِفاتِ الكَمالِ محبَّةً له وتعظيمًا، واطلُبْ منه محوَ ذُنوبِك [انظر: ((تفسير ابن جرير)) (24/707، 713)، ((تفسير القرطبي)) (20/231)، ((تفسير ابن جزي)) (2/520)، ((تفسير السعدي)) (ص: 936)، ((تفسير ابن عثيمين- جزء عم)) (ص: 341)].
عن عائِشةَ رَضِيَ اللهُ عنها، قالت: ((كان رَسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم يُكثِرُ مِن قَولِ: سُبحانَ اللهِ وبحَمْدِه، أستَغفِرُ اللهَ وأتوبُ إليه. فقُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، أَراك تُكثِرُ مِن قَولِ: سُبحانَ اللهِ وبحَمْدِه، أستَغفِرُ اللهَ وأتوبُ إليه. فقال: خَبَّرَني ربِّي أنِّي سأرى علامةً في أمَّتي، فإذا رأيتُها أكثَرْتُ مِن قَولِ: سُبحانَ اللهِ وبحَمْدِه، أستَغفِرُ اللهَ وأتوبُ إليه، فقد رأيتُها: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ فَتحُ مكَّةَ، وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا)) [رواه مسلم (484)] .
وعن عائِشةَ رَضِيَ اللهُ عنها، قالت: ((كان رَسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم يُكثِرُ أن يقولَ في رُكوعِه وسُجودِه: سُبحانَك اللَّهمَّ رَبَّنا وبحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغفِرْ لي؛ يَتأوَّلُ القُرآنَ) [رواه البخاري (4968)، ومسلم (484)].
وقال تعالى: {إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا}.
أي: إنَّ اللهَ مُتَّصِفٌ أزَلًا وأبدًا بالتَّوبةِ على عِبادِه، فيُوَفِّقُهم إليها، ويَقْبَلُها منهم [نظر: ((تفسير القرطبي)) (20/233)، ((تفسير أسماء الله الحسنى)) للسعدي (ص: 176)
(المطلب الثاني ):
المسألة الأولى :
الفوائد التربوية:
1- قال اللهُ تعالى: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابً}ا الأمورُ الفاضِلةُ تُختَمُ بالاستغفارِ، كالصَّلاةِ والحَجِّ، وغيرِ ذلك، فأمْرُ اللهِ لرَسولِه صلَّى الله عليه وسلَّم بالحَمدِ والاستغفارِ في هذه الحالِ إشارةٌ إلى أنَّ أجَلَه قد اقترب؛ فلْيَستعِدَّ ويتهيَّأْ للقاءِ رَبِّه، ويختِمْ عُمُرَه بأفضَلِ ما يجِدُه صَلَواتُ اللهِ وسَلامُه عليه. [نظر: ((تفسير السعدي)) (ص: 936)].
فالواجبُ على الإنسانِ أن يَحرِصَ في آخِرِ عُمُرِه على الإكثارِ مِن طاعةِ الله، ولا سيَّما ما أوجَب اللهُ عليه، وأن يُكثِرَ مِن الاستِغفارِ والحَمدِ. [انظر: ((شرح رياض الصالحين)) لابن عثيمين (2/140)].
2- في قَولِه تعالى: {إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} إشارةٌ إِلى أنَّه سُبحانَه يَقْبَلُ تَوبةَ المستغفِرينَ المُنيبينَ إليه؛ فهو تَرغيبٌ في الاستغفارِ، وحَثٌّ على التَّوبةِ. [انظر: ((مجموع رسائل ابن رجب)) (2/518)].
(المطلب الثالث ): الفَوائِدُ العِلميَّةُ واللَّطائف:
1- قال اللهُ تبارك وتعالى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ }… الآيات الإخبارُ بذلك كُلِّه قبْلَ وُقوعِه إخبارٌ بغَيبٍ؛ فهو مِن أعلامِ النُّبُوَّةِ. [انظر: ((تفسير ابن جزي)) (2/520)].
