2315 ، 2316 ‘ 2317 ‘ 2318 – فتح الودود في تحضير سنن أبي داود:
مشاركة: أحمد بن علي وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وأسامة الحميري
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
بَابُ نَسْخِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٨٤]
٢٣١٥ – حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا بَكْرٌ يَعْنِي ابْنَ مُضَرَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ يَزِيدَ، مَوْلَى سَلَمَةَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]، «كَانَ مَنْ أَرَادَ مِنَّا أَنْ يُفْطِرَ وَيَفْتَدِيَ فَعَلَ، حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا فَنَسَخَتْهَا»
[حكم الألباني]: صحيح
٢٣١٦ – حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ، عَنْ عِكْرَمَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]، «فَكَانَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ أَنْ يَفْتَدِيَ بِطَعَامِ مِسْكِينٍ افْتَدَى وَتَمَّ لَهُ صَوْمُهُ»، فَقَالَ: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤]، وَقَالَ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥
[حكم الألباني]: حسن
بَابُ مَنْ قَالَ: هِيَ مُثْبَتَةٌ لِلشَّيْخِ وَالْحُبْلَى
٢٣١٧ – حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبَانُ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، أَنَّ عِكْرِمَةَ، حَدَّثَهُ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: «أُثْبِتَتْ لِلْحُبْلَى وَالْمُرْضِعِ»
[حكم الألباني]: صحيح
٢٣١٨ – حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عَزْرَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]، قَالَ: «كَانَتْ رُخْصَةً لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ، وَالْمَرْأَةِ الْكَبِيرَةِ، وَهُمَا يُطِيقَانِ الصِّيَامَ أَنْ يُفْطِرَا، وَيُطْعِمَا مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ سْكِينًا، وَالْحُبْلَى وَالْمُرْضِعُ إِذَا خَافَتَا»، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «يَعْنِي عَلَى أَوْلَادِهِمَا أَفْطَرَتَا وَأَطْعَمَتَا»
[حكم الألباني]: شاذ
—–
*دراسة الحديث الأول رواية:*
هو في البخاري 4507 ومسلم 1145 والترمذي 798
والنسائي 2316 ومسند الدارمي 1775
*دراسة الحديث الثاني رواية*
قال شعيب الأرناؤوط:
ضعيف، وقد رُوي عن ابن عباس بأسانيد أصح من هذا وأوثق رجالًا بأنه كان يذهب إلى أن هذه الآية محكمة وليست بمنسوخة، كما سيأتي عند المصنف برقم (٢٣١٨).
وأخرجه الطبري في «تفسيره» ٢/ ١٣٣ عن محمد بن حميد الرازي، عن يحيى ابن واضح أبي تميلة، عن الحسين بن واقد، عن يزيد النحوي، عن عكرمة والحسن البصري، به مرسلًا. ومحمد بن حميد الرازي متروك، ثم إن روايته هنا مرسلة.
وأخرجه موصولًا عن ابن عباس أبو عبيد في «الناسخ والمنسوخ» (٥٩)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، وأبو جعفر النحاس في «الناسخ والمنسوخ» ص ٢٦، وابن الجوزي في «نواسخ القرآن» ص ١٧٢ من طريق ابن جريج وعثمان بن عطاء بن أبي مسلم الخراساني، كلاهما عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس. وعطاء الخراساني لم يُدرك ابن عباس فيما قاله غير واحد من أهل العلم. ولم يصرح ابن جريج بالسماع، وعثمان بن عطاء ضعيف الحديث.
وأخرجه موصولًا كذلك أبو عبيد (٦٠) من طريق عبد الله بن صالح، عن معاوية ابن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس. وعلي بن أبي طلحة روايته عن ابن عباس مرسلة. وفي الإسناد إليه عبد الله بن صالح كاتب الليث، وهو ضعيف.
وأخرجه الطبري في «تفسيره» ٢/ ١٣٤ من طريق عطية العوفي، عن ابن عباس.
وعطية العوفي ضعيف، والإسناد إليه ضعيف أيضًا. وأخرجه ابن الجوزي في «نواسخ القرآن» ص ١٧٢ و١٧٣، والخطيب في «تاريخ بغداد» ١٢/ ٤٣١ من طريق محمد بن سيرين، عن ابن عباس. ولم يسمع ابن سيرين من عبد الله بن عباس فيما قاله غير واحدٍ من أهل العلم.
وأخرجه بنحوه ابن مردويه في «تفسيره» كما في «تفسير ابن كثير» ١/ ٣٠٨ من طريق محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس.
وابن أبي ليلى سيئ الحفظ.
