(3019) فتح ذي النعم بالبدر الأتم شرح صحيح مسلم
جمع محمد البلوشي وأحمد بن علي وعدنان البلوشي وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وأسامة الحميري
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
جاء في صحيح الإمام مسلم رحمه الله من (٥٦) – (كِتَابُ: التفسير)، تاربع 3 + 3 للباب (١) – (باب في تفسير آيات متفرقة)، من (٥٧) – كتاب التفسير
١٠ – (٣٠١٩) حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عن عائشة، في قوله: ﴿ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف﴾ [٤ /النساء /٦] قالت: أنزلت في والي مال اليتيم الذي يقوم عليه ويصلحه، إذا كان محتاجا أن يأكل منه.
١١ – (٣٠١٩) وحدثناه أَبُو كُرَيْبٍ. حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ. حَدَّثَنَا هِشَامٌ عن أبيه، عن عائشة، في قوله تعالى: ﴿ومن كان غنيا فلستعفف، ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف﴾ [٤ /النساء /٦]. قالت: أنزلت في ولي اليتيم، أن يصيب من ماله، إذا كان محتاجا، بقدر ماله، بالمعروف.
١١ – م – (٣٠١٩) وحَدَّثَنَاه أَبُو كُرَيْبٍ. حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ. حَدَّثَنَا هِشَامٌ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ.
==========
أولاً: شرح الحديث، وبيان مفرداته:
تكملة للباب (١) – (باب في تفسير آيات متفرقة)، من (٥٧) – كتاب التفسير في صحيح مسلم رحمه الله تعالى.
وقال الإمام مسلم رحمة الله عليه:
[٧٤٩٤] (٣٠١٩) – الحديث
شرح الحديث:
(عَنْ عَائِشَةَ) رضي الله عنها؛ أنها قالت (فِي قَوْلِهِ)؛ أي: بيان معنى قوله تعالى: (﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾) هذا في «سورة النساء» وأول الآية: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٦)﴾ [النساء: ٦].
قوله: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾؛ أي: اختبروهم، قاله ابن عباس، ومجاهد، والحسن، والسديّ، ومقاتل ابن حيان.
وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ قال مجاهد: يعني: الحُلُم، وقوله: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾؛ يعني: صلاحًا في دينهم، وحفظًا لأموالهم، قاله سعيد بن جبير، ثم نهى الله تعالى عن أكل أموال اليتامى من غير حاجة ضرورية؛ إسرافًا ومبادرة قبل بلوغهم.
وقوله: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا﴾؛ أي: من كان في غنية عن مال اليتيم، ﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ عنه، ولا يأكل منه شيئًا.
(قَالَتْ) عائشة رضي الله عنها؛ (أُنْزِلَتْ)؛ أي: هذه الآية (فِي وَالِي مَالِ الْيَتِيمِ) المراد بوالي اليتيم: المتصرف في ماله بالوصية، ونحوها [«الفتح» ٩/ ٣٤]، كما أشارت إليه بقولها: (الَّذِي يَقُومُ عَلَيْهِ)، وقوله: (وَيُصْلِحُهُ) عطف تفسير لـ«يقوم»، فمعنى قيامه عليه: إصلاحه، والسعي في نمائه، (إِذَا كَانَ) ذلك الوالي (مُحْتَاجًا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ)؛ أي: بالمعروف، كما نصّ عليه في الآية، ومعنى المعروف: بقدر قيامه عليه، وقال الفقهاء: له أن يأكل أقل الأمرين: أجرة مثله، أو قدر حاجته، واختلفوا هل يردّ إذا أيسر؟
على قولين: أحدهما لا؛ لأنه أكل بأجرة عمله، وكان فقيرًا، وهو الصحيح عند أصحاب الشافعي؛ لأن الآية أباحت الأكل من غير بدل.
قال الإتيوبي عفا الله عنه: هذا القول هو الأرجح عندي؛ لإطلاق الآية، والله تعالى أعلم.
وفي الباب حديث مرفوع أخرجه أبو داود، والنسائيّ، وابن ماجه، وابن خزيمة، وابن الجارود، وابن أبي حاتم، من طريق حسين المكتب، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، قال: «جاء رجل إلى النبيّ ﷺ، فقال: إن عندي يتيمًا له مال، وليس عندي شيء، أفآكل من ماله؟ قال: بالمعروف»، وإسناده قويّ، قاله في «الفتح» [«الفتح» ٩/ ٣٤ «التفسير» رقم (٤٥٧٥)].
وأخرج الإمام أحمد عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ، فقال: ليس لي مال ولي يتيم، فقال: «كُلْ من مال يتيمك، غير مسرف، ولا مبذّر، ولا متأثل مالًا، ومن غير أن تقي مالك، أو قال: تفدي مالك»، وهو حديث صحيح.
وروى ابن حبان في «صحيحه» من حديث علي بن مهديّ، عن جعفر بن سليمان، عن أبي عامر الخراز عن عمرو بن دينار، عن جابر أن رجلًا قال: يا رسول الله مما أضرب يتيمي؟ قال: «ما كنت ضاربًا منه ولدك، غير واق مالك بماله، ولا متأثل منه مالًا»، والله تعالى أعلم.
وحديث عائشة رضي الله عنها هذا متّفقٌ عليه.
فقه وفوائد الحديث:
1 – (ومنها): بيان سبب نزول الآيات.
2 – (ومنها): يُسر الشريعة وسماحتها حيث يسّرت على والي اليتيم أن يأكل من ماله قدر عمالته، وسيأتي اختلاف العلماء في ذلك -إن شاء الله تعالى-.
3 – (ومنها): عناية الشريعة بالضعفاء والمساكين حيث شدّدت في مال اليتيم، وحرّمت التصرّف فيه إلا بما يُصلحه، ويكون عونًا له، وقد بيّن الله عزوجل الوعيد الشديد في ذلك بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ [النساء: ١٠]، والله تعالى أعلم.
ثانيًا: فقه الحديث من (أحكام ومسائل وملحقاتها):
قال الله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إذا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ ءآنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أموالهُمْ وَلَا تَأكلوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأكل بِالْمَعْرُوفِ فَإذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أموالهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾.
(المطلب الأول): صله الآية بما قبلها:
لما أمر الله تعالى في الآيات السابقة بحفظ أموال اليتامى ورعايتها وعدم ترك الأموال بأيدي السفهاء من اليتامى وغيرهم أتبع ذلك بالأمر باختبارهم ورد أموالهم إليهم إذا بلغوا النكاح ورشدوا [انظر «التفسير الكبير» ٩/ ١٥٢].