2- إعلامٌ منه سُبحانَه لنَبِيِّه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ بدُنُوِّ أجَلِه، وهذا مِن أدَقِّ الفَهمِ وألطَفِه، ولا يُدْرِكُه كلُّ أحدٍ؛ فإنَّه سُبحانَه لم يُعَلِّقِ الاستغفارَ بعَمَلِه، بل عَلَّقَه بما يُحدِثُه هو سُبحانَه مِن نِعمةِ فَتْحِه على رَسولِه ودُخولِ النَّاسِ في دِينِه، وهذا ليس بسَبَبٍ للاستغفارِ؛ فعُلِمَ أنَّ سببَ الاستغفارِ غيرُه، وهو حُضورُ الأجَلِ الَّذي مِن تمامِ نعمةِ اللهِ على عَبْدِه توفيقُه للتَّوبةِ النَّصوحِ والاستغفارِ بيْن يَدَيه؛ ورسول الله كان حامدا مستغفرا لكن أمره بالزيادة إتماما للعبودية . ويدُلُّ عليه أيضًا أنَّه سُبحانَه شَرَعَ التَّوبةَ والاستغفارَ في خواتيمِ الأعمالِ؛ فشَرَعَها في خاتمةِ الحجِّ وقيامِ اللَّيلِ، وكان النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم إذا سَلَّمَ مِن الصَّلاةِ استغفرَ ثلاثًا [انظر ما أخرجه مسلم (591) من حديث ثَوْبانَ رضيَ الله عنه]، فعُلِمَ أنَّ التَّوبةَ مَشروعةٌ عَقِيبَ الأعمالِ الصَّالحةِ، فأَمَرَ رسولَه بالاستِغفارِ عَقِيبَ توفيتِه ما عليه مِن تبليغِ الرِّسالةِ والجِهادِ في سبيلِه حينَ دَخَلَ النَّاسُ في دِينِه أفواجًا، فكأنَّ التَّبليغَ عبادةٌ قد أكمَلَها وأدَّاها؛ فشُرِعَ له الاستِغفارُ عَقِيبَها. [انظر: ((إعلام الموقعين)) لابن القيم (1/266)]. باختصار يسير
3- لم يقلْ: (في دينِ الرَّبِّ)، ولا سائِرِ الأسماءِ؛ لأنَّ هذا الاسمَ أعظَمُ الأسماءِ -على قولٍ-؛ لدَلالتِه على الذَّاتِ والصِّفاتِ، فكأنَّه يقولُ: هذا الدِّينُ إن لم يكُنْ له خَصلةٌ سِوى أنَّه دينُ اللهِ، فإنَّه يكونُ واجِبَ القَبولِ. وقيل غير ذلك. [نظر: ((تفسير)) (32/341)].
4- يدُلُّ على فَضلِ التَّسبيحِ والتَّحميدِ؛ حيثُ يُجعَلُ كافيًا في أداءِ ما وَجَب عليه مِن شُكرِ نِعمةِ النَّصرِ والفَتحِ. [انظر: ((تفسير)) (32/343)].
5- فيه استِحبابُ التَّسبيحِ في الرُّكوعِ والسُّجودِ [وهذا مذهبُ الجمهورِ؛ مِن الحنفيَّةِ، والمالكيَّةِ، والشافعيَّةِ، وهو روايةٌ عن أحمدَ، وقولُ أكثرِ الفُقهاءِ. وذهَب الحنابلةُ، والظَّاهريَّةُ إلى أنَّ التَّسبيحَ في الرُّكوعِ والسُّجودِ واجبٌ، واختارَه ابنُ تيميَّةَ، وابنُ بازٍ، وابنُ عُثَيمين. يُنظر: ((كشاف القناع)) للبهوتي (1/347)، (شرح صحيح البخاري)) لابن بطال (2/414)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (22/550)، ((مجموع فتاوى ابن باز)) (30/14)، ((الشرح الممتع)) لابن عثيمين (3/320)]
6- اقتِرانُ التَّسبيحِ بالحَمدِ، فالباءُ هنا للمُصاحَبةِ؛ وذلك لأنَّه إذا كان التَّسبيحُ مصحوبًا بالحَمدِ فإنَّه به يَتحقَّقُ الكَمالُ؛ لأنَّ الكَمالَ لا يَتحقَّقُ إلَّا بانتفاءِ العيوبِ، وثُبوتِ صِفاتِ الكَمالِ؛ فانتِفاءُ العُيوبِ مأخوذٌ مِن قَولِه: فَسَبِّحْ؛ لأنَّ التَّسبيحَ معناه التَّنزيهُ عن كلِّ نَقصٍ وعَيبٍ، وثبوتُ الكمالاتِ مأخوذٌ مِن قولِه: بِحَمْدِ؛ لأنَّ الحمدَ هو وَصفُ المحمودِ بالصِّفاتِ الكامِلةِ. [انظر: ((شرح رياض الصالحين)) لابن عثيمين (2/145)].
