(3021) فتح ذي النعم بالبدر الأتم شرح صحيح مسلم
جمع محمد البلوشي وأحمد بن علي وعدنان البلوشي وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وأسامة الحميري
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
جاء في صحيح الإمام مسلم رحمه الله من (٥٦) – (كِتَابُ: التفسير)، تابع 5 لـ(٥٧) (١) – (باب في تفسير آيات متفرقة)
١٣ – (٣٠٢١) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة. حدثنا عبدة بن سليمان. حدثنا هشام عن أبيه، عن عائشة:
﴿وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا وإعراضا﴾ [٤ /النساء /١٢٨] الآية. قالت: أنزلت في المرأة تكون عند الرجل، فتطول صحبتها، فيريد طلاقها، فتقول: لا تطلقني، وأمسكني، وأنت في حل مني، فنزلت هذه الآية.
١٤ – (٣٠٢١) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، فِي قَوْلِهِ عز وجل: ﴿وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا﴾ [٤ /النساء /١٢٨]. قالت: نزلت في المرأة تكون عند الرجل، فلعله أن لا يستكثر منها، وتكون لها صحبة وولد، فتكره أن يفارقها، فتقول له: أنت في حل من شأني.
==========
أولاً: شرح الحديث، وبيان مفرداته:
تابع 5 لـ(٥٧) (١) – (باب في تفسير آيات متفرقة)
علاقة الباب بالتفسير: ولعل إدرج الإمام مسلم رحمه الله هذه الأحاديث في كتاب التفسير؛ لبيان سبب نزول آية النشوز، وهذا مما يظهر اتصال الحديث بالقرآن، وتكاملهما في التشريع.
وأما علاقة الأحاديث بالتفسير: أحاديث أسباب النزول تُعدّ من أهم أدوات المفسر، فهي تُجلّي المراد الشرعي، وتُسهم في فهم الآية ضمن سياقها الواقعي.
قال الإمام مسلم رحمه الله:
[٧٤٩٨] (٣٠٢١) – الحديث
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها، أنها قالت في قوله عز وجل: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ الآيَةَ قَالَتْ: أُنْزِلَتْ فِي الْمَرْأَةِ)؛ أي: في شأن المرأة التي (تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ، فَتَطُولُ صُحْبَتُهَا) له (فَيُرِيدُ طَلَاقَهَا) لعدم رغبته فيها، (فَتَقُولُ: لَا تُطَلِّقْنِي)، وقوله: (وَأَمْسِكْنِي) عطف تفسير لِمَا قبله، (وَأَنْتَ فِي حِلٍّ) بكسر الحاء المهملة، وتشديد اللام، (فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ) وفي الرواية التالية: «قَالَتْ: نَزَلَتْ فِي الْمَرْأَةِ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ، فَلَعَلَّهُ أَنْ لَا يَسْتَكْثِرَ مِنْهَا، وَتَكُونُ لَهَا صُحْبَةٌ، وَوَلَدٌ، فَتَكْرَهُ أَنْ يُفَارِقَهَا، فَتَقُولُ لَهُ: أَنْتَ فِي حِلٍّ مِنْ شَأْنِي».
قال في «العمدة»: قوله: ﴿نُشُوزًا﴾ النشوز أصله الارتفاع، فإذا أساء عِشرتها، ومنعها نفسه، والنفقة فهو نشوز، وقال ابن فارس: نَشَزَ بعلها: إذا جفاها، وضربها
وقوله: ﴿أَنْ يَصَّالَحَا﴾ أصله أن يتصالحا، وقُرئ: ﴿أَنْ يَصَّلِحَا﴾؛ أي: أن يصطلحا، وأصله يصتلحا، وقرئ: ﴿أَنْ يُصْلِحَا﴾.
وقوله: ﴿صُلْحًا﴾ [النساء: ١٢٨] في معنى مصدر كل واحد من الأفعال الثلاثة، وقوله: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: ١٢٨]؛ أي: من الفرقة، أو من النشوز والإعراض، وسوء العشرة، و قوله: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء: ١٢٨]، ومعناه أن الشحّ جُعل حاضرًا لها، لا يغيب عنها أبدًا، ولا تنفك عنه؛ يعني: أنها مطبوعة عليه، والغرض أن المرأة لا تكاد تسمح بقسمتها، والرجل لا يكاد نفسه تسمح بأن يَقسم لها، وأن يمسكها إذا رغب عنها، وأحبَّ غيرها. انتهى [«عمدة القاري» ١٣/ ٢٧١].
وقال الإمام ابن جرير رحمه الله في تفسير الآية المذكورة: يعني بذلك جلَّ ثناؤه: وإن امرأة خافت من بعلها يقول: عَلِمت من زوجها نشوزًا؛ يعني: استعلاء بنفسه عنها إلى غيرها أَثَرَةً عليها، وارتفاعًا بها عنها، إما لبغضة، وإما لكراهة منه بعض أشياء بها، إما دمامتها، وإما سنّها وكِبَرها، أو غير ذلك من أمورها، أو إعراضًا؛ يعني: انصرافًا عنها بوجهه، أو ببعض منافعه التي كانت لها منه، فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحًا يقول: فلا حرج عليهما؛ يعني: على المرأة الخائفة نشوز بعلها، أو إعراضه عنها، أن يصلحا بينهما صلحًا، وهو أن تترك له يومها، أو تضع عنه بعض الواجب لها من حق عليه، تستعطفه بذلك، وتستديم المقام في حباله، والتمسك بالعقد الذي بينها وبينه من النكاح، يقول: والصلح خير؛ يعني: والصلح بترك بعض الحقّ؛ استدامةً للحرمة، وتماسكًا بعقد النكاح خير من طلب الفُرقة، والطلاق. انتهى [«تفسير الطبريّ» ٥/ ٣٠٥ – ٣٠٦].
وقال ابن كثير رحمه الله: يقول تعالى مخبرًا ومشرّعًا من حال الزوجين، تارةً في حال نفور الرجل عن المرأة وتارةً في حال اتّفاقه معها، وتارةً في حال فراقه لها،
فالحالة الأولى ما إذا خافت المرأة من زوجها أن ينفر عنها، أو يُعرض عنها، فلها أن تُسقط عنه حقها، أو بعضه، من نفقة، أو كسوة، أو مبيت، أو غير ذلك من حقوقها عليه، وله أن يقبل ذلك منها، فلا حرج عليها في بذلها ذلك له، ولا عليه في قبوله منها، ولهذا قال تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾، ثم قال: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾؛ أي: من الفراق، وقوله: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾؛ أي: الصلح عند المشاحّة خير من الفراق، ولهذا لما كَبِرت سودة بنت زمعة، فتركت يومها لعائشة، فقبل ذلك منها، قال أبو داود الطيالسيّ: حدّثنا سليمان بن معاذ، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: خَشِيت سودة أن يطلقها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت: يا رسول الله لا تطلقني، واجْعَلْ يومي لعائشة، ففعل، ونزلت هذه الآية: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ الآية، قال ابن عباس: فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز، ورواه الترمذيّ عن محمد بن المثنى، عن أبي داود الطيالسيّ به، وقال: حسن غريب [«تفسير ابن كثير» ١/ ٥٦٢ – ٥٦٣].