حديث عزرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس :
قال البزار :
وَهَذَا الْحَدِيثُ لاَ نعلمُهُ يُرْوَى بِهَذَا اللَّفْظِ بِإِسْنَادٍ أَحْسَنَ مِنْ هَذَا الإِسْنَادِ
تنبيه : تصحف في الطبعة الهندية إلى (عروة) وكذا في طبعة المكتبة العصرية – تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، والصواب المثبت وهو موافق لطبعتي دار القبلة، تحقيق: محمد عوامة، وطبعة دار الرسالة – ولم يشر المحققون إلى خلاف في النسخ الخطية – وينظر تحفة الأشراف ٤/ ٤٣٠
سنن أبي داود – ط دهلي مع عون المعبود ٢/٢٦٦ — أبو داود (ت ٢٧٥)
قال الألباني كما في الإرواء: وأما رواية أبى داود فهى شاذة، وقد وقع فيها «عروة» بدل «عزرة» وهو تصحيف بدليل رواية الجماعة، وأيضا فقد رواه البيهقى من طريق أبى داود فقال: «عزرة» على الصواب وقد تصحف هذا الاسم أيضا فى تفسير الطبرى من الطبعة الأولى كما نبه عليه محققه الأستاذ الفاضل محمود ومحمد شاكر فى تعليقه عليه طبعة دار المعارف بمصر، ثم تصحف أيضا فى أحد الموضعين المشار إليهما من هذه الطبعة (٢٧٥٣) !
قال الألباني في ضعيف أبي داود (٣٩٦): شاذ بهذا اللفظ. اختصره الراوي اختصارا مخلا بالغا؛ فأسقط منه الجملة الآتية بعد قوله: (مسكينا): ثم نسخ ذلك في هذه الآية: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، وثبت للشيخ الكبير،
وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين؛ لكنه شاذ؛ لما ذكرت آنفا، ويدل على ذلك أمور، من أهمها: ولا: أن الحديث أخرجه جماعة- منهم البيهقي- من طرق عن سعيد بن أبي عروبة … بالتمام الذي ذكرته آنفا. ثانيا: أن البيهقي رواه- بعد أن ساقه بتمامه من طريق المؤلف- ولم يسق لفظه، ولكنه قال: فذكره يعني: بتمامه. ثالثا: أن المعروف، عن ابن عباس من طرق عنه: أن الآية فيمن لا يستطيع الصوم كالشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة، والمريض الذي لا يشفى. اهـ.
قال العباد :
أورد أبو داود الحديث من طريق أخرى وفيه ما تقدم من أن المرأة الكبيرة والشيخ الكبير يفديان بدل الصيام؛ لأنهما لا يستطيعان الصيام، وهو كذلك في حق الحبلى والمرضع إذا خافتا على ولديهما فإنهما يفطران ويفديان مع القضاء.
شرح سنن أبي داود للعباد ٢٦٥/١٥ — عبد المحسن العباد
*دراسة الحديث الأول دراية:*
بوب عليه البخاري: باب من شهد منكم الشهر فليصمه
وبوب عليه النووي: باب نسخ قوله تعالى ( وعلى الذين يطيقونه فدية)
بوب عليه الترمذي : باب ما جاء وعلى الذين يطيقونه
بوب عليه النسائي: تأويل قول الله عز وجل: وعلى الذين يطيقونه
بوب عليه الدارمي باب تفسير قوله الله تعالى: فمن شهد منكم الشهر فليصمه
اختلف المفسرون في قوله تعالى وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ بين النسخ والإحكام .
حيث ذهب بعضهم إلى أن هذه الآية كانت تخير المقيم الصحيح بين الصيام والإفطار، على أن يفدي بإطعام مسكين عن كل يوم يفطر فيه، ثم نسخها الله عز وجل بقوله: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ حيث أوجبت هذه الآية الصوم على الصحيح المقيم على التعيين، بعد أن كان واجباً على التخيير بينه وبين الفدية.
وفي البخاري عن ابن عمر وسلَمةَ بن الأكْوَع: نسختْها آية شَهْرُ رَمَضَانَ .. ورويت في ذلك آثار كثيرة عن التابعين.
وفي البخاري: “وقال ابن نمير حدثنا الأعمش حدثنا عمرو بن مرة حدثنا بن أبي ليلى حدثنا أصحاب محمد – صلى الله عليه وسلم – نزل رمضان، فشق عليهم، فكان من أطعم كل يوم مسكينا ترك الصوم ممن يطيقه، ورخص لهم في ذلك. فنسختها وأن تصوموا خير لكم “.
وممن اختار أن الآية منسوخة الطبري، وأبو حيان، وابن كثير، وابن عاشور، وغيرهم.
وبيّن الطبري الحجة بقوله: ” وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية قول من قال: “وَعلى الذين يُطيقونه فديةٌ طعامُ مسكين”، منسوخٌ بقول الله تعالى ذكره: : فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ “لأن”الهاء” التي في قوله: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ من ذكر”الصيام” ومعناه: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ: وعلى الذين يطيقون الصيام فدية طعامُ مسكين، فإذْ كان ذلك كذلك، وكان الجميعُ من أهل الإسلام مجمعينَ على أن من كان مُطيقًا من الرجال الأصحاء المقيمين غير المسافرين صوْمَ شهر رمضان، فغير جائز له الإفطار فيه والافتداء منه بطعام مسكين – كان معلومًا أنّ الآية منسوخةٌ.
