2325 ، 2326 ، 2327 – فتح الودود في تحضير سنن أبي داود:
مشاركة: أحمد بن علي وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وأسامة الحميري وعدنان البلوشي وأحمد البخاري
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
سنن أبي داود:
بَابٌ إِذَا أُغْمِيَ الشَّهْرُ
2325 – حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَيْسٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ رضي الله عنها تَقُولُ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَتَحَفَّظُ مِنْ شَعْبَانَ مَا لَا يَتَحَفَّظُ مِنْ غَيْرِهِ، ثُمَّ يَصُومُ لِرُؤْيَةِ رَمَضَانَ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْهِ عَدَّ ثَلَاثِينَ يَوْمًا ثُمَّ صَامَ»
[حكم الألباني] : صحيح
2326 – حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ الْبَزَّازُ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الضَّبِّيُّ، عَنْ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا تُقَدِّمُوا الشَّهْرَ حَتَّى تَرَوُا الْهِلَالَ، أَوْ تُكْمِلُوا الْعِدَّةَ، ثُمَّ صُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلَالَ، أَوْ تُكْمِلُوا الْعِدَّةَ»، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَرَوَاهُ سُفْيَانُ، وَغَيْرُهُ عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يُسَمِّ حُذَيْفَةَ
[حكم الألباني] : صحيح
بَابُ مَنْ قَالَ: فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَصُومُوا ثَلَاثِينَ
2327 – حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ، عَنْ زَائِدَةَ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا تُقَدِّمُوا الشَّهْرَ بِصِيَامِ يَوْمٍ، وَلَا يَوْمَيْنِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ يَصُومُهُ أَحَدُكُمْ، وَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ، ثُمَّ صُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ حَالَ دُونَهُ غَمَامَةٌ، فَأَتِمُّوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ، ثُمَّ أَفْطِرُوا وَالشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ»، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: رَوَاهُ حَاتِمُ بْنُ أَبِي صَغِيرَةَ، وَشُعْبَةُ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ سِمَاكٍ بِمَعْنَاهُ لَمْ يَقُولُوا: «ثُمَّ أَفْطِرُوا»، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «وَهُوَ حَاتِمُ بْنُ مُسْلِمٍ ابْنُ أَبِي صَغِيرَةَ، وَأَبُو صَغِيرَةَ زَوْجُ أُمِّهِ»
[حكم الألباني] : صحيح
——
قال ابن بطال:
ذهب كافة الفقهاء إلى أن معنى قوله عليه السلام: (فاقدروا له) ، مجمل يفسره قوله: (فأكملوا العدة ثلاثين يومًا) ، ولذلك جعل مالك فى الموطأ (فأكملوا العدة ثلاثين يومًا) ، بعد قوله: (فاقدروا له) ، كما صنع البخارى، لأنه مفسر ومبين لمعنى قوله: (فاقدروا له) ، وحكى محمد بن سيرين أن بعض التابعين كان يذهب فى معنى قوله عليه السلام: (فاقدروا له) ، إلى اعتباره بالنجوم، ومنازل القمر، وطريق الحساب، ويقال: إنه مطرف بن الشخير. وقوله عليه السلام: (فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين يومًا) ، نص فى أنه عليه السلام لم يرد اعتبار ذلك بالنجوم والمنازل، لأنه لو كلف ذلك أمته لشق عليهم، لأنه لا يعرف النجوم والمنازل إلا قليل من الناس، ولم يجعل الله تعالى فى الدين من حرج، وإنما أحال عليه السلام على إكمال ثلاثين يومًا، وهو شىء يستوى فى معرفته الكل، وقد انضاف إلى أمره باعتبار العدد ثلاثين عند عدم الرؤية فعله فى نفسه. فروى عن عائشة أنها قالت: (كان رسول الله يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من سائر الشهور، فإذا رأى هلال رمضان صام، وإن غم عليه عد شعبان ثلاثين يومًا وصام) ، ولو كن هاهنا علم آخر لكان يفعله أو يأمر به.
وجمهور الفقهاء على أنه لا يصام رمضان إلا بيقين من خروج شعبان، إما برؤية الهلال أو إكمال شعبان ثلاثين يومًا، وكذلك لا يقضى بخروج رمضان إلا بيقين مثله، لأنه ممكن فى الشهر أن يكون تسعة وعشرين يومًا، فالرؤية تصحح ذلك وتوجب اليقين كإكمال العدة ثلاثين يقينًا، هذا معنى قوله: (فاقدروا له) ، عند العلماء، ولابن عمر فيه تأويل شاذ لم يتابع عليه وسنذكره فى باب نهى النبى عن صيام يوم الشك، إن شاء الله. وقال الطبرى: أما حديث ابن عمر أن النبى، عليه السلام، قال: (الشهر تسع وعشرون ليلة) ، فإن معناه: الشهر الذى نحن فيه والذى قد علمتم إخبارى عنه، لأن الألف واللام إنما تدخلهما العرب فى الأسماء إما لمعهود قد عرفه المخبر والمخبر، وإما للجنس العام من المشهور ومعلوم أن النبى، عليه السلام، لم يقصد بذلك الخبر عن الجنس، لأنه لو كان كذلك لم يقل: (صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته) ، فأحال على الرؤية، ونحن نرى الشهر يكون مرة ثلاثين ومرة تسعة وعشرين فعلم أن قوله: (الشهر تسع وعشرون) ، أن ذلك قد يكون فى بعض الأحوال، وقد جاء هذا عن ابن عمر، عن النبى، عليه السلام، بينا فى قوله: (إنا أمة مية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا، وهكذا يعنى: مرة تسعًا وعشرين، ومرة ثلاثين) . وروى عن عروة، عن عائشة نها أنكرت قول من قال أن النبى، عليه السلام، قال: (الشهر تسع وعشرون) ، وقالت لا والله ما قال كذلك، إنما قال حين هجرنا: لأهجرنكم شهرًا، وأقسم على ذلك، فجاءنا حين ذهب تسع وعشرون ليلة، فقلت: يا رسول الله إنك أقسمت شهرًا فقال: (إن الشهر كان تسعًا وعشرين ليلة) .