وقال في “الفتح” : وعن عليّ: “نزلت في المرأة تكون عند الرجل تكره مفارقته، فيصطلحان على أن يجيئها كل ثلاثة أيام، أو أربعة”، وروى الحاكم من طريق ابن المسيِّب، عن رافع بن خديج، “أنه كانت تحته امرأة، فتزوج عليها شابةً، فآثر البكر عليها، فنازعته، فطلقها، ثم قال لها: إن شئت راجعتك، وصبرت، فقالت: راجِعني، فراجعها، ثم لم تصبر، فطلقها”، قال: فذلك الصلح الذي بلغنا أن الله أنزل فيه هذه الآية.
وروى الترمذيّ من طريق سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس: قال: خشيت سودة أن يطلقها رسول الله ﷺ، فقالت: يا رسول الله لا تطلقني، واجْعَلْ يومي لعائشة، ففعل، ونزلت هذه الآية، وقال: حسن غريب، قال الحافظ: وله شاهد في «الصحيحين» من حديث عائشة بدون ذكر نزول الآية. انتهى [«الفتح» ١٠/ ٧٥].
وحديث عائشة رضي الله عنها هذا متّفقٌ عليه.
وقال الإمام مسلم رحمه الله تعالى:
[٧٤٩٩] (. . .) -الحديث
والحديث متّفقٌ عليه. [البحر المحيط الثجاج، بتصرف].
فقه وفوائد الحديث:
1 – (منها): بيان سبب نزول الآية الكريمة.
2 – (ومنها): رأفة الله سبحانه وتعالى بعباده حيث أباح لهم الصلح مع المرأة فيما إذا كان الزوج لا رغبة له فيها، ويريد مفارقتها، فأمره أن يقبل الصلح منها بترك حقها، وعدم مطالبتها به، وتَرْكه في نكاح غيرها ممن يرغب فيها، وتكون هي في عصمته فقط، وهذا فضل من الله عز وجل على الرجال، وعلى النساء أيضًا، فإنها لو طلقها هذا الزوج تضيع، ويتشتت أمرها، فكونها في عصمته عصمة لها، وصون عن الابتذال، والامتهان، ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦]. [البحر المحيط الثجاج].
3 – (ومنها): من هذا الباب: أن سودة بنت زمعة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم لما كبر سنها وخشيت أن يطلقها النبي صلى الله عليه وسلم قالت: يا رسول الله، أتبقيني عندك، وأهب ليلتي لعائشة؟ فبقيت عند النبي صلى الله عليه وسلم ، وصار يقصد عائشة رضي الله عنها ليلتين.
ومن هذا القبيل: زواج المسيار الآن، كأن يتفق معها أن تسقط بعض حقها، كأن تسقط ليلة من حقها، أو تكتفي منه بأن يأتيها ليلة في الأسبوع، فالحق لها، وإذا أرادت أن ترجع فيما بعد فلها أن ترجع، فإن أعطاها حقها وإلا تطلب الطلاق. [توفيق الرب المنعم، (8/ 495 – 496)].
4 – (ومنها): جواز الصلح بين الزوجين عند وجود النفور، ولو بتنازل المرأة عن بعض حقوقها.
5 – (ومنها): النكاح لا يفسد بالتفاوت في الحقوق إذا رضيت المرأة.
6 – (ومنها): المعيار في الحقوق الزوجية هو التراضي، وليس دائما التساوي.
7 – (ومنها): لا جناح في الصلح، بل هو ممدوح شرعا ومندوب عند المشاحة.
8 – (ومنها): تقديم الاستقرار الأسري على الكمال في الحقوق.
9 – (ومنها): التعامل مع المشكلات الزوجية بروح الصلح لا الطلاق.
10 – (ومنها): الإسلام لا يجبر الزوج على مساواة زوجاته إذا رضيت إحداهن بالتنازل.
11 – (ومنها): مراعاة ضعف المرأة ورغبتها في البقاء، من الرحمة والعدل.
12 – (ومنها): معرفة أسباب النزول من أهم أدوات فهم النصوص.
13- ابن قدامة ذكر وجوب القسم ولو على المريض وذكر تفريعات أخرى انظر [المغني لابن قدامة 10/ 235]
ثانيًا: الأحكام والمسائل والملحقات:
(المسألة الأولى):
قال الله تعالى: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا ۚ وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ۗ وَأُحْضِرَتِ الْأَنفُسُ الشُّحَّ ۚ وَإِن تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (128) وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ۖ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ ۚ وَإِن تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا (129) وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (130)}. [سورة النساء].
قال ابن القيم:
فصل….
ومنها: أنَّه لا تجب التَّسوية بين النِّساء في المحبَّة فإنَّها لا تُمْلَك، وكانت عائشة أحبَّ نسائه إليه. وأُخِذ من هذا أنَّه لا تجب التَّسوية بينهنَّ في الوطء لأنَّه موقوفٌ على المحبَّة والميل، وهي بيد مقلِّب القلوب.
وفي هذا تفصيلٌ: وهو أنَّه إن تركه لعدم الدَّاعي إليه وعدم الانتشار فهو معذورٌ، وإن تركه مع الدَّاعي إليه، ولكنَّ داعيه إلى الضَّرَّة أقوى، فهذا ممَّا يدخل تحت قدرته وملكه، فإن أدَّى الواجبَ عليه منه، لم يبق لها حقٌّ، ولم يلزمه التَّسوية، وإن ترك الواجب منه فلها المطالبة به.
ومنها: أنَّ للمرأة أن تهب ليلتها لضرَّتها، فلا يجوز له جَعْلها لغير الموهوبة، وإن وهبتها للزَّوج، فله جَعْلها لمن شاء منهنَّ، والفرق بينهما: أنَّ اللَّيلة حقٌّ للمرأة، فإذا أسقطَتْها وجعلتها لضرَّتها تعيَّنت لها، وإذا جعلتها للزَّوج جعلها لمن شاء من نسائه، فإذا اتَّفق أن تكون ليلةُ الواهبة تلي ليلة الموهوبة، قسم لها ليلتين متواليتين، وإن كانت لا تليها فهل له نقلُها إلى مجاورها فيجعل اللَّيلتين متجاورتين؟ على قولين للفقهاء وهما في مذهب أحمد والشَّافعيِّ.
ومنها: أنَّ الرَّجل إذا قضى وطرًا من امرأته، وكرهتها نفسُه، أو عَجَز عن حقوقها، فله أن يطلِّقها، وله أن يخيِّرها إن شاءت أقامت عنده، ولا حقَّ لها في القَسْم والوطء والنَّفقة، أو في بعض ذلك بحسب ما يصطلحان عليه، فإذا رضيت بذلك، لزم، وليس لها المطالبة به بعد الرِّضى.