هذا مع ما يؤيد هذا القول من الأخبار التي ذكرناها آنفًا عن مُعاذ بن جبل، وابن عمر، وسلمة بن الأكوع: من أنهم كانوا – بعد نزول هذه الآية على عَهد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في صوم شهر رمضان بالخيار بين صومه وسُقوط الفدية عنهم، وبين الإفطار والافتداء من إفطاره بإطعام مسكين لكل يوم؛ وأنهم كانوا يفعلون ذلك حتى نزلت: “فمن شهد منكم الشهر فليصمه”، فألزموا فرضَ صومه، وبطل الخيار والفديةُ “.
وذهب جمعٌ من العلماء إلى أن الآية محكمة وغير منسوخة.
قال الطبري: ” وقال آخرون – ممن قرأ ذلك ( وَعلى الذين يُطيقونه ) -: لم ينسخ ذلك ولا شيء منه، وهو حكم مثبتٌ من لَدُنْ نزلت هذه الآية إلى قيام الساعة، وقالوا: إنما تأويل ذلك: وعلى الذين يطيقونه – في حال شبابهم وَحداثتهم، وفي حال صحتهم وقوتهم – إذا مَرضوا وكبروا فعجزوا من الكبر عن الصوم، فدية طعام مسكين = لا أنَّ القوم كان رُخِّص لهم في الإفطار – وهم على الصوم قادرون – إذا افتدوا.
روى السدي: “وَعلى الذين يطيقونه فديةٌ طعامُ مسكين”، قال: أما الذين يطيقونه، فالرجل كان يطيقه وقد صام قَبل ذلك، ثم يعرض له الوَجع أو العطش أو المرض الطويل، أو المرأة المرضعُ لا تستطيع أن تصوم، فإن أولئك عليهم مكانَ كل يوم إطعام مسكين، فإن أطعم مسكينًا فهو خيرٌ له، ومن تكلف الصيام فصامه فهو خيرٌ له.
وروي عن ابن عباس – رضي الله عنه – قال: إذا خَافت الحاملُ على نفسها، والمرضع على ولدها في رمضان، قال: يفطران ويطعمان مكانَ كل يوم مسكينًا، ولا يقضيان صومًا.
وعن ابن عباس – رضي الله عنه – أيضاً: أنه رَأى أمَّ ولدٍ له حاملا أو مُرضعًا، فقال: أنت بمنزلة الذي لا يُطيقه، عليك أن تطعمي مكانَ كل يوم مسكينُا، ولا قَضَاء عليك.
وعنه – رضي الله عنه – أيضاً قوله: “وَعلى الذين يطيقونه فدية طعامُ مسكين”، هو الشيخ الكبير كان يُطيق صومَ شهر رمضان وهو شاب، فكبر وهو لا يستطيع صومَه، فليتصدق على مسكين واحد لكل يوم أفطرَه، حين يُفطر وحينَ يَتسحَّر”.
والذي يظهر والعلم عند الله:
إن الآية محكمة وليست منسوخة، وأن معنى (يطيقونه): لا يطيقونه؛ بتقدير “لا” النافية، وعليه فتكون الآية محكمة، ويكون وجوب الإطعام على العاجز عن الصوم، كالهرم والزمن.
وأما ما ورد عن ابن عباس – رضي الله عنه – في كون الآية منسوخة، فقد أزال الإشكال عنه القرطبي حيث يقول: ” يحتمل أن يكون النسخ هناك بمعنى التخصيص، فكثيراً ما يطلق المتقدمون النسخ بمعناه، وقد ثبت بالأسانيد الصحاح عن ابن عباس أن الآية ليست منسوخة وأنها محكمة ” .
ومن القواعد التي تعضد هذا الترجيح قاعدة: (القول الذي يدل عليه السياق أولى من غيره .. )، وسياق الآية في أوله يخاطب المكلفين بالصيام فالله تعالى يقول في الآية قبلها يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ، أي فرض، وجاءت الآية بعد ذلك في أحكام المريض والمسافر وأنه إذا تعذر عليهما الصوم، فلهما القضاء في أيام أخر، فمن المفترض أن تكون الآية بعدها فيمن لا يقدرون على الصيام، كالهرم أو المرضع، الحامل.
وعليه يترجح، والله أعلم: أن الآية محكمة.
ومما يعضد هذا الترجيح أيضاً قاعدة ترجيحية أخرى، وهي: (تأتي القراءة في معنى الترجيح لأحد المعاني القائمة في الآية)، وقد وردت قراءة لبعض الصحابة يُطَّوَّقونه بفتح الياء وتشديد الطاء والواو المفتوحين، بمعنى يتكلفونه مع عجزهم عنه. وعلى هذا القول، فيجب على الهرم ونحوه الفدية، وهو اختيار البخاري.
وكذلك ذكر الطبري أنه قرأ ذلك آخرون وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ وقالوا: إنه الشيخ الكبير والمرأة العجوز اللذان قد كبرا عن الصوم، فهما يكلفان الصوم ولا يطيقانه، فلهما أن يفطرا ويطعما مكانَ كلّ يوم أفطراه مسكينًا. وقالوا: الآية ثابتة الحكم منذ أنزلت، لم تنسخ، وأنكروا قول من قال: إنها منسوخة.