(المطلب الثاني): معاني المفردات والجمل:
قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ الخطاب لمن عهد إليهم أمر اليتامى من الأوصياء، ولمن تولى كفالتهم من الأولياء بأمر الوالي الشرعي، أو من أقاربهم أو من عامة الناس [انظر «أحكام القرآن» لابن العربي ١/ ٣٢٦، «المحرر الوجيز» ٤/ ٢٢].
والإبتلاء: الاختبار، ويكون في الخير والشر، قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ .
والمعنى: اختبروا اليتامى وذلك عند البلوغ أو قبله بيسير وعند مقاربتهم للرشد وكونه ممكنًا منهم، وذلك بالتعرف على حسن تصرف اليتيم في ماله وحفظه وإصلاحه له [انظر «جامع البيان» ٧/ ٥٧٤، «أحكام القرآن» لابن العربي ١/ ٣١٩ – ٣٢٠، «الجامع لأحكام القرآن» ٥/ ٣٤، «تفسير ابن كثير» ٢/ ١٨٧] كأن يعطى شيئًا من المال فينظر هل يحسن التصرف فيه، أو توكل إليه نفقة البيت وتدبيره، فينظر كيف تصرفه في ذلك، أو نحو ذلك [انظر «الجامع لأحكام القرآن» ٥/ ٣٤].
قوله تعالى: ﴿حَتَّى إذا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾.«حتى»: لابتداء الغاية [انظر «الدر المصون» ٢/ ٣١١].
أي: اختبروهم واستمروا في اختبارهم ﴿حَتَّى إذا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أموالهُمْ﴾.
قوله: ﴿إذا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾.
إذا: ظرفية شرطية غير جازمة.
بلغوا النكاح: أي: بلغوا سن النكاح، وذلك بالاحتلام [انظر «جامع البيان» ٧/ ٥٧٤ – ٥٧٥، «معالم التنزيل» ١/ ٣٩٤، «أحكام القرآن» لابن العربي ١/ ٣٢٠، «الجامع لأحكام القرآن» ٥/ ٣٤، «تفسير ابن كثير» ٢/ ١٨٧]، كما قال تعالى: ﴿وَإذا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ﴾ .
وقال صلى الله عليه وسلم : «لا يتم بعد احتلام».
وذلك أنه بالاحتلام يبلغ مبلغ الرجال، وتجب عليه التكاليف، كما قال صلى الله عليه وسلم «رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل» [أخرجه أبو داود في الحدود ٤٤٠٣، والترمذي في الحدود١٤٢٣وابن ماجه في الطلاق ٢٠٤٢ – من حديث علي ابن أبي طالب رضي الله عنه وصححه الألباني وأخرجه بعضهم من حديث عائشة وغيرها من الصحابه انظر «تفسير ابن كثير» ٢/ ١٨٧]، وقال صلى الله عليه وسلم لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: «خذ من كل حالم دينارًا» [أخرجه أبو داود في الزكاة ١٥٧٦والترمذي في الزكاة ٦٢٣ قال الترمذي: «هذا حديث حسن» وصححه الألباني]،
أو بالإنزال يقظة [انظر «معالم التنزيل» ١/ ٣٩٤ – ٣٩٥، «التفسير الكبير» ٩/ ١٥٣]
أو ببلوغ خمسة عشر عامًا [انظر «معالم التنزيل» ١/ ٣٩٤، «أحكام القرآن» لابن العربي١/ ٣٢٠، «الجامع لأحكام القرآن٥/ ٣٥، «تفسير ابن كثير» ٢/ ١٨٧].
لما رواه عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما قال: «عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة فلم يجزني وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة فأجازني». قال أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز لما بلغه هذا الحديث: إن هذا الفرق بين الصغير والكبير» [أخرجه البخاري في الشهادات٢٦٦٤، ومسلم في الإمارة ١٨٦٨، ]. وإلى هذا ذهب جمهور أهل العلم أن البلوغ يعتبر ببلوغ خمس عشرة سنة
وقال أبو حنيفة: يعتبر ببلوغ الجارية سبع عشرة سنة، وبلوغ الغلام ثمان عشرة سنة وروي عنه ببلوغ الغلام تسع عشرة سنة [انظر «بدائع الصنائع» ٧/ ١٧٢] وهو قول لمالك [انظر «الجامع لأحكام القرآن» ٥/ ٣٥]. أو بإنبات الشعر الخشن حول الفرج، وهو يعتبر بالنسبة لأولاد المشركين بلوغًا بدليل ما رواه عطية القرظي قال: عرضنا على النبي صلى الله عليه وسلم يوم قريظة، فكان من أنبت قتل، ومن لم ينبت خلي سبيله، فكنت ممن لم ينبت فخلي سبيلي» [أخرجه أبو داود في الحدود ٤٤٠٤، وقال الترمذي: «حسن صحيح» وقد صححه الألباني]، وكتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأمراء الأجناد: «ألا تضربوا الجزية إلا على من جرت عليه المواسي» [انظر «الجامع لأحكام القرآن» ٥/ ٣٥].
واختلف هل يعتبر بلوغًا بالنسبة لأولاد المسلمين على قولين أظهرهما أنه يعتبر بلوغًا، وهو قول أحمد [انظر «المغني» ٦/ ٥٩٧]، وإسحاق [انظر «سنن الترمذي» ٤/ ١٤٦].
قال الحافظ ابن كثير [في «تفسيره» ٢/ ١٨٧]: «واختلفوا في إنبات الشعر الخشن حول الفرج، هل تدل على البلوغ أم لا؟ على ثلاثة أقوال يفرق في الثالث بين الصبيان المسلمين، فلا يدل على ذلك لاحتمال المعالجة، وبين صبيان أهل الذمة فيكون بلوغًا في حقهم، لأنه لا يتعجل بها إلا ضرب الجزية عليه فلا يعالجها، والصحيح أنها بلوغ في حق الجميع، لأن هذا أمر جبلي يستوي فيه الناس واحتمال المعالجة بعيد» ثم ذكر حديث عطية القرظي الذي تقدم. ومن علامات البلوغ عند النساء زياده ما تقدم: الحيض، والحبل [انظر «معالم التنزيل» ١/ ٣٩٥، «الجامع لأحكام القرآن» ٥/ ٣٥،» المغني» ٦/ ٥٩٧].
فهذه خمس علامات منها ثلاث مشتركة بين الذكور والإناث، وهي الاحتلام، والسن المخصوص، ونبات الشعر الخشن حول الفرج واثنتان مختصتان بالنساء، وهما الحيض والحبل [انظر «التفسير الكبير» ٩/ ١٥٣].
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ ءآنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أموالهُمْ﴾ الخطاب للأوصياء والأولياء على أموال السفهاء من اليتامى وغيرهم.