هذا موجب السُّنَّة ومقتضاها، وهو الصَّواب الذي لا يسوغُ غيرُه. وقولُ مَن قال: إنَّ حقَّها يتجدَّد، فلها الرُّجوع في ذلك متى شاءت فاسدٌ، فإنَّ هذا خرج مخرج المعاوضة وقد سمَّاه الله سبحانه: صُلحًا، فيلزم كما يلزم ما صالح عليه من الحقوق والأموال، ولو مُكِّنت من طلب حقِّها بعد ذلك، لكان فيه تأخير الضَّرر إلى أكمل حالتيه، ولم يكن صُلحًا، بل كان مِن أقرب أسباب المعاداة، والشَّريعةُ منزَّهةٌ عن ذلك، ومن علامات المنافق أنَّه إذا وعد أخلَف وإذا عاهد غدر، والقضاء النَّبويُّ يردُّ هذا.
[زاد المعاد ط عطاءات العلم 5/ 206]
وفي فتاوى ابن تيمية :
بَابُ الْقَسْمِ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ
وَسُئِلَ – رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:
عَنْ رَجُلٍ مُتَزَوِّجٍ بِامْرَأَتَيْنِ وَإِحْدَاهُمَا يُحِبُّهَا وَيَكْسُوهَا وَيُعْطِيهَا وَيَجْتَمِعُ بِهَا أَكْثَرَ مِنْ صَاحِبَتِهَا؟
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، يَجِبُ عَلَيْهِ الْعَدْلُ بَيْنَ الزَّوْجَتَيْنِ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ؛ وَفِي السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: ﴿مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إلَى إحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَحَدُ شِقَّيْهِ مَائِلٌ﴾ . فَعَلَيْهِ أَنْ يَعْدِلَ فِي الْقَسْمِ. فَإِذَا بَاتَ عِنْدَهَا لَيْلَةً أَوْ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا بَاتَ عِنْدَ الْأُخْرَى بِقَدْرِ ذَلِكَ وَلَا يُفَضِّلُ إحْدَاهُمَا فِي الْقَسْمِ؛ لَكِنْ إنْ كَانَ يُحِبُّهَا أَكْثَرَ وَيَطَؤُهَا أَكْثَرَ: فَهَذَا لَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِيهِ؛ وَفِيهِ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ أَيْ: فِي الْحُبِّ وَالْجِمَاعِ وَفِي السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: ﴿كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْسِمُ وَيَعْدِلُ فَيَقُولُ: هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِكُ﴾ يَعْنِي: الْقَلْبَ.
وَأَمَّا الْعَدْلُ فِي «النَّفَقَةِ وَالْكُسْوَةِ» فَهُوَ السُّنَّةُ أَيْضًا اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ ﷺ فَإِنَّهُ كَانَ يَعْدِلُ بَيْنَ أَزْوَاجِهِ فِي النَّفَقَةِ؛ كَمَا كَانَ يَعْدِلُ فِي الْقِسْمَةِ؛ مَعَ تَنَازُعِ النَّاسِ فِي الْقَسْمِ: هَلْ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ؟ أَوْ مُسْتَحَبًّا لَهُ؟ وَتَنَازَعُوا فِي الْعَدْلِ فِي النَّفَقَةِ: هَلْ هُوَ وَاجِبٌ؟ أَوْ مُسْتَحَبٌّ؟ وَوُجُوبُهُ أَقْوَى وَأَشْبَهُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَهَذَا الْعَدْلُ مَأْمُورٌ لَهُ مَا دَامَتْ زَوْجَةً؛ فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَ إحْدَاهُمَا فَلَهُ ذَلِكَ فَإِنْ اصْطَلَحَ هُوَ وَاَلَّتِي يُرِيدُ طَلَاقَهَا عَلَى أَنْ تُقِيمَ عِنْدَهُ بِلَا قَسْمٍ وَهِيَ رَاضِيَةٌ بِذَلِكَ جَازَ؛ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْمَرْأَةِ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ فَتَطُولُ صُحْبَتُهَا فَيُرِيدُ طَلَاقَهَا؛ فَتَقُولُ: لَا تُطَلِّقْنِي وَأَمْسِكْنِي وَأَنْتَ فِي حِلٍّ مِنْ يَوْمِي: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ. وَقَدْ ﴿كَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَرَادَ أَنْ يُطَلِّقَ سَوْدَةَ فَوَهَبَتْ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ فَأَمْسَكَهَا بِلَا قِسْمَةٍ﴾ وَكَذَلِكَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ جَرَى لَهُ نَحْوُ ذَلِكَ وَيُقَالُ إنَّ الْآيَةَ أُنْزِلَتْ فِيهِ.
وَسُئِلَ رحمه الله:
عَنْ رَجُلٍ لَهُ امْرَأَتَانِ؛ وَيُفَضِّلُ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فِي النَّفَقَةِ وَسَائِرِ الْحُقُوقِ حَتَّى إنَّهُ هَجَرَهَا: فَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ؟
فَأَجَابَ: يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَعْدِلَ بَيْنَ الْمَرْأَتَيْنِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُفَضِّلَ إحْدَاهُمَا فِي الْقَسْمِ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ﴿مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إلَى إحْدَاهُمَا أَكْثَرَ مِنْ الْأُخْرَى جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ﴾. وَإِنْ لَمْ يَعْدِلْ بَيْنَهُمَا: فَإِمَّا أَنْ يُمْسِكَ بِمَعْرُوفِ؛ وَإِمَّا أَنْ يُسَرِّحَ بِإِحْسَانِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَسُئِلَ رحمه الله:
عَنْ الرَّجُلِ إذَا صَبَرَ عَلَى زَوْجَتِهِ الشَّهْرَ وَالشَّهْرَيْنِ لَا يَطَؤُهَا: فَهَلْ عَلَيْهِ إثْمٌ أَمْ لَا؟ وَهَلْ يُطَالَبُ الزَّوْجُ بِذَلِكَ؟
فَأَجَابَ:
يَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ أَنْ يَطَأَ زَوْجَتَهُ بِالْمَعْرُوفِ؛ وَهُوَ مِنْ أَوْكَدِ حَقِّهَا عَلَيْهِ: أَعْظَمُ مِنْ إطْعَامِهَا. «وَالْوَطْءُ الْوَاجِبُ» قِيلَ: إنَّهُ وَاجِبٌ فِي كُلِّ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ مُرَّةً. وَقِيلَ: بِقَدَرِ حَاجَتِهَا وَقُدْرَتِهِ؛ كَمَا يُطْعِمُهَا بِقَدَرِ حَاجَتِهَا وَقُدْرَتِهِ. وَهَذَا أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
مجموع الفتاوى ٣٢/٢٧٠ — ابن تيمية
(المطلب الأول): غريب الكلمات:
بَعْلِهَا: بَعْلُ المرأةِ: زَوجُها، والبَعْل في الأصل: الصَّاحِبُ . [يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (1/264)].