[شرح صحيح البخاري لابن بطال 4/ 27]
قال ابن الجوزي:
” فَإِن غم عَلَيْكُم فاقدروا لَهُ “. غم بِمَعْنى ستر بغيم أَو غَيره. وللعلماء فِي معنى ” فاقدروا لَهُ ” قَولَانِ: أَحدهمَا: قدرُوا لَهُ شعْبَان ثَلَاثِينَ يَوْمًا، وَهَذَا مَذْهَب الْجُمْهُور، …. ويوضح هَذَا حَدِيث ابْن عَبَّاس وَأبي هُرَيْرَة كِلَاهُمَا عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم أَنه قَالَ: ” فَإِن غم عَلَيْكُم فعدوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا ثمَّ صُومُوا “.
وَالْقَوْل الثَّانِي: ضيفوا لَهُ عددا يطلع فِي مثله، وَذَلِكَ باحتساب شعْبَان تسعا وَعشْرين، وعَلى هَذَا مَا يذهب إِلَيْهِ أَصْحَابنَا. وَقد اخْتلف الْعلمَاء فِيمَا إِذا حَال دون مطلع الْهلَال غيم أَو قتر فِي لَيْلَة الثَّلَاثِينَ. وَعَن أَحْمد ثَلَاث رِوَايَات: إِحْدَاهُنَّ: يلْزم الصَّوْم، وَهُوَ مَرْوِيّ عَن ابْن عمر وَأنس وَعَائِشَة وَأَسْمَاء. وَالرِّوَايَة الثَّانِيَة: لَا يجوز صَوْمه من رَمَضَان وَلَا نفلا، إِلَّا أَن يكون نفلا يُوَافق عَادَة، وَيجوز صَوْمه قَضَاء وَكَفَّارَة ونذرا، وَهَذَا قَول الشَّافِعِي. وَالرِّوَايَة الثَّالِثَة: أَن الْمرجع إِلَى رَأْي الإِمَام فِي الصَّوْم وَالْفطر، وَهُوَ قَول الْحسن وَابْن سِيرِين. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَمَالك: لَا يجوز صَوْمه من رَمَضَان، وَيجوز صِيَامه مَا سوى ذَلِك. وَالرِّوَايَة الأولى هِيَ المنصورة عِنْد أَكثر أَصْحَابنَا، ويستدلون على صِحَة تفسيرهم الحَدِيث بِفعل ابْن عمر؛ فَإِنَّهُ قد روى الجوزقي فِي كِتَابه الْمخْرج على الصَّحِيحَيْنِ هَذَا الحَدِيث، وَقَالَ فِيهِ: فَكَانَ ابْن عمر إِذا كَانَ تسع وَعِشْرُونَ إِن رأى فِي السَّمَاء قترة أَو غمامة اصبح صَائِما. وَمَعْلُوم أَن الصَّحَابَة أعلم بمعاني كَلَام رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَمرَاده، فَوَجَبَ الرُّجُوع إِلَى تَفْسِير ابْن عمر لهَذَا، كَمَا رَجعْنَا إِلَيْهِ فِي خِيَار الْمجْلس؛ فَإِنَّهُ كَانَ يمشي ليلزم البيع. وحملوا قَوْله: ” فاقدروا ثَلَاثِينَ ” على مَا إِذا غم هِلَال شَوَّال، فَإنَّا نقدر ثَلَاثِينَ احْتِيَاطًا للصَّوْم كَمَا قَدرنَا فِي أَوله للصَّوْم.
[كشف المشكل من حديث الصحيحين 2/ 495]
قال ابن رسلان:
(شعبان ما لا يتحفظ من) أي: في (غيره) من الشهور قال الجوهري التحفظ هو التيقظ وقلة الغفلة. أي: كان يستعد في هذا الشهر ويجتهد بكثرة العبادات وتلاوة القرآن والصدقة؛ لأنه شهر يغفل عنه لكونه بين شهرين عظيمين رجب ورمضان، فيشتغل الناس بهما عنه فيصير مغفولًا عنه.
ويدل على هذا ما رواه النسائي من حديث أسامة بن زيد. قلت: يا رسول الله لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصومه من شعبان، قال: “ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان
ويحتمل أن تكون (من) على بابها، ويكون التقدير: كان يحفظ نفسه من تضييع صومه شعبان، ويتحفظ منه ما لا يتحفظ من غيره.