7- إشارةٌ إلى قُربِ وفاةِ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ويحتَمِلُ أن يكونَ فيه إشارةٌ إلى أنَّ قِلَّةَ الفُتوحِ في زمانِه صلَّى الله عليه وسلَّم لا صُنْعَ له فيه؛ لأنَّ سبَبَه قِصَرُ مُدَّتِه، فمعنى المغفرةِ له: رَفْعُ الملامةِ عنه صلَّى الله عليه وسلَّم [انظر: ((فتح الباري)) لابن حجر (7/39)].
لكن دخول أهل الجزيرة هو الأساس الذي جعله رب العزة مبدأ للفتوحات .
8- أمَرَ بالتَّسبيحِ والحَمدِ؛ لِيَكونَ شُكرًا على النَّصرِ والفَتحِ وظُهورِ الإسلامِ، وأمَرَه بذلك وبالاستغفارِ عندَ اقترابِ أجَلِه؛ ليَكونَ ذلك زادًا للآخِرةِ وعُدَّةً للِقاءِ اللهِ [انظر: ((تفسير ابن جزي)) (2/520)].
9- أمْرُه سُبحانَه للنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم بالتَّسبيحِ بحَمْدِه، والاستغفارِ في هذه الحالِ، وهذا لا يَقتضي أنَّه لا يُشرَعُ في غَيرِها، أو لا يُؤمَرُ به غَيرُه، بل يَقتضي أنَّ هذا سَبَبٌ لِمَا أُمِرَ به -وإنْ كان مأمورًا به في مواضعَ أُخَرَ- كما يُؤْمَرُ الإنسانُ بالحَمدِ والشُّكرِ على نِعمةٍ وإنْ كان مأمورًا بالشُّكرِ على غيرِها، وكما يُؤمَرُ بالتَّوبةِ مِن ذَنْبٍ وإنْ كان مأمورًا بالتَّوبةِ مِن غيرِه، لكنْ هو أُمِرَ أنْ يَختِمَ عمَلَه بهذا، فغيرُه أحوَجُ إلى هذا منه، وقد يَحتاجُ العَبدُ إلى هذا في غيرِ هذه الحالِ، كما يَحتاجُ إلى التَّوبةِ؛ فهو محتاجٌ إلى التَّوبةِ والاستِغفارِ مُطلقًا. [انظر: ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (11/689)].
10- في قَولِه تعالى: {وَاسْتَغْفِرْهُ} سؤالٌ: أنَّ اللهَ تبارك وتعالى أنزَلَ على نبيِّه صلَّى الله عليه وسلَّم: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ} [الفتح: 1-2] ، والفَتحُ قد حَصَل، فيكونُ المعلولُ حاصلًا، وهو المغفرةُ، فكيف يدعو بالمغفِرةِ؟
الجوابُ: أنَّ هذا مِن بابِ كَمالِ التَّذَلُّلِ مِن رَسولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم للهِ عزَّ وجلَّ، وأنَّ هذا مِن بابِ التَّأكيدِ لِمَا ثَبَتَ، والتَّوكيدُ لِمَا ثَبَتَ أمرٌ معلومٌ في اللُّغةِ العربيَّةِ. [انظر: ((فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام)) لابن عثيمين (2/104)]. [التفسير].
المسألة الثانيه :
الفوائد والأحكام – غير ما تقدم -:
1) امتنان الله على رسوله صلى الله عليه وسلم بنصره لهم، وفتح مكة، ودخول الناس في دين الله أفواجًا، وأن ذلك من نعم الله تعالى عليهم الموجبة لشكره، ولهذا قال بعده ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّك﴾ .
2) أن النصر بيد الله عز وجل لقوله ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾
3) وجوب تنزيه الله عز وجل عن النقائص والعيوب وعن مشابهة المخلوقين، مقرونًا ذلك بحمده عز وجل لقوله ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ .
4) أن لله عز وجل الكمال المطلق من جميع الوجوه، والحمد المطلق، فهو المنزه عن جميع النقائص والعيوب وعن مشابهة المخلوقين، وهو المحمود في جميع الأحوال وعلى كل حال لقوله ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ .
5) التذكير بنعم الله على العباد التي لا تحصى، من نعمة النصر والفتح، ودخول الناس في دين الله أفواجًا، لقوله ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ فَقَرْنُ الحمد باسم الرب ووصف الربوبية فيه تذكير بنعمه عز وجل كما قال عز وجل ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾، ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾.