(منهم رشدًا) أي: من اليتامى. والرشد: حسن التصرف، ضد السفه، وهو في كل شيء بحسبه، فالرشد في الدين صلاح المرء في دينه بأداء ما أوجب الله واجتناب ما نهى الله عنه.
قال تعالى: ﴿أولَائِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾.
وقال تعالى: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ . والرشد في الولاية أن يكون الولي يحسن التصرف فيما ولي عليه، سواء كانت ولاية عامة على أمر من أمور المسلمين، أو ولاية خاصة كالولاية على اليتيم والسفيه، وكولاية النكاح على من تحت يده من الإناث.
والرشد في المال: حسن التصرف فيه،
وبهذا تجتمع الأقوال التي حكيت عن السلف في معنى الرشد، فمن قائل: هو الصلاح في العقل. ومن قائل: هو الصلاح في الدين، ومن قائل: هو الصلاح في العقل والدين. ومن قائل: هو الصلاح في العقل والمال، ومن قائل: هو الصلاح في الدين والمال، ومن قائل: هو الصلاح في المال [انظر «جامع البيان» ٧/ ٥٧٧ – ٥٧٨، «معاني القرآن وإعرابه» للزجاج٢/ ١١، «أحكام القرآن» لابن العربي١/ ٣٢٢_٣٢٣، «المحرر الوجيز» ٤/ ٢٣، «الجامع لأحكام القرآن» ٥/ ٣٧، «تفسير ابن كثير» ٢/ ١٨٨].
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأكلوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا﴾.
قوله ﴿وَبِدَارا﴾.
أي: مبادرة ومسارعة واستعجالًا.
قوله: ﴿أَن يَكْبَرُوا﴾.
والتقدير: بدار كبرهم، أي تبادرون كبرهم، لأنهم إذا كبروا في الغالب وبلغوا زال عنهم السفه، فزالت الولاية عليهم، ووجب رد أموالهم إليهم.
قوله تعالى: ﴿وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ .
أي: ومن كان عنده ما يكفيه من المال فليكف عن مال اليتيم وليستغن عنه.
قوله تعالى: ﴿وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأكل بِالْمَعْرُوفِ﴾
أي: ومن كان من الأولياء أو الأوصياء على السفهاء من اليتامى وغيرهم فقيرًا، أي: معدمًا ليس عنده شيء، أو عنده شيء يسير لا يكفي لحاجته
والمعروف ما جرى به العرف أن يأكل الولي الفقير من مال السفيه أكل مثله من الفقراء، سواء كان المولَّى عليه غنيًّا أو فقيرًا.
قالت عائشة رضي الله عنها: «نزلت هذه الآية في والي اليتيم ﴿وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأكل بِالْمَعْرُوفِ﴾ بقدر قيامه عليه»
قوله تعالى: ﴿فَإذا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أموالهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾.
أي: إذا أعطيتم أيها الوصياء، أو الأولياء من تحت ولايتكم من اليتامى وغيرهم أموالهم ورددتموها إليهم بدون ممانعة منكم أو مماطلة، وبدون تكليفهم المطالبة بها (فأشهدوا عليهم). أنكم أعطيتموهم أموالهم
[وقيل الإشهاد على النفقة ورد القرض، كما ذكره القرطبي في «الجامع لأحكام القرآن» ٥/ ٤٤ وغيره، وهذا ضعيف لا يدل على سياق الآية، بل السياق يدل على أن المراد الإشهاد على دفع أموالهم كما هو ظاهر الآية وأيضًا فإن الإشهاد علي النفقة فيه مشقة
قال الحافظ ابن كثير [في «تفسيره» ٢/ ١٩١]: «وكفى بالله محاسبًا وشهيدًا ورقيبًا على الأولياء في حال نظرهم للأيتام، وحال تسليمهم للأموال: هل هي كامله موفرة، أو منقوصة مبخوسة مدخلة، مروج حسابها، مدلس أمورها، الله أعلم بذلك كله».
وفي قوله: ﴿وَكَفى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ تهديد للأولياء والأوصياء على أموال اليتامى والسفهاء وتحذير لهم من الخيانة فيما ولاهم الله، وتهديد أيضًا وتحذير لليتامى وغيرهم من السفهاء من الإنكار بعد رد المال إليهم.
(المطلب الثالث): الفوائد والأحكام:
١ – تحريم إعطاء السفهاء الأموال، لأنهم لا يحسنون التصرف فيها، سواء كانت أموالهم أو أموال أوليائهم، لقوله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أموالكُمُ﴾.
٢ – ثبوت الحجر على السفهاء من الأيتام وغيرهم، لقوله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أموالكُمُ﴾ وقال تعالى: ﴿فَإِن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أو ضَعِيفًا أو لَا يَسْتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ﴾ [انظر «الجامع لأحكام القرآن» ٥/ ٢٨ – ٣٠].
٣ – وجوب الحجر على السفيه في ماله [هو نوعان: حجر لحظ نفسه لئلا يضيِّع ماله فيما لا ينفعه، وحجر لحظ غيره فيما إذا كانت عليه ديون تستغرق ماله وطلب غرماؤه الحجر عليه. انظر «الجامع لأحكام القرآن» ٥/ ٢٨ – ٢٩، «تفسير ابن كثير «٢/ ١٨٦]، لقوله: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أموالكم﴾ والمراد بالسفهاء كما سبق من لا يحسنون التصرف في المال، ولا يعرفون وجوه المصالح والمضار في ذلك [أما الفاسق وهو السفيه في دينه فلا يحجر عليه في ماله إذا كان يحسن التصرف فيه، وليس في الآية دليل لمن ذهب من أهل العلم إلى وجوب الحجر على الفاسق كالشافعي وغيره، وسواء كان فسقه مما يتعلق بالفجور وشرب الخمور أم لا، لأن المراد بالسفه في الآية عدم حسن التصرف في المال، وليس المراد بها السفه في الدين الذي هوالفسق والكفر، ولهذا لا يحجر على الكافر في ماله. انظر «أحكام القرآن» للهراسي ١/ ٣٢٨، «معالم التنزيل» ١/ ٣٩٣، ٣٩٥، «أحكام القرآن» لابن العربي ١/ ٣٢٣ – ٣٢٤، «التفسير الكبير» ٩/ ١٥٣، «الجامع لأحكام القرآن» ٥/ ٢٨ – ٢٩، ٣٧ – ٣٨، «تفسير ابن كثير» ٢/ ١٨٦].
٤ – أن السفه مذموم، لأن الله عز وجل نهى عن إيتاء السفهاء الأموال، فقال: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أموالكُمُ﴾ [انظر «الجامع لأحكام القرآن» ٥/ ٣٠].
٥ – حرص الإسلام على حفظ الأموال وعدم إضاعتها، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أموالكم﴾.