ينظر: “قواعد الترجيح المتعلقة بالنص عند ابن عاشور في تفسيره التحرير والتنوير – دراسة تأصيلية تطبيقية”، عبير النعيم: (475).
——
قال الإتيوبي:
حديثُ سلمة رضي الله عنه هذا صريح في أن هذه الآية منسوخة، وثبت مثله عن ابن عمر رضي الله عنهما، فقد أخرج البخاريّ في “صحيحه” من طريق نافع، عنه أنه قرأ: “فدية طعام مساكين” قال: “هي منسوخة”.
ورجّح النسخَ ابنُ المنذر من جهة قوله: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ}، قال: لأنها لو كانت في الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصيام لم يناسب أن يقال: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ}، مع أنه لا يُطيق الصيام.
وقيل: إن الناسخ قوله تعالى: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ}.
قال البخاريّ تعليقًا: وقال ابن نمير: حدثنا الأعمش، حدثنا عمرو بن مرّة، حدثنا ابن أبي ليلى، حدثنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: “نزل رمضان، فشقّ عليهم، فكان من أطعم كلّ يوم مسكينًا، ترك الصوم، ممن يُطيقه، ورُخّص لهم في ذلك، فنسختها: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ} فأمروا بالصوم”.
وهذا التعليق وصله أبو نعيم في “المستخرج”، والبيهقيّ من طريقه، ولفظ البيهقيّ: قَدِم النبيّ صلى الله عليه وسلم المدينة، ولا عهد لهم بالصيام، فكانوا يصومون ثلاثة أيام من كلّ شهر، حتى نزل: {شَهْرُ رَمَضَانَ} [البقرة: 185]، فاستكثروا ذلك، وشقّ عليهم، فكان من أطعم مسكينًا كلّ يوم ترك الصيام، ممن يُطيقه، ورخّص لهم في ذلك، ثم نسخه: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ}، فأُمروا بالصيام.
قال الحافظ رحمه الله: وإذا تقرّر أن الإفطار والإطعام كان رخصة، ثم نُسِخ لزم أن يصير الصيام حتمًا واجبًا، فكيف يلتئم مع قوله تعالى: {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ}، والخيريّة لا تدلّ على الوجوب، بل المشاركة في أصل الخير؟.
أجاب الكرمانيّ رحمه الله بأن المعنى: فالصوم خير من التطوّع بالفدية، والتطوّع بها كان سنّة، والخير من السنة لا يكون إلا واجبًا؛ أي لا يكون شيء خيرًا من السنّة إلا الواجب، كذا قال، ولا يخفى بُعده، وتكلّفه، ودعوى الوجوب في خصوص الصيام في هذه الآية ليست بظاهرة، بل هو واجب مخيّر، من شاء صام، ومن شاء أفطر وأطعم، فنصّت الآية على أن الصوم أفضل، وكون بعض الواجب المخيّر أفضل من بعض لا إشكال فيه. انتهى.
وقال القرطبيّ رحمه الله: وقول سلمة بن الأكوع رضي الله عنه: إن ذلك نسخ بقوله: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185]، هذا مقبول من قول الصحابيّ؛ لأنه أعلم بالمقال، وأقعد بالحال، كما إذا قال: أُمِرَ ونُهِي، ووجه النسخ في هذا واضح؛ وهو: أن آية الفدية تقتضي التخيير بين الفدية والصوم مطلقًا، كما قال سلمة، وهذه الآية الأخرى جاءت جازمة بالصوم لمن شهد الشهر، رافعة لذلك التخيير.
ومعنى: شهد الشهر؛ أي: حضر فيه مقيمًا في المصر، هذا قول جمهور العلماء، وعلى هذا يكون “الشهر” منصوبًا على الظرف، ويكون معناه عندهم: أن من دخل عليه الشهر وهو مسافر، أو طرأ عليه فيه سفر؛ لم يجب عليه صومه.
وروي عن عليّ، وابن عباس، وعبيدة السلماني: أن معنى {مَنْ شَهِدَ}: من حضر دخول الشهر، وكان مقيمًا في أوله فليكمل صيامه، سافر بعد ذلك أو أقام؛ وإنما يفطر في السفر من دخل عليه رمضان وهو في السفر.
قال القرطبيّ: وهذا القول يردّه فطر النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه في السَّفر الطارئ عليهم بفتح مكة، على ما تقدَّم، وقد كانوا ابتدؤوا الصوم في الحضر.
وقال أبو حنيفة: من شهد الشهر بشروط التكليف فليصمه، ومن دخل عليه وهو مجنون، وتمادى به طول الشهر فلا قضاء عليه؛ لأنه لم يشهد الشهر بصفة يجب بها الصيام، ومن جُنَّ أول الشهر، أو آخره؛ فإنه يقضي أيام جنونه.
قال القاضي أبو محمد بن عطية: ونصب الشهر على هذا التأويل على المفعول الصريح: يشهد.
قال القرطبيّ: وتكميله أن يكون {شَهِدَ} بمعنى: شاهد. انتهى، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
(مسألة ): في فوائده:
1 – (منها): بيان نسخ التخيير بين الصوم والفدية لمن أطاق الصوم.
