2328 الى 2331 – فتح الودود في تحضير سنن أبي داود:
مشاركة: أحمد بن علي وأحمد بن خالد وأسامة الحميري وعدنان البلوشي
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
سنن أبي داود:
بَابٌ فِي التَّقَدُّمِ
2328 – حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَسَعِيدٍ الْجُرَيْرِيِّ، عَنْ أَبِي الْعَلَاءِ، عَنْ مُطَرِّفٍ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِرَجُلٍ: «هَلْ صُمْتَ مِنْ شَهْرِ شَعْبَانَ شَيْئًا؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «فَإِذَا أَفْطَرْتَ فَصُمْ يَوْمًا»، وَقَالَ: أَحَدُهُمَا يَوْمَيْنِ
2329 – حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْعَلَاءِ الزُّبَيْدِيُّ، مِنْ كِتَابِهِ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِي الْأَزْهَرِ الْمُغِيرَةِ بْنِ فَرْوَةَ، قَالَ: قَامَ مُعَاوِيَةُ فِي النَّاسِ بِدَيْرِ مِسْحَلٍ الَّذِي عَلَى بَابِ حِمْصَ، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا قَدْ رَأَيْنَا الْهِلَالَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، وَأَنَا مُتَقَدِّمٌ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَفْعَلَهُ فَلْيَفْعَلْهُ، قَالَ: فَقَامَ إِلَيْهِ مَالِكُ بْنُ هُبَيْرَةَ السَّبَئِيُّ، فَقَالَ: يَا مُعَاوِيَةُ، أَشَيْءٌ سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَمْ شَيْءٌ مِنْ رَأْيِكَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «صُومُوا الشَّهْرَ وَسِرَّهُ»،
[حكم الألباني] : ضعيف
2330 – حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدِّمَشْقِيُّ، فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ: قَالَ الْوَلِيدُ سَمِعْتُ أَبَا عَمْرٍو يَعْنِي الْأَوْزَاعِيَّ، يَقُولُ: سِرُّهُ أَوَّلُهُ،
[حكم الألباني] : شاذ مقطوع
2331 – حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ، حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ، قَالَ: كَانَ سَعِيدٌ يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، يَقُولُ: سِرُّهُ أَوَّلُهُ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: ” وَقَالَ بَعْضُهُمْ: سِرُّهُ وَسَطُهُ، وَقَالُوا: آخِرُهُ ”
[حكم الألباني] : شاذ
——
تخريج حديث عمران أخرجه البخاري ومسلم
قال ابن رجب:
المجلس الثالث في صيام آخر شعبان
ثبت في الصحيحين عن عمران بن حُصين: أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال لرجل: “هل صُمْتَ من سَرَرِ هذا الشهرِ شيئًا؟ قال: لا، قال: فإذا أفطرْتَ فَصُمْ يومين”. وفي رواية للبخاري: أظنه يعني رمضانَ. وفي رواية لمسلم، وعلَّقَها البخاري: “هَلْ صُمْتَ مِن سَرَرِ شعبانَ شيئًا؟ “. وفي رواية: “فإذا أفطرْتَ مِن رمضانَ فصُمْ يومين مكانَه”. وفي روايةٍ: يومًا أو يومين، شَكَّ شعبةُ.
ورُوي “من سِرَار هذا الشهرِ”.
انتهى من لطائف المعارف
حديث معاوية :
قال ابن الجوزي -رحمه الله-:
أنبأنا محمد بن ناصر قال…، عن مكحول أنَّ معاوية كان إذا حضر شهر رمضان قال: «أما هلال شعبان يوم كذا وكذا، ونحن متقدمون، فمن أحب أنْ يتقدَّم فعل»، ثم قال معاوية: «هكذا كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا حضر رمضان قال كما قلتُ».
(و) هذا حديث لا يصح عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ومكحول لم يسمع معاوية، وما صح أنَّه سمع من صحابي سوى ثلاثة: أنس وواثلة وأبو ثعلبة الخشني، وأما خالد بن يزيد فقال أحمد: ليس بشيء، وقال النسائي: ليس بثقة.
وفي الصحيح: «لا تقدَّموا الشهر بيوم أو يومين».