٦ – عناية الإسلام بمن لا يحسن التصرف في ماله، لأن الأمر بعدم إيتائه ماله والحجر عليه هنا لحظ نفسه ومصلحته هو، وحتى الحجر عليه لحظ غيره هو راجع في ثاني الحال لمصلحته هو، لأنه لتسديد ديون كانت عليه.
٧ – ينبغي للوصي والولي أن يحفظ مال السفيه فيما يحفظ فيه ماله، وينمِّيه كما ينمِّي ماله لقوله تعالى: ﴿أموالكُمُ﴾ حيث أضاف أموال السفهاء إلى المخاطبين على أحد الاحتمالين في الآية.
٨ – أن المال قوام الحياة والمعاش، به تقوم مصالح الدين والدنيا، لقوله: ﴿الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ وفي الحديث: «قال الله عز وجل: «إنا أنزلنا المال لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة» [أخرجه أحمد والطبراني في الكبير من حديث أبي واقد الليثي رضي الله عنه.انظر «كنز العمال» ٦١٦٥] فيجب العناية به كسبًا وإنفاقًا وحفظه، وتحرم إضاعته أو صرفه في غير ما جعل له من مصالح الدين والدنيا.
ولا يجوز للمسلم أن يكون عالة على غيره، ولا للأمة الإسلامية أن تحتاج لغير المسلمين ولا في إبرة المخيط، بل يجب عليها أن تكون هي الرائدة في التجارة والصناعة وغير ذلك.
٩ – مشروعية طلب المال بالطرق الحلال، لأن مصالح الناس في دينهم ودنياهم لا تقوم إلا بالمال، لقوله ﴿الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ وهكذا كان شأن رسولنا صلى الله عليه وسلم وأسوتنا، فقد رعى صلى الله عليه وسلم الغنم،
واشتغل صلى الله عليه وسلم بالتجارة في مال خديجة [انظر «السيرة النبوية» ١/ ١٩٩].
وقال صلى الله عليه وسلم : «ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده» [ أخرجه البخاري في البيوع ٢٠٧٢، وابن ماجه في التجارات ٢١٣٨ من حديث المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه].
وقد روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه دخل المسجد فإذا شباب أصحاء أقوياء، فقال: من ينفق عليكم؟ فقالوا جيراننا، فقال انتظروا حتى آتيكم فخرج ثم جاء ومعه الدرة، فضربهم حتى أوجعهم وقال: «اخرجوا في طلب الرزق، فإن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضةً».
وروي عنه أنه دخل المسجد، فوجد فيه رجلًا معتكفًا للعبادة، فسأله عمن يعوله؟ فقال: أخي يعمل ويسعى لرزقه ورزقي ورزق عياله، فقال له عمر رضي الله عنه: «أخوك أعبد منك».
فطلب الرزق والمال مشروع إذا لم يشغل عن طاعة الله، بل هو من طاعة الله إذا اكتسب المال من حلال، وأنفق في الحلال، وأديت حقوقه تعالى: ﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعُ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾.
وقد ذكر المفسرون أن هؤلاء الرجال كانوا يشتغلون بالتجارة، لكن إذا سمع الواحد منهم منادي الله «حي على الصلاة. حي على الفلاح» بادر بالإجابة حتى ولو كان الميزان بيده ألقاه وذهب إلى الصلاة [انظر «تفسير ابن كثير» ٦/ ٧٣ – ٧٤].
وحسبي أن أكون قد أطلت في التعليق عل هذه المسألة، لأن كثيرًا من شباب الأمة أصبحوا عالة على الآخرين، وهمم يعيشون الفراغ، وحياة الضياع، دأبهم الرحلات والنزهات، وهمهم تزجية الأوقات، انشغلوا بما يعدونه من المباحات، وقد أدى ذلك بكثير منهم إلى التقصير في الواجبات وانتهاك الحرمات والتخلي عن المسؤوليات، فقصّر الواحد منهم من أجل ذلك في حق ربه، وفي حق نفسه، وفي حق والديه وزوجته وأولاده وأقاربه وجيرانه وإخوانه وأمته.
١٠ – أنه يجب على الإنسان في ماله نفقة من تلزمه نفقتهم ممن تحت يده أزواج وأولاد وغيرهم، لقوله: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا﴾ وفي الحديث عن حكيم بن حزام أن النبي ﷺ قال: «اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول» [أخرجه البخاري في الزكاة ١٤٢٨، ومسلم في الزكاة١٠٣٤،
واختلف في النفقة على الأبناء بعد بلوغهم فقيل النفقة على الابن حتى يحتلم وعلى البنت حتى تتزوج، والقول الثاني ينفق عليهم ما داموا محتاجين وهو الأظهر» انظر «أحكام القرآن» لابن العربي١/ ٣١٩، «الجامع لأحكام القرآن» ٥/ ٣٢].
١١ – أن نفقة السفهاء تكون في أموالهم إذا كان لهم مال، لقوله: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ ويكون ذلك على قدر ماله وحاله [انظر «الجامع لأحكام القرآن» ٥/ ٣٣ قال القرطبي: «فإن لم يكن له مال فعلى الإمام من بيت المال، فإن لم يفعل وجب ذلك على المسلمين الأخص فالأخص، وأمه أخص به فيجب عليها رضاعه والقيام به ولا ترجع على أحد»].
١٢ – ينبغي للولي أن ينمي مال السفيه ويتّجر به، ليكون ما يعطيه من النفقة والكسوة ونحو ذلك من الربح، لا من أصل المال، لقوله ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا﴾ أي: فيها لا منها.
وفي الأثر: «تاجروا بأموال اليتامى، لا تتركوها تأكلها الصدقة» [روي هذا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعن عائشة وجمع من السلف رضي الله عنهم.
بل روى ذلك مرفوعًا من حديث عمرو بن العاص رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﷺ: «من ولي يتيمًا له مال فليتجر به، ولا يتركه حت تأكله الصدقة» أخرجه الترمذي في الزكاة ٦٤١، والبيهقي في البيوع ٢/ ٦.وانظر «سنن الترمذي ٣/ ٣٢، «المغني» ٦/ ٣٣٩].