نُشُوزًا: أي: بُغضًا، والنُّشوز: بُغضُ المرأةِ للزَّوج، أو بُغضُ الزَّوجِ للمَرأة؛ يُقال: نشَزت عليه، أي: ارتفَعَتْ عليه، والنَّشْز: المرتَفِع من الأرض؛ فأصل النَّشْز: الارتفاعُ والعُلوُّ . [يُنظر: ((المفردات)) للراغب (ص: 806)].
إِعْرَاضًا: الإعراض: هو أن تولِّيَ الشَّيء عُرْضَك، أي: جانبَك، ولا تُقبِلَ عليه . [يُنظر: ((غريب القرآن)) للسجستاني (ص: 111)].
وَأُحْضِرَتِ: أي: أُلزِمت، وجُعِلتْ حاضرةً له مطبوعةً عليه، وأصل (حضَر): إيرادُ الشَّيء، ووُرودُه ومشاهدتُه . [يُنظر: ((تذكرة الأريب)) لابن الجوزي (ص: 73)].
الشُّحَّ: وهو الإفراطُ في الحِرص، وأيضًا: بُخْلٌ مع حِرصٍ، ويُطلَقُ على الظُّلم، وأصل (شحح): المنْع . [يُنظر: ((غريب القرآن)) لابن قتيبة (ص: 469)].
كَالْمُعَلَّقَةِ: المُعَلَّقَةُ هي الَّتي لا تكونُ أيِّمًا ولا ذاتَ بَعْلٍ، والعَلَقُ: التَّشبُّثُ بالشَّيء، وأصله: أن يُناطَ الشَّيءُ بالشَّيء العالي . [يُنظر: ((مقاييس اللغة)) لابن فارس (4/125، 129)، ((المفردات)) للراغب (ص: 579)].
(المطلب الثاني): المَعنَى الإجماليُّ:
يُبيِّنُ اللهُ تعالى بعضَ الأحكام الَّتي تتعلَّقُ بالزَّوجين، وما يقعُ بينهما من خلافٍ ونُفرةٍ؛ فالمرأةُ إذا خافت ترفُّعَ زوجِها عنها، وعدمَ رغبتِه فيها، فلا حرجَ ولا إثمَ أن يُصلِحَا بينهما صُلْحًا.
ثمَّ يخبِرُ تعالى أنَّ الأزواجَ لا يمكِنُ أن يحقِّقوا العدلَ الكامل بين زوجاتِهم، ولو اشتَدَّ حرصُهم على ذلك، لكن نهى سبحانه عن الميلِ الكُلِّيِّ إلى واحدةٍ بحيث تظلُّ الأخرى كالمعلَّقة الَّتي ليست مطلَّقةً، ولا هي متزوِّجة، وأنَّهم إن يُصلِحوا بينهم وبين زوجاتهم، وبينهم وبين النَّاس، أو بين النَّاس إذا تنازَعوا، ويتَّقوا اللهَ؛ فإنَّ اللهَ غفورٌ رحيمٌ، وإن ينفصلِ الزَّوجانِ عن بعضِهما، بعد تعسُّرِ الصُّلحِ، يُغْنِ اللهُ كلًّا منهما من فضله الواسع، وكان الله واسعًا حكيمًا.
(المطلب الثالث): تفسير الآيات:
وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (128)
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
الآيةُ عَطفٌ لبقيَّةِ إفتاء الله تعالى؛ فهي من جُملة ما أخبَر الله تعالى أنَّه يفتيهم به في النِّساء ممَّا لم يتقدَّمْ ذِكرُه في هذه السُّورة . [يُنظر: ((تفسير الرازي)) (11/235)، ((تفسير ابن عاشور)) (5/214)].
وأيضًا لَمَّا صاروا يَتزوَّجون ذواتِ الأموالِ من اليتامى ويُضاجِرون بعضَهنَّ، عقَّبَ ذلك تعالى بالإفتاءِ في أحوالِ المشاقَقَةِ بين الأزواج . [يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (5/421)].
سببُ النُّزول:
عن عائِشةَ رضِي اللهُ عنها في هذِه الآيةِ وَإِنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا قَالَتْ: ((الرَّجلُ تَكونُ عنده المرأةُ ليس بِمُستَكْثِرٍ منها يُريدُ أنْ يُفارِقَها، فتقول: أَجْعَلُك مِن شأني في حِلٍّ، فنزلتْ هذه الآيةُ في ذلك )) . [رواه البخاري (2450) واللفظ له، ومسلم (3021).].
وعن هِشامِ بنِ عُروةَ، عن أبيه، قال: قالتْ عائشةُ رضِي اللهُ عنها: ((يا ابنَ أُختي، كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ لا يُفضِّلُ بَعضَنا على بعضٍ في القَسْمِ مِن مُكْثِه عِندنا، وكان قلَّ يومٌ إلَّا وهو يَطوفُ علينا جميعًا، فيَدنو مِن كلِّ امرأةٍ مِن غيرِ مسيسٍ، حتى يَبلُغَ إلى التي هو يومُها فيَبِيت عِندَها، ولقدْ قالتْ سَودةُ بِنتُ زَمْعةَ حين أسنَّتْ وفَرِقَتْ أنْ يُفارِقَها رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: يا رسولَ اللهِ، يَوْمي لعائشةَ، فقَبِلَ ذلك رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ منها، قالتْ: نقول: في ذلِك أَنزلَ اللهُ تعالى وفي أشباهِها أُراهُ قال: وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا)) . [رواه أبو داود (2135)، قال الألباني في ((صحيح سنن أبي داود)) (2135): حسن صحيح. وحسنه الوادعي في ((الصحيح المسند)) (1629). والحديث بدون ذكر قصة سودة جوَّد إسنادَه ابنُ عبد الهادي في ((المحرر)) (368)، وقال ابن كثير في ((إرشاد الفقيه)) (2/187): إسناده صحيح حسن].
وعن عائشةَ رضِي اللهُ عنها قالتْ: ((كانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إذَا أرادَ سفَرًا أقْرَعَ بَينَ نسَائِهِ، فأَيَّتُهُنَّ خرجَ سَهْمُهَا خرَجَ بهَا معهُ، وكانَ يَقْسِمُ لكلِّ امرأةٍ منْهُنَّ يومَها وليلَتَها، غيرَ أنَّ سَوْدَةَ بنتَ زَمْعَةَ وهَبَتْ يَومَها وليلَتَها لعائِشَةَ زَوجِ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؛ تَبْتَغِي بذلِكَ رِضَا رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ)). [رواه البخاري (2688) واللفظ له، ومسلم (1463)].
وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا
أي: إذا خشِيَتِ المرأةُ استعلاءً من زوجها عليها، ونفورًا منها، وانصرافًا عنها، وعدمَ رغبتِه فيها . [يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/548)، ((تفسير ابن كثير)) (2/426)، ((تفسير السعدي)) (ص: 206)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/285)].
فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا
أي: فلا حَرَجَ ولا إثمَ عليهما في أن يتَّفِقا على ما يُصلِحُ الأمورَ بينهما
(وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا)
أي: وإنْ تُحسِنوا- أيُّها الأزواجُ- في أفعالِكم إلى نسائِكم إذا كرِهتموهنَّ بأن تتجشَّموا مشقَّةَ الصَّبرِ عليهنَّ، مع إيفائِهنَّ حقوقَهنَّ، وعِشرتِهنَّ بالمعروف، وتقسِموا لهنَّ أُسوةَ أمثالِهنَّ، وتُحِسنوا أيضًا في عبادة الخالق عمومًا، وتُحسِنوا إلى المخلوقين بجميع طُرقِ الإحسانِ، وتتَّقوا اللهَ تعالى في أزواجِكنَّ بتركِ الجَوْرِ عليهنَّ فيما يجب عليكم من حقوقِهنَّ، وتتَّقوا اللهَ عمومًا، بفعلِ جميع المأمورات، وتركِ جميعِ المحظورات . [يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/566)، ((تفسير ابن كثير)) (2/430)، ((تفسير السعدي)) (ص: 207)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/287-288)].
(فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا)
أي: فإنَّ اللهَ تعالى بما تَعمَلون في أمورِ نِسائِكم- أيُّها الأزواجُ- من الإحسانِ إليهنَّ، والعِشرةِ بالمعروف، وتَرْكِ الجَوْرِ عليهنَّ فيما يجبُ لهنَّ، وغير ذلك ممَّا تعمَلونه، عالِمٌ بظاهرِه وباطنِه، لا يَخفَى عليه منه شيءٌ، يُحصيه، ويحفَظُه لكم، حتَّى يوفِّيَكم جزاءَ ذلك أوفرَ الجزاء . [يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/566)، ((تفسير ابن كثير)) (2/430)، ((تفسير السعدي)) (ص: 207)].
(وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (129))
مُناسَبةُ الآيةِ لِمَا قَبلَها:
لَمَّا ذكَر سبحانه وتعالى أنَّ الوقوفَ على الحقِّ فضلًا عن الإحسانِ- وإنْ كانت المرأةُ واحدةً- متعسِّرٌ، أتبَعَه أنَّ ذلك عند الجمعِ بين أكثرَ مِن واحدةٍ أعسرُ، فقال تعالى [يُنظر: ((نظم الدرر)) للبقاعي (5/424)]:
(وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ)
أي: ولنْ تتمكَّنوا- أيُّها الأزواجُ- من إقامة العدلِ التَّامِّ بين زوجاتِكم من جميع الجوانب، ولو كنتم حريصين على ذلك، فإنَّه وإن حصَل القَسمُ الصُّوريُّ بينهنَّ، فلا بدَّ من التَّفاوُتِ في المحبَّةِ والشَّهوةِ والجِماعِ . [يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/566-567)، ((تفسير ابن كثير)) (2/430)، ((تفسير السعدي)) (ص: 207)].
(فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ)
أي: فإذا مِلْتُم إلى واحدةٍ منهنَّ، فلا تبالِغوا في الميل بالكُلِّيَّة، وتميلوا ميلًا كثيرًا، حتَّى يحمِلَكم ذلك على أن تجُوروا على صواحبِها في تركِ أداء الواجب لهنَّ مِن حقٍّ في القَسْمِ لهنَّ، والنَّفقةِ عليهنَّ، والعِشرةِ بالمعروفِ، فتبقى كالمعلَّقةِ الَّتي ليست أيِّمًا ولا متزوِّجةً، فليست بالمطلَّقة الَّتي استراحَتْ ورزَقها الله تعالى غيرَه، ولا هي بالمتزوِّجةِ الَّتي تسعَدُ بالزَّواجِ كغيرها . [يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/567)، ((تفسير ابن كثير)) (2/430)، ((تفسير السعدي)) (ص: 207)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/297-298)].
(وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا)
أي: وإنْ تُصلِحوا أعمالَكم- أيُّها النَّاس- فتعدِلوا في قَسْمِكم بين أزواجِكم وما فرَض الله لهنَّ عليكم من النَّفقة والعِشرة بالمعروف، فلا تجُوروا في ذلك، وتُصلِحوا أيضًا فيما بينكم وبين النَّاس، وتُصلِحوا أيضًا بين النَّاس فيما تنازعوا فيه، وتتَّقوا الله عزَّ وجلَّ في الميل الَّذي نهاكم عنه- بأن تميلوا لإحدى الزَّوجاتِ على الأخرى، فتظلِموها حقَّها- وتتَّقوا الله تعالى في جميع أمورِكم وأحوالكم بفعلِ ما أمَر، واجتنابِ ما نهى عنه وزجَر . [يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/576)، ((تفسير ابن كثير)) (2/431)، ((تفسير السعدي)) (ص: 207)].
(فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا)
أي: فإنَّ اللهَ تعالى يَستُرُ عليكم ما سلَف منكم مِن مَيْلِكم وجَوْرِكم على زَوجاتِكم، ويتجاوَزُ عن مؤاخذتِكم بذلك، ويستُرُ ويتجاوَزُ عمَّا صدَر منكم من الذُّنوب عمومًا، وكما عطَفْتُم على أزواجِكم ورحمتموهنَّ، فاللهُ تعالى يرحَمُكم، وهو رحيمٌ بكم؛ إذ قبِلَ توبتَكم، وتجاوَز عنكم . [يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/576-577)، ((تفسير ابن كثير)) (2/431)، ((تفسير السعدي)) (ص: 207)].
(وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ)
أي: إذا انفصَل الزَّوجانِ عن بَعضِهما بطَلاقٍ أو فسخٍ أو خُلعٍ أو غير ذلك، فإنَّ اللهَ تعالى يعوِّضُ الزَّوجَ برزقٍ واسعٍ أو بزوجةٍ هي خيرٌ له من زوجته، ويعوِّضُها برزقٍ واسعٍ أو بزوجٍ هو خيرٌ لها من زوجِها، وذلك مِن فضلِه وإحسانِه الواسعِ سبحانه . [يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/577)، ((تفسير ابن كثير)) (2/431)، ((تفسير السعدي)) (ص: 207)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/302)].
(وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا)
أي: إنَّ اللهَ تعالى واسعٌ لهما في إغناء كلِّ واحدٍ من الزوجين وغيرهما مِن فضلِه، فهو سبحانه واسعُ الفضلِ عظيمُ المَنِّ، وهو ذو سَعَةٍ في جميع صفاتِه؛ كالرَّحمة، والمغفرةِ، والعِلم، والقدرة، وغير ذلك مِن صفاتِه العُلى، حكيمٌ في جميع أفعالِه وأقداره وشَرْعِه، ومن ذلك أنَّه يعطي بحكمةٍ، ويمنَعُ لحكمةٍ، ومن ذلك حكمتُه فيما قضى بين الزَّوجين من الافتراق وغيره . [يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (7/577)، ((تفسير ابن كثير)) (2/431)، ((تفسير السعدي)) (ص: 207)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/302-303)].