العلل المتناهية (2/ 529-530)
الشرح :
قال ابن رجب :
وقد اختُلِفَ في تفسير السّرار، والمشهور أنَّه آخِرُ الشَّهرِ؛ يقال: سِرارُ الشهرِ وسرارُه، بكسر السين وفتحها، ذكره ابنُ السكيت وغيرُه. وقيل: إن الفتح أفصَحُ، قالَه الفراء. وسُمي آخرُ الشهرِ سِرارًا لاسْتِسْرارِ القمر فيه. وممن فسَّرَ السِّرارَ بآخرِ الشهرِ أبو عبيد وغيرُه من الأئمة. وكذلك بَوَّبَ عليه البخاريُّ صيامَ آخر الشهر، وأشكلَ هذا على كثيرٍ من العلماء؛ فإنَّ في “الصحيحين” أيضًا، عن أبي هريرةَ رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: “لا تَقدَّموا رمضانَ بيومٍ أو يومين، إلَّا مَنْ كان يَصُومُ صومًا فليصُمْهُ”.
فقال كثيرٌ من العلماء، كأبي عبيد، ومَن تابعَهُ، كالخطَّابي، وأكثرُ شُرَّاحِ الحديثِ: إن هذا الرجلَ الذي سأله النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلَمُ أن له عادةً بصيامِهِ، أو كان قد نذَرَهُ، فلذلك أمرَهُ بقضائِهِ. وقالت طائفة: حديثُ عِمرانَ يَدُلُّ على أنه يجوزُ صيامُ يومِ الشكِّ وآخِرِ شعبانَ مطلقًا، سواء وافقَ عادةً أو لم يوافق. وإنما يُنهَى عنه إذا صامَهُ بنيَّةِ الرَّمضَانيةِ احْتياطًا، وهذا مذهبُ مالك، وذَكَرَ أنَّه القولُ الذي أدرَكَ عليه أهلَ العلم…..
فصيامُ آخِر شعبانَ له ثلاثةُ أحوال:
أحدها: أنْ يَصومَه بِنيَّة الرمضانيَّةِ احتياطًا لرمضانَ، فهذا منهيٌّ عنه، وقد فعَلَه بعضُ الصحابة، وكأنَّهم لم يبلغهم النهيُ عنه؛ وفرَّق ابنُ عمرَ بينَ يوم الغيمِ والصَّحْوِ في يوم الثلاثين من شعبانَ، وتبعه الإمامُ أحمد.
والثاني: أن يُصامَ بنيَّةِ النذر أو قضاءٍ عن رمضانَ أو عن كفَّارةٍ ونحو ذلك، فجوزَه الجمهورُ. ونهى عنه مَن أمَرَ بالفصل بين شعبانَ ورمضانَ بفطر يومٍ مُطلقًا، وهم طائفةٌ من السَّلفِ. وحُكي كراهتُهُ أيضًا عن أبي حنيفة والشافعي، وفيه نظرٌ.
والثالث: أن يُصامَ بنيَّةِ التطوُّعِ المطلَقِ، فكرِهَهُ مَن أمَرَ بالفَصْلِ بين شعبانَ ورمضانَ بالفِطر؛ منهم الحسنُ، وإن وافقَ صومًا كان يصومُه، ورخَّص فيه مالكٌ ومَن وافَقَه، وفَرَّق الشافعيُّ والأوزاعيُّ وأحمدُ وغيرُهم بينَ أن يُوافِقَ عادةً أولا، وكذلك يُفرَقُ بينَ مَن تقدَّم صيامُه بأكثَرَ مِن يومين ووَصَلَه برمضانَ، فلا يُكرَه أيضًا إلَّا عندَ من كَرهَ الابتداءَ بالتطوُّع بالصِّيامٍ بعدَ نصف شعبانَ؛ فإنَّه ينهَى عنه إلَّا أن يبتدئَ الصيامَ قبلَ النصفِ ثم يَصِلَه برمضان.
