2306 ‘ 2307 – فتح الودود في تحضير سنن أبي داود
مشاركة: أحمد بن علي و محمد سيفي وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وأسامة الحميري
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
بَابٌ فِي عِدَّةِ الْحَامِلِ
2306 – حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْمَهْرِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّ أَبَاهُ، كَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَرْقَمِ الزُّهْرِيِّ، يَأْمُرُهُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى سُبَيْعَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ الْأَسْلَمِيَّةِ، فَيَسْأَلَهَا، عَنْ حَدِيثِهَا، وَعَمَّا قَالَ لَهَا: رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ اسْتَفْتَتْهُ، فَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، يُخْبِرُهُ أَنَّ سُبَيْعَةَ أَخْبَرَتْهُ، أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ سَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ، وَهُوَ مِنْ بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ، وَهُوَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا، فَتُوُفِّيَ عَنْهَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَهِيَ حَامِلٌ، فَلَمْ تَنْشَبْ أَنْ وَضَعَتْ حَمْلَهَا بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَلَمَّا تَعَلَّتْ مِنْ نِفَاسِهَا تَجَمَّلَتْ لِلْخُطَّابِ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا أَبُو السَّنَابِلِ بْنُ بَعْكَكٍ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، فَقَالَ لَهَا: مَا لِي أَرَاكِ مُتَجَمِّلَةً لَعَلَّكِ تَرْتَجِينَ النِّكَاحَ؟ إِنَّكِ وَاللَّهِ مَا أَنْتِ بِنَاكِحٍ حَتَّى تَمُرَّ عَلَيْكِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ، قَالَتْ سُبَيْعَةُ: فَلَمَّا قَالَ لِي ذَلِكَ، جَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي حِينَ أَمْسَيْتُ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأَفْتَانِي بِأَنِّي «قَدْ حَلَلْتُ حِينَ وَضَعْتُ حَمْلِي، وَأَمَرَنِي بِالتَّزْوِيجِ، إِنْ بَدَا لِي»، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: «وَلَا أَرَى بَأْسًا أَنْ تَتَزَوَّجَ حِينَ وَضَعَتْ، وَإِنْ كَانَتْ فِي دَمِهَا غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَقْرَبُهَا زَوْجُهَا حَتَّى تَطْهُرَ»
[حكم الألباني] : صحيح م خ معلقا بتمامه وموصولا مختصرا
2307 – حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، قَالَ عُثْمَانُ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ ابْنُ الْعَلَاءِ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: «مَنْ شَاءَ لَاعَنْتُهُ لَأُنْزِلَتْ سُورَةُ النِّسَاءِ الْقُصْرَى بَعْدَ الْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُرِ وَعَشْرًا»
[حكم الألباني] : صحيح
وذكره مقبل في الصحيح المسند 855 وعزاه لأبي داود وقال :
هذا حديث صحيحٌ، ومعناه في البخاري (ج ٨ ص ١٩٣).
الحديث أخرجه النسائي (ج ٦ ص ١٩٧).
——
أجمع العلماء على أن عدة المطلقة الحامل هي وضع الحمل ، وذلك لقول الله تعالى : (وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ) الطلاق/4 .
وأجمعوا أيضاً على أن المرأة لو وضعت ما يتبين فيه خلق الإنسان أنه تنقضي بذلك عدتها . (المغني 11/229). ويبتدئ تخليق الحمل بعد ثمانين يوما ، والغالب أنه يكون إذا تم له تسعون يوماً .
وبناء على هذا فالمرأة التي أسقطت حملها في الشهر الخامس تنقضي به العدة عند جميع العلماء ، فلا يملك زوجها رجعتها بعد انتهاء عدتها .
ولكن له أن يعقد عليها عقدا جديدا إذا أرادا ذلك . فلا بد من رضاها وحضور الولي والشاهدين والمهر .
——
الفَرعُ الثَّاني: عِدَّةُ الحامِلِ المُتوَفَّى عنها زَوجُها
تجِبُ العِدَّةُ على المرأةِ الحامِلِ المُتوَفَّى عنها زَوجُها، وتَنقَضي بوَضعِ حَملِها.
الأدِلَّةُ:
أوَّلًا: مِنَ الكِتابِ
قَولُه تعالى: وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ الطلاق: 4.
وَجهُ الدَّلالةِ:
أنَّ الآيةَ نَصٌّ عامٌّ في كُلِّ حامِلٍ، فيَدخُلُ فيها مَن تُوفِّيَ عنها زَوجُها.
((المغني)) لابن قدامة (8/118).
ثانيًا: مِنَ السُّنَّةِ
عن أبي سَلَمةَ قال: ((جاء رجُلٌ إلى ابنِ عبَّاسٍ، وأبو هُريرةَ جالِسٌ عنده، فقال: أفتِني في امرأةٍ ولَدَت بعد زوجِها بأربعينَ ليلةً؟ فقال ابنُ عبَّاسٍ: آخِرُ الأجلَينِ، قلتُ أنا: وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ الطلاق: 4. قال أبو هُريرةَ: أنا مع ابنِ أخي -يعني: أبا سَلَمةَ- فأرسل ابنُ عبَّاسٍ غُلامَه كُرَيبًا إلى أمِّ سَلَمةَيَسألُها، فقالت: قُتِلَ زَوجُ سُبَيعةَ الأسلَمِيَّةِ وهي حُبلى، فوَضَعَت بعد موتِه بأربعينَ ليلةً، فخُطِبَت، فأنكَحَها رَسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، وكان أبو السَّنابِلِ فيمن خَطَبَها ))
أخرجه البخاري (4909) واللفظ له، ومسلم (1485).