6) أمر الله عز وجل للرسول صلى الله عليه وسلم بالاستغفار وهو أمر له صلى الله عليه وسلم ولأمته ممن يصلح له الخطاب لقوله ﴿وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ .
ولهذا كان صلى الله عليه وسلم يقول: ((يا أيها الناس توبوا إلى الله واستغفروه، فإني أتوب إلى الله وأستغفره في كل يوم مائة مرة، أو أكثر من مائة مرة)). [أخرجه مسلم في الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار ٢٧٠٢، من حديث الأغر المزني رضي الله عنه. وأخرجه ابن ماجه في الأدب ٣٨١٥ – من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.].
7) الإشارة إلى أن النصر يستمر للدين، ويزداد عند شكر الله بالتسبيح بحمده واستغفاره، كما قال عز وجل: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ﴾ . ولم يزل نصر الله لدينه في عصر النبوة وعصر الخلفاء الراشدين ومن بعدهم لما كانت الأمة شاكرة لله عز وجل، مسبحة بحمده مستغفرة، قائمة بأمره متمسكة بحبله، ولما حدث في الأمة ما حدث من المخالفة لأمر الله أصابها ما أصابها من الضعف والاختلاف والتفرق، ووعد الله بالنصر ثابت لا يتخلف. كما قال عز وجل ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ .
8) وجوب الاستعداد للقاء الله عز وجل، والانتقال من هذه الدار الفانية إلى الدار الآخرة الباقية، كما قال عز وجل: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. أي: لهي الحياة الحقيقية
فرع:
في كيفية الاستعداد للقاء الله عز وجل:
فائدة: بم يكون الاستعداد للقاء الله؟
يكون الاستعداد للقاء الله عز وجل بأمور عدة من أهمها ما يلي:
الأمر الأول:
تقوى الله عز وجل بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وهي رأس الأمر كله، ومن أعظم ما يعين على ذلك ما يلي:
أ – التفكر في عظمة الله عز وجل، وما له من صفات الكمال والجلال، مما جاء في الكتاب والسنة، ودلت عليه الآيات الكونية. قال عز وجل: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ .
ب – التفكر في نعم الله عز وجل على العباد التي لا تحصى؛ كما قال عز وجل: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾، وقال عز وجل: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾.
ج – التفكر في حقارة الدنيا ودنو منزلتها وكيف وصفها الله في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ؛ قال تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاّ مَتَاعٌ﴾، وقال تعالى: ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاّ قَلِيلٌ﴾ .
وقال صلى الله عليه وسلم : ((لو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافرًا شربة ماء)). [أخرجه الترمذي في الزهد ٢٣٢٠، وابن ماجه في الزهد ٤١١٠ من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه وصححه الألباني في الأحاديث الصحيحة، حديث: ٦٨٦، ٢٤٨٢، وانظر: (صحيح ابن ماجه) حديث ٣٣١٨].
د – التفكر في عظمة الآخرة وعلو مكانتها ورفعة منزلتها، وأنها دار القرار ودار الحياة الحقيقة، إما نعيم أبدي، أو عذاب سرمدي؛ كما قال عز وجل: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ .
هـ – أن يتفكر الإنسان في ضعفه، فهو من أضعف المخلوقات، إن لم يكن أضعفها، وعمره بالنسبة لأعمار من سبق من الأمم لا يساوي شيئًا. قال صلى الله عليه وسلم : ((أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك)) [أخرجه الترمذي انظر: (الأحاديث الصحيحة) ٧٥٧
و- أن يكون فراق هذه الدنيا، والرحيل منها دائمًا منه على بال، وأن يكثر من ذكر هادم اللذات (الموت) كما قال صلى الله عليه وسلم ((أكثر من ذكر هادم اللذات)). [خرجه الترمذي وهو في (صحيح سنن ابن ماجه) حديث ٣٤٣٤].
الأمر الثاني:
أداء ما عليه من حقوق لله تعالى، أو للخلق، والخروج منها كلها وبخاصة حقوق الخلق من الدماء والأعراض والأموال وغير ذلك، فإن حقوق الخلق مبنية على المشاحة.
الأمر الثالث:
كتابة وصيته وما عليه من حقوق، قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ .
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده)) [خ]. [تدارك بقية العمر في تدبير سورة النصر، (24 – 38)، باختصار].
