2332 ، 2333 – فتح الودود في تحضير سنن أبي داود:
مشاركة: أحمد بن علي وأحمد بن خالد وأسامة الحميري وعدنان البلوشي
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
سنن أبي داود:
بَابٌ إِذَا رُئِيَ الْهِلَالُ فِي بَلَدٍ قَبْلَ الْآخَرِينَ بِلَيْلَةٍ
2332 – حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ يَعْنِي ابْنَ جَعْفَرٍ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَرْمَلَةَ، أَخْبَرَنِي كُرَيْبٌ، أَنَّ أُمَّ الْفَضْلِ ابْنَةَ الْحَارِثِ، بَعَثَتْهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ، بِالشَّامِ، قَالَ: فَقَدِمْتُ الشَّامَ فَقَضَيْتُ حَاجَتَهَا فَاسْتَهَلَّ رَمَضَانُ وَأَنَا بِالشَّامِ، فَرَأَيْنَا الْهِلَالَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فِي آخِرِ الشَّهْرَ، فَسَأَلَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ، ثُمَّ ذَكَرَ الْهِلَالَ فَقَالَ: مَتَى رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ؟ قُلْتُ: رَأَيْتُهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، قَالَ: أَنْتَ رَأَيْتَهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، وَرَآهُ النَّاسُ، وَصَامُوا، وَصَامَ مُعَاوِيَةُ، قَالَ: لَكِنَّا رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ، فَلَا نَزَالُ نَصُومُهُ حَتَّى نُكْمِلَ الثَّلَاثِينَ، أَوْ نَرَاهُ، فَقُلْتُ: أَفَلَا تَكْتَفِي بِرُؤْيَةِ مُعَاوِيَةَ وَصِيَامِهِ، قَالَ: لَا، «هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم»
[حكم الألباني] : صحيح
2333 – حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَشْعَثُ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي رَجُلٍ كَانَ بِمِصْرٍ مِنَ الأَمْصَارِ، فَصَامَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَشَهِدَ رَجُلَانِ أَنَّهُمَا رَأَيَا الْهِلَالَ لَيْلَةَ الْأَحَدِ، فَقَالَ: «لَا يَقْضِي ذَلِكَ الْيَوْمَ الرَّجُلُ، وَلَا أَهْلُ مِصْرِهِ، إِلَّا أَنْ يَعْلَمُوا أَنَّ أَهْلَ مِصْرٍ مِنْ أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ قَدْ صَامُوا يَوْمَ الْأَحَدِ فَيَقْضُونَهُ»
[حكم الألباني] : صحيح مقطوع
—–
قال القاضي عياض في شرح صحيح مسلم :
باب بيان أن لكل بلد رؤيتهم وأنهم إذا رأوا الهلال ببلد لا يثبت حكمه لما بعد عنهم
وقوله فى حديث كريب: ” أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية ” وفيه: ” واستهل علىَّ رمضان “، وفى حديث أبى البخترى: ” أهللنا رمضان “: قال الهروى: وأهللنا الهلال: إذا دخلنا فيه، وقال غيره: استهللنا الهلال بمعنى: أهللناه، وأُهل الهلال: طلع، وهلَّ أيضاً، ويحتمل أن ابن عباس لم يعول على رؤية معاوية فى هذا الحديث على ما حكى من مذهبه، فى أن لكل قوم رؤيتهم، أو لأنه لم يعول فى ذلك على خبر الواحد، أو لأمر كان يعتقده فى ذلك، أو لاختلاف أفقيهم ، وقيل: بل لأن السماء كانت مصحية بالمدينة فلم يروه ارتابوا الخبر عن رؤية غيرهم.