وَجهُ الدَّلالةِ:
أنَّه نَصٌّ في اعتبارِ انتِهاءِ العِدَّةِ بوَضعِ الحَملِ؛ بدَليلِ زواجِها بعدَ وَضعِ حَملِها.
((أحكام القرآن)) لابن العربي (1/280).
ثالثًا: مِنَ الإجماعِ، قال ابنُ باز: (هذا محلُّ إجماعٍ بين أهلِ العِلمِ، قد كان في هذا بَعضُ الخلافِ اليسيرِ في العهدِ الأوَّلِ، ثم انقرض وزال، واستقَرَّ الإجماعُ على أنَّ المرأةَ متى وضَعَت حَمْلَها خرَجَت من العِدَّةِ، وليس عليها أن تعتدَّ أربعةَ أشهُرٍ وعشرًا، بل متى وضعت الحَملَ ولو بعدَ وفاةِ زَوجِها بليالٍ أو بساعاتٍ أو بدقائقَ، فإنَّها تخرجُ من العِدَّةِ، والحمدُ للهـ). (الموقع الرسمي للشيخ ابن باز)).
ونَقَل الإجماعَ على ذلك :
ابنُ المنذِرِ: (قد أجمعوا على أنَّها لو كانت حامِلًا لا تعلَمُ بوفاةِ الزَّوجِ أو طلاقِه فوضَعَت حَمْلَها: أنَّ عِدَّتَها مُنقَضيةٌ). ((الإشراف)) (5/355). وقال: (أجمع أهلُ العلمِ على أن عِدَّة الحُرَّةِ المُسلِمةِ مِن وَفاةِ زوجها أربَعةَ أشهُرٍ وعَشرًا، مدخولًا بها أو غيرَ مَدخولٍ بها، صغيرةً كانت أم كبيرةً، تقيمُ المُعتَدَّةُ في المنزلِ الذي كانت تَسكُنُه أيامَ حياتِه إلَّا أن تُخرَجَ منه، فيكونُ لها عُذرٌ في الخروجِ، وإن كان المُتوَفَّى عنها حامِلًا فأجَلُها أن تضَعَ حَملَها، فإن وضَعَت حَمْلَها وزَوجُها على السَّريرِ لم يُدفَنْ، انقَضَت عِدَّتُها، وحَلَّ لها النِّكاحُ). ((الإقناع)) (1/324)، وابنُ حزمٍ: (اتَّفقوا أنَّ الحامِلَ المتوفَّى عنها إن وضَعَت حَملَها بعد انقضاءِ أربعةِ أشهُرٍ وعَشرٍ، ثمَّ خَرَجَت مِن دَمِ نفاسِها أو انقطَعَ عنها، فقد انقَضَت عِدَّتُها). ((مراتب الإجماع)) (ص: 77) ، وابنُ عبدِ البَرِّ: (على القَولِ بحديثِ أمِّ سَلَمةَفي قِصَّةِ سُبَيعةَ جماعةُ العُلَماءِ بالحِجازِ، والعراق، والشام، ومصر، والمغرب، والمشرق: اليومَ، ولا خلافَ في ذلك). ((الاستذكار)) (6/212)، وابنُ قُدامةَ: (أجمعوا أيضًا على أنَّ المُتوَفَّى عنها زوجُها إذا كانت حاملًا، أجَلُها وَضْعُ حَملِها، إلَّا ابنَ عبَّاسٍ، ورُوي عن عليٍّ مِن وجهٍ منقطِعٍ أنَّها تعتَدُّ بأقصى الأجلَينِ. وقاله أبو السنابل بن بَعكَكٍ في حياةِ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فرَدَّ عليه النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قَولَه، وقد رُوِيَ عن ابنِ عبَّاسٍ أنَّه رجَعَ إلى قولِ الجماعةِ لَمَّا بلغه حديثُ سُبَيعةَ، وكَرِهَ الحَسَنُ والشعبي أن تُنكَحَ في دَمِها. ويُحكى عن حمَّادٍ وإسحاق: أنَّ عِدَّتَها لا تنقَضي حتى تَطهُرَ. وأبى سائِرُ أهلِ العِلمِ هذا القَولَ، وقالوا: لو وَضَعَت بعد ساعةٍ مِن وفاةِ زَوجِها، حَلَّ لها أن تتزوَّجَ، ولكِنْ لا يَطَؤُها زوجُها حتى تَطهُرَ مِن نفاسِها وتغتَسِلَ). ((المغني)) (8/118) ، والقرطبيُّ: (أجمع العُلَماءُ على أنَّها لو كانت حامِلًا لا تَعلَمُ طلاقَ الزَّوجِ أو وفاتَه، ثمَّ وضَعَت حَمْلَها: أنَّ عِدَّتَها مُنقَضِيةٌ). ((تفسير القرطبي)) (3/183) ، وابنُ تَيميَّةَ: (اتَّفقت أئمَّةُ الفُتيا على قَولِ عُثمانَ، وابنِ مَسعودٍ، وغَيرِهما في ذلك، وهو أنَّها إذا وَضَعَت حَمْلَها حَلَّت). ((مجموع الفتاوى)) (35/125).