قال القرطبي [في «الجامع لأحكام القرآن» ٥/ ٤٠ وانظر٤٤، وانظر «مجموع الفتاوى» ٢٥/ ١١٧ – ١٨]: «ويجوز للوصي أن يصنع في مال اليتيم ما كان للأب أن يصنعه من تجارة، وإبضاع، وشراء وبيع، وعليه أن يؤدي الزكاة من سائر أمواله [هذا هو الصحيح من أقوال أهل العلم أن الزكاة واجبة في مال اليتيم والسفهاء عمومًا، وهو قول كثير من أهل العلم منهم مالك والشافعي وأحمد والليث بن سعد وأبو ثور، وهو مروي عن عمر وعائشة وابن عمر رضى الله عنهم انظر «مجموع فتاوى ابن تيمية» ٢٥/ ١٧ – ١٨]، عين وحرث وماشية وفطرة ويؤدي عنه أروش الجنايات، وقيم المتلفات، ونفقة الوالدين وسائر الحقوق اللازمة، ويجوز أن يزوجه ويؤدي عنه الصداق، ويفي ما عليه من الديون».
وقال شيخ الإسلام ابن تيميه [في «مجموع الفتاوى» ٣١/ ٤٨]: «يجوز لوصي اليتيم، بل ينبغي له أن يتصرف بماله في التجارة، ولا يفتقر إلى إذن الحاكم إن كان وصيًّا وإن غير وصي، وكان الناظر في أموال اليتامى الحاكم العادل يحفظه، ويأمر فيه بالمصلحة وجب استئذانه في ذلك».
وقال أيضًا [في «مجموع الفتاوى» ٣١/ ٤٨، وانظر «المغنى» ٦/ ٣٣٨، ٣٣٩]: «وإذا ضارب الولي وفرط ضمن، وأما إذا فعل ما ظاهره المصلحة فلا ضمان عليه».
١٣ – أن قول الولي مقبول فيما يدعيه من النفقة الممكنة والكسوة، لأنه جعل مؤتمنا على مالهم والإنفاق عليهم منه والكسوة لهم، ولم يؤمر بالإشهاد على ذلك، فلزم قبول قول الأمين [انظر «تيسير الكريم الرحمن٢/ ١١].
١٤ – يجب على الولي والوصي أن يقول لمن تحت ولايته من السفهاء قولًا معروفًا طيبًا جميلًا حسنًا، لقوله: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾.
وبهذا يجمع بين الإحسان الفعلي والإحسان القولي، وإذا كان العطاء قليلًا نظرًا لقلة المال، أو منعه عنهم في بعض الأحوال لمصلحتهم، ولما هو أهم وأنفع لهم فلا يجمع بين هذا وبين جفاء القول [انظر «أحكام القرآن» لابن العربي ١/ ٣١٩]
١٥ – مراعاة الإسلام للجانب المعنوي النفسي، لقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ أي جبرًا لخواطرهم.
١٦ – يجب اختبار اليتامى عند مقاربتهم البلوغ والرشد، وكونه ممكنًا منهم، لقوله: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ وذلك ليتبين بالاختبار والتجربة مدى حسن تصرفهم في الأموال.
١٧ – لولي اليتيم تأديبه عند اختباره إذا دعت الحاجة إلى ذلك لقوله: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ قال ابن العربي [في «أحكام القرآن» ١/ ٣٢٦ – ٣٢٧] «إن للوصي والكافل أن يحفظ الصبي في بدنه وماله، إذ لا يصح الابتلاء إلا بذلك فالمال يحفظه بضبطه، والبدن يحفظه بأدبه» وفي الحديث أن رجلًا قال للنبي صلى الله عليه وسلم : «إن في حجري يتيمًا فهل آكل ماله؟ قال: «نعم غير متأثل مالًا، ولا واق مالك بماله». قال: يا رسول الله: أفأضربه قال: «ما كنت ضاربًا منه ولدك».
١٨ – إذا بلغ اليتامى، ورشدوا بأن أحسنوا التصرف في أموالهم، وجب دفع أموالهم إليهم وزال عنهم السفه، وزالت الولاية عنهم، وانفك الحجر عنهم، لقوله: ﴿حَتَّى إذا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أموالهُمْ﴾.
وهذا ما عليه جمهور أهل العلم أنه لا تزول الولاية عن السفيه، ولا ينفك الحجر عنه إلا بهذين الشرطين البلوغ، وإيناس الرشد، فلو رشد السفيه قبل أن يبلغ- مع أن هذا بعيد-لم ينفك الحجر عنه، ولو بلغ السفيه، واستمر معه السفه لا ينفك الحجر عنه ولو بلغ ستين سنة مازال سفيهًا، وهذا هو الصحيح [انظر «معالم التنزيل» ١/ ٣٩٥، «أحكام القرآن» لابن العربي ١/ ٣٢٢، «المحرر الوجيز» ٤/ ٢٣، «التفسير الكبير» ٩/ ١٥١، ١٥٣، «الجامع لأحكام القرآن» ٥/ ٨، ٩، ٣٠، ٣٧ – ٣٨].
وذهب أبو حنيفة إلى أنه إذا بلغ السفيه خمسًا وعشرين سنة وجب دفع المال إليه، وإن كان ما زال سفيهًا، لأنه يصلح أن يكون جدًّا [انظر «أحكام القرآن» للجصاص٢/ ٤٩، ٤٦].
وهذا ضعيف لمخالفته للآية الكريمة [انظر «أحكام القرآن» لابن العربي١/ ٣٠٩، ٣٢٢، «الجامع لأحكام القرآن» ٥/ ٣٧].
ولو فك الحجر عنه بعد بلوغه ورشده، ثم عاد إلى السفه بعد ذلك حجر عليه أيضًا عند أكثر أهل العلم منهم مالك [انظر «أحكام القرآن» لابن العربي ١/ ٣٢٣، «الجامع لأحكام القرآن» ٥/ ٣٩ – ٤٠]، والشافعي [انظر «معالم التنزيل» ١/ ٣٩٥، «التفسير الكبير» ٩/ ١٥٤] بدليل قوله ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أموالكُمُ﴾.
وقال أبو حنيفة لا يحجر عليه مرة أخرى لأنه بالغ عاقل [انظر «بدائع الصنائع» ٧/ ١٦٩، ١٧١].
١٩ – أن الحجر على اليتامى في أموالهم وفك الحجر عنهم موكول الأمر فيه إلى أوليائهم، لا يحتاج إلى حكم حاكم، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أموالكُمُ﴾ وقوله: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إذا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ ءانَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أموالهُمْ﴾ [انظر «المحرر الوجيز» ٤/ ٢٣ – ٣٤، «الجامع لأحكام القرآن» ٥/ ٣٨].
٢٠ – وجوب المسارعة إلى رد المال إلى اليتامى إذا بلغوا ورشدوا دون مماطلة، ودون تكليفهم المطالبة بها. بل على الولي أن يوصلها إليهم لقوله: ﴿فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أموالهُمْ﴾ أي: بادروا بردها إليهم بأنفسكم وتخلصوا منها. وعلى هذا فلو فرط الولي في دفع المال إليهم مع إمكانه أثم، ويضمن فيما لو تلف المال عنده في هذه المدة.