[إكمال المعلم بفوائد مسلم 4/ 21]
قال ابن قدامة:
فصل: وإذا رَأَى الهِلالَ أَهْلُ بَلَدٍ، لَزِمَ جَمِيعَ البِلادِ الصَّوْمُ. وهذا قَوْلُ اللَّيْثِ، وبعضِ أصْحابِ الشَّافِعِىِّ. وقال بَعْضُهم: إنْ كان بينَ البَلَدَيْنِ مَسَافَةٌ قَرِيبَةٌ، لا تَخْتَلِفُ المَطَالِعُ لِأَجْلِها كبَغْدَادَ والبَصْرَةِ، لَزِمَ أهْلَهما الصَّوْمُ بِرُؤْيَةِ الهِلَالِ في أحدِهما، وإن كان بينهما بُعْدٌ، كالعِرَاقِ والحِجَازِ والشَّامِ، فِلكُلِّ أهْلِ بَلَدٍ رُؤْيَتُهم. وَرُوِىَ عن عِكْرِمَةَ، أنَّه قال: لِكُلِّ أهْلِ بَلَدٍ رُؤْيَتُهم. وهو مذهبُ القاسِمِ، وسالِمٍ، وإسحاقَ؛ لما رَوَى كُرَيْبٌ … فقلتُ: ألا تَكْتَفِى بِرُؤْيَةِ مُعاوِيَةَ وصِيامِهِ؟ فقال: لا، هكذا أمَرَنَا رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم. [رَوَاه مُسلمٌ] قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ. ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}. وقولُ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم لِلْأَعْرَابِيِّ لمَّا قال له: آللهُ أمَرَكَ أن تَصُومَ هذا الشَّهْرَ من السَّنَةِ؟ قال: “نَعَمْ” (12). وقَوْلُه للآخَرِ لمَّا قال له: ماذا فَرَضَ اللهُ عَلَىَّ من الصَّوْمِ؟ قال: “شَهْرَ رَمَضَانَ” (13). وأجْمَعَ المُسْلِمُونَ على وُجُوبِ صَوْمِ شَهْر رمضانَ، وقد ثَبَتَ أنَّ هذا اليَوْمَ من شَهْرِ رمضانَ، بشهَادَةِ الثِّقَاتِ، فوَجَبَ صَوْمُه على جَمِيعِ المُسْلِمِينَ، ولأنَّ شَهْرَ رمضانَ ما بين الهِلَالَيْنِ، وقد ثَبَتَ أنَّ هذا اليَوْمَ منه في سائِرِ الأحْكامِ، من حُلُولِ الدَّيْنِ، ووُقُوعِ الطَّلَاقِ والعَتَاقِ، ووُجُوبِ النُّذُورِ، وغيرِ ذلك من الأحْكامِ، فيَجِبُ صِيامُه بالنَّصِّ والإِجْماعِ، ولأنَّ البَيِّنَةَ العَادِلَةَ شَهِدَتْ برُؤْيَةِ الهِلالِ، فيَجِبُ الصَّوْمُ، كما لو تَقَارَبَتِ البُلْدَانُ. فأمَّا حَدِيثُ كُرَيْبٍ فإنَّما دَلَّ على أنَّهم لا يُفْطِرُونَ بقولِ كُرَيْبٍ وَحْدَه، ونحنُ نقولُ به، وإنَّما مَحَلُّ الخِلافِ وُجُوبُ قَضاءِ اليَوْمِ الأوَّلِ، وليس هو في الحَدِيثِ. فإن قِيلَ: فقد قُلْتُم إنَّ النَّاسَ إذا صامُوا بِشهَادَةِ واحِدٍ ثلاثِينَ يَوْمًا، ولم يَرَوُا الهِلالَ، أفْطَرُوا في أحَدِ الوَجْهَيْنِ. قُلْنَا: الجَوابُ عن هذا من وَجْهَيْنِ؛ أحَدِهما، أنَّنا إنَّما قُلْنَا يُفْطِرُونَ إذا صامُوا بشهَادَتِه، فيكون فِطْرُهُم مَبْنِيًّا على صَوْمِهِم بشهادَتِه، وهاهُنا لم يَصُومُوا بقَوْلِه، فلم يُوجَدْ ما يجوزُ بناءُ الفِطْرِ عليه. الثانى، أنَّ الحَدِيثَ دَلَّ على صِحَّةِ الوَجْهِ الآخَرِ.
[المغني لابن قدامة 4/ 328]
قال ابن رسلان:
[2332] (حدثنا موسى بن إسماعيل) المنقري (حدثنا إسماعيل بن جعفر المدني، أخبرني محمد يعني ابن أبي حرملة) المدني قال: (أخبرني كريب، أن أم الفضل) (1) واسمها لبابة بضم اللام وتخفيف الباء الموحدة الأولى (2) (بنت الحارث) أخت ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم (بعثته إلى معاوية) بن أبي سفيان وهو متولي (بالشام) في حاجة لها.