رابِعًا: مِنَ الآثارِ
عن عَلقَمةَ بنِ قَيسٍ، أنَّ ابنَ مَسعودٍ قال: (مَن شاء لاعَنْتُه -مَن شاءَ لاعَنْتُه: مِنَ الملاعَنةِ، وهي: المُباهَلةُ، أي: مَن يُخالِفْني فإنْ شاء فليجتَمِعْ معي حتى نلعَنَ المخالِفَ للحَقِّ، وهذا كنايةٌ عن قَطعِه وجَزمِه بما يقولُ من غيرِ وَهمٍ. يُنظر: ((حاشية السندي على سنن النسائي)) (6/197)، ((عون المعبود)) للعظيم آبادي (6/298)- ؛ ما أُنزِلَت: وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ الطلاق: 4 إلَّا بعدَ آيةِ المُتوَفَّى عنها زَوجُها، إذا وَضَعَت المُتوَفَّى عنها زَوجُها فقد حَلَّت)
أخرجه النسائي (3522)، والبيهقي (15874) واللفظ لهما، والطبراني (9/384) (9642). قال الشوكاني في ((فتح القدير)) (5/347): رُوِيَ نحوُ هذا عنه مِن طُرُقٍ، وبعضُها في صحيحِ البخاريِّ. وصَحَّح إسناده الألباني في ((صحيح سنن النسائي)) (3522).
خامِسًا: لأنَّها مُعتَدَّةٌ حامِلٌ، فتَنقَضي عِدَّتُها بوَضعِه، كالمطَلَّقةِ.
((بدائع الصنائع)) للكاساني (3/196)، ((المغني)) لابن قدامة (8/118).
مسألةٌ: صِفةُ الحَملِ الذي تنقَضي به العِدَّةُ
تنقَضي العِدَّةُ بوَضعِ الحَملِ الذي تبَيَّنَ فيه خَلقُ إنسانٍ، وإن كان سِقْطًا.
الأدِلَّةُ:
أوَّلًا: مِنَ الكِتابِ
قَولُه تعالى: وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ الطلاق: 4.
وَجهُ الدَّلالةِ:
عُمومُ الآيةِ في انقِضاءِ العِدَّةِ بوَضعِ كُلِّ حَملٍ، ومنه ما تبيَّنَ فيه خَلقُ إنسانٍ
((المغني)) لابن قدامة (8/120).
ثانيًا: مِنَ الإجماعِ
نَقَل الإجماعَ على ذلك: ابنُ المنذِرِ: (أجمَعَ كُلُّ مَن نحفَظُ عنه مِن أهلِ العِلمِ على أنَّ عِدَّة المرأةِ تنقضي بالسِّقطِ تُسقِطُه إذا عُلِمَ أنَّه ولَدٌ). ((الإشراف)) (5/352). ونقله عنه ابنُ قُدامة في ((المغني)) (8/119). وقال: (إذا قالت: في عَشرةِ أيامٍ وما أشبَهَ ذلك قد انقَضَت عِدَّتي وقد حِضتُ ثلاثَ حِيَضٍ، لم تُصَدَّقْ ولم يُقبَلْ قَولُها. وهذا لا أعلَمُ فيه اختِلافًا إلَّا أن تقولَ: قد أسقَطتُ سِقطًا قد استبان خَلْقُهـ). ((الأوسط)) (9/585). ونقله عنه القرطبي في ((تفسيرهـ)) (3/119) ، وابنُ قُدامةَ: (الحَملُ الذي تنقَضي به العِدَّةُ: ما يتبيَّنُ فيه شيءٌ مِن خَلقِ الإنسانِ، حُرَّةً كانت أو أمَةً، وجُملةُ ذلك أنَّ المرأةَ إذا ألقَتْ بعد فُرقةِ زَوجِها شَيئًا، لم يَخْلُ مِن خمسةِ أحوالٍ: أحدُها: أن تضَعَ ما بان فيه خَلْقُ الآدميِّ مِنَ الرَّأسِ واليَدِ والرِّجلِ، فهذا تنقَضي به العِدَّةُ بلا خلافٍ بينهم). ((المغني)) (8/119).
ثالثًا: لأنَّه إذا بان فيه شَيءٌ مِن خَلقِ الآدَمِيِّ عُلِمَ أنَّه حَملٌ.
((المغني)) لابن قدامة (8/119، 120).
قال العباد:
كل حامل تنتهي عدتها عند وضع الحمل، سواء كانت عدتها عدة وفاة أو عدة طلاق، وسواء طالت المدة أو قصرت، فقد تكون عدتها ليلة واحدة أو ساعة، وقد تكون تسعة أشهر.
[شرح سنن أبي داود ١٨٥/١٢ ]
قال ابن القيم -رحمه الله-:
[عِدَّةُ الْحَامِلِ]
ذِكْرُ حُكْمِهِ ﷺ فِي الْعِدَدِ
هَذَا الْبَابُ قَدْ تَوَلَّى اللَّهُ – سُبْحَانَهُ – بَيَانَهُ فِي كِتَابِهِ أَتَمَّ بَيَانٍ، وَأَوْضَحَهُ، وَأَجْمَعَهُ بِحَيْثُ لَا تَشِذُّ عَنْهُ مُعْتَدَّةٌ، فَذَكَرَ أَرْبَعَةَ أَنْوَاعٍ مِنَ الْعِدَدِ، وَهِيَ جُمْلَةُ أَنْوَاعِهَا.