(ثم يصوم لرؤية رمضان) يحتمل أن تكون اللام بمعنى بعد كما تقدم، ويحتمل أن تكون السببية أي: بسبب رؤية الهلال فإن رؤيته سبب موجب لصيام رمضان لرواية عبد الله بن جراد قال: أصبحنا يوم الثلاثين صيامًا، وكان الشهر قد أغمي علينا فأتينا النبي فوجدناه مفطرًا، فقال: “أفطروا إلا أن يكون رجل يصوم [هذا اليوم] فليصم لأنْ أفطر يومًا من رمضان يتمارى فيه أحب إليَّ من أن أصوم يومًا من شعبان ليس منه”. يعني: من رمضان (فإن غم عليه) بضم الغين المعجمة كما تقدم.
(عد) من شعبان (ثلاثين يومًا ثم صام) وهذا يبين الرواية المتقدمة، وإن غم عليكم فاقدروا له…
“لا تتقدموا قبل رمضان بصوم”. ورواية الترمذي : “لا تقدموا شهر رمضان بصيام قبله…
ولو قال شخص أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، وقال له: إن غدًا من رمضان فصمه؟
قلنا: قد حكم النبي صلى الله عليه وسلم في حياته في اليقظة أنه لا يجب إلا برؤية الهلال أو تكميل العدة كما في الحديث، ذكره القاضي حسين وغيره ونقل القاضي عياض الإجماع عليه فلا يصح صومه لصاحب المنام ولا لغير؛ لاختلال المنام لا للشك في الرؤية. (ثم صوموا) أي من رمضان (حتى تروا الهلال) يعني هلال شوال (أو تكملوا العدة) ثلاثين.
[شرح سنن أبي داود لابن رسلان 10/ 278]
تنبيه :
عن عبد الله بن جراد٩، قال: أصبحنا يوم الثلاثين صيامًا، وكان الشهر قد أغمي١٠ علينا، فأتينا النبي ﷺ فأصبناه مفطرًا، فقلنا يا نبي الله، صمنا اليوم، قال: “أفطروا، إلا أن يكون رجل يصوم هذا اليوم فليتم صومه، لأن أفطر يومًا من رمضان يتمارى فيه، أحب إلي من أن أصوم يومًا من شعبان ليس منه»، يعني ليس من رمضان١.
وهذا الحديث كما قال ابن الجوزي: لا أصل له عن رسول الله ﷺ، ولا ذكره أحد من الأئمة الذين جمعوا السنن، وترخصوا في ذكر الأحاديث الضعاف، وإنما هو مذكور في نسخة يعلى بن الأشدق، عن ابن جراد، وهي نسخة موضوعة٢/٣.
وقال أحمد بن عدي الحافظ: روى يعلى بن الأشدق عن عمه عبد الله ابن جراد، عن النبي ﷺ أحاديث كثيرة منكرة، وهو وعمه غير معروفين …وذكر تجريح الأئمة له
تحقيق الرجحان بصوم يوم الشك من رمضان ١/١٣١
تنبيه :
في التبيان في تخريج احاديث بلوغ المرام :
حديث عائشة رواه الطبراني في «الأوسط» كما في «مجمع البحرين» ٣/ ١٠٢ قال حدثنا إبراهيم ثنا أبي ثنا أبو أسامة عن أبي كدينة يحيى بن المهلب عن يحيى بن الحارث التيمي عن حبال بن رفيدة عن مسروق، قال دخلت على عائشة في اليوم الذي يشك فيه من رمضان، فقالت يا جارية خوضي له سويقًا. فقلت: إني صائم فقالت تقدمت الشهر. فقلت لا ولكني صمت شعبان كله فوافق ذلك هذا اليوم فقالت إن ناسًا كانوا يتقدمون الشهر فيصومون قبل النبي ﷺ؛ فأنزل الله ﷿﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات ١]
قال الطبراني عقبه. لم يروه عن أبي كدينة إلا أبو أسامة. اه
قلت في إسناده حبال بن رفيدة مجهول وقد ذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال الذهبي في «الميزان» ١/ ٤٤٨ لا يعرف قال البستي فيه نظر اه.
ولهذا قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٣/ ١٤٨: رواه الطبراني في «الأوسط» وفيه حبان بن رفيدة وهو مجهول اه.
والصواب حبال بن رفيدة أبو ماجد وفيه أيضًا يحيى بن الحارث التيمي لم أظفر به ولم أميزه. انتهى
قال الإتيوبي:
– (إِكْمَالُ شَعْبَانَ ثَلَاِثينَ، إِذَا كَانَ غَيْمٌ، وَذِكْرُ اخْتِلَافِ النَّاقِلِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ،) رضي الله عنه –
قال الجامع – عفا اللَّه تعالى عنه -: وجه الاختلاف الذي أشار إليه المصنّف -رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى- هنا أنه اختلف الراويان على شعبة في لفظ الحديث، فرواه إسماعيل ابن عُليّة، عنه، بلفظ: “فعُدّوا ثلاثين”، وخالفه ورقاء بن عمر اليشكريّ، فرواه بلفظ: “فاقدروا ثلاثين”. وسيأتي تمام البحث في اختلاف اللفظين قريبًا، إن شاء اللَّه تعالى. واللَّه تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: في اختلاف أهل العلم في معنى قوله صلى الله عليه وسلم: “فاقدروا ثلاثين”: اختلفوا في المراد به على مذاهب:
(الأول): مذهب الجمهور، قالوا: معناه قدّروا له تمام العدد ثلاثين يوما، أي انظروا في أول الشهر، واحسبوا تمام ثلاثين يومًا….