اختلف الناس (3) في قول ابن عباس: هل كان عنده نص في هذِه المسألة أو أشار إلى قوله صلى الله عليه وسلم: “صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته”.
( هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم) هو ظاهر في أن عنده نص صريح.
قال الرافعي: روي أن ابن عباس أمر كريبًا أن يقتدي بأهل المدينة . وهو ظاهر في قوله: أو لا نكتفي برؤية معاوية وصيامه.
قال: قال في مسلم : شك يحيى بن يحيى في لفظه: نكتفي من الحديث هل هي بالتاء المثناة فوق أوله أو بالنون، ويدل على أنه نص ما جاء في “مصنف سعيد بن منصور” أن قومًا من العرب سكنا بين جبال لا يرون الهلال إذا رآه الناس سألوا عمر بن الخطاب عن ذلك فقال لهم: لا تفطروا حتى تروه.
وقد اختلفوا فيما (3) إذا رؤي الهلال في بلد قبل آخرين بليلة هل يلزمهم حكمه أم يلزم كل بلد رؤيتهم؟
قال الترمذي في آخر الحديث: والعمل عند أهل العلم أن لكل بلد رؤيتهم .
والصحيح عند أصحابنا أن الرؤية لا تعم الناس، بل تختص بمن هو في بلد قريب على مسافة لا تقصر فيها الصلاة، ويدل عليه تبويب المصنف في قوله: قبل آخرين بليلة، أي: مع يومها، فإنها دون مسافة القصر، لكن يعارض الحديث الأول ما رواه سعيد بن منصور في “مصنفه” – قال السبكي: بسند صحيح – إلى أبي عمير بن أنس. قال: أخبرني عمومة لي من الأنصار من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: غم علينا هلال شوال فأصبحنا صيامًا، فجاء ركب من آخر النهار فشهدوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم رأوا الهلال بالأمس فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفطروا ثم يخرجوا لعيدهم من الغد .
ثم قال السبكي: فهذا الحديث نص في ثبوت حكم بلد لبلد أخرى، بل قد يقال: إن ترك الاستفصال عن المسافة التي قطعوها بعد رؤيته، وعن موضع رؤيته يدل على أنه لا يعتبر المسافة ولا المطالع، وثبت الحكم على العموم كما هو أحد الوجهين في أصل المسألة. قال: ولعل قائلًا يجمع بين هذا الحديث وحديث كريب بأن هذا الحديث الهلال فيه في أثناء النهار؛ فلزمنا حكمه وحديث كريب لم يثبت إلا بعد أول الشهر فيجب أن يصوم ثلاثين أو يراه. إلا أن هذا يلزم فيما إذا ثبت في أثناء النهار رؤيته في تلك البلد والمنقول فيها وجوب قضاء اليوم الأول فتأمل ذلك.
(وشهد رجلان) أي: بصفة الشهود (أنهما رأيا الهلال ليلة الأحد) قبلها، (فقال: لا يقضي ذلك اليوم) بالنصب مفعول مقدم (الرجل) بالرفع فاعل يقضي، (ولا أهل) بالرفع معطوف، (مصره إلا أن يعلموا أن أهل مصر من أمصار المسلمين قد صاموا يوم الأحد) بأمر شائع ذائع يستغني عن الشهادة والتعديل، (فيقضوه) إن فات الأداء. وهذا فيه حجة لمذهب مالك على ما حكاه القرطبي: أن القاضي إسحاق روى عن ابن الماجشون أنه إن كان ثبت الصوم بالبصرة بأمر شائع ذائع يستغني عن الشهادة والتعديل له فإنه يلزم غيرهم من أهل البلاد القضاء وإن كان إنما ثبت بشهادة (2) شاهدين لم يلزم ذلك من البلاد إلا من كان يلزمه حكم ذلك الحاكم ممن هو في ولايته، أو يكون ذلك ثبت عند أمير المؤمنين، فيلزم القضاء جميع المسلمين، ثم قال: وهذا قول مالك (3). انتهى.