وفي الجملة فحديثُ أبي هريرةَ هو المعمولُ به في هذا الباب عندَ كثيرٍ من العلماء وأنه يُكره التقدُّمُ قبلَ رمضانَ بالتطوُّعِ بالصيامِ بيوم أو يومين لمن ليس له به عادةٌ، ولا سَبَقَ منه صيامٌ قبلَ ذلك في شعبانَ متصلًا بآخِرِه. ولكراهة التقدُّم ثلاثةُ معانٍ:
أحدها: أنَّه على وجهِ الاحتياطِ لرمضانَ، فيُنهَى عن التقدُّم قبلَه؛ لئلَّا يزادَ في صيام رمضانَ ما ليس منه، كما نُهِي عن صيام يوم العيدِ لهذا المعَنى، حَذَرًا مِمَّا وقَعَ فيه أهَلُ الكتابِ في صيامهم، فزادوا فيه بآرائهم وأَهوائهم. وخرَّجَ الطبرانيُّ وغيرُه عن عائشةَ رضي الله عنها، قالت: إنَّ ناسًا كانوا يتقدَّمون الشهرَ فيصُومونَ قبلَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فأنزلَ الله عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ}. قالت عائشة: إنَّما الصومُ صَومُ النَّاسِ، والفِطْرُ فِطْرُ النَّاسِ.
ومع هذا فكان من السَّلفِ مَنْ يتقدَّمُ للاحتياطِ، والحديثُ حجَّةٌ عليه، ولهذا نُهي عن صيامِ يومِ الشكِّ. قال عمَّار: مَنْ صامَهُ فقد عَصَى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم…. ثم ذكر من قال النهي عن التقدم لتمييز النفل عن الفرض
[لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف ص269 ت السواس]
—
النهي لمن صام آخر شعبان احتياطا :
قال الاتيوبي : قال ابن حجر في الفتح :
ونَقَل أبو داود، عن الأوزاعيّ، وسعيد بن عبد العزيز أن سرره أوله، ونَقَل الخطابيّ عن الأوزاعيّ كالجمهور، وقيل: السَّرَر وسط الشهر، حكاه أبو داود أيضًا، ورجحه بعضهم، ووجَّهَه بأن السرر جمع سُرّةٍ، وسُرّة الشيء وسطه، ويؤيده الندب إلى صيام البيض، وهي وسط الشهر، وأنه لم يَرِد في صيام آخر الشهر ندب، بل ورد فيه نهي خاصّ، وهو آخر شعبان من صامه لأجل رمضان، ورجحه النوويّ بأن مسلمًا أفرد الرواية التي فيها سُرّة هذا الشهر عن بقية الروايات، وأردف بها الروايات التي فيها الْحَضّ على صيام البيض، وهي وسط الشهر، كما تقدّم، قال الحافظ: لكن لم أره في جميع طرق الحديث باللفظ الذي ذكره، وهو سُرّةُ، بل هو عند أحمد من وجهين بلفظ: «سِرَار»، وأخرجه من طُرُق عن سليمان التيميّ، في بعضها سَرَر، وفي بعضها سِرار، وهذا يدلّ على أن المراد آخر الشهر.
[تنبيه]: زاد البخاريّ بعد قوله: «أما صُمتَ سَرَر هذا الشهر؟» ما نضه: قال: أظنّه يعني رمضان، قال في «الفتح»: هذا الظن من أبي النعمان؛ لتصريح البخاريّ في آخره بأن ذلك لم يقع في رواية أبي الصَّلْت، وكان ذلك وقع من أبي النعمان لَمّا حَدَّث به البخاريّ وإلا فقد رواه الْجَوْزقيّ من طريق أحمد بن يوسف السلميّ، عن أبي النعمان بدون ذلك، وهو الصواب، ونَقَل الحميديّ عن البخاريّ أنه قال: إن شعبان أصحّ، وقيل: إن ذلك ثابت في بعض الروايات في «الصحيح»، وقال الخطابيّ: ذكرُ رمضان هنا وَهَمٌ؛ لأن رمضان يتعيّن صوم جميعه، وكذا قال الداوديّ، وابن الجوزيّ، ورواه مسلم أيضًا من طريق ابن أخي مُطَرِّف، عن مُطَرِّف بلفظ: «هل صُمْتَ من سَرَر هذا الشهر شيئًا؟» يعني شعبان، ولم يقع ذلك في رواية هْدبة، ولا عبد الله بن محمد بن أسماء، ولا فِطْر بن حماد، ولا عَفّان، ولا عبد الصمد، ولا غيرهم عند أحمد، ومسلم، والإسماعيليّ، وغيرهم، ولا في باقي الروايات عند مسلم. ….