2 – (ومنها): ثبوت النسخ في القرآن، وقد أجمعت الأمة على ذلك، ودلّ عليه قوله تعالى: {مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا} [البقرة: 106].
3 – (ومنها): التدرّج في تشريع الصوم، تسهيلًا على المكلّفين، فكان أول ما شُرع من أراد أن يصوم صام، ومن أراد أن يُطعم أطعم وأفطر، حتى إذا أَلِفُوه، وسهل عليهم نزل قوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} [البقرة: 185]، فأوجب الله عليهم صيامه، ونسخ الفدية، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(مسألة ): في اختلاف أهل العلم في نسخ هذه الآية: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ} [البقرة: 184] الآية:
قال القاضي عياض رحمه الله: اختَلَف السلف هل هي محكمة، أو مخصوصة، أو منسوخة كلها أو بعضها؟ فقال الجمهور: منسوخة، كقول سلمة رضي الله عنه، ثم اختَلَفوا هل بقي منها ما لم يُنسَخ؟:
فرُوي عن ابن عمر والجمهور أن حكم الإطعام باقٍ على من لم يطق الصوم لِكِبَر.
وقال جماعة من السلف، ومالك، وأبو ثور، وداود: جميع الإطعام منسوخ، وليس على الكبير إذا لم يُطِق الصوم إطعام، واستحبه له مالك.
وقال قتادة: كانت الرخصة لكبير يقدر على الصوم، ثم نُسِخَ فيه، وبقي فيمن لا يطيق.
وقال ابن عباس وغيره: نزلت في الكبير والمريض اللذين لا يقدران على الصوم، فهي عنده محكمة، لكن المريض يقضي إذا برئ، وأكثر العلماء على أنه لا إطعام على المريض.
وقال زيد بن أسلم، والزهريّ، ومالك: هي محكمة، ونزلت في المريض يُفطر، ثم يبرأ، ولا يقضي حتى يدخل رمضان آخر، فيلزمه صومه، ثم يقضي بعده ما أفطر، ويطعم عن كل يوم مُدًّا من حنطة، فأما من اتَّصَل مرضه برمضان الثاني، فليس عليه إطعام، بل عليه القضاء فقط.
وقال الحسن البصريّ وغيره: الضمير في {يُطِيقُونَهُ} عائد على الإطعام، لا على الصوم، ثم نُسِخ ذلك فهي عنده عامّةٌ.
ثم جمهور العلماء على أن الإطعام عن كل يوم مدّ، وقال أبو حنيفة: مدّان، ووافقه صاحباه، وقال أشهب المالكيّ: مدّ وثلث لغير أهل المدينة، ثم جمهور العلماء أن المرض المبيح للفطر هو ما يَشُقّ معه الصوم، وأباحه بعضهم لكل مريض. انتهى كلام القاضي عياض رحمه الله.
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله في “تفسيره” (1/ 216): وقوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة: 184] كما قال معاذ رضي الله عنه: كان في ابتداء الأمر من شاء صام، ومن شاء أفطر، وأطعم عن كل يوم مسكينًا، وهكذا روى البخاري عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه، أنه قال: لما نزلت: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة: 184] كان من أراد أن يُفطر يفتدي، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها.
وروي أيضًا من حديث عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: هي منسوخة.
وقال السديّ، عن مُرّة، عن عبد الله رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} قال: يقول: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ} أي يتجشمونه، قال عبد الله: فكان من شاء صام، ومن شاء أفطر وأطعم مسكينًا، {فَمَنْ تَطَوَّعَ} يقول: أطعم مسكينًا آخر، {فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ}، فكانوا كذلك حتى نسختها: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}.
وأخرج البخاريّ عن عطاء، سمع ابن عباس يقرأ: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ}، قال ابن عباس: ليست منسوخة، هو الشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكان كل يوم مسكينًا، وهكذا روى غير واحد عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس نحوه.
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ}، في الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصوم، ثم ضَعُف، فرخص له أن يطعم مكان كل يوم مسكينًا.
وأخرج ابن مردويه عن ابن أبي ليلى قال: دخلت على عطاء في رمضان، وهو يأكل، فقال: قال ابن عباس: نزلت هذه الآية، فنَسَخت الأولى إلا الكبير الفاني، إن شاء أطعم عن كل يوم مسكينًا، وأفطر.
فحاصل الأمر أن النسخ ثابت في حق الصحيح المقيم بإيجاب الصيام عليه بقوله: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}، وأما الشيخ الفاني الْهَرِم الذي لا يستطيع الصيام، فله أن يفطر، ولا قضاء عليه؛ لأنه ليست له حال يصير إليها يتمكن فيها من القضاء، ولكن هل يجب عليه إذا أفطر أن يُطعم عن كل يوم مسكينًا؛ إذا كان ذا جِدَة؟ فيه قولان للعلماء:
أحدهما: لا يجب عليه إطعام؛ لأنه ضعيف عنه لسنّه، فلم يجب عليه فدية، كالصبيّ؛ لأن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها، وهو أحد قولي الشافعيّ.