النَّوْعُ الْأَوَّلُ: عِدَّةُ الْحَامِلِ بِوَضْعِ الْحَمْلِ مُطْلَقًا بَائِنَةً كَانَتْ أَوْ رَجْعِيَّةً، مُفَارِقَةً فِي الْحَيَاةِ، أَوْ مُتَوَفًّى عَنْهَا، فَقَالَ: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] [الطَّلَاقِ: ٤] وَهَذَا فِيهِ عُمُومٌ مِنْ ثَلَاثِ جِهَاتٍ.
أَحَدُهَا: عُمُومُ الْمُخْبَرِ عَنْهُ، وَهُوَ أُولَاتُ الْأَحْمَالِ، فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَهُنَّ.
الثَّانِي: عُمُومُ الْأَجَلِ، فَإِنَّهُ أَضَافَهُ إِلَيْهِنَّ، وَإِضَافَةُ اسْمِ الْجَمْعِ إِلَى الْمَعْرِفَةِ يَعُمُّ، فَجَعَلَ وَضْعَ الْحَمْلِ جَمِيعَ أَجَلِهِنَّ، فَلَوْ كَانَ لِبَعْضِهِنَّ أَجَلٌ غَيْرُهُ لَمْ يَكُنْ جَمِيعَ أَجَلِهِنَّ.
الثَّالِثُ: أَنَّ الْمُبْتَدَأَ وَالْخَبَرَ مَعْرِفَتَانِ، أَمَّا الْمُبْتَدَأُ: فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا الْخَبَرُ – وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] [الطَّلَاقِ: ٤]، فَفِي تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ مُضَافٍ، أَيْ أَجَلُهُنَّ وَضْعُ حَمْلِهِنَّ، وَالْمُبْتَدَأُ وَالْخَبَرُ إِذَا كَانَا مَعْرِفَتَيْنِ، اقْتَضَى ذَلِكَ حَصْرَ الثَّانِي فِي الْأَوَّلِ، كَقَوْلِهِ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: ١٥] [فَاطِرٍ: ١٥] .
وَبِهَذَا احْتَجَّ جُمْهُورُ الصِّحَابَةِ عَلَى أَنَّ الْحَامِلَ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا عِدَّتُهَا وَضْعُ حَمْلِهَا، وَلَوْ وَضَعَتْهُ وَالزَّوْجُ عَلَى الْمُغْتَسَلِ كَمَا أَفْتَى بِهِ النَّبِيُّ ﷺ لِسُبَيْعَةَ الْأَسْلَمِيَّةِ، وَكَانَ هَذَا الْحَكَمُ وَالْفَتْوَى مِنْهُ مُشْتَقًّا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، مُطَابِقًا لَهُ. [زاد المعاد ٥/٥٢٧ ]
قال ابن عثيمين:
﴿وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٤]، لا يمكن أن تنقضي العدة سواء من حياة أو وفاة إلا بوضع الحمل، وهنا نسأل: إذا كان في بطنها اثنان ووضعت الأول تنتهي العدة؟ لا.
من أين أخذتم هذا؟ كيف تقولون: لا، أين دليلكم؟ حملهن عام، (أن يضعن حملهن) .
الحمل لم يوضع، الحمل ما زال.
(حملهن) هذه: مفرد مضاف، فيكون للعموم، يعني: كل الذي في بطنها.
[لقاء الباب المفتوح ١٢٤/١٠]
——-
قال الشافعي:
عدة الحامل
قال الله عز وجل في المطلقات {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن}.
(قال الشافعي): رحمه الله: فأي مطلقة طلقت حاملا فأجلها أن تضع حملها.
(قال): ولو كانت تحيض على الحمل تركت الصلاة واجتنبها زوجها ولم تنقض عدتها بالحيض لأنها ليست من أهله إنما أجلها أن تضع حملها.
(قال): فإن كانت ترى أنها حامل وهي تحيض فارتابت أحصت الحيض ونظرت في الحمل فإن مرت لها ثلاث حيض فدخلت في الدم من الحيضة الثالثة وقد بان لها أن ليس بها حمل فقد انقضت عدتها بالثلاث الحيض فإن ارتجعها زوجها في حال ارتيابها بعد ثلاث حيض وقفنا الرجعة فإن بان حمل فالرجعة ثابتة، وإن بان أن ليس بها حمل فالرجعة باطلة، وإن عجل فأصابها فلها المهر بما أصاب منها وتستقبل عدة أخرى ويفرق بينهما وهو خاطب، وهكذا المرأة المطلقة التي لم تحض ترتاب من الحمل فتمر بها ثلاثة أشهر لا تخالف حال التي ارتابت من الحمل وهي تحيض فحاضت ثلاث حيض إن برئت من الحمل برئت من العدة في الثلاثة الأشهر التي مرت بها بعد الطلاق في حال ريبة مرت بها أو غير ريبة، وإن لم تبرأ من الحمل وبان بها الحمل فأجلها أن تضع حملها وإن راجعها زوجها في الثلاثة الأشهر ثبتت الرجعة كانت حاملا أو لم تكن، فإذا راجعها بعد الثلاثة الأشهر وقفت الرجعة فإن برئت من الحمل فالرجعة باطلة، وإن كان الطلاق يملك الرجعة أنفق عليها في الحيض أو الشهور، وإن أنفق عليها وهو يراه حملا بطلت النفقة من يوم أكملت الحيض والشهور ويرجع عليها بما أنفق بعد مضي العدة بالشهور والحيض ويرجع بما أنفق حين كان يراها حاملا فإن كانت حاملا فالرجعة ثابتة ولها النفقة فإن دخل بها فأبطلت الرجعة جعلت لها الصداق بالمسيس واستأنفت العدة من يوم أصابها وكان خاطبا فإن راجعها وهي ترى أنها حامل بعد الثلاثة الأشهر ثم انفش ما في بطنها فعلم أنها غير حامل فالرجعة باطلة.