قال أبو عبد الله البخاريّ: وقال ثابث، عن مطرّف، عن عمران، عن النبيّ ﷺ: «من سَرَرِ شعبان»، وزاد في نسخة الصغانيّ هنا: قال أبو عبد الله: وشعبان أصحّ. انتهى. من البحر المحيط
قال السيوطي -رحمه الله-:
«لا تَقدَّموا الشَّهر بيوم ولا بيومين»إنما نُهي عن فعل ذلك احتياطًا؛ لاحتمال أنْ يكون من رمضان…، وإنما ذكر اليومين؛ لأنه قد يحصل الشك في يومين بحصول الغَيْمِ، أو الظُّلْمَةِ في شهرين أو ثلاثة، فلذلك عقَّب ذِكْر اليوم باليومين.
والحكمة في النَّهي: أنْ لا يختلط صوم الفرض بصوم نَفْلٍ قبله، ولا بعده؛ حذرًا ممَّا صنعت النصارى في الزيادة على ما افتُرض عليهم برأيهم الفاسد.
قوت المغتذي على جامع الترمذي (1/ 256)
قال أبو العباس القرطبي -رحمه الله-:
وقوله: «لا تَقَدَّموا رمضان بصومِ يومٍ ولا يومين» هذا النهي لما يُخَافُ من الزيادة في شهر رمضان، وهو مِن أدِلَّة مالك على قوله بسدِّ الذرائع، لا سيما وقد وقع لأهل الكتابَيْنِ من الزيادة في أيام الصوم غَلَطٌ، حتى أنهوا ذلك إلى ستين يومًا، كما هو المنقول عنهم، وقد وسّعَ في المنع في الحديث الذي خرَّجه الترمذي عن أبي هريرة وصحَّحه، فقال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا بقي نصفٌ من شعبان، فأمسكوا عن الصوم، حتى يأتي رمضان».
ومَحمَلُ هذا النهي: ما يُخَافُ من الزيادة في رمضان، فإنْ أَمِنَ ذلك جاز، بدليل قوله: «إلا رجلٌ كان يصوم صومًا فلْيَصُمْهُ»، وبدليل ما قالت عائشة -رضي الله عنها-: «كان -صلى الله عليه وسلم- يصوم شعبان كله»، «كان يصوم شعبان إلا قليلاً»…، وفي هذا الحديث ما يدل على أنَّ صوم يوم الشك جائز، وقد اختُلف في ذلك.
المفهم (3/ 146-147)
قال الطيبي -رحمه الله-:
إنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- أَمَرَ بالصوم، وقيَّدَهُ بالرؤية، فهو كالعِلَّةِ للحُكْم، فمَن تقدَّمه بصوم بيوم أو يومين فقد حاول الطعن في العلة، وَتَقَدَّمَ بين يدَي الله ورسوله في الحُكْم، وإليه الإشارة بقوله: «مَن صام اليوم الذي يُشَكُّ فيه فقد عصى أبا القاسم»، ومَن أتى بالقضاء والنَّذْرِ والْوِرْدِ أَمِنَ من ذلك، وقد نهى الله تعالى عن التَّقَدُّم على ما يَحْكُمُهُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في قوله تعالى: {لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ}الحجرات: 1.
الكاشف عن حقائق السنن (5/ 1581)
قال القسطلاني -رحمه الله-:
قوله: «بصومِ يومٍ أو يومين» أي: بنية الرمضانية احتياطًا؛ ولكراهة التقدُّم معان:
أحدها: خوفًا من أنْ يُزاد في رمضان ما ليس منه، كما نُهي عن صيام يوم العيد لذلك؛ حذرًا مما وقع فيه أهل الكتاب في صيامهم، فزادوا فيه بآرائهم وأهوائهم، وخرَّج الطبراني عن عائشة: أنَّ ناسًا كانوا يتقدَّمون الشهر، فيصومون قبل النبي -صلَّى اللَّه عليه وسلَّم-، فأنزل الله تعالى: {يَا أيُّهَا الذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} الحجرات: 1؛ ولهذا نُهي عن صوم يوم الشك.