(المطلب الرابع): الفَوائِد التربويَّة:
1- الإشارةُ إلى أنَّ الصُّلحَ قد يكون ثقيلًا على النُّفوس، لكنَّ المؤمِنَ يهُونُ عليه ذلك إذا كان يؤمِنُ بأنَّ الصُّلح خيرٌ، ويؤخَذُ من قوله: وَأُحْضِرَتِ الأَنْفُسُ الشُّحَّ؛ فالإنسانُ بطبيعتِه قد يشقُّ عليه التَّنازلُ عن بعضِ حقِّه، لكنْ في المصالحة الَّتي هي خيرٌ لا بدَّ مِنْ ملاحظةِ هذا المعنى حتى يسهُلَ على النَّفس الَّتي أُحضِرتِ الشُّحَّ الموافقةُ على الصُّلحِ . [يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/293)].
2- في قوله: وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا ندَب تعالى إلى إحسانِ عِشرة النِّساء حتى مع الكراهة لهن وعدم الرغبة فيهن؛ وأمَر بالتَّقوى؛ لأنَّ الزَّوجَ قد تحمله الكراهةُ للزَّوجة على أذيَّتِها وخصومتِها . [يُنظر: ((تفسير أبي حيان)) (4/88)].
3- قولُه تعالى: فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ يُستفادُ منه أنَّه ينبغي للإنسانِ أن يستعملَ في خطابه ما يناسبُ المقامَ، فيستعمل أسلوبَ التنفيرِ فيما يُنفِّرُ منه، ويستعملَ أسلوب التَّرغيب فيما يُرغِّبُ فيه؛ فهذا من أسلوبِ الحِكمة . [يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/299)].
4- في قوله تعالى: فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ الاستعطاف في المقامِ الَّذي ينبغي فيه العطفُ؛ لأنَّه إذا تصوَّر الإنسانُ أنَّ هذه الزَّوجةَ الَّتي مال عنها كالمعلَّقةِ بين السَّماء والأرض؛ فإنَّ هذا يوجب العطفَ عليها، والرَّأفةَ بها ورحمتَها . [يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/299)].
5- أنَّ الإصلاح والتَّقوى سببٌ للمغفرة، لقوله تعالى: وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا، ووجهُه ظاهرٌ؛ لأنَّ الإصلاحَ خيرٌ، والحسناتِ يُذهِبْنَ السَّيِّئاتِ، ويجلُبْنَ الرَّحمةَ . [يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/299)].
6- سدُّ باب اليأسِ مِن رحمة الله؛ حيث قال: يُغْنِ اللهُ كلًّا مِنْ سَعَتِهِ ولم يقُلْ: (يُغن كلًّا) فقط، بل قال: مِنْ سَعَتِهِ إشارةً إلى أنَّ فضلَ الله واسع . [يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/306)].
7- في قوله: وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا إثباتُ الحكمةِ لله عزَّ وجلَّ، ويتفرَّعُ على هذا فائدةٌ عظيمةٌ مسلكيَّةٌ منهجيَّةٌ، وهي الرِّضا بقضاء الله وشرعِه، إذا علِم العبدُ أنَّ هذا صادرٌ عن حكمةٍ، حتَّى وإن كان فيه فواتُ مالٍ أو ولدٍ، فالله عزَّ وجلَّ ذو حكمةٍ عظيمةٍ فيما يُقدِّرُ . [يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/307)].
(المطلب الخامس): الفَوائدُ العِلميَّةُ واللَّطائِف:
1- قال تعالى: وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا، عنايةُ الله عزَّ وجلَّ بما يكون بين الزَّوجين، وجهُه: أنَّ الله ذكَر هنا نشوزَ الزَّوجِ، وفي أوَّلِ السُّورة ذكَر نشوز الزَّوجة، ممَّا يدلُّ على عنايةِ الله تعالى بما يكون بين الزَّوجين [يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/289)].
2- العملُ بالقرائن، ويؤخَذ من قوله: خَافَتْ ولم يقُلْ: رأَتْ نشوزًا . [يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/289)].
3- أفاد قولُه تعالى: وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا… أنَّ عروضَ الخلافِ والكراهة، من الأمور الطَّبيعيَّة الَّتي لا يمكِنُ زوالُها من بين البشَرِ، والشَّريعةُ العادلة الرَّحيمة هي الَّتي تُراعَى فيها السُّنَنُ الطَّبيعيَّةُ، والوقائعُ الفِعليَّةُ بين النَّاس، ولا يُتصوَّرُ في ذلك أكملُ ممَّا جاء به الإسلامُ
4- أنَّه يجوزُ أنْ يصطلحَ الزَّوجان فيما بينهما على ما شاءَا- بما لا يخالفُ الشرع [يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/290)].
5- في قوله تعالى: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ذكَر الله أوَّلًا قولَه: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا فقولُه: فلا جُناحَ يوهِمُ أنَّه رخصةٌ، والغايةُ فيه ارتفاعُ الإثم، فبيَّن تعالى أنَّ هذا الصُّلح كما أنَّه لا جُناحَ فيه ولا إثمَ، فكذلك فيه خيرٌ عظيمٌ، ومنفعةٌ كثيرة؛ فإنهما إذا تصالَحَا على شيءٍ، فذاك خيرٌ من أن يتفرَّقَا أو يُقِيما على النُّشوزِ والإعراض . [يُنظر: ((تفسير الرازي)) (11/236)].
6- وَالصُّلْحُ خَيْرٌ: هذه قاعدةٌ عظيمةٌ من الرَّبِّ سبحانه، وقد يظُنُّ بعضُ النَّاس أنَّه إذا تَنازَلَ عن الحقِّ أنَّ في ذلك غضاضةً وهضمًا لحقِّه، وأنَّ العاقبةَ غيرُ حميدةٍ، لكنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ الَّذي بيده ملكوتُ السَّمواتِ والأرضِ يقول: وَالصُّلْحُ خَيْرٌ . [يُنظر: ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/292)].
7- قوله تعالى: وَالصُّلْحُ خَيْرٌ: يُؤخذُ مِن عمومِ هذا اللَّفظِ والمعنى: أنَّ الصُّلحَ بين مَن بينهما حقٌّ أو منازَعةٌ في جميع الأشياء أنَّه خيرٌ مِن استقصاءِ كلٍّ منهما على كلِّ حقِّه؛ لِمَا فيها من الإصلاح، وبقاءِ الأُلفة، والاتِّصاف بصفة السَّماح، وهو جائزٌ في جميعِ الأشياء إلَّا إذا أحَلَّ حرامًا، أو حرَّمَ حلالًا، فإنَّه لا يكونُ صُلحًا، وإنَّما يكونُ جَوْرًا . [((تفسير السعدي)) (ص: 207)].
8- قال سبحانه: وَالصُّلْحُ خَيْرٌ، كلُّ حُكمٍ مِن الأحكام لا يتمُّ ولا يكمُلُ إلَّا بوجودِ مقتَضِيه وانتفاءِ موانعِه؛ فمن ذلك هذا الحُكمُ الكبير الَّذي هو الصُّلح، فذكَر تعالى المقتضيَ لذلك ونبَّهَ على أنَّه خيرٌ، والخيرُ كلُّ عاقلٍ يطلُبُه ويرغَبُ فيه، فإن كان- مع ذلك- قد أَمَر اللهُ به وحثَّ عليه، ازداد المؤمنُ طلبًا له ورغبةً فيه . [((تفسير السعدي)) (ص: 207)].