٢١ – تحريم أكل أموال اليتامى لقوله: ﴿وَلَا تَأكلوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا﴾ والنهي للتحريم، وإنما قيد النهي بهذين الأمرين وهما الإسراف والبدار مع أن أكل أموال اليتامى بغير حق لا يجوز مطلقًا، لأن هذين الأمرين هما اللذان يحملان غالبًا على أكلها، والقيد إذا كان أغلبيًّا لا مفهوم له [انظر «الجامع لأحكام القرآن» ٥/ ٤٠].
لكن لا شك أن أكل مال اليتيم مع قصد أحد هذين الأمرين: الإسراف أو المبادرة أشد تحريمًا، وأشد منه قصدهما معًا والله المستعان.
٢٢ – الإشارة إلى أن بعض الأولياء والأوصياء على اليتامى قد يتعجل في أكل مال اليتامى مسرفًا في الأكل ومبادرًا خوف كبرهم، فيرد المال إليهم لقوله: ﴿وَلَا تَأكلوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا﴾ [انظر «تيسير الكريم الرحمن» ٢/ ١٢].
٢٣ – يجب على من كان غنيًّا من الأوصياء والأولياء أن يستعفف عن أموال اليتامى، لقوله: ﴿وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ فاللام للأمر، والأصل في الأمر الوجوب.
وفي الحديث: «اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، وخير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله».
هذا إذا كان الولي على اليتيم متبرعًا أما إذا لم يوجد من يتولى اليتيم إلا بأجرة، فإن لمن تولى عليه أخذ هذه الأجرة وإن كان غنيًّا ..
٢٤ – إذا كان الولي فقيرًا جاز له أن يأكل من مال اليتيم بالمعروف، لقوله: ﴿وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأكل بِالْمَعْرُوفِ﴾ والأمر بعد الحظر يفيد الإباحة، أو يرد الأمر إلى ما كان عليه قبل الحظر. فللولي إذا كان فقيرًا أن يأكل من مال اليتيم أكل أمثاله من الفقراء كما يدل على هذا مفهوم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأكلونَ أموال الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ الآية، فإن مفهومه جواز الأكل بحق [انظر «التفسير الكبير» ٩/ ١٥٥].
وقد ذهب بعض العلماء إلى أنه لا يجوز للولي الأكل من مال اليتيم إلا على سبيل الاقتراض، ويرده إذا أغناه الله مستدلين بما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: أنزلت نفسي من مال الله بمنزلة ولي اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف، فإذا أيسرت قضيت» [أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى ٣/ ٢٧٦، والطبري ٧/ ٥٨٢، الأثر ٨٥٩٧ والبيهقي في سنته٦/ ٤، ٥ وذكره ابن كثير في «تفسيره» ٢/ ١٩٠ وقال «إسناده صحيح»].
وقد رجح هذا الطبري [في «جامع البيان» ٧/ ٥٩٤ – ٥٩٦] محتجًّا بعدم الإجماع على أن الآية في الأكل بدون قرض.
وقيل: لايأكل الولي من مال اليتيم مطلقًا
واستدل من قال هذا بالنصوص من الكتاب والسنة التي فيها التشديد في حكم الاعتداء على أموال اليتامى وظلمهم.
كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأكلونَ أموال الْيَتَامَى ظُلْمًا إنما يَأكلونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ .
وكقوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.
وقوله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر: «يا أبا ذر إني أراك ضعيفًا وإني أحب لك ما أحب لنفسي، ولا تأمَّرن على اثنين، ولا تتولين مال يتيم» [أخرجه مسلم في الإمارة – الحديث١٨٢٦].
والصحيح القول الأول، وأنه يجوز للولي إذا كان فقيرًا الأكل من مال اليتيم بالمعروف. أي أكل أمثاله من الفقراء، والآية نص صريح في هذا مع حديث عمرو بن شعيب، ولأنه جرى مجرى أجرة عمله في هذا المال [انظر «أحكام القرآن» لابن العربي ١/ ٣٢٥ – ٣٢٦، «تفسير ابن كثير» ٢/ ١٨٩].
قال القرطبي [في «الجامع لأحكام القرآن» ٥/ ٤١ – ٤٢]: «والدليل على صحة هذا القول: إجماع الأمة على أن الإمام الناظر للمسلمين لا يجب عليه غرم ما أكل بالمعروف، لأن الله قد فرض سهمه في مال الله، فلا حجة لهم في قول عمر: فإذا أيسرت قضيت».
وأيضًا فإن القول بوجوب الرد إذا أيسر خلاف ما دلت عليه الآية الكريمة من إباحة الأكل في هذه الحال، وهو ينافي الإباحة، والمباح لا ينقلب حرامًا، ويلزم على القول بوجوب الرد أن كون الأكل حرامًا لا مباحًا.
وأي فائدة في إباحة الأكل من مال اليتيم إذا جعلنا ذلك بمثابة القرض. فليقترض من مال غير اليتيم.
أما القول الثالث: أنه لا يجوز للولي الأكل مطلقًا من مال اليتيم حتى ولو كان الولي فقيرًا. فهو ضعيف. إذ لا دليل عليه سوى العمومات التي استدلوا بها، وهذه العمومات مخصوصة بحال الولي الفقير، فإن له أن يأكل بالمعروف، كما دلت عليه الآية والحديث.
و له أن يأكل أكل أمثاله من الفقراء، ولو زاد ذلك على أجرة المثل، لأن هذا ما يدل عليه ظاهر الآية، ولأن الولي ليس كالأجير الأجنبي في مراعاة مال اليتيم، فكيف يلحق بالأجنبي.
وقال بعض الفقهاء له أقل الأمرين: إما أجرة المثل، أو الأكل بالمعروف، ولا يجوز له الزيادة على ذلك [انظر «الجامع لأحكام القرآن» ٥/ ٤٤، «مجموع الفتاوى» ٣١/ ٣٢٣٢، «تفسير ابن كثير» ٢/ ١٨٩]، ولا دليل لهم في هذا، اللهم إلا الاحتياط ولا احتياط مع النص.
٢٥ – مراعاة الشرع في أحكامه للظروف والأحوال، وتنزيل كل حال منزلتها، لقوله: ﴿وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأكل بِالْمَعْرُوفِ﴾ فقد منعت الآية الولي الغني من الأكل من مال اليتيم، وأباحت ذلك للفقير، وهذا دليل على حكمة الله عز وجل فيما شرع، وعلى سمو مبادئ الشريعة.
٢٦ – بلاغة القرآن الكريم في المقابلة بين قوله: (ومن كان غنيًّا فليستعفف) وقوله: (ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف).