والمعنى الثاني: الفصل بين صيام الفرض والنفل، فإنَّ جنس الفصل بين الفرائض والنوافل مشروع؛ ولذا حرم صيام يوم العيد، ونهى رسول الله -صلَّى اللَّه عليه وسلَّم- أنْ تُوصَلَ صلاةٌ مفروضة بصلاة، حتى يفصل بينهما بسلام أو كلام، خصوصًا سُنَّة الفجر، وفي المسند أنه -صلَّى اللَّه عليه وسلَّم- فَعَلَهُ، وهذا فيه نظر؛ لأنه يجوز لمن له عادة.
والمعنى الثالث: أنه للتقوِّي على صيام رمضان؛ فإنَّ مُواصَلَة الصيام تُضْعِف عن صيام الفرض، فإذا حصل الفطر قبله بيوم أو يومين كان أقرب إلى التقوِّي على صيام رمضان، وفيه نظر؛ لأن معنى الحديث أنَّه لو تقدَّمه بصيام ثلاثة أيام فصاعدًا جاز.
المعنى الرابع: أنَّ الحُكْم عُلِّق بالرؤية، فمن تقدَّمه بيوم أو يومين فقد حاول الطعن في ذلك الحُكْم.
إرشاد الساري (3/ 360)
قال الصنعاني -رحمه الله-:
قوله (أي: الترمذي): “لمعنى رمضان” تقييد للنهي بأنه مشروط بكون الصوم احتياطًا، لا لو كان الصوم صومًا مطلقًا، كالنَّفْلِ المطلق والنذر، ونحوه.
قلتُ: ولا يخفى أنه بعد هذا التقييد يلزم منه جواز تَقَدُّم رمضان بأيِّ صوم كان، وهو خلاف ظاهر النهي، فإنه عام لم يَسْتَثْنِ منه إلا صوم مَن اعتاد صوم أيام معلومة، ووافق ذلك آخر يوم من شعبان، ولو أراد -صلى الله عليه وسلم- الصوم المقيد بما ذُكِر لقال: إلا مُتَنَفِّلًا، أو نحو هذا اللفظ.
وإنما نُهي عن تقدُّم رمضان؛ لأن الشارع قد علَّق الدخول في صوم رمضان برؤية هلاله، فالمتقدِّم عليه مُخالِفٌ للنَّص أمرًا ونهيًا.
وفيه: إبطال لما يفعله الباطِنِيَّة مِن تَقَدُّم الصوم بيوم أو يومين قبل رؤية هلال رمضان، وزعمهم أنَّ اللام في قوله: «صوموا لرؤيته» في معنى مُسْتَقْبِلِين لها؛ وذلك لأن الحديث يُفيد أنَّ اللام لا يصح حملها على هذا المعنى، وإنْ وردت له في مواضع.
وذهب بعض العلماء إلى أنَّ النهي عن الصوم مِن بَعْدِ النصف الأول من يوم سادس عشر من شعبان؛ لحديث أبي هريرة مرفوعًا: «إذا انتصف شعبان فلا تصوموا» أخرجه أصحاب السُّنن وغيرهم، وقيل: إنه يُكْرَهُ بعد الانتصاف، ويحْرُم قبل رمضان بيوم أو يومين، وقال آخرون: يجوز مِن بعد انتصافه، ويحرم قَبْلَه بيوم أو يومين، أما جواز الأول فلأنه الأصل، وحديث أبي هريرة ضعيف، قال أحمد وابن مَعِين: إنه منكر، وأما تحريم الثاني فلِحَديث الكتاب، وهو قولٌ حَسَنٌ.