والثاني -وهو الصحيح- وعليه أكثر العلماء: أنه يجب عليه فدية عن كل يوم، كما فسره ابن عباس وغيره من السلف على قراءة من قرأ: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ}: أي يتجشمونه، كما قاله ابن مسعود وغيره، وهو اختيار البخاريّ، فإنه قال: وأما الشيخ الكبير إذا لم يُطق الصيام فقد أطعم أنس بعدما كَبِر عامًا أو عامين، عن كل يوم مسكينًا خبزًا ولحمًا، وأفطر، وهذا الذي علّقه البخاريّ قد أسنده الحافظ أبو يعلى الموصلي في “مسنده”، فقال: حدّثنا عبيد الله بن معاذ، حدثنا أبي، حدّثنا عمران، عن أيوب بن أبي تميمة، قال: ضَعُف أنس عن الصوم، فصَنَع جَفْنَةً من ثَرِيد، فدعا ثلاثين مسكينًا، فأطعمهم.
ورواه عبد بن حميد، عن رَوْح بن عُبادة، عن عِمران، وهو ابن حُدَير، عن أيوب به، ورواه عبد أيضًا من حديث ستة من أصحاب أنس، عن أنس بمعناه. انتهى كلام ابن كثير رحمه الله، وهو تحقيقٌ مفيدٌ جدًّا، والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(مسألة ): في اختلاف أهل العلم في حكم الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما، أو على أولادهما لو صامتا:
قال الإمام الترمذيّ -بعد إخراجه حديث: “إِنَّ اللهَ تَعَالَى وَضَعَ عن الْمُسَافِرِ الصَّوْمَ، وَشَطْرَ الصَّلَاةِ، وَعَن الْحَامِلِ، أو الْمُرْضِعِ الصَّوْمَ”، وهو حديث صحيح- ما نصّه: والعمل على هذا عند أهل العلم، وقال بعض أهل العلم: الحامل والمرضع يفطران، ويقضيان، ويُطعمان، وبه يقول سفيان، ومالك، والشافعيّ، وأحمد. وقال بعضهم: يفطران، ويُطعمان، ولا قضاء عليهما، وإن شاءتا قضتا، ولا طعام عليهما، وبه يقول إسحاق. انتهى.
وقال في “الفتح”: اختُلِفَ في الحامل والمرضع، ومن أفطر لكِبَر، ثم قَوِي على القضاء بعدُ، فقال الشافعيّ: يقضون، ويُطعمون، وقال الأوزاعيّ، والكوفيون: لا إطعام. انتهى.
وحكى ابن قُدامة، والزرقانيّ اتفاق العلماء على وجوب القضاء من غير فدية فيما إذا خافت الحامل، والمرضع على أنفسهما، قال ابن قدامة في “المغني” (3/ 139): إن الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما، فلهما الفطر، وعليهما القضاء، فحسبُ، لا نعلم فيه بين أهل العلم اختلافًا؛ لأنهما بمنزلة المريض الخائف على نفسه.
وقال الزرقانيّ: إذا خافتا على أنفسهما، فلا فدية باتفاق أهل المذاهب، وهو إجماع؛ إلا عند من أوجب الفدية على المريض. انتهى.
وأما إذا خافتا على ولديهما فقط، وأفطرتا، فاختلفوا فيه على خمسة أقوال: (أحدها): يُطعمان، ولا قضاء عليهما، وهو مرويّ عن ابن عمر، وابن عباس، رواه أبو داود، والبزّار، والدارقطنيّ، والبيهقيّ عن ابن عباس، ومالكٌ، وابنُ أبي حاتم، والدارقطنيّ، والبيهقيّ عن ابن عمر، وهو أحد أقوال مالك.
(الثاني): يقضيان فقط، ولا إطعام عليهما، وبه قال عطاء، والزهريّ، والحسن، وسعيد بن جُبير، والنخعيّ، وأبو عبيد، وأبو ثور، وأبو حنيفة وأصحابه، والأوزاعيّ، والثوريّ، واستُدلّ لهم بحديث الباب.
قال الجصّاص: ووجه الدلالة على هذا إخباره صلى الله عليه وسلم بأنّ وضعَ الصوم عن الحامل والمرضع هو كوضعه عن المسافر، ألا ترى أن وضع الصوم الذي جَعَلَه من حكم المسافر هو بعينه جَعَلَه من حكم الحامل والمرضع؛ لأنه عطفهما عليه من غير استثناء ذكر شيء غيره، فثبت بذلك أن حكم وضع الصوم عن الحامل والمرضع هو حكم وضعه عن المسافر، لا فرق بينهما، ومعلوم أن وضع الصوم عن المسافر إنما هو على جهة إيجاب قضائه بالإفطار من غير فدية، فوجب أن يكون ذلك حكمَ الحامل والمرضع.
وفيه دلالة على أنه لا فرق بين الحامل والمرضع إذا خافتا على أنفسهما، أو ولديهما؛ إذ لم يفصّل النبيّ صلى الله عليه وسلم بينهما، وأيضًا لما كانت الحامل والمرضع يُرجى لهما القضاء، وإنما أبيح لهما الإفطار للخوف على النفس، أو الولد مع إمكان القضاء وجب أن تكونا كالمريض والمسافر. انتهى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله الجصّاص رحمه الله، حسنٌ جدًّا.