(المذهب الثاني): مذهب من قال: إن معنى قوله صلى الله عليه وسلم: “فاقدروا له: ضيّقوا له، وقَدِّرُوه تحت السحاب، ومن قال بهذا أوجب الصيام من الغد ليلة الثلاثين من شعبان إن كان في محلّ الهلال ما يمنع رؤيته، من غيم وغيره….
(المذهب الثالث): مذهب فرقة ثالثة، قالوا: إن معنى الحديث: قَدِّرُوه بحساب المنازل، حكاه النوويّ في “شرح مسلم”…
… وبالغ ابن العربيّ في “العارضة” في إنكاره مقالة ابن سُريج هذه، قال المازريّ عن الجمهور: لا يجوز أن يكون حساب المنجّمين، لأن الناس لو كلّفوا به ضاق عليهم؛ لأنه لا يعرفه إلا الأفراد، والشرع إنما يعرف الناس بما يعرفه جماهيرهم، وحكى ابن العربي عن ابن سريج أن قوله: “فاقدروا” خطاب لمن خصّه اللَّه بهذا العلم، وقوله: “فأكملوا العدّة” خطاب للعامة. قال ابن العربي: فكأن وجوب رمضان جعله مختلف الحال، يجب على قوم بحساب الشمس والقمر، وعلى آخرين بحساب الْجُمَّل، إن هذا لبعيد عن النبلاء، فكيف عن العلماء؟.
وقال ابن الصلاح -رحمه اللَّه تعالى- في “مشكل الوسيط”: معرفة منازل القمر هو معرفة سير الأهلّة، وهو غير المعرفة بالحساب على ما أشعر به كلام الغزاليّ في الدرس، فالحساب أمر دقيق يختصّ بمعرفته الآحاد، والمعرفة بالمنازل كالمحسوس يشترك في ذكره الجمهور، ممن يراقب النجوم انتهى.
قال ولّي الدين: فمعرفة منازل القمر هي التي قال بها ابن سريج، ثم إنه لم يقل بها في حقّ كلّ أحد، وإنما قال بها في حقّ العارف بها، وإنما قال بجوازه له، كذا ذكر الرويانيّ عنه. ونقل الجواز أيضًا عن اختيار القفّال، والقاضي أبي الطيّب الطبريّ. وحكى الشيخ في “المهذّب” عن ابن سُريج لزوم الصوم في هذه الصورة. ثم ذكر وليّ الدين تفاصيل الأوجه في مذهب الشافعيّ في مسألة الحاسب والمنجّم، وبسط الكلام فيه.
وقال ابن دقيق العيد في “شرح العمدة”: وأما ما دلّ الحساب على أن الهلال قد طلع من الأفق على وجه يُرى لولا وجود المانع، كالغيم، فهذا يقتضي الوجوب؛ لوجود السبب الشرعيّ، قال: وليس حقيقة الرؤية تشترط في اللزوم؛ لأنّ الاتفاق على أن المحبوس في الممطورة إذا علم بإكمال العدّة، أو الاجتهاد بالأمارات أن اليوم من رمضان وجب عليه الصوم، وإن لم ير الهلال، ولا أخبره من رآه.
وردّ عليه الحافظ العراقيّ في “شرح الترمذيّ “، فقال: المحبوس في الممطورة معذور، فيجب عليهَ الاجتهاد في دخول الوقت، ويجب عليه العمل بما أدّى إليه اجتهاده، فإن تبيّن خطؤه بيقين أعاد، وحصول الغيم في المطالع أمر معتاد، والسبب الشرعيّ للوجوب إنما هو الرؤية، لا علم ذلك بالحساب؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: “إنا أمة أميّة، لا نحسب، ولا نكتب … ” الحديث انتهى.
قال الجامع – عفا اللَّه تعالى عنه -: فقد أجاد الحافظ العراقيّ في الاعتراض على ما قاله ابن دقيق العيد من الاعتماد على أن الهلال قد طلع، وقد ردّ الصنعاني عليه أيضًا في حاشيته “العدّة” ردّا جميلا، فراجع حاشيته ج 3 ص 328 – 329.
قال الحافظ وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-: وقد ظهر بما بسطناه صحّة مذهب الجمهور في تعليق الحكم بالرؤية، دون غيرها، وبه قال مالك، والشافعيّ، وأبو حنيفة، وجمهور العلماء من السلف والخلف انتهى.
قال الجامع – عفا اللَّه تعالى عنه -: هذا الذي قاله وليّ الدين -رحمه اللَّه تعالى-، من ترجيح مذهب الجمهور في المسألة هو الحق الذي لا مَحِيد عنه؛ للأحاديث الصحيحة التي تدلّ على وجوب الاعتماد على الرؤية، دون غيره من الحساب. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
[ذخيرة العقبى في شرح المجتبى 20/ 293]
في بحث الاستعانة بالحساب الفلكي والمراصد في أهلة الشهور :
تميل الباحثة الى الأخذ بالحساب الفلكي وجوبا في نفي عدم امكانية رؤية الهلال ورد شهادة الشهود لأنه قطعي . والرؤية ظنية محتملة الخطأ
أما في حالة اثبات الشهر فيستأنس بالحساب فاذا دل الحساب على امكانية الروية ولم ير الهلال عمل بالرؤية .
وقررت الباحثة أن علم الحساب بلغ مبلغ من الدقة بحيث يحسبون لعشر سنوات للامام ونسبة الخطأ ضيئلة جدا
وطالبت بارسال قمر صناعي مدعوم بالتلسكوب لأنه في العلو يتخلص من تاثيرات الغبار وغيره .