سبل السلام (1/ 556-557)
—-
قال الاتيوبي بعد أن ذكر الخلاف : كون الرجل هذه عادته – هو أقرب الأجوبة، وحاصله أن ذلك الرجل كان معتادًا صيام آخر شعبان، فلما سمع نهي النبيّ ﷺ عن تقدّم رمضان بصوم يوم أو يومين ترك عادته؛ لكونه لم يسمع الاستثناء، فساله النبيّ ﷺ عن ذلك، فقال: لم أصم، فأمره بقضاء ما تركه؛ محافظة على ما اعتاده، فتفطّن، والله تعالى أعلم بالصواب.
—–
قال الحموي -رحمه الله-:
الدَّيْر: بيت يَتعبَّد فيه الرهبان، ولا يكاد يكون في المِصْرَ الأعظم، إنما يكون في الصحاري ورؤوس الجبال، فإنْ كان في المصْر كانت كنيسة أو بِيْعَةً، وربما فُرِّق بينهما: فجعلوا الكنيسة لليهود، والبِيْعَةَ للنصارى.
معجم البلدان (2/ 495)
ومِسْحَل: اسم رجل قد بنى الدَّير، وكان له عليه ولاية.
المنهل العذب المورود، لموسى شاهين (10/ 48)
قال المناوي -رحمه الله-: (سِرّه)
أي: آخره، كما صوَّبه الخطابي وغيره، وجرى عليه النووي.
فيض القدير(4/ 213)
قال السندي -رحمه الله-:
قوله: «صوموا الشهر وسِرَّه» يحتمل أنَّ المراد بالشهر: رمضان، وسِرَّهُ: أي آخره؛ لتأكيد الاستيعاب، أو المراد بآخره: آخر شعبان، وإضافته إلى رمضان للاتصال، أي: لآخره المتصل به، والخطاب لمن يَعتاد، أو لبيان الجواز، والنهي للتنزيه، أو غير ذلك، ويحتمل أن المراد بالشهر: كل شهر، والمراد: صوموا أوَّل كل شهر وآخره، والمقصود بيان الإباحة، وأنه لا حرج في ذلك، والله تعالى أعلم.
فتح الودود (2/ 624-625)
قال السهارنفوري -رحمه الله-:
الظاهر: أنَّ المراد بالشهر شهر شعبان؛ ليطابق الدليل المدَّعَى (يعني: ترجمة أبي داود: باب التقدُّم بالصيام).
«وسِرّه» أي: آخره، وأما التأويلات الأُخَر فلا يطابق بها الجواب السؤال، إلَّا أنْ يُقال: أنْ يكون المراد بالشهر رمضان، و«بِسِرِّه» أي: قَبْله، فعلى التأويل الأول معناه: صوموا شعبان، ثم أكد بقوله: «وسرّه» بأن آخر شعبان أولى بالصيام.
بذل المجهود (8/ 461)
قال أبو داود -رحمه الله-:
حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي في هذا الحديث قال: قال الوليد: سمعت أبا عمرو -يعني الأوزاعي- يقول: سِرُّهُ: أوَّلُهُ. .
وقال الخطابي -رحمه الله- مُتعقِّبًا:
قلتُ: أنا أنكر هذا التفسير، وأراه غلطًا في النقل، ولا أعرف له وجهًا في اللغة، والصحيح أنَّ سرَّه: آخره، هكذا حدثناه أصحابنا عن إسحاق بن إبراهيم بن إسماعيل، حدثنا محمود بن خالد الدمشقي عن الوليد عن الأوزاعي، قال: سِره آخره، وهذا هو الصواب…؛ ولذا كان أول الشهر مأمورًا بصيامه في قوله: «صوموا الشهر»، فقد عُلِم أنَّ الأمر بصيام سره غير أوله.
معالم السنن (2/ 97)
قال الشيخ عبد المحسن العباد -حفظه الله-:
قول معاوية -رضي الله عنه-: «صوموا الشهر وسِرَّه» أي: أول الشهر وآخره، لكن كما هو معلوم أنَّ النهي قد جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في التقدُّم، وهذا فيه التجويز، وقد جاء في بعض الروايات أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قال في بعض الأحاديث لرجل: « صُمْتَ؟ من سَرَرِ الشهر؟ قال: لا، قال: صم من شوال»، ويكون ذلك -كما أسلفنا- محمولًا على ما إذا كان من عادته، ثم تركه خشية أنه لا يجوز.