9- قال تعالى: وَالصُّلْحُ خَيْرٌ التَّعريفُ في قوله: والصُّلح تعريفُ الجنسِ، وليس تعريفَ العهدِ؛ لأنَّ المقصودَ إثباتُ أنَّ ماهيَّةَ الصُّلح خيرٌ للنَّاس؛ فهو تذييلٌ للأمرِ بالصُّلحِ والتَّرغيبِ فيه، وليس المقصودُ أنَّ الصُّلحَ المذكور آنفًا- وهو الخُلعُ- خيرٌ من النِّزاعِ بين الزَّوجين؛ لأنَّ هذا- وإن صحَّ معناه- إلَّا أن فائدةَ الوجهِ الأوَّلِ أوفرُ، ولأنَّ فيه التَّفاديَ عن إشكالِ تفضيل الصُّلح على النِّزاعِ في الخيريَّةِ، مع أنَّ النِّزاعَ لا خيرَ فيه أصلًا . [((تفسير ابن عاشور)) (5/216)].
10- الإحسان والتَّقوى والبِرُّ وما أشبَهَ ذلك، إذا أُفرِد أحدهما عن الآخَرِ شمِل الآخَرَ، وإن اقترنا فُسِّر كلٌّ منهما بما يليق به. وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا الإحسانُ بفعل الأوامر، والتَّقوى بترك النَّواهي، أمَّا إذا أُفرد الإحسانُ فإنَّه يشملُ فِعلَ الأوامر وتركَ النَّواهي، وكذلك التَّقوى إذا أُفرِدَت فإنَّها تشمَلُ هذا وهذا، وهذا يوجد كثيرًا في القرآنِ الكريم، فالمسكين والفقير إذا أُفرِد أحدُهما عن الآخَرِ صار أحدُهما شاملًا للآخَر، وإن قُرِنا صار الفقيرُ له معنًى، والمسكينُ له معنًى؛ فهما ممَّا إذا اجتَمَعا افتَرَقا، وإذا افتَرَقا اجتمعا . [((القواعد الحسان)) للسعدي (ص: 48)، ((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/287)].
11- القاعدةَ الشَّرعيَّة: أنَّ ما لا يُستطاعُ لا يُلزَمُ به العبدُ. قال الله تعالى: وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا… . [((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/298)].
12- قوله: وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ: نبَّه تعالى على انتفاءِ استطاعةِ العدلِ بين النِّساء، وفي ذلك عُذْرٌ للرِّجال فيما يقعُ من التَّفاوتِ في الميل القَلْبِيِّ، والتَّعهُّدِ، والنَّظر، والتَّأنيس، والمُفاكَهة؛ فإنَّ العدل بينهنَّ في ذلك محالٌ، خارجٌ عن حدِّ الاستطاعةِ، وعلَّق انتفاء الاستطاعةِ في ذلك الأمر، على تقديرِ وجودِ الحِرص من الإنسانِ على ذلك . [((تفسير أبي حيان)) (4/88)].
13- عذَر اللهُ النَّاسَ في شأنِ العدل بين النِّساء فيما لا يملِكُه الزَّوجُ؛ فقال: وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ، أي: تمامَ العدل، وجاء بـ(لن) للمبالَغةِ في النَّفيِ؛ لأنَّ أمرَ النِّساء يُغالِبُ النَّفسَ؛ لأنَّ اللهَ جعَل حُسنَ المرأة وخُلُقَها مؤثِّرًا أشدَّ التَّأثيرِ في محبَّة الزَّوج وميلِه إلى بعضِ أزواجه، ولو كان حريصًا على إظهار العدلِ بينهنَّ؛ فلذلك قال: وَلَوْ حَرَصْتُمْ، وأقام اللهُ ميزانَ العدلِ بقوله: فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ . [((تفسير ابن عاشور)) (5/218)].
14- قال تعالى: فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ نهى تعالى عن الجَوْرِ على المرغوبِ عنها، بمنعِ قسمتِها من غيرِ رضًا منها، واجتنابُ كلِّ الميلِ داخلٌ في الوُسعِ؛ ولذلك وقَع النَّهيُ عنه، أي: إنْ وقَع منكم التَّفريطُ في شيءٍ مِن المساواة، فلا تجُوروا كلَّ الجورِ . [((تفسير أبي حيان)) (4/88)].
15- يقرنُ اللهُ تعالى بين الغفور والرَّحيم في مواضعَ كثيرةٍ؛ وذلك لأنَّ بالمغفرة يزول المكروهُ، وبالرحمة يحصلُ المطلوبُ . [((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/299)].
16- إن قيل: ما وجهُ قولِه تعالى في الآية الأُولى: وإن تحسنوا وتتقوا وفي الثانيةِ وإن تصلحوا وتتقوا فالجوابُ عن الأُولى: أنَّ معناها: إنْ خافَت امرأةٌ مِن زوجِها ترفُّعًا أو إعراضًا، فلا إثمَ في أن يتَصالحا على أن تتركَ له مِن مهرِها، أو بعضِ أيامِها ما يتراضيان به، والصلحُ خيرٌ مِن أن يُقيما على التباعدِ، أو يصيرا إلى القطيعةِ، ونفسُ كلِّ واحدٍ منهما تشحُّ بما لها قِبَلَ صاحبِها. وقيل: المرادُ: شحُّهنَّ على النُّقصان مِن أموالهنَّ وأنصبائهنَّ مِن أزواجهنَّ، وهذا يقتضي مخاطبةَ الأزواجِ بمجانبةِ القبيحِ، وإيثارِ الحُسنَى في معاملتِهم، فحث اللهُ تعالى في هذا المكانِ على فعلِ الإحسانِ.
وأمَّا الثانيةُ فجاءتْ بعدَ قولِه: ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء في محبتهنَّ والشهوةِ لهنَّ؛ لأنَّ ذلك ليس إليكم، وإن حرصتُم على التَّسويةِ بينهنَّ فلا تميلوا كل الميل بأن تجعلوا كلَّ مبيتِكم وخَلوتِكم وجميلَ عشرتِكم وسعةَ نفقتِكم عندَ التي تشتهونها دونَ الأُخرى، فتبقَى تلك معلَّقةً لا ذات زوجٍ ولا مطلَّقة، فاقتضَى هذا الموضعُ أن يحثَّ الأزواجَ على إصلاحِ ما كان منهم بالتوبةِ مما سلَف، واستئنافِ ما يقدرون عليه مِن العدلِ، ويملكونه مِن الخلوةِ، وسعةِ النَّفقة، وحُسنِ العِشرةِ، فقال: (وإن تصلحوا وتتقوا) . [((درة التنزيل وغرة التأويل)) للخطيب الإسكافي (1/409)].