(المسألة الثالثة): ذكر الأقوال في آخر ما نزل، وبيان الراجح منها:
القول الأول: آخر ما نزل آية الربا
عن ابن عباس رضي الله عنه قال: آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ آيَةُ الرِّبَا. [رواه البخاري (٤٥٤٤)]
أورد البخاري هذا الحديث هنا؛ لأنه أَرَادَ أَنْ يَجْمَع بَيْن قَوْلَيْ اِبْن عَبَّاس، فَإِنَّهُ جَاءَ عَنْهُ ذَلِكَ مِنْ هَذَا الْوَجْه، وَجَاءَ عَنْهُ مِنْ وَجْه آخَر: آخِر آيَة نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١]. [رواه النسائي في الكبرى (١١٠٥٧) ثنا الحسين بن حريث، نا الفضل بن موسى، عن الحسين بن واقد، عن يزيد، عن عكرمة، عن ابن عباس، وإسناده صحيح إلى ابن عباس] [فتح الباري (٨/ ٥٣)].
القول الثاني: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١].
عن ابن عباس رضي الله عنه قال: آخر شيء نزل من القرآن ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾. [رواه النسائي في الكبرى (١١٠٥٧)].
القول الثالث: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾:
عَنْ الْبَرَاءِ رضي الله عنه قَالَ: آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ كَامِلَةً بَرَاءَةٌ، وَآخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ خَاتِمَةُ سُورَةِ النِّسَاءِ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾. [رواه البخاري (٤٦٥٤، ٤٣٦٤)، ومسلم (١٦١٨)].
قال ابن حجر: أَمَّا الْآيَة فَتَقَدَّمَ حَدِيث اِبْن عَبَّاس فِي سُورَة الْبَقَرَة، وَأَنَّ آخِر آيَة نَزَلَتْ آيَة الرِّبَا، وَيُجْمَع بِأَنَّهُمَا لَمْ يَنْقُلَاهُ، وَإِنَّمَا ذَكَرَاهُ عَنْ اِسْتِقْرَاء بحَسَبِ مَا اِطَّلَعَا عَلَيْهِ، وَأَوْلَى مِنْ ذَلِكَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أَرَادَ آخِرِيَّةً مَخْصُوصَة، وَأَمَّا السُّورَة فَالْمُرَاد بَعْضهَا أَوْ مُعْظَمهَا وَإِلَّا فَفِيهَا آيَات كَثِيرَة نَزَلَتْ قَبْلَ سَنَة الْوَفَاة النَّبَوِيَّة، وَأَوْضَحُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ أَوَّل بَرَاءَة نَزَلَ عَقِبَ فَتْح مَكَّة فِي سَنَةِ تِسْعٍ عَامَ حَجِّ أَبِي بَكْر وَقَدْ نَزَلَ ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، وَهِيَ فِي الْمَائِدَة فِي حَجَّة الْوَدَاع سَنَةَ عَشْرٍ، فَالظَّاهِر أَنَّ الْمُرَاد: مُعْظَمهَا، وَلَا شَكَّ أَنَّ غَالِبهَا نَزَلَ فِي غَزْوَة تَبُوكَ وَهِيَ آخِرُ غَزَوَات النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم . [فتح الباري (٨/ ١٦٧)].
القول الرابع: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾:
عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُتْبَةَ قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ: تَعْلَمُ آخِرَ سُورَةٍ نَزَلَتْ مِنْ الْقُرْآنِ نَزَلَتْ جَمِيعًا؟ قُلْتُ: نَعَمْ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾، قَالَ: صَدَقْتَ. [رواه مسلم (٣٠٢٤)].
قال ابن حجر: وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَفْسِير بَرَاءَة أَنَّهَا آخِر سُورَة نَزَلَتْ. وَالْجَمْع بَيْنهمَا: أَنَّ آخِرِيَّة سُورَة النَّصْر نُزُولَهَا كَامِلَة، بِخِلَافِ بَرَاءَة كَمَا تَقَدَّمَ تَوْجِيهه. [فتح الباري (٨/ ٦٠٦)].
فائدة: الجمع بين الأقوال:
مما سبق يتبين أن القول في آخر آية نزلت يدور حوله ثلاثة أقوال:
الأول: آية الربا.
الثاني: آية ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾.
الثالث: آية ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾.
وأما السور فالقول يدور حول قولين:
الأول: سورة براءة.