(قال الربيع) انفش ذهب.
(قال الشافعي – رحمه الله تعالى -): ولا تنكح المرتابة من المطلقات ولا المتوفى عنها زوجها من الحمل وإن أوفين عددهن لأنهن لا يدرين ما عددهن؟ الحمل أو ما اعتدن به؟ وإن نكحن لم نفسخ النكاح ووقفناه فإن برئن من الحمل فالنكاح ثابت وقد أسأن حين نكحن وهن مرتابات، وإن كان الحمل منعناهن الدخول حتى يتبين أن ليس حمل فإن وضعن أبطلنا النكاح وإن بان أن لا حمل خلينا بينهن وبين الدخول
(قال): ومتى وضعت المعتدة ما في بطنها كله فقد انقضت عدتها مطلقة كانت أو متوفى عنها ولو كان ذلك بعد الطلاق أو الموت بطرفة عين.
[الأم للإمام الشافعي 5/ 235 ط الفكر]
في الجامع لعلوم أحمد:
2458 – ثالثًا: العدة بوضع الحمل وحالات وجوبها
قال صالح: وسألت أبي عن المتوفى [زوجها وهي] حامل؟
قال: إذا وضعت فقد حلت، ولكن لا يطأها حتى تطهر من الدم وكذلك المطلقة الحامل؛ أجلها أن تضع حملها.
“مسائل صالح” (783)
قال ابن هانئ: سألت أبا عبد اللَّه عن المطلقة، والمتوفى عنها زوجها وهي حامل؟ فقال: إذا وضعت حملها فقد انقضت عدتها.
قرأت على أبي عبد اللَّه: هاشم بن القاسم قال: حدثنا أبو عقيل، عن مطرف بن طريف، عن عمرو بن سالم الأنصاري، عن أبي بن كعب قال: لما نزلت هذِه الآية التي في البقرة في المطلقة والمتوفى عنها، قلت: يا رسول اللَّه، إن أناسًا من أهل المدينة يقولون: عدد من عدد النساء لم تذكر في القرآن قال: “مَا يَقُولُونَ؟ ” قلت: عدد الصغار، والكبار، وذوات الأحمال، فأنزل اللَّه عز وجل: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4] (1).
“مسائل ابن هانئ” (1153)
قال، أبو طالب: قال الإمام أحمد: عليُّ بن أبي طالب وابن عباس يقولان في المعتدة الحامل أبعد الأجلين (2)، وكان ابن مسعود يقول:
من شاء باهلته أن سورة النساء القصرى نزلت بعد .
وحديث سُبَيْعَةَ يقضى بينهم “إِذَا وَضَعَتْ فَقَدْ حَلَّتْ”.
وابن مسعود يتأول القرآن {أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4]: هي في المتوفَّى عنها، والمطلقة مثلها إذا وضعت، فقد حلَّت، وانقضت عدتها، ولا تنقضي عدة الحامل إذا أسقطت حتى يتبين خلقه، فإذا بان له يد أو رجل، عتقت به الأمة، وتنقضي به العدة، عن منزلها الذي أصيب فيه زوجها أربعة أشهر وعشرًا إذا لم تكن حاملًا، والعدة من يوم يموت أو يطلق.
“زاد المعاد” 5/ 596
2459 – الحمل الذي تنقضي به العدة
قال إسحاق بن منصور: قلت: فأسقطت ولدًا انقضت العدة؟
قال: نعم، إذا علم أنه ولد.
قال إسحاق: هو كما قال، إذا كان سقطًا بينًا.
“مسائل الكوسج” (944)
قال الأثرم: قلت لأبي عبد اللَّه: إذا نُكس في الخلق الرابع. يعني تنقضي به العدة؟
فقال: إذا نكس في الخلق الرابع، فليس فيه اختلاف، ولكن إذا تبين خلقه هذا أدل.
ونقل أبو طالب عنه، إذا ألقت مضغة لا صورة فيها، فشهد ثقات من القوابل أنه مبتدأ خلق آدمي، أن عدتها لا تنقضي به، ولا تصير به أم ولد.
ونقل الأثرم عن أحمد، أن عدتها لا تنقضي به؛ ولكن تصير أم ولد.
ونقل حنبل عنه: أنها تصير أم ولد.
“الروايتين والوجهين” 2/ 213، “المغني” 11/ 203
2460 – إذا طلقها وفي بطنها ولدان؟
قال إسحاق بن منصور: قلت: إذا طلقها وفي بطنها ولدان؟
قال: ما لم تضع الآخر. قال إسحاق: هو كما قال.
“مسائل الكوسج” (949)
قال صالح: وسألته عن الرجل يطلق امرأته وفي بطنها ولدان، فوضعت أحدهما، ثم راجعها زوجها؟
قال: ما لم تضع الآخر فهو أحق بها.
“مسائل الكوسج” (256)
قال حرب: سألت أحمد قلت: رجل طلق امرأته فولدت ولدًا وفي بطنها آخر؟ قال: لا تنقضي عدتها حتى تضعهما جميعًا.