وحديث معاوية -رضي الله عنه- هذا ذكر الألباني أنَّه ذكره في ضعيف سنن أبي داود، ولكنه ذكر في صحيح الجامع أنَّه حَسَن، وعزاه إلى صحيح سنن أبي داود، وذكر أنه صحيح، ففيه تناقُض بين ما جاء في ضعيف السنن الموجود بأيدينا وبين ما في صحيح الجامع، وإحالته إلى صحيح أبي داود، ولعله يقصد بصحيح أبي داود المؤلف الكبير الذي فيه استيفاء التخريج والطرق والشواهد، وهو بخلاف هذه الطبعة الموجودة التي ليس فيها إلا مجرد الإشارة إلى أنَّ هذا صحيح أو ضعيف.
فإنْ كان ضعيفًا فلا إشكال، ولا يعارِض ما تقدَّم، وإنْ كان صحيحًا فهو مثل ما جاء في قصة الرجل الذي قال: «صمتَ من سرر شعبان؟ قال: لا، قال: فإذا أفطرت رمضان فصم يومين»، ويكون ذلك محمولًا على من كان له عادة، وهذا حتى يتفق مع الأحاديث التي فيها النهي عن التقدُّم.
ثم أيضًا: لو لم يكن هناك هذا فإن الاحتياط هو عدم الصيام؛ لأن الأخذ بالنهي أولى من الأخذ بالرخصة والإذن، فالإنسان إذا لم يصم أكثر ما في الأمر أنه تَرَكَ سُنة، ولم يترك واجبًا، فلا يلحقه إثم، ولكنه إذا صام وقد جاء النهي فإنه يكون متعرضًا للإثم، فعلى الإنسان ألا يتعرض للإثم في سبيل أن يفعل شيئًا هو سُنة، وقد جاء عن عمار أنه قال: «مَن صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم -صلى الله عليه وسلم-» يعني: في قوله: «لا تتقدموا رمضان بيوم أو يومين».
شرح سنن أبي داود (ص: 2)
قال الاتيوبي :
في فوائده:
١ – (منها): بيان استحباب صوم آخر شعبان من كان معتادًا له، وأن النهي الوارد في ذلك لا يتناوله، كما صحّ الاستثناء في غير هذا الحديث.
٢ – (ومنها): بيان مشروعية قضاء التطوّع، قال في «الفتح»: وقد يؤخذ منه قضاء الفرض بطريق الأولى؛ خلافا من منع ذلك. انتهى.
٣ – (ومنها): ما قال القرطبي رحمه الله: في هذا الحديث إشارة إلى فضيلة الصوم في شعبان، وأن صوم يوم منه يعدل صوم يومين في غيره؛ أخذًا من قوله في الحديث: «فصم يومين مكانه» يعني مكان اليوم الذي فوّته من صيام شعبان. انتهى.
قال الحافظ: وهذا لا يتم إلا إن كانت عادة المخاطب بذلك أن يصوم من شعبان يومًا واحدًا، وإلا فقوله: «هل صمت من سَرَر هذا الشهر شيئًا؟» أعم من أن يكون عادته صيام يوم منه، أو أكثر، نعم وقع في «سنن أبي مسلم الكجيّ»: «فصم مكان ذلك اليوم يومين». انتهى.
٤ – (ومنها): ما قال القرطبي رحمه الله أيضًا: قوله: «فصم يومين مكانه»؛ هذا منه ﷺ حَمْلٌ على ملازمة عادة الخير حتى لا تقطع، وحَضٌّ على أن لا يمضي على المكلَّف مثل شعبان فلم يصم منه شيئًا، فلما فاته صومه، أمره أن يصوم من شوال يومين ليحصل له أجر من الجنس الذي فوَّته على نفسه.
قال: ويظهر لي: أنه إنما أمره بصوم يومين؛ للمزية التي يختص بها شعبان، فلا بُعْد في أن يقال: إن صوم يوم منه كصوم يومين في غيره، ويشهد لهذا: أنه ﷺ كان يصوم منه أكثر مما كان يصوم من غيره؛ اغتنامًا لمزية فضيلته. انتهى
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج ٢١/٤٩٦-٥٠٢