بينما ابن عثيمين لم يعتبر رؤية الهلال من الأقمار الصناعية رؤية شرعية للارتفاع الكبير عن مستوى الأرض . فقال :
لا يجوز الاعتماد على الأقمار الصناعية في رؤية الهلال؛ وذلك لأن الأقمار الصناعية تكون مرتفعةً عن الأرض التي هي محل ترائي الهلال
انظر «مجموع فتاوى ورسائل العثيمين» (١٩/ ٦٢).
يجوز استعمال المراصد الفلكية لرؤية الهلال كالدربيل وهو المنظار المقرِّب، ولكنه ليس بواجب ، فلو رأى الهلال عبرها من يُوثَقُ به فإنه يُعمل بهذه الرؤية، وهو اختيار ابن باز ، وابن عثيمين ، وبه صدر قرار هيئة كبار العلماء، وهو قرار مجمع الفقه الإسلامي
قال ابن باز: (أما الآلات فظاهر الأدلة الشرعية عدم تكليف الناس بالتماس الهلال بها، بل تكفي رؤية العين، ولكن من طالع الهلال بها وجزم بأنه رآه بواسطتها بعد غروب الشمس وهو مسلمٌ عدل، فلا أعلم مانعًا من العمل برؤيته الهلال؛ لأنها من رؤية العين لا من الحساب) «مجموع فتاوى ابن باز» (١٥/ ٦٩).
قال ابن عثيمين: (ولا بأس أن نتوصل إلى رؤية الهلال بالمنظار، أو المراصد» «مجموع فتاوى ورسائل العثيمين» (١٩/ ٦٢). وقال ابن عثيمين أيضًا: (وقد كان الناس قديمًا يستعملون ذلك لما كانوا يصعدون المنائر في ليلة الثلاثين من شعبان، أو ليلة الثلاثين من رمضان فيتراءونه بواسطة هذا المنظار) «مجموع فتاوى ورسائل العثيمين» (١٩/ ٣٦).
و انظر قرار هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية رقم ١٠٨ بتاريخ ١٢/ ١١/١٤٠٣ بشأن إنشاء مراصد يُستعان بها عند رؤية الهلال.وانظر من قرارات مجمع الفقه الإسلامي الدولي في دورته الثانية التي عقدت في جدة عام (١٩٨٥م) ودورته الثالثة التي عقدت في عمّان عام (١٩٨٦م) «موقع مجمع الفقه الإسلامي الدولي».
في ثمرات التدوين: (مسألة (٢٥١)، (١٨/ ٨/ ١٤١٧ هـ) سألت شيخنا رحمه الله: هل يعمل بحساب المراصد الفلكية في إثبات الهلال؟ فأجاب: الذي نرى أن يعمل به في النفي لا في الإثبات. ومعنى ذلك: أنه لو قال شخص أنه رأى الهلال، والمراصد تقول إن الهلال لا يمكن أن يولد هذه الليلة في هذا المكان، فإنا نعمل بنفي المرصد
وقد أجمع أهل العلم على عدم الاعتماد على الحساب ، وممن نقل الإجماع الجصاص ، وابن رشد ، والقرطبي وابن تيمية واعتبر بعضهم خلاف بعض التابعين وابن سريج شاذ
تعليق إثبات الشهر القمري بالرؤية يتفق مع مقاصد الشريعة السمحة؛ لأن رؤية الهلال أمرها عام يتيسر لأكثر الناس من العامة والخاصة في الصحاري والبنيان، بخلاف ما لو علق الحكم بالحساب فإنه يحصل به الحرج ويتنافى مع مقاصد الشريعة؛ لأن أغلب الأمة لا يعرف الحساب، ودعوى زوال وصف الأمية بعلم النجوم عن الأمة غير مسلَّم.
قال الجصاص: (فالقائل باعتبار منازل القمر وحساب المنجمين خارجٌ عن حكم الشريعة وليس هذا القول مما يسوغ الاجتهاد فيه لدلالة الكتاب ونص السنة وإجماع الفقهاء بخلافه) «أحكام القرآن» (١/ ٢٥٠).
قال القرطبي: (وهذا لا نعلم أحدًا قال به – أي: الأخذ بالحساب وتقدير المنازل- إلا بعض أصحاب الشافعي أنه يعتبر في ذلك بقول المنجمين، والإجماع حجة عليهم) «الجامع لأحكام القرآن» (٢/ ٢٩٣).
قال ابن تيمية: (نعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن العمل في رؤية هلال الصوم أو الحج أو العدة أو الإيلاء أو غير ذلك من الأحكام المعلقة بالهلال بخبر الحاسب أنه يرى أو لا يرى لا يجوز، والنصوص المستفيضة عن النبي ﷺ بذلك كثيرة، وقد أجمع المسلمون عليه) «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ١٣٢). وقال أيضًا: (ولا يعرف فيه خلاف قديم أصلا ولا خلاف حديث؛ إلا أن بعض المتأخرين من المتفقهة الحادثين بعد المائة الثالثة زعم أنه إذا غُمَّ الهلال جاز للحاسب أن يعمل في حق نفسه بالحساب فإن كان الحساب دل على الرؤية صام وإلا فلا. وهذا القول وإن كان مقيدًا بالإغمام ومختصًّا بالحاسب فهو شاذ مسبوق بالإجماع على خلافه، فأما اتباع ذلك في الصحو أو تعليق عموم الحكم العام به، فما قاله مسلم) «مجموع الفتاوى» (٢٥/ ١٣٢ – ١٣٣).