٢٧ – اعتبار العرف والرجوع إليه في الشرع، لقوله تعالى: ﴿فَلْيَأكل بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي ما عرف من أكل أمثاله من الفقراء.
٢٨ – التوكيد على وجوب دفع أموال اليتامى إليهم، لقوله: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ ولم يقل: فإذا دفعتموها إليهم. علمًا أنه سبق ذكر الأموال قبل هذا، وهذا إطناب الغرض منه التوكيد على وجوب دفعها إليهم.
٢٩ – وجوب الإشهاد على دفع الأموال إلى اليتامى، لقوله تعالى: ﴿فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ والأصل في الأمر الوجوب. وعلى هذا لو ادعى الوصي أو الولي الرد، وأنكر اليتيم لم تقبل دعوى الولي، لأنه لو قبلت دعواه لم يحتج إلى الإشهاد، وإلى هذا ذهب طائفة من أهل العلم منهم مالك [انظر «أحكام القرآن» لابن العربي١/ ٣٢٧، والشافعي [انظر «الأم» ٧/ ٧٤، وغيرهما.
وذهب طائفة من أهل العلم منهم أبو حنيفة وأصحابه وغيرهم إلى أن الإشهاد مستحب، وعلى هذا فتقبل دعوى الولي بالرد وإن لم يشهد، ولهذا قبل قوله بالنفقة والكسوة والممكنة دون إشهاد.
وقال بعضهم: إن كان الولي بأجرة لم تقبل دعواه، لأنه إنما عمل لحظ نفسه ولأجل مصلحته هو. وإن كان بدون أجرة قبلت دعواه، ولأنه محسن و﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾.
قال شيخنا الشيخ محمد بن صالح العثيمين [في تفسيره لهذه في دروسه في التفسير] رحمه الله: «والأخذ بظاهر الآية أولى، وهو أنه لا تقبل دعواه الدفع إلا بشهود إلا إذا وجدت قرائن قوية، تؤيد هذه الدعوى، مثل أن يكون الولي معروفًا بالصدق والأمانة، ويكون المولَّى عليه اليتيم معروفًا بالطمع والجشع، فحينئذ نقبل قول الولي، فنقبله بقرينة ظاهرة، لأننا لو لم نقبل قوله لكان في هذا منع من التولي على أموال اليتامى، لأن الإنسان قد لا يتسنى له الإشهاد عند الدفع».
٣٠ – حرص الشرع المطهر على إبعاد المسلم عن كل ما يسبب النزاع، أو يوقع في التهمة لهذا أمر الولي بالإشهاد على دفع مال اليتيم إليه إبعادًا له ولليتيم عن النزاع والاختلاف والتهمة [انظر «أحكام القرآن» للجصاص٢/ ٦٩، «أحكام القرآن» للهراسي١/ ٣٣٢، «معالم التنزيل» ١/ ٣٩٥، «المحرر الوجيز» ٤/ ٢٥ – ٢٦].
٣١ – عظم كفاية الله عز وجل في حسابه للخلائق، ومجازاته لهم على أعمالهم، لقوله ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾.
٣٢ – الوعيد والتحذير للولي من التعدي على مال يتيمه والخيانة في ولايته [انظر «المحرر الوجيز» ٤/ ٢٦]، والوعيد والتحذير لليتيم من أن يدعي ما ليس له لو ينكر شيئًا مما دفع إليه، كما أن في ذلك وعيدًا وتحذيرًا لكل من خالف وتعدى حدود الله لقوله ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾.
(المسألة الثانية):
تذكير أولياء الأمور اليتامى بأن المرء كما يدين يدان والوعيد الشديد لمن يأكلون أموال اليتامى ظلمًا
قال الله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * إِنَّ الَّذِينَ يَأكلونَ أموال الْيَتَامَى ظُلْمًا إنَّما يَأكلونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾.
(المطلب الأول): صلة الآية بما قبلها:
لما ذكر عز وجل في الآيات السابقة وجوب حفظ أموال اليتامى ورعايتها وتوريثهم إذا كانوا ممن يرث، وإعطائهم إذا حضروا القسمة وكانوا غير وارثين. ذكّر الأولياء والأوصياء وغيرهم ممن يدخل تحت هذه الآية بما يحملهم على أداء الحقوق المذكورة لليتامى، وذلك بتذكيرهم بأنهم قد يموتون وأولادهم صغار يخافون عليهم من الملمات والشدائد والجور والظلم والضياع، وفي هذا تحريك لمشاعرهم تجاه حقوق اليتامى، فمن أحسن إلى اليتامى وأولاد الناس يسر الله لأولاده من يحسن إليهم بعد وفاته، وكما تدين تدان.
(المطلب الثاني): معاني المفردات والجمل:
قوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾.
والخشية لا تكون غالبًا إلا مع العلم، ومع عظم المخشي قال تعالى: ﴿إنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء﴾.
ذريه ضعافًا: «ذرية» مفعول تركوا. والذرية هم الأولاد من بنين وبنات، وأولاد البنين، وإن نزلوا دون أولاد البنات.
قوله: ﴿ضِعَافًا﴾
والمعنى خافوا عليهم من الجور والظلم، وأن تؤكل أموالهم وتهضم حقوقهم وتساء معاملتهم وغير ذلك، وحذف مفعوا «خافوا» ليذهب الفكر في تصوره كل مذهب.
وقد ذكر أهل العلم أن عمر بن عبد العزيز رحمه الله حين قالوا له: يا أمير المؤمنين أفغرت أفواه بنيك من هذا المال وتركتهم فقراء، لا شيء لهم. وكان في مرض موته، فقال: أدخلوا عليَّ. فأدخلوهم، وهم بضعه عشر ذكرًا، ليس فيهم بالغ. فلما رآهم ذرفت عيناه، ثم قال: يا بنَّي والله ما منعتكم حقًّا هو لكم، ولم أكن بالذي آخذ أموال الناس فأدفعها إليكم، وإنما أنتم أحد رجلين: إما صالح: فالله يتولى الصالحين [أخذًا من قوله تعالى: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ سورة الأعراف الآية (١٩٦)]، وإما غير صالح، فلا أخلف له ما يستعين به على معصية الله، قوموا عني».