وقوله: يلزم أمير المؤمنين. . . فيلزم القضاء. يقرب منه ما رواه ابن عبد البر (4) عن مالك قال: وهو قول المدنيين من أصحابنا: أن الرؤية لا تلزم غير البلد الذي حصلت فيه إلا أن يحمل الإمام على ذلك.
[شرح سنن أبي داود لابن رسلان 10/ 290]
قوله : في “مصنف سعيد بن منصور” أن قومًا من العرب سكنا بين جبال لا يرون الهلال إذا رآه الناس سألوا عمر بن الخطاب عن ذلك فقال لهم: لا تفطروا حتى تروه.
لم أجده بهذا اللفظ إلا في شرح سنن أبي داود لابن رسلان،
لكن ربما يقصد به هذا:
٢٥٩٩ – حَدَّثَنَا سَعِيدٌ قَالَ: نا أَبُو شِهَابٍ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ، قَالَ: أَتَأَنَا كِتَابُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَنَحْنُ بِخَانِقِينَ لِهِلَالِ رَمَضَانَ مِنَّا الصَّائِمُ وَمِنَّا الْمُفْطِرُ، فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ، وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ: «أَنَّ الْأَهِلَّةَ بَعْضُهَا أَكْبَرُ مِنْ بَعْضٍ، فَإِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلَالَ نَهَارًا، فَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى يَشْهَدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُمَا رَأَيَاهُ بِالْأَمْسِ، وَإِذَا حَاصَرْتُمْ أَهْلَ حِصْنٍ، فَأَرَادُوكُمْ عَلَى أَنْ تُنْزِلُوهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ فَلَا تُنْزِلُوهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ، فَإِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ مَا حُكْمُ اللَّهِ فِيهِمْ، وَلَكِنْ أَنْزِلُوهُمْ عَلَى حُكْمِكُمْ، ثُمَّ احْكُمُوا فِيهِمْ مَا شِئْتُمْ، وَإِذَا قُلْتُمْ لَا بَأْسَ أَوْ لَا تَدْهَلْ أَوْ مَتْرَسْ فَقَدْ آمَنْتُمُوهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ الْأَلْسِنَةَ»
سنن سعيد بن منصور – الفرائض إلى الجهاد – ت الأعظمي
جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية:
اختلاف المطالع:
14 – اختلاف مطالع الهلال أمر واقع بين البلاد البعيدة كاختلاف مطالع الشمس، لكن هل يعتبر ذلك في بدء صيام المسلمين وتوقيت عيدي الفطر والأضحى وسائر الشهور فتختلف بينهم بدءا ونهاية أم لا يعتبر بذلك، ويتوحد المسلمون في صومهم وفي عيديهم؟ ،
ذهب الجمهور إلى أنه لا عبرة باختلاف المطالع، وهناك من قال باعتبارها، وخاصة بين الأقطار البعيدة . والمعتمد الراجح عند الحنفية أنه لا اعتبار باختلاف المطالع فإذا ثبت الهلال في مصر لزم سائر الناس فيلزم أهل المشرق برؤية أهل المغرب في ظاهر المذهب (1) .
وقال المالكية بوجوب الصوم على جميع أقطار المسلمين إذا رئي الهلال في أحدها.
وقيد بعضهم هذا التعميم فاستثنى البلاد البعيدة كثيرا كالأندلس وخراسان (2) .
وبين القرافي اختلاف مطالع الهلال علميا، وذكر سببا من أسبابه مكتفيا به عن البقية المذكورة في علم الهيئة: وهو أن البلاد المشرقية إذا كان الهلال فيها في الشعاع وبقيت الشمس تتحرك مع القمر إلى الجهة الغربية فما تصل الشمس إلى أفق المغرب إلا وقد خرج الهلال عن الشعاع فيراه أهل المغرب ولا يراه أهل المشرق. واستنتج من هذا البيان ومن اتفاق علماء المسلمين جميعهم على اختلاف أوقات الصلاة ومراعاة ذلك في الميراث بحيث أفتوا بأنه إذا مات أخوان عند الزوال أحدهما بالمشرق والآخر بالمغرب حكم بأسبقية موت المشرقي؛ لأن زوال المشرق متقدم على زوال المغرب فيرث المغربي المشرقي، فقرر بعد إثباته اختلاف الهلال باختلاف الآفاق وجوب أن يكون لكل قوم رؤيتهم في الأهلة، كما أن لكل قوم أوقات صلواتهم، ورأى أن وجوب الصوم على جميع الأقاليم برؤية الهلال بقطر منها بعيد عن القواعد، والأدلة لم تقتض ذلك .