قال ابن باز: (ومن خالف في ذلك من المعاصرين فمسبوق بإجماع من قبله وقوله مردود؛ لأنه لا كلام لأحد مع سنة رسول الله ﷺ، ولا مع إجماع السلف) «مجموع فتاوى ابن باز» (١٥/ ١٠٩).
قال البسام:
* ما يؤخذ من الحديث:
1 – وجوب صيام شهر رمضان إذا ثبت رؤية هلاله، ووجوب الفطر إذا ثبت رؤية هلال شوال.
2 – استحباب إشاعة خبر دخول شهر رمضان، وخروجه بأوسع وسيلة، وأسرعها.
3 – أنَّ الحكم بالصوم والفطر معلق برؤية الهلال، فلا يصام إلَاّ بالرؤية، ولا يفطر إلَاّ بالرؤية المجردة، ولو بواسطة المراصد والآلات التي تكبر المرئيات؛ فإنَّه له يعتبر ذلك رؤية بالعين المشاهدة.
4 – إذا حال دون مغيب الهلال ما يمنع الرؤية من سحابٍ، أو غبارٍ، أو نحوهما ليلة الثلاثين من شعبان، فتكمل عدة شعبان ثلاثين يومًا، ولا يصام يوم تلك الليلة، بل يصبح الناس مفطرين على القول الراجح.
ذلك أنَّ الأصل واليقين هو بقاء شعبان، وخروجه شك، ولا يصار من اليقين إلَاّ إلى مثله، أما الشكوك والاحتمالات فلا تقدم على اليقين.
5 – الرؤية هي المستند الشرعي في أحكام الصيام والإفطار، وأنَّه لا عبرة بالحساب، ولا يصح الاعتماد عليه بحال من الأحوال.
قال شيخ الإسلام: ولا ريب أنَّه ثبت بالسنة الصحيحة وآثار الصحابة، أنَّه لا يجوز الاعتماد على حساب النجوم، والمعتمِد عليه كما أنَّه ضال في الشريعة مبتدع في الدين، فهو مخطىء في العقل، وعلم الحساب، فإنَّ علماء الهيئة يعرفون أنَّ الرؤية لا تنضبط بأمر حسابي، فإنَّها تختلف باختلاف ارتفاع المكان، وانخفاضه، وغير ذلك.
[توضيح الأحكام من بلوغ المرام 3/ 450]
وسبق أعلاه تلخيص بحث في ذلك وترجيح ابن عثيمين أن علم الفلك يمكن أن يأخذ به في النفي دون الإثبات
وقال الإتيوبي :
(المسألة الثالثة): في فوائده:
1 – (منها): بيان أن وجوب الصوم متعلّق برؤية الهلال.
2 – (ومنها): أنه يفيد أنه لا يلزم الصوم، ولا يثبت كون اليوم من رمضان بغير رؤية؛ لا بتقديرٍ تحت السحاب في الغيم، ولا برجوع إلى حساب.
واختُلف في جواز صومه عن رمضان، ومقتضى الحديث منع ذلك؛ لأنه صوم قبل الرؤية، وهو مذهب الشافعيّ وغيره، وقالوا: لا ينعقد صومه، ولا يجزيه إن ظهر أنه من رمضان، واقتصر الحنفيّة على الكراهة، وقالوا: إن ظهر أنه من رمضان أجزأه عنه، وإن ظهر أنه من شعبان كان تطوعًا. أفاده وليّ الدين رحمه الله.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول الأول هو الأرجح عندي؛ لظاهر قوله صلى الله عليه وسلم: “لا تصوموا حتى تروه”؛ إذ النهي يقتضي الفساد، والفاسد لا يكون مُسقطًا لفرض رمضان، وكذلك لا ينعقد تطوعًا؛ إلا لمن كان عادته أن يصوم ذلك اليوم، فيجوز؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه، مرفوعًا: “ألا لا تقدّموا الشهر بيوم، أو اثنين؛ إلا رجل كان يصوم صيامًا، فليصمه”، وهو حديث صحيح، أخرجه النسائيّ، والله تعالى أعلم.
3 – (ومنها): أن مقتضى الحديث أيضًا منع صومه عن غير رمضان، واختُلف في ذلك أيضًا، فجوّزت المالكية، والشافعية صومه عن قضاء، أو نذر، أو كفارة، أو تطوّعًا إذا وافق وِرْده، واختلفوا في جواز التطوع بصومه بلا سبب، فمنعه الشافعية، وقالوا بتحريمه، فإن صامه فالأصحّ عندهم بطلانه، والمشهور عند المالكية جوازه، وقال محمد بن مسلمة بكراهته. وكره الحنفيّة صومه عن واجب آخر، ولم يكرهوا التطوّع بصومه.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي الصواب عدم مشروعية صومه مطلقًا، قضاءً، أو غير ذلك، إلا من وافق وِرْده، فإنه يصحّ أن يصومه؛ لحديث أبي هريرة رضي الله عنه المتقدم، والله تعالى أعلم.
قال وليّ الدين رحمه الله: ثم إن ذلك كله مفروض في يوم الشكّ، لا في مطلق الثلاثين من شعبان. قال أصحابنا -يعني الشافعية-: ويوم الشكّ يوم الثلاثين من شعبان إذا تُحُدِّث برؤيته، أو شهد بها من لا تثبت بقوله، فإن لم يَتَحدّث برؤيته أحد فليس يوم شكّ، ولو كانت السماء مغيمة، وقال المالكيّة: هو يوم الثلاثين من شعبان إذا كانت السماء مغيمة. انتهى.