17- في قوله تعالى: وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ رحمة الله عزَّ وجلَّ بعباده، وأنَّ المرأة والرَّجُل إذا انكسَرا بالفِراق بينهما، جبَرَهما الله عزَّ وجلَّ بالإغناءِ، فيُغني كلًّا مِن سَعتِه . [((تفسير ابن عثيمين- سورة النساء)) (2/306)].
18- في قوله تعالى: يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ إشارةٌ إلى أنَّ الفِراقَ قد يكون خيرًا لهما؛ لأنَّ الفِراقَ خيرٌ من سوء المعاشَرة . [((تفسير ابن عاشور)) (5/219)].
19- قال تعالى: وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا، ناسَب ذِكرُ وصفِ الحكمةِ، وهو وضعُ الشَّيء في موضعِه المناسِب؛ لأنَّ السَّعةَ ما لم تكُنْ معها الحكمةُ كانت إلى فسادٍ أقربَ منها للصَّلاحِ . [((تفسير أبي حيان)) (4/90)].
20- في قوله تعالى: يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا أنَّ هذه السَّعةَ الَّتي وعَد الله تعالى بالإغناء منها مبنيَّةٌ على حكمةٍ، وكأنَّ هذا- والله أعلم- إشارةٌ إلى أنَّه لو تخلَّف هذا الموعودُ، فإنَّه لن يتخلَّفَ إلَّا لحكمةٍ، فقد يمنَعُ الله سبحانه الإنسانَ ما يحِبُّ لحكمةٍ ومصلحةٍ عظيمةٍ . [((تفسير ابن عثيمين – سورة النساء)) (2/306)].
ثالثا: (الخلاصات العلمية):
1) الصلح بين الزوجين عند ظهور النفور مشروع بالتراضي.
2) الرضى يسقط حق المرأة في بعض الواجبات الزوجية.
3) لا ينكر تنازل المرأة عن حقها إذا كان ذلك بإرادتها لدوام العشرة.
4) سبب النزول من أقوى القرائن المفسرة للآية.
5) الأحكام الشرعية تراعي مقاصد الشريعة في حفظ الأسرة والنسل.
6) التفاوت في الحقوق لا يقدح في صحة العقد ما دام مبنيّا على التراضي.
تخريج :
في السلسلة الصحيحة
١٤٧٩ – ” كان لا يفضل بعضنا على بعض في القسم من مكثه عندنا، وكان قل يوم إلا وهو
يطوف علينا جميعا، فيدنو من كل امرأة من غير مسيس حتى يبلغ إلى التي هو يومها
، فيبيت عندها، ولقد قالت سودة بنت زمعة حين أسنت وفرقت أن يفارقها رسول
الله صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله يومي لعائشة، فقبل ذلك رسول الله صلى
الله عليه وسلم منها، وفي ذلك أنزل الله تعالى وفي أشباهها – أراه قال –
* (وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا) *».
أخرجه أبو داود (١ / ٣٣٣ – التنازية) من طريق أحمد بن يونس حدثنا عبد الرحمن
ابن أبي الزناد عن هشام بن عروة عن أبيه قال: قالت عائشة: «يا ابن أختي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفضل …». وخالفه سعيد بن منصور
أخبرنا عبد الرحمن بن أبي الزناد به إلا أنه أرسله فقال: عن هشام عن أبيه قال
: «أنزل في سودة رضي الله عنها وأشباهها * (وإن امرأة خافت …) *» الحديث
. أخرجه البيهقي (٧ / ٢٩٧) وقال: «ورواه أحمد بن يونس عن أبي الزناد
موصولا كما سبق ذكره في أول كتاب النكاح». ولعل الوصل أرجح، فإن أحمد بن
يونس ثقة من رجال الشيخين، وقد زاد الوصل وزيادة الثقة مقبولة، لاسيما وله شاهد من حديث ابن عباس قال: “خشيت سودة أن يطلقها رسول الله صلى الله عليه
وسلم، فقالت: يا رسول الله لا تطلقني وأمسكني واجعل يومي لعائشة، فقبل،
فنزلت الآية. * (وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا) * الآية قال: فما
اصطلحا عليه من شيء فهو جائز». أخرجه أبو داود الطيالسي (١٩٤٤ – ترتيبه)
ومن طريقه الترمذي (٣ / ٩٤ – ٩٥) وكذا الطبراني في «المعجم الكبير» (٣ /
١٣٤ / ١) والبيهقي (٧ / ٢٩٧) وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح غريب».
قلت: وسنده حسن كما قال الحافظ في «الإصابة». وقد روى في حديث سبب خشية
سودة أن يطلقها صلى الله عليه وسلم ، وهو فيما أخرجه ابن سعد في «الطبقات»
(٨ / ٥٣) من طريق ابن أبي الزناد بإسناده المتقدم عن عائشة قالت: «كانت
سودة بنت زمعة قد أسنت، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يستكثر منها،
وقد علمت مكاني من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه يستكثر مني، فخافت أن
يفارقها وضنت بمكانها عنده، فقالت: يا رسول الله يومي الذي يصيبني لعائشة،
وأنت منه في حل، فقبله النبي صلى الله عليه وسلم . وفي ذلك نزلت: * (وإن
امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا) * الآية».
لكن في إسناده شيخه محمد بن
عمر، وهو الواقدي وهو كذاب. ثم روي من طريق القاسم بن أبي بزة أن النبي صلى
الله عليه وسلم بعث إلى سودة بطلاقها … الحديث، ونحوه من رواية الواقدي عن
التيمي مرسلا، وفيه أنها قالت: يا رسول الله ما بي حب الرجال، ولكن أحب أن
أبعث في أزواجك، فأرجعني … ونحوه عن معمر معضلا. وهذا مرسل أو معضل، فإن
القاسم هذا تابعي صغير روى عن أبي الطفيل وسعيد بن جبير وعكرمة وغيرهم.
وهو مع إرساله منكر لأن الروايات المتقدمة صريحة في أنه صلى الله عليه وسلم لم
يطلقها. وهذا يقول: «بعث إلى سودة بطلاقها». فإن قيل لماذا خشيت سودة
طلاق النبي صلى الله عليه وسلم إياها؟ فأقول: لابد أن تكون قد شعرت بأنها قد قصرت مع النبي صلى الله عليه وسلم في القيام ببعض حقوقه، فخشيت ذلك، ولكني لم أجد نصا يوضح السبب سوى رواية الواقدي المتقدمة التي أشارت إلى ضعفها من
الناحية الجنسية، ولكن الواقدي متهم كما سبق. ويحتمل عندي أن السبب ضيق
خلقها، وحدة طبعها الحامل على شدة الغيرة على ضراتها، فقد أخرج مسلم (٤ /
١٧٤) من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قال: ما رأيت امرأة أحب إلي أن
أكون في سلافها من سودة بنت زمعة من امرأة فيها حدة. قالت: فلما كبرت جعلت
يومها من رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة. وللشطر الأول من طريق أخرى عند ابن سعد (٨ / ٥٤) عن ثابت البناني عن سمية عن عائشة به إلا أنه وقع فيه «
فيها حسد» ولعله محرف من «حدة». والله أعلم.
السلسلة الصحيحة