“مسائل حرب” ص 234
2461 – متى يجوز للمعتدة بوضع الحمل الزواج؟
قال حرب: سألت أحمد قلت: النفساء تُزوَج قبلَ أن تخرج من نفاسها؟
قال: نعم، تزوج إذا وضعت ما في بطنها من غير أن يقربها.
“مسائل حرب” ص 228
[الجامع لعلوم الإمام أحمد – الفقه 11/ 500]
[ذكر] انقضاء العدة بالسقط
أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن عدة المرأة المطلقة تنقضي بالسقط تسقطه إذا علم أنه ولد.
كذلك قال الحسن البصري. ومحمد بن سيرين والشعبي، وإبراهيم النخعي، وشريح، والزهري، ومالك، والشافعي، والثوري، وأحمد، وإسحاق.
[الأوسط لابن المنذر 9/ 262]
قال الخطابي:
عن عبد الله، قال من شاء لاعنته لأنزلت سورة النساء القصرى بعد الأربعة الأشهر وعشر.
قال الشيخ: يريد سورة الطلاق إذ أن نزول هذه السورة كان بعد نزول البقرة فقال في الطلاق {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملن} [الطلاق: 4] وفي البقرة {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجاً} [البقرة: 234] الآية فظاهر كلامه يدل على أنه حمله على النسخ فذهب إلى أن ما في سورة الطلاق ناسخ لما في سورة البقرة، وعامة العلماء لا يحملونه على النسخ بل يرتبون إحدى الآيتين على الأخرى فيجعلون التي في سوره البقرة في عدد الحوابل وهذه في الحوامل.
[معالم السنن 3/ 290]
قال البسام:
بَابُ العِدَّة
العدة: بكسر العين المهملة مأخوذ من “العدد” بفتح الدال، لأن أزمنة العدة محصورِة.
وهي تربص المرأة المحدود شرعا، عن التزويج، بعد فراق زوجها. والأصَل فيه، الكتاب والسنة، والإجماع.
فأما الكتاب، فمثل قوله تعالى: {والمُطَلقَاتُ يتربصن بِأنفُسِهِنَّ} الآية وغيرها.
وأما السنة، فكثيرة جدا، منها ما تقدم، من أمره صلى الله عليه وسلم فاطمة “أن تعتد في بيت أم شريك”.
وأجمع العلماء عليها، استنادا إلى نصوص الكتاب والسنة الكثيرة.
وقد جعل الله تبارك وتعالى هذه العدة تتربص فيها المفارقة لحكم وأسرار عظيمة. وهذه الحكم، تختلف باختلاف حال المفارقة.
فمنها، العلم ببراءة الرحم، لئلا يجتمع ماء الواطئين في رحم واحد، فتختلط الأنساب، وفى اختلاطها، الشر والفساد.
ومنها، تعظيم خطر عقد النكاح، ورفع قدره، وإظهار شرفه.
ومنها، تطويل زمن الرجعة للمطلق، إذ لعله يندم، فيكون عنده زمن يتمكن فيه من الرجعة.
وهذه الحكمة ظاهرة في عدة الرجعية وأشار إليها القرآن: {لا تدري لَعَل اللَه يُحْدِثُ بَعْدَ ذلِك أمرا} .
وفيه قضاء حق الزوج، وإظهار التأثر لفقده، وهذا في حق المتوفى عنها.
ولها حكم كثيرة، لحق الزوج والزوجة، وحق الولد، وحق الله قبل ذلك كله بامتثال أمره.
فمجرد اتباع أوامره، سر عظيم من أسرار شرعه، والله الموفق.
ما يؤخذ من الحديث:
1- وجوب العدة على المتوفى. عنها زوجها.
2- أن عدة الحامل، تنتهي بوضع حملها.
3- عموم إطلاق الحمل، يشمل ما وضع، وفيه خلق إنسان.
4- أن عدة المتوفى عنها -غير حامل- أربعة أشهر وعشر للحرة وشهران وخمسة أيام للأمة.
5- يباح لها التزويج، ولو لم تطهر من نفاسها، لما روت (فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت حملي.. الخ) رواه ابن شهاب الزهري.
6- قال شيخ الإسلام: والقرآن ليس فيه إيجاب العدة بثلاثة قروء إلا على المطلقات، لا على من فارقها زوجها بغير طلاق، ولا على من وطئت بشبهة، ولا على المزني بها.
توفيق بين آيتين:
جمهور العلماء، ومنهم الأئِمة الأربعة، ذوو المذاهب الخالدة- ذهبوا إلى تخصيص آية {والَّذِينَ يُتَوَفْوْنَ منكم} الآية. بحديث سُبَيْعة، الذي معنا، فتكون الآية هذه، خاصة في غير ذوات الأحمال، وأبقوا الآية الأولى على عمومها بأن وضع الحمل غاية كل عدة في حياة أو وفاة.
وبهذا التخصيص، تجتمع الأدلة، ويزول الإشكال.
ويقصد هذا التخصيص، أن أكبر حكم العدة، هو العلم ببراءة الرحم، وهو ظاهر بوضع الحمل.
فائدة:
سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن رجل ترك زوجته ست سنين ولم يترك لها نفقة، ثم بعد ذلك تزوجت رجلا ودخل بها، ثم حضر الزوج.
فأجاب: إن النكاح الأول فسد لتعذر النفقة من جهة الزوج، وانقضت عدتها، ثم تزوجت الثاني فنكاحه صحيح، وإن كانت تزوجت الثاني قبل فسخ نكاح الأول فنكاحه باطل.