وعمل الشافعية باختلاف المطالع فقالوا: ” إن لكل بلد رؤيتهم وإن رؤية الهلال ببلد لا يثبت بها حكمه لما بعد عنهم “. كما صرح بذلك النووي (2) .
واستدلوا مع من وافقهم بأن ابن عباس لم يعمل برؤية أهل الشام .
وقد علل النووي هذه الفتوى من ابن عباس بأن الرؤية لا يثبت حكمها في حق البعيد . وقال الحنابلة بعدم اعتبار اختلاف المطالع، وألزموا جميع البلاد بالصوم إذا رئي الهلال في بلد .
واستدل القائلون بعدم اعتبار اختلاف المطالع بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ، فقد أوجب هذا الحديث الصوم بمطلق الرؤية لجميع المسلمين دون تقييدها بمكان، واعتبروا ما ورد في حديث ابن عباس من اجتهاده، وليس نقلا عن الرسول صلى الله عليه وسلم.
[الموسوعة الفقهية الكويتية 22/ 35]
—-
قال ابن عثيمين :
لماذا لا يتوحد المسلمون في الصيام؟
السبب الغالب في اختلاف بدء الصيام من بلد لآخر، هو اختلاف مطالع الأهلة. واختلاف المطالع أمر معلوم بالضرورة حسا وعقلا.
وعليه فلا يمكن إلزام المسلمين بالصوم في وقت واحد، لأن هذا يعني إلزام جماعة منهم بالصوم قبل رؤية الهلال، بل قبل طلوعه.
وقد سئل الشيخ ابن عثيمين رحمه الله عمن ينادي بتوحيد الأمة في الصيام، وربط المطالع كلها بمطالع مكة، فقال:
“هذا من الناحية الفلكية مستحيل؛ لأن مطالع الهلال كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تختلف باتفاق أهل المعرفة بهذا العلم، وإذا كانت تختلف فإن مقتضى الدليل الأثري والنظري أن يجعل لكل بلد حكمه.
* أما الدليل الأثري فقال الله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ البقرة/185. فإذا قُدِّرَ أن أناسا في أقصى الأرض ما شهدوا الشهر -أي: الهلال – وأهل مكة شهدوا الهلال، فكيف يتوجه الخطاب في هذه الآية إلى من لم يشهدوا الشهر؟! وقال النبي صلى الله عليه وسلم: صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ متفق عليه، فإذا رآه أهل مكة مثلاً فكيف نلزم أهل باكستان ومن وراءهم من الشرقيين بأن يصوموا، مع أننا نعلم أن الهلال لم يطلع في أفقهم، والنبي صلى الله عليه وسلم علق ذلك بالرؤية.
* أما الدليل النظري فهو القياس الصحيح الذي لا تمكن معارضته، فنحن نعلم أن الفجر يطلع في الجهة الشرقية من الأرض قبل الجهة الغربية، فإذا طلع الفجر على الجهة الشرقية، فهل يلزمنا أن نمسك ونحن في ليل؟ الجواب: لا.
وإذا غربت الشمس في الجهة الشرقية، ولكننا نحن في النهار فهل يجوز لنا أن نفطر؟ الجواب: لا.
إذاً الهلال كالشمس تماما، فالهلال توقيته توقيت شهري، والشمس توقيتها توقيت يومي، والذي قال: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِالبقرة/187. هو الذي قال: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ فمقتضى الدليل الأثري والنظري أن نجعل لكل مكانٍ حكماً خاصًّا به فيما يتعلق بالصوم والفطر، ويربط ذلك بالعلامة الحسية التي جعلها الله في كتابه، وجعلها نبيه محمد صلى الله عليه وسلم في سنته ألا وهي شهود القمر، وشهود الشمس، أو الفجر.” انتهى من فتاوى أركان الإسلام ص 451.