قال النووي: (قال أصحابنا يوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان إذا وقع في ألسنة الناس إنه رؤي ولم يقل عدل إنه رآه أو قاله وقلنا لا تقبل شهادة الواحد أو قاله عدد من النساء أو الصبيان أو العبيد أو الفساق وهذا الحد لا خلاف فيه عند أصحابنا قالوا فأما إذا لم يتحدث برؤيته أحد فليس بيوم شك سواء كانت السماء مصحية أو أطبق الغيم هذا هو المذهب) «المجموع للنووي» (٦/ ٤٠١).
قال ابن قدامة: (وعن أحمد رواية ثالثة لا يجب صومه ولا يجزئه عن رمضان إن صامه وهو قول أكثر أهل العلم منهم أبو حنيفة ومالك والشافعي ومن تبعهم .. ولأن الأصل بقاء شعبان فلا ينتقل عنه بالشك) «المغني» (٣/ ٦).
قال الجصاص: (.. الشاك غير شاهد للشهر إذ هو غير عالم به فغير جائز له أن يصومه عن رمضان) «أحكام القرآن» (١/ ٢٥٥).
قال ابن حزم: (ولا يجوز صوم يوم الشك الذي من آخر شعبان، ولا صيام اليوم الذي قبل يوم الشك المذكور إلا من صادف يومًا كان يصومه فيصومهما حينئذ للوجه الذي كان يصومهما له لا لأنه يوم شك، ولا خوفًا من أن يكون من رمضان) «المحلى» (٧/ ٢٣).
قال ابن عبد البر: (لا يجوز لأحد صوم يوم الشك خوفا من أن يكون من رمضان) «الكافي» (١/ ٣٤٨)
وفي «مجموع فتاوى ابن باز» (١٥/ ٤٠٨) ويوم الشك عنده هو يوم الثلاثين من شعبان مطلقًا سواء كان الجو صحوًا أو غيمًا.
( قال ابن عثيمين: (.. والصحيح أن صومه محرم إذا قصد به الاحتياط لرمضان) «الشرح الممتع» (٦/ ٤٧٩) ويوم الشك عنده هو يوم الثلاثين من شعبان إن كان في السماء ما يمنع من رؤية الهلال.
( نقل النووي عن الخطيب البغدادي أن ممن قال بمنع صوم يوم الشك عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وابن مسعود وعمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان وابن عمر وابن عباس وأنس وأبو سعيد الخدري وأبو هريرة وعائشة وتابعهم من التابعين سعيد بن المسيب والقاسم بن محمد وأبو وائل وعبد الله ابن عكيم الجهني وعكرمة والشعبي والحسن وابن سيرين والمسيب بن رافع وعمر بن عبد العزيز ومسلم بن يسار وأبو السوار العدوي وقتادة والضحاك بن قيس وإبراهيم النخعي وتابعهم من الخالفين والفقهاء المجتهدين ابن جريج والأوزاعي والليث والشافعي وإسحاق بن راهويه «المجموع» (٦/ -٤٢٠ – ٤٢١).
4 – (ومنها): بيان أن النهي عن صوم يوم الشكّ؛ لعدم رؤية الهلال، وقد أخرج أبو داود والترمذيّ، والنسائىّ، وصحّحه ابن خزيمة عن عمّار بن ياسر رضي الله عنهما قال: “من صام يوم الشكّ، فقد عَصَى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم “.
5 – (ومنها): أن قوله: “حتى تروا الهلال” فيه إيجاب الصوم حين الرؤية متى وُجِدت ليلًا أو نهارًا، لكنه محمول على صوم اليوم المستقبل، وبعض العلماء فَرَّق بين ما قبل الزوال وبعده، وخالف الشيعة الإجماع، فأوجبوه مطلقًا، قاله في “الفتح”.
6 – (ومنها): أن الحديث ظاهر في النهي عن ابتداء صوم رمضان قبل رؤية الهلال، فيدخل فيه صورة الغيم، وغيرها، قال في “الفتح”: ولو وقع الاقتصار على هذه الجملة -يعني قوله: “لا تصوموا حتى تروا الهلال”- لكفى ذلك لمن تمسك به، لكن اللفظ الذي رواه أكثر الرواة أوقع للمخالف شبهة، وهو قوله: “فإن غُمّ عليكم، فاقدروا له”، فاحتَمَلَ أن يكون المراد التفرقةَ بين حكم الصحو والغيم، فيكون التعليق على الرؤية متعلقًا بالصحو، وأما الغيم فله حكم آخر، ويَحْتَمِل أن لا تفرقةَ، ويكون الثاني مؤكِّدًا للأول، وإلى الأول ذهب أكثر الحنابلة، وإلى الثاني ذهب الجمهور، فقالوا: المراد بقوله: “فاقدروا له”: أي انظروا في أول الشهر، واحسُبُوا تمام الثلاثين، ويرجح هذا التأويل الرواياتُ الأُخَرُ المصرحة بالمراد، وهي ما تقدم من قوله: “فأكملوا العدة ثلاثين”، ونحوها، وأولى ما فُسِّر الحديث بالحديث. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: ما ذهب إليه الجمهور هو الصواب، كما رجحه الحافظ رحمه الله، وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة التالية -إن شاء الله تعالى-.