[تيسير العلام شرح عمدة الأحكام ص604]
وذكر ابن القيم أن هذا عندهم من باب التخصيص ( تهذيب السنن )
قال الإتيوبي:
(المسألة الثالثة): في فوائده: فذكر فوائد كثيرة
(ومنها): أن الثيّب لا تزوّج إلا برضاها من ترضاه، ولا إجبار لأحد عليها، وقد تقدّم بيانه في بابه.
(ومنها): أنه استُدلّ بقولها في رواية ابن شهاب الآتية: “فأفتاني بأني حللت حين وضعت حملي” على أنه يجوز العقد عليها إذا وضعت، ولو لم تطهر من دم النفاس. وبه قال الجمهور، وإلى ذلك أشار ابن شهاب في آخر حديثه عند مسلم بقوله: “ولا أرى بأسًا أن تتزوّج حين وضعت، وإن كانت في دمها، غير أنه لا يقربها زوجها حتى تطهر”. وقال الشعبيّ، والحسن، والنخعيّ، وحماد بن سلمة: لا تنكح حتى تطهر.
قال القرطبيّ: وحديث سبيعة حجة عليهم، ولا حجة لهم في قوله في بعض طرقه: “فلما تعلّت من نفاسها”؛ لأن “تعلّت” وإن كان أصله طهرت من دم نفاسها، على ما حكاه الخليل، فيحتمل أن يكون المراد به هنا تعلّت من آلام نفاسها، أي استقلّت من أوجاعها، وتغييراته. ولو سُلّم أن معناه ما قاله الخليل، فلا حجة فيه أيضًا؛ لأنها حكاية واقعة سُبيعة، وإنما الحجة في قوله صلى الله عليه وسلم: “إنها حلّتْ حين وضعتْ”، كما في حديث ابن شهاب المشار إليه سابقًا. وفي رواية معمر، عن الزهريّ: “حللتِ حين وضعتِ حملك”، وكذا أخرجه أحمد من حديث أُبيّ بن كعب رضي الله عنه: “أن امرأته أم الطفيل قالت لعمر رضي الله عنه قد أمر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم سبيعة أن تنكح إذا وضعت”.
وهو ظاهر القرآن في قوله تعالى: {أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}، فعلّق الحلّ بحين الوضع، وقصره عليه، ولم يقل: إذا طهرت، ولا إذا انقطع دمك، فصحّ ما قاله الجمهور. انتهى كلام القرطبيّ، وهو تحقيق حسن جدًّا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في عدّة الحامل المتوفّى عنها زوجها:
ذهب جمهور العلماء من السلف، وأئمة الفتوى في الأمصار إلى أن الحامل إذا مات عنها زوجها تحلّ بوضع الحمل، وتنقضي عدّة الوفاة.
وخالف في ذلك عليّ رضي الله عنه، فقال: تعتدّ آخر الأجلين. ومعناه أنها إن وضعت قبل مضيّ أربعة أشهر وعشر، تربّصت إلى انقضائها، ولا تحلّ بمجرّد الوضع، وإن انقضت المدّة قبل الوضع، تربّصت إلى الوضع. أخرجه سعيد بن منصور، وعبد بن حُميد، عن عليّ رضي الله عنه بسند صحيح. وبه قال ابن عبّاس – رضي اللَّه تعالى عنهما -، كما في قصّته مع أبي هريرة رضي الله عنه الآتية في هذا الباب، ويقال: إنه رجع عنه، ويقوّيه أن المنقول عن أتباعه وفاق الجماعة في ذلك. وسيأتي في الرواية الآتية -3544 – أن عبد الرحمن بن أبي ليلى أنكر على ابن سيرين القول بانقضاء عدّتها بالوضع، وأنكر أن يكون ابن مسعود قال بذلك، وقد ثبت عن ابن مسعود رضي الله عنه من عدّة طرق أنه كان يوافق الجماعة، حتى كان يقول: “من شاء لاعنته على ذلك”.
ويظهر من مجموع الروايات في قصّة سبيعة أن أبا السنابل رجع عن فتواه أوّلاً أنها لا تحلّ حتى تمضي مدّة عدّة الوفاة؛ لأنه قد روى قصّة سبيعة ورد النبيّ صلى الله عليه وسلم ما أفتاها أبو السنابل به من أنها لا تحلّ حتى يمضي أربعة أشهر وعشر، ولم يَرِد عن أبي السنابل تصريح في حكمها لو انقضت المدّة قبل الوضع، هل كان يقول بظاهر إطلاقه من انقضاء العدّة، أو لا؟، لكن نقل غير واحد الإجماع على أنها لا تنقضي في هذه الحالة الثانية حتى تضع.
وقد وافق سحنون من المالكيّة عليًّا رضي الله عنه، نقله المازريّ وغيره. وهو شذوذ مردود؛ لأنه إحداث خلاف بعد استقرار الإجماع.