قال راوي القصة: «فلقد رأيت بعض ولده حمل على مائة فرس في سبيل الله يعني أعطاها لمن يغزوا عليها»، أي: أن الله أغناهم من فضله. قال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد ذكره لهذه القصة [انظر «السياسة الشرعية» ص١٥، «مجموع الفتاوى» ٢٨/ ٢٤٩ – ٢٥٠، وانظر «العقد الفريد» ٥/ ١٧٤ – ١٧٥، «سير أعلام النبلاء» ٥/ ١٤٠ – ١٤١]: «قلت: هذا وقد كان خليفة المسلمين من أقصى المشرق ببلاد الترك إلى أقصى المغرب بلاد الأندلس وغيرها، ومن جزائر قبرص وثغور الشام والعواصم كطرسوس ونحوها إلى أقصى اليمن، وإنما أخذ كل واحد من أولاده من تركته شيئًا يسيرًا. يقال: أقل من عشرين درهمًا قال: وحضرت بعض الخلفاء وقد اقتسم تركته بنوه، فأخذ كل واحد منهم ستمائة ألف دينار، ولقد رأيت بعضهم يتكفف الناس- أي: يسألهم بكفه».
قوله تعالى: ﴿فَلْيَتَّقُوا اللهَ﴾
أي: فليتقوا الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه وأداء ما يجب عليهم من حقوق لليتامى والمساكين والورثه وغيرهم من أصحاب الحقوق، وأن يحذروا من الجور والظلم.
قوله تعالى: ﴿وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ عدلا
فالقول السديد هو الذي يسد موضعه، أي يفي بالغرض الذي قيل من أجله فهو عام في كل قول.
فمن القول السديد أن يقال لليتامى قول معروف طيب لا غلظة فيه، وأن يعلموا ما فيه صلاح دينهم ودنياهم.
ومن القول السديد أن يوصى من حضره الموت بالعدل بالوصية وعدم الإضرار بالورثة وعدم ترك الوصية.
ومن القول السديد أن يقال لمن حضروا عند قسمة الميراث من غير الوارثين قول لين طيب يجبر قلوبهم
ومن القول السديد أن يتحرى الإنسان في كلامه كله الصواب والحق والعدل والإنصاف والحكمة، حتى لا يضر نفسه وغيره.
وخلاصة معنى الآية أنه كما يجب الإنسان أن تعامل ذريته معاملة طيبة من بعده فليعامل الناس في ذرياتهم معاملة طيبة [انظر «تفسير ابن كثير» ٢/ ١٩٤]، وليتق الله فيما يقول ويفعل، وليتحر الصواب والعدل والحكمة في ذلك كله.
قال ابن العربي [في «أحكام القرآن» ١/ ٣٣٠]: «والصحيح أن الآية عامة في كل ضرر يعود عليهم، بأي وجه كان على ذرية المتكلم، فلا يقول إلا ما يريد أن يقال فيه وله». [حقوق اليتامى كما جاءت في سورة النساء].
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم في أكل والي اليتيم من ماله:
(اعلم): أنهم اختلفوا في ذلك:
قال القرطبيّ: والصحيح من هذه الأقوال – إن شاء الله – أن مال اليتيم إن كان كثيرًا يحتاج إلى كثير قيام عليه، بحيث يشغل الولي عن حاجاته، ومهماته، فُرض له فيه أجرة عمله، وإن كان قليلًا مما لا يشغله عن حاجاته، فلا يأكل منه شيئًا، غير أنه يسمح [وقع في النسخة: «يستحبّ له»، فأصلحته مستدلًّا بآخر كلامه، فتفطّن] له شرب قليل اللبن، وأكل القليل من الطعام والتمر، غير مضرّ به، ولا مستكثر له، بل ما جرت به العادة بالمسامحة فيه.
قال: وما ذكرته من الأجرة، ونيل القليل من التمر واللبن كل واحد منهما معروف، فصلح حمل الآية على ذلك، والله أعلم. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله [«المفهم» ٧/ ٣٣١ – ٣٣٢].
قال الإتيوبي عفا الله عنه: هذا التفصيل الذي ذكره القرطبيّ رحمه الله هو الصحيح عندي؛ لأن ظاهر الآية يدلّ عليه لمن تأمله بالإمعان.
وخلاصة المسألة: أن والي اليتيم إن كان مستغنيًّا عن ماله لا يأخذ شيئًا، وإن كان محتاجًا أخذ من ماله قدر عُمالته، ولا قضاء عليه، وكذا إن كان مال اليتيم يكلفه، ويشغله عن حوائجه يأخذ أجرته، وكذا يُسمح له أكل القليل الذي جرت به العادة، كاللبن، وقليل التمر، ونحو ذلك مما جرت به عادة الناس بالتسامح فيه فيما بينهم؛ لأنه معروف، والآية قالت: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾، والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): ولي اليتيم، هل له أن يأكل من مال اليتيم مقابل قيامه عليه؟
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء:٦]، فذكر العلماء أنَّ الغني لا يجوز له الأكل منه.
واختلفوا في الفقير:
لكن قال الإمام ابن عثيمين: وظاهر الآية الكريمة ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أنه يأكل بالمعروف، وأنه إذا كانت الأجرة أقل؛ تكمل له الكفاية، وعلى هذا فنقول: يأكل كفايته، سواء كانت بقدر الأجرة، أو أقل، أو أكثر؛ لأنَّ هذا هو ظاهر القرآن: ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. [انظر: «المغني» (٦/ ٣٤٣) «تفسير القرطبي» (٥/ ٤١) «الشرح الممتع» (٩/ ٣١٢)، بواسطة: فتح العلام]. وقد مضى الإشارة إلى المسألة في الشرح.
(المسألة الخامسة): رُجُوعُ الْوَصِيِّ فِيمَا أَنْفَقَهُ مِنْ مَالِهِ عَلَى الْيَتِيمِ الْغَنِيِّ:
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي طَلَبِ الْبَيِّنَةِ عَلَى مَا أَنْفَقَهُ وَلِيُّ الْيَتِيمِ مِنْ مَال نَفْسِهِ عَلَى الْيَتِيمِ.
وَقَال تَقِيُّ الدِّينَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: مَا أَنْفَقَهُ وَصِيٌّ مُتَبَرِّعٌ بِالْمَعْرُوفِ فِي ثُبُوتِ الْوَصِيَّةِ فَمِنْ مَال الْيَتِيمِ. قَال الْبُهُوتِيُّ: وَعَلَى قِيَاسِهِ كُل مَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ لَهُ. [كشاف القناع ٤ / ٣٩٨]. [الموسوعة الكويتية].
(المسألة السادسة): أَخْذُ الْوَصِيِّ الأُجْرَةَ مِنْ مَال الْيَتِيمِ:
اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّ إِذَا فُرِضَ لَهُ الأُجْرَةَ مُقَابِل الْقِيَامِ بِالْوِصَايَةِ كَانَ لَهُ أَخْذُهَا، سَوَاءً كَانَ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا.
وَاخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ أَخْذِ الْوَصِيِّ الأُجْرَةَ إِذَا لَمْ يُفْرَضُ لَهُ شَيْءٌ. [الموسوعة الكويتية].