(الثالث): يقضيان، ويُطعمان، وهو المشهور من مذهب الشافعيّ، وهو ثاني أقوال مالك، وإليه ذهب أحمد.
(الرابع): إن الحامل تقضي، ولا تطعم، والمرضع تقضي وتطعم، وبه قال الليث، وهو المشهور من أقوال مالك؛ لأن المرضع يمكن أن تسترضع لولدها بخلاف الحامل، ولأن الحمل متّصل بالحامل، فالخوف عليه كالخوف على بعض أعضائها.
(الخامس): يطعمان، ولا قضاء عليهما، وإن شاءتا قضتا، ولا إطعام. حكاه الترمذيّ عن إسحاق ابن راهويه.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يترجّح عندي من هذه الأقوال قول من قال: يجب عليهما القضاء، فقط، دون الإطعام؛ لأنهما في حكم المريض، ولم يُجِب الله تعالى الإطعام عليه، فكذلك هما، وأيضًا فقد سوّى النبي صلى الله عليه وسلم بينهما وبين المسافر في وضع الصوم عنهم، ومعلوم أن المسافر يقضي، ولا إطعام عليه، كما تقدّم تقريره في كلام الجصّاص رحمه الله.
والحاصل أن الحامل والمرضع إذا أفطرتا لما ذُكر تقضيان، ولا فدية عليهما، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
[البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج 21/ 290]
—-
قال العباد:
أورد أبو داود هذه الترجمة: باب نسخ قول الله عز وجل: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة:184]، والمقصود من ذلك: أن الصوم لما شرع في أول الأمر كان على التخيير، فمن أراد أن يصوم صام، ومن أراد ألا يصوم ويطعم عن كل يوم مسكين فعل، وبعد ذلك نسخ هذا الحكم وجاء الإلزام بالصيام، ولم يعد هناك تخيير بين الصوم والفدية، فمن كان مستطيعاً فعليه أن يصوم وليس له أن يتحول عن الصيام إلى غيره، ومن كان غير مستطيع لكونه مريضاً أو مسافراً فعدة من أيام أخر، أي: يصوم أياماً أخر بدل هذه التي لم يصمها من الشهر.
وقوله: ((فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ))، يعني: أنه يقضي إذا أفطر لعذر، أما لغير عذر فلا يجوز له أن يفطر، وليس له أن يتحول من الصيام إلى الفدية، بل ليس هناك إلا الصيام، وإنما كان التخيير بين الصيام وبين ترك الصيام والفدية في أول الأمر، ثم نسخ بالآية التي بعدها وهي قوله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} [البقرة:185]، حتى قال: ((فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)).
وقوله: ((فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)) فيها دلالة على أنه إذا كان الشهر ناقصاً فإن الذي يقضي إنما يقضي على عدة الشهر ولا يقضي شهراً كاملاً، أي: يقضي مثل الأداء، وحيث كان الشهر ناقصاً فإن القضاء يكون تسعة وعشرين، لقوله تعالى: ((وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)) أي: يصوم عدة الأيام التي صامها الناس قضاءً في أيام أخر، فالحكم الذي كان موجوداً أول الأمر من التخيير نسخ وصار الإلزام بالصيام.
[شرح سنن أبي داود للعباد 265/ 8 بترقيم الشاملة آليا]
وقال العباد:
أورد أبو داود رحمه الله هذه الترجمة بعنوان: من قال: هي مثبتة للشيخ والحبلى، أي الآية: ((وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ)) يعني: أنها مثبتة غير منسوخة، وأن المقصود بها الشيخ الكبير والحبلى، فهم يفطرون ويفدون، فالشيخ الكبير يفطر ويفدي ولا يلزمه صيام، وأما الحبلى فإنها تفطر وتقضي، وعليها مع القضاء فدية أيضاً؛ لأنها أفطرت لمصلحة غيرها، وهو الجنين الذي تخاف عليه من قصور الغذاء وقلة الغذاء بالصيام.
فالمقصود بالترجمة أن الآية غير منسوخة، ولكن المقصود بها الشيخ الكبير، فإن له أن يترك الصيام ويفدي؛ لأنه لا يستطيع، وكذلك الحبلى، إلا أن الحبلى كما هو معلوم لا تترك الصيام من حيث القضاء؛ لأنها قادرة على القضاء، وأما الشيخ الكبير فإنه لا يقدر؛ لأن الزمان بالنسبة له واحد، فلا يستطيع القضاء لهرمه وكبره، وكلما تقدمت به السن كلما ازداد ضعفاً وعدم قدرة.
وقوله: (أثبتت للحبلى والمرضع) يعني: أنها لم تنسخ وأن الحكم باقٍ.
وقوله: ((يُطِيقُونَهُ)) أي: يشق عليهم، وفي بعض القراءات: (يطوَّقونه)، يعني: يشق عليهم، أي: يتكلفونه.