الثاني: سورة ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾.
وطريقة الجمع هي:
أولًا: بالنسبة للآيات:
وطريق الجمع بين قول: (آية الربا)، وآية ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾.
أن آية الربا هي ختام الآيات المنزلة في الربا إذ هي معطوفة عليهن.
وأما آية ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾، فَيُجْمَع بَيْنه وَبَيْن قَوْل اِبْن عَبَّاس بِأَنَّ الْآيَتَيْنِ نَزَلَتَا جَمِيعًا، فَيَصْدُق أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا آخِر بِالنِّسْبَةِ لمَا عَدَاهُمَا، وَيَحْتَمِل أَنْ تَكُون الْآخِرِيَّةُ فِي آيَة النِّسَاء مُقَيَّدَة بِمَا يَتَعَلَّق بِالْمَوَارِيثِ مَثَلًا، بِخِلَافِ آيَة الْبَقَرَة، وَيَحْتَمِل عَكْسه، وَالْأَوَّل أَرْجَح لِمَا فِي آيَة الْبَقَرَة مِنْ الْإِشَارَة إِلَى مَعْنَى الْوَفَاة الْمُسْتَلْزِمَة لِخَاتِمةِ النُّزُول. [فتح الباري (٨/ ٥٣)].
وَيُجْمَع أيضًا بين القولين الأولين: بأنهما لَمْ يَنْقُلَاهُ، وَإِنَّمَا ذَكَرَاهُ عَنْ اِسْتِقْرَاء بِحَسَبِ مَا اِطَّلَعَا عَلَيْهِ، وَأَوْلَى مِنْ ذَلِكَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أَرَادَ آخِرِيَّةً مَخْصُوصَة. [السابق (٨/ ١٦٧)].
فبذلك نكون قد استبعدنا القول الثالث وهو أن آخر آية نزلت ﴿يَسْتَتَفْتُونَكَ. .﴾
ويكون الجمع بين القولين الأولين من وجوه:
أولًا: أنَّ آية الربا هي ختام الآياتِ المنزلة في الربا إذ هي معطوفة عليهن.
ثانيًا: أن ابن عباس والبراء لم ينقلا هذين القولين، وَإِنَّمَا ذَكَرَاهُ عَنْ اِسْتِقْرَاء بِحَسَبِ مَا اطَّلَعَا عَلَيْهِ.
ثالثًا: أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أَرَادَ آخِرِيَّةً مَخْصُوصَة.
وقال ابن حجر: وَأَصَحُّ الْأَقْوَال فِي آخِرِيَّةِ الْآيَة قَوْلُه تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾. [السابق (٨/ ١٦٧)].
وهذا هو الراجح إن شاء الله! لأن آية الربا هي آخر ما نزل بالنسبة لآيات الربا، أو لعلهما نزلتا جميعًا وتكون ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ بعدها.
وأما القول في آخرية ما نزل من السور
فقلنا أن هذا القول يدور حول قولين: سورة براءة، وسورة ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾.
و الجمع بين القولين: أن آخرية سورة النصر نزولها كاملة بخلاف براءة كما تقدم توجيهه. [السابق (٨/ ٦٠٦: ٦٠٥)].
ويجمع بين هذه الاختلافات إن صحت بأن كل واحد أجاب بما عنده، وهذه الأقوال ليس فيها شيء مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وكل قاله بضرب من الاجتهاد وغلبة الظن. ويحتمل أن كلًا منهم أخبر عن آخر ما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم في اليوم الذي مات فيه أو قبل مرضه بقليل، وغيره سمع منه بعد ذلك وإن لم يسمعه هو، ويحتمل أيضًا أن تنزل هذه الآية التي هي آخر آية تلاها الرسول ﷺ مع آيات نزلت معها، فيؤمر برسم ما نزل معها بعد رسم تلك، فيظن أنه آخر ما نزل في الترتيب. [الإتقان (١/ ٨٠: ٧٩)].
الخلاصة:
نقول إن القول في آخر ما نزل ليس فيه شيء مرفوع إلى النبي ﷺ، وما قاله الصحابة هو ضرب من الاجتهاد وغلبة الظن، وقد رجح ابن حجر بأن آخر ما نزل ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾.
وقلنا أنه يمكن الجمع بين هذه الآية، وآية الربا كما تقدم. والله أعلم. [موسوعة محاسن الإسلام، (4/ 139 – 144)].