وصدر عن هيئة كبار العلماء، بيان مهم بهذا الخصوص، وهذا نصه:
* “أولاً: اختلاف مطالع الأهلة من الأمور التي علمت بالضرورة حساً وعقلاً، ولم يختلف فيها أحد من العلماء، وإنما وقع الاختلاف بين علماء المسلمين في: اعتبار خلاف المطالع، وعدم اعتباره.
* ثانياً: مسألة اعتبار اختلاف المطالع وعدم اعتباره من المسائل النظرية التي للاجتهاد فيها مجال، والاختلاف فيها واقع ممن لهم الشأن في العلم والدين، وهو من الخلاف السائغ الذي يؤجر فيه المصيب أجرين: أجر الاجتهاد، وأجر الإصابة، ويؤجر فيه المخطئ أجر الاجتهاد.
وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة على قولين: فمنهم من رأى اعتبار اختلاف المطالع، ومنهم من لم ير اعتباره. واستدل كل فريق منهما بأدلة من الكتاب والسنة، وربما استدل الفريقان بالنص الواحد كاشتراكهما في الاستدلال بقوله تعالى: يَسْأَلونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّالبقرة/189. وبقوله صلى الله عليه وسلم: صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ الحديث. وذلك لاختلاف الفهم في النص، وسلوك كل منهما طريقاً في الاستدلال به.
ونظرا لاعتبارات رأتها الهيئة وقدرتها، ونظراً إلى أن الاختلاف في هذه المسألة ليست له آثار تخشى عواقبها، فقد مضى على ظهور هذا الدين أربعة عشر قرناً، لا نعلم فيها فترة جرى فيها توحيد الأمة الإسلامية على رؤية واحدة. فإن أعضاء مجلس هيئة كبار العلماء يرون بقاء الأمر على ما كان عليه. وعدم إثارة هذا الموضوع، وأن يكون لكل دولة إسلامية حق اختيار ما تراه بواسطة علمائها من الرأيين المشار إليهما في المسألة، إذ لكل منهما أدلته ومستنداته.
* ثالثاً: نظر مجلس الهيئة في مسألة ثبوت الأهلة بالحساب، وما ورد في الكتاب والسنة، واطلعوا على كلام أهل العلم في ذلك، فقرروا بإجماعٍ عدمَ اعتبار حساب النجوم في ثبوت الأهلة في المسائل الشرعية؛ لقوله صلى الله عليه وسلم صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ الحديث. وقوله صلى الله عليه وسلم: لا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ، وَلا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ الحديث. وما في معنى ذلك من الأدلة”. انتهى نقلا عن “فتاوى اللجنة الدائمة” (10/102).
——
إذا رؤي هلال رمضان في بلد إسلامي فهل يلزم سائر البلدان الإسلامية أن يصوموا على تلك الرؤية .؟
قال الألباني -رحمه الله-:
رأيي من بين تلك الآراء الثلاثة هو الذي يقول نصوم مع أول رؤية لجميع المسلمين . انتهى باختصار
——
أجمع الفقهاء على الإلتزام بالعلة الشرعية للصوم وهى الرؤية البصرية للهلال ، وأجمعوا على رفض الأخذ بالحساب الفلكى سواء فى ذلك حالة الصحو أم حالة الغيم إلا من شذ من المتأخرين وأحدث سبباً لم يشرعه الله ، ولا عبرة بهذا الشذوذ مع إنعقاد الإجماع الفقهى قبله والإجماع العملى أيضاً : فقد جرى العمل فى كافة العصور الإسلامية الزاهرة ، حيث تقدم المسلمون فى علم الفلك ، وأنشأوا المراصد الفلكية ، ومع ذلك منعوه من الدخول فى مجال العلل الشرعية للأحكام ، بل لا يكاد يُعرف قاض – منذ عرف الإسلام القضاء إلى اليوم – قضى بالحساب الفلكى ولا زال القضاة يلون إستشراف الهلال بأنفسهم ، أأو ينتظرون الشهود العدول بالمحاكم حتى يجيئوا لهم ، والمحكم الشرعية العليا فى مصر لم تأخذ قط فى إثبات الرؤية بالحساب الفلكى منذ أنشئت إلى أن ألغيت ، وكذلك دار الإفتاء من بعدها ، حتى نبغ مفتى أخر الزمان وأحدث هذه البدعة ، ونبذ العلة الشرعية أعنى الرؤية البصرية للهلال – وأحدث علة للصوم لم يشرعها الله وهى العلم الفلكى بوجود الهلال ، وشذ عن إجماع الأمة العلمى والعملى من عهد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى وقتنا هذا ، وأضفى على الحساب الفلكى الحجية اليقينية مع أنه مبنى على أمور ظنية وحسابية وجبرية ، وأجهزة فلكية ، وكلها ظنية تحتمل الخطأ والصواب ، وليس أدل على ذلك من تعارض تقاويم الفلكيين أنفسهم فى حساباتهم الفلكية ، والذى يبنى على الظن لا يقيم اليقين لقيام شبهة الخطأ ) إنتهى الكلام بتصرف .