[شرح سنن أبي داود للعباد 265/ 13 بترقيم الشاملة آليا]
—-
وقال ابن قدامة في “المغني” (4/396):
“الشَّيْخُ الْكَبِيرَ وَالْعَجُوزَ إذَا كَانَ يُجْهِدُهُمَا الصَّوْمُ , وَيَشُقُّ عَلَيْهِمَا مَشَقَّةً شَدِيدَةً , فَلَهُمَا أَنْ يُفْطِرَا وَيُطْعِمَا لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا… فَإِنْ كَانَ عَاجِزًا عَنْ الإِطْعَامِ أَيْضًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ , وَ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا… وَالْمَرِيضُ الَّذِي لا يُرْجَى بُرْؤُهُ , يُفْطِرُ , وَيُطْعِمُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا ; لأَنَّهُ فِي مَعْنَى الشَّيْخِ .”أ.هـ باختصار.
وفي الموسوعة الفقهية (5/117):
“اتَّفَقَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ يُصَارُ إلَى الْفِدْيَةِ فِي الصِّيَامِ عِنْدَ الْيَأْسِ مِنْ إمْكَانِ قَضَاءِ الأَيَّامِ الَّتِي أَفْطَرَهَا لِشَيْخُوخَةٍ لا يَقْدِرُ مَعَهَا عَلَى الصِّيَامِ , أَوْ مَرَضٍ لا يُرْجَى بُرْؤُهُ , لقوله تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ وَالْمُرَادُ مَنْ يَشُقُّ عَلَيْهِمْ الصِّيَامُ.” أ.هـ.
وقال الشيخ ابن عثيمين في فتاوى الصيام (ص111):
“لا بد أن نعرف أن المريض ينقسم إلى قسمين:
* القسم الأول: مريض يرجى برؤه مثل ذوي الأمراض الطارئة التي يرجى أن يشفى منها، فهذا حكمه كما قال الله تعالى: فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ.
* القسم الثاني: أن يكون المرض ملازماً للإنسان مثل مرض السرطان ـ والعياذ بالله ـ ومرض الكلى، ومرض السكر وما أشبهها من الأمراض الملازمة التي لا يرجى انفكاك المريض منها، فهذه يفطر صاحبها في رمضان، ويلزمه أن يطعم عن كل يوم مسكيناً كالكبير والكبيرة اللذين لا يطيقان الصيام يفطران ويطعمان عن كل يوم مسكيناً، ودليل ذلك من القرآن قوله تعالى: وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ” أ.هـ.
مقدار فدية الصيام
أما صفة الإطعام فيخير بين أن يعطي كل مسكين نصف صاع من الطعام كالأرز ونحوه (أي كيلو جرام ونصف تقريباً)، أو يصنع طعاماً ويدعو إليه المساكين.
قال البخاري: وَأَمَّا الشَّيْخُ الْكَبِيرُ إِذَا لَمْ يُطِقْ الصِّيَامَ فَقَدْ أَطْعَمَ أَنَسٌ بَعْدَ مَا كَبِرَ عَامًا أَوْ عَامَيْنِ كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا خُبْزًا وَلَحْمًا وَأَفْطَرَ أ.هـ.
وسئل الشيخ ابن باز عن امرأة كبيرة في السن ولا تطيق الصوم فماذا تفعل؟
فأجاب:
عليها أن تطعم مسكيناً عن كل يوم نصف صاع من قوت البلد من تمر أو أرز أو غيرهما، ومقداره بالوزن كيلو ونصف على سبيل التقريب. كما أفتى بذلك جماعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومنهم ابن عباس رضي الله عنه وعنهم، فإن كانت فقيرة لا تستطيع الإطعام فلا شيء عليها، وهذه الكفارة يجوز دفعها لواحد أو أكثر في أول الشهر أو وسطه أو آخره، وبالله التوفيق” أ.هـ. “مجموع فتاوى ابن باز” (15/203).
وقال الشيخ ابن عثيمين في فتاوى الصيام (ص111):
“فيجب على المريض المستمر مرضه، وعلى الكبير من ذكر وأنثى إذا عجزوا عن الصوم أن يطعموا عن كل يوم مسكيناً، سواء إطعاماً بتمليك بأن يدفع إلى الفقراء هذا الإطعام، أو كان الإطعام بالدعوة يدعو مساكين بعدد أيام الشهر فيعشيهم كما كان أنس بن مالك رضي الله عنه يفعل حين كبر صار يجمع ثلاثين مسكيناً فيعشيهم فيكون ذلك بدلاً عن صوم الشهر.” أ.هـ.
وسئلت اللجنة الدائمة (11/164): عن الإطعام للعاجز في رمضان كالشيخ العاجز والمرأة العاجزة من كبر، والمريض الذي لا يشفى.
فأجابت:
“من عجز عن صوم رمضان لكبر سن كالشيخ الكبير والمرأة العجوز أو شق عليه الصوم مشقة شديدة رخص له في الفطر، ووجب عليه أن يطعم عن كل يوم مسكيناً، نصف صاع من بر (قمح) أو تمر أو أرز أو نحو ذلك مما يطعمه أهله، وكذا المريض الذي عجز عن الصوم أو شق عليه مشقة شديدة ولا يرجى برؤه لقوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا البقرة/286. وقوله: وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ الحج/78. وقوله: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ البقرة/184” أ.هـ.