والسبب الحامل له الحرص على العمل بالآيتين اللتين تعارض عمومهما، فقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} عامّ في كلّ من مات عنها زوجها، يشمل الحامل وغيرها، وقوله تعالى: {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} عامّ أيضًا، يشمل المطلّقة، والمتوفّى عنها، فجمع أؤلئك بين العمومين بقصر الثانية على المطلّقة، بقرينة ذكر عدد المطلّقات، كالآيسة، والصغيرة قبلهما، ثم لم يمهلوا ما تناولته الآية الثانية من العموم، لكن قصروه على من مضت عليها المدّة، ولم تضع، فكان تخصيص بعض العموم أولى، وأقرب إلى العمل بمقتضى الآيتين من إلغاء أحدهما في حقّ بعض من شمله العموم. قال القرطبيّ: هذا حسنٌ، فإن الجمع أولى من الترجيح باتفاق أهل الأصول. لكن حديث سبيعة نصٌّ بأنها تحلّ بوضع الحمل، فكان فيه بيان للمراد بقوله تعالى: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} أنه في حقّ من لم تضع، وإلى ذلك أشار ابن مسعود رضي الله عنه بقوله: “إن آية الطلاق نزلت بعد آية البقرة”. وفهم بعضهم منه أنه يرى نسخ الأولى بالأخيرة، وليس ذلك مراده، وإنما يعني أنها مخصّصة لها، فإنها أخرجت منها بعض متناولاتها.
وقال ابن عبد البرّ -رحمه اللَّه تعالى-: لولا حديث سُبيعة لكان القول ما قال عليّ، وابن عبّاس رضي الله عنهم؛ لأنهما عدّتان مجتمعتان بصفتين، وقد اجتمعتا في الحامل المتوفّى عنها زوجها، فلا تخرج من عدّتها إلا بيقين، واليقين آخر الأجلين انتهى.
قال الجامع – عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما ذُكر أن الأرجح هو ما ذهب إليه الجمهور، من العمل بحديث سُبيعة – رضي اللَّه تعالى عنها -، فإذا وضعت الحامل حملها بعد وفاة زوجها، فقد انقضت عدّتها، سواء كان قريبًا من وفاته، ولو لحظة، أو بعيدًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم فيما تنقضي بوضعه العدّة، من الحمل: قال العلامة ابن قدامة -رحمه اللَّه تعالى-: ما ملخّصه: إذا ألقت المرأة بعد فرقة زوجها، أو موته شيئًا لم يخلُ من خمسة أحوال:
[أحدها]: أن تضع ما بان فيه خلق الآدميّ، من الرأس، واليد، والرجل، فهذا تنقضي به العدّة بلا خلاف بين العلماء. قال ابن المنذر: أجمع كلّ من نحفظ عنه من أهل العلم على أن عدّة المرأة تنقضي بالسقط، إذا عُلم أنه ولد، وممن نحفظ عنه ذلك: الحسن، وابن سيرين، وشُريح، والشعبيّ، والنخعيّ، والزهريّ، والثوريّ، وأبو حنيفة، ومالكٌ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق. قال: وذلك لأنه إذا بان فيه شيء من خلق الآدميّ عُلم أنه حملٌ، فيدخل تحت قوله تعالى: {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}.
[الحال الثاني]: أن تلقي نطفة، أو دمًا، لا تدري، هل هو ما يُخلق منه الآدميّ، أو لا؟، فهذا لا يتعلّق به شيء من الأحكام؛ لأنه لم يثبت أنه ولدٌ، لا بالمشاهدة، ولا بالبيّنة.
[الحال الثالث]: أن تلقي مضغة، لم تَبِن فيها الخلقة، فشهدت ثقاتٌ من القوابل أن فيه صورة خفيّةً، بأن بها خلقة آدميّ، فهذا في حكم الحال الأول؛ لأنه قد تبيّن بشهادة أهل المعرفة أنه ولد.
[الحال الرابع]: أن تُلقي مضغة، لا صورة فيها، فشهد ثقات من القوابل أنه مبتدأ خلق آدميّ، فاختلف عن أحمد، فنقل أبو طالب أنه عدّتها لا تنقضي، ولا تصير به أم ولد؛ لأنه لم يبن فيه خلق آدميّ، فأشبه الدم. وقد ذُكر هذا قولاً للشافعيّ. ونقل الأثرم عنه أن عدتها لا تنقضي به، ولكن تصير أم ولد؛ لأنه مشكوك في كونه ولدًا، فلا تنقضي عدتها، ويثبت كونها أم ولد؛ احتياطًا في كلّ منهما.
[الحال الخامس]: أن تضع مضغة لا صورة فيها، ولم تشهد القوابل بأنها مبتدأ خلق آدميّ، فهذا لا تنقضي به عدّة، ولا تصير به أم ولد؛ لأنه لم يثبت كونه ولدًا ببيّنة، ولا مشاهدة، فأشبه العلقة. ولا تنقضي العدّة بوضع ما قبل المضغة بحال، سواء كان نطفة، أو علقة، وسواء قيل: مبتدأ خلق آدميّ، أو لم يُقل. ولا نعلم في هذا مخالفًا إلا الحسن، فإنه قال: إذا علم أنه حمل انقضت به العدّة، وفيه الغُرّة. والأول الأصحّ، وعليه الجمهور. وأقلّ ما تنقضي به العدّة من الحمل أن تضعه بعد ثمانين يومًا منذ أمكنه وطؤها؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: “إن خلق أحدكم ليُجمَع في بطن أمه، فيكون نطفة أربعين يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك … ” الحديث متّفقٌ عليه. ولا تنقضي العدّة بما دون المضغة، فوجب أن تكون بعد الثمانين، فأما ما بعد الأربعة أشهر، فليس فيه إشكال؛ لأنه يُنكّس في الخلق الرابع. انتهى كلام ابن قدامة بتصرّف واختصار وهو تفصيل حسن جدًّا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
[ذخيرة العقبى في شرح المجتبى 29/ 233]