لكن يبقى التنبيه إلى ثلاث قضايا : الأولى : أن ( حقيقة الشهر عند الفلكيين هى المدة بين إجتماع الشمس والقمر مرتين بعد الإستسرار وقبل الإستهلال ، ومقداره عندهم هو (29) يوماً ، و (12) ساعة و(44) دقيقة . أما حقيقة الشهر الشرعية : فهى الرؤية له عند الغروب ، أى : أول ظهور القمر بعد السواد ، ومقدار الشهر الشرعى هو لا يزيد عن (30) يوماً ، ولا ينقص عن (29) يوماً . وعليه فأن هناك فروقاً بين الأعتبارات الشرعية والإعتبارات الفلكية فى عدة أمور : 1- أن الشهر يبتدئ عند الفلكيين قبل البدء بالإعتبار الشرعى ، ونتيجة لذلك فهو ينتهى قبل . 2- أن الشهر مقدر بوحدة زمنية ثابتة عند الفلكيين تختلف عن مدته بالإعتبار الشرعى كما هو مبين آنفاً . 3- أن الشهر يبتدئ بإعتبار الشرع بطريق الحس ، والمشاهدة بالعين الباصرة ، أو بالإكمال بخروج الهلال حقيقة ، أما بإعتبار الفلكيين فهو : يتقدير خروجه لا بخروجه فعلاً . 4- عند الفلكيين : لا ففرق بين أن يتم الإقتران والإنفصال ليلاً أو نهاراً ، فلو حصل الإقتران والإنفصال قبيل الفجر فاليوم عندهم هو بعد الفجر مباشرة ، ولو حصل أثناء النهار فإن الشهر يبتدئ فى اللحظة التالية له ، أما بإعتبار الشرع : فالمعتبر الرؤية بعد الغروب ، فلو رؤى نهاراً بعد الزوال فهو لليلة المقبلة ، ولا يصام ذلك النهار الذى رؤى فيه ، وهذا بلا نزاع بين أهل العلم ) أ هـ . من ” فقه النوازل ” (2/174 ) .
الثانية : أنه يجب التفريق بين أمرين متباينين : أحدهما : الخلاف الفقهى السائغ بين العلماء فى قضية إختلاف المطالع ، وثانيهما : عدم جواز الأعتماد على الحساب الفلكى فى تحديد بداية الشهر وإنتهائه لأن الخلاف فيها غير سائغ لشذوذه عن الإجماع، والعلماء مع إختلافهم فى قضية إختلاف المطالع متفقون على أن سبيل تحديد بداية الشهر ونهايته هو الرؤية الشرعية لا الحساب الفلكى ، ولقد رأينا من يخلط بين الأمرين ، ويستدل بكلام العلماء فى القضية الأولى على القضية الثانية فلزم التنبيه .
الثالثة : وهى نصيحة لمن يخالف المفتى الرسمى فى بلده إذا ثبت أنه يعتمد على الحساب الفلكى : أن لا يستعلن بالمخالفة لعموم المسلمين فى بلده بل يستسر بالمخالفة ، ويعمل بالرؤية الشرعية فى خاصة نفسه ، ولا يدعو بلسان الحال أو المقال الملاء إليها ، سداً لذريعة التهارج بين المسلمين ، ودرءاً للفتن ، وجمعاً للكلمة ، وتفويتاً لمقاصد العلمانيين والمنافقين من أعداء الدين الذين يعتلون الموجة لتشكيك الناس فى دينهم ، ومحاولة النيل من قدسية الصيام فى نفوس العامة ، وقانا الله وسائر المسلمين شرهم .