7 – (ومنها): أنه يدلّ على وجوب الصوم على المنفرد برؤية هلال رمضان، وعلى وجوب الإفطار عليه أيضًا برؤية هلال شوّال، وإن لم يثبت ذلك بقوله، وهو قول الأئمة الأربعة في هلال رمضان، واختلفوا في الإفطار برؤية شوّال وحده، فقال الثلاثة: لا يفطر، بل يستمرّ صائمًا؛ احتياطًا للصوم، وقال الشافعيّ: يلزمه الفطر، ولكن يخفيه؛ لئلا يُتّهم، وهو مقتضى قوله: “ولا تفطروا حتى تروه”، وذهب عطاء بن أبي رباح، وإسحاق ابن راهويه إلى أنه لا يصوم برؤيته وحده، وعن أحمد أنه لا يصوم إلا في جماعة الناس، وروي نحوه عن الحسن، وابن سيرين، قاله وليّ الدين رحمه الله.
وقال القرطبيّ رحمه الله عند قوله: “صوموا لرؤيته إلخ” ما نصّه: يقتضي لزوم حكم الصوم والفطر لمن صحّت له الرؤية، سواء شُورك في رؤيته، أو انفرد بها، وهو مذهب الجمهور. وذهب عطاء، وإسحاق إلى أنه لا يلزمه حكم شيء من ذلك إذا انفرد بالرؤية، وهذا الحديث ردّ عليهما. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن الذي ذهب إليه الجمهور، من وجوب الصوم والإفطار على من رأى الهلال وحده هو الحقّ؛ لصريح قوله صلى الله عليه وسلم: “إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا”، وقد تحقّقت رؤيته، فتبصّر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
وانتصر ابن تيمية إلى أنه يلزمه أن يصوم مع الجماعة ويفطر مع الجماعة
وَسُئِلَ – قَدَّسَ اللَّهُ رُوحَهُ -:
عَنْ رَجُلٍ رَأَى الْهِلَالَ وَحْدَهُ وَتَحَقَّقَ الرُّؤْيَةَ: فَهَلْ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ وَحْدَهُ؟ أَوْ يَصُومَ وَحْدَهُ؟ أَوْ مَعَ جُمْهُورِ النَّاسِ؟
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، إذَا رَأَى هِلَالَ الصَّوْمِ وَحْدَهُ أَوْ هِلَالَ الْفِطْرِ وَحْدَهُ فَهَلْ عَلَيْهِ أَنْ يَصُومَ بِرُؤْيَةِ نَفْسِهِ؟ أَوْ يُفْطِرَ بِرُؤْيَةِ نَفْسِهِ؟ أَمْ لَا يَصُومُ وَلَا يُفْطِرُ إلَّا مَعَ النَّاسِ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ هِيَ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ عَنْ أَحْمَد: أَحَدُهَا: أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَصُومَ وَأَنْ يُفْطِرَ سِرًّا وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَالثَّانِي: يَصُومُ وَلَا يُفْطِرُ إلَّا مَعَ النَّاسِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبَ أَحْمَد وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ. وَالثَّالِثُ: يَصُومُ مَعَ النَّاسِ وَيُفْطِرُ مَعَ النَّاسِ وَهَذَا أَظْهَرُ
مجموع الفتاوى ٢٥/١١٤ — ابن تيمية (ت ٧٢٨)
.قال ابن باز: (وإذا رأى الهلال شخص واحد ولم تقبل شهادته لم يصم وحده ولم يفطر وحده في أصح قولي العلماء، بل عليه أن يصوم مع الناس، ويفطر مع الناس) «مجموع فتاوى ابن باز» (١٥/ ٦٤).
قال ابن عبد البر: (لم يختلف العلماء فيمن رأى هلال رمضان وحده، فلم تقبل شهادته أنه يصوم؛ لأنه متعبد بنفسه لا بغيره، وعلى هذا أكثر العلماء، لا خلاف في ذلك إلا شذوذ لا يُشتغَلُ به) «التمهيد» (١٤/ ٣٥٥).
قال ابن عثيمين: (.. ولكن إذا كان في البلد، وشهد به عند المحكمة، ورُدَّتْ شهادته، فإنه في هذه الحال يصوم سرًّا؛ لئلا يعلن مخالفة الناس) «مجموع فتاوى ورسائل العثيمين» (١٩/ ٧٤ – ٧٥).
8 – (ومنها): أن الحديث يتناول رؤية الهلال ليلًا ونهارًا، لكنه إذا رئي نهارًا فهو للّيلة المستقبلة، فإن كان ذلك يوم الثلاثين من شعبان لم يصوموا، وإن كان يوم الثلاثين من رمضان لم يفطروا، وسواء كان ذلك قبل الزوال، أو بعده، هذا هو المشهور في المذاهب الأربعة، وحُكي عن عمر، وابن مسعود، وابن عمر، وأنس، والأوزاعيّ، والليث بن سعد، وإسحاق ابن راهويه، وذهب سفيان الثوريّ، وأبو يوسف، وبعض المالكيّة إلى أنه إن رئي قبل الزوال فهو للّيلة الماضية، وهو رواية عن أحمد، وبه قال ابن حزم الظاهريّ، قاله وليّ الدين رحمه الله.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: القول الأول الذي عليه الجمهور هو الأقرب عندي، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج 20/ 379]