2299 – فتح الودود في تحضير سنن أبي داود
مشاركة: أحمد بن علي وعدنان البلوشي وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وأسامة الحميري وعبدالله المشجري
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
سنن أبي داود
بَابُ إِحْدَادِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا
2299 – حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ الثَّلَاثَةِ، قَالَتْ زَيْنَبُ: دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ حِينَ تُوُفِّيَ أَبُوهَا أَبُو سُفْيَانَ، فَدَعَتْ بِطِيبٍ فِيهِ صُفْرَةٌ خَلُوقٌ أَوْ غَيْرُهُ، فَدَهَنَتْ مِنْهُ جَارِيَةً، ثُمَّ مَسَّتْ بِعَارِضَيْهَا، ثُمَّ قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا»
[حكم الألباني] : صحيح
2299 – قَالَتْ زَيْنَبُ: وَدَخَلْتُ عَلَى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ حِينَ تُوُفِّيَ أَخُوهَا فَدَعَتْ بِطِيبٍ فَمَسَّتْ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَتْ: وَاللَّهِ مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا»
2299 – قَالَتْ زَيْنَبُ: وَسَمِعْتُ أُمِّي أُمَّ سَلَمَةَ تَقُولُ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ ابْنَتِي تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا، وَقَدِ اشْتَكَتْ عَيْنَهَا أَفَنَكْحَلُهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا»، مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا كُلُّ ذَلِكَ، يَقُولُ: «لَا»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ، وَقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ»، قَالَ حُمَيْدٌ: فَقُلْتُ لِزَيْنَبَ: وَمَا تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ؟ فَقَالَتْ زَيْنَبُ: «كَانَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا دَخَلَتْ حِفْشًا، وَلَبِسَتْ شَرَّ ثِيَابِهَا، وَلَمْ تَمَسَّ طِيبًا وَلَا شَيْئًا، حَتَّى تَمُرَّ بِهَا سَنَةٌ، ثُمَّ تُؤْتَى بِدَابَّةٍ حِمَارٍ أَوْ شَاةٍ أَوْ طَائِرٍ فَتَفْتَضُّ بِهِ، فَقَلَّمَا تَفْتَضُّ بِشَيْءٍ إِلَّا مَاتَ، ثُمَّ تَخْرُجُ فَتُعْطَى بَعْرَةً فَتَرْمِي بِهَا، ثُمَّ تُرَاجِعُ بَعْدُ مَا شَاءَتْ مِنْ طِيبٍ أَوْ غَيْرِهِ»، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: ” الْحِفْشُ: بَيْتٌ صَغِيرٌ ”
——
قال ابن القيم رحمه الله: ” أما الإحداد على الأزواج: فإنه تابع للعدة، وهو من مقتضياتها ومُكمِّلاتها، فإن المرأة إنما تحتاج إلى التزيُّن والتَّجمُّل والتعطر، لتتحبب إلى زوجها وترد له نفسَه، ويحسن ما بينهما من العشرة، فإذا مات الزوج، واعتدت منه، وهي لم تصل إلى زوج آخر، فاقتضى تمام حق الأول، وتأكيد المنع من الثاني قبل بلوغ الكتاب أجله: أن تُمنعَ مما تصنعه النساء لأزواجهن.
مع ما في ذلك من سَدِّ الذريعة إلى طمعها في الرجال، وطمعهم فيها، بالزينة والخِضَاب والتطيُّب.
فإذا بلغ الكتاب أجله، صارت محتاجةً إلى ما يُرغِّب في نكاحها، فأبيح لها من ذلك ما يباح لذات الزوج.
فلا شيء أبلغ في الحسن من هذا المنع والإباحة، ولو اقترحت عقول العالمين، لم تقترح شيئًا أحسن منه” انتهى من “إعلام الموقعين” (3/ 417)
قال ابن بطال:
الإحداد: ترك المرأة الزينة كلها من اللباس والطيب والحلى والكحل، وكل ما كان من دواعى الجماع، يقال: امرأة حادّ ومحدّ. وأباح النبى، صلى الله عليه وسلم ، أن تحد المرأة على غير زوجها من ذوى محارمها ثلاثة أيام، لما يغلب من لوعة الحزن، ويهجم من أليم الوجد، ولم يوجب ذلك عليها، وهذا مذهب الفقهاء، وحرم عليها من الإحداد ما فوق ذلك.
ومما يدل على أن الإحداد فى الثلاثة أيام على غير الزوج غير واجب إجماع العلماء على أن من مات أبوها، أو ابنها، وكانت ذات زوج، وطالبها زوجها بالجماع فى الثلاثة الأيام التى أبيح لها الإحداد فيها أنه يقضى له عليها بالجماع فيها، ونص التنزيل أن الإحداد على ذوات الأزواج أربعة أشهر وعشرًا واجب.
[شرح صحيح البخاري لابن بطال 3/ 268]
وقال ابن بطال أيضا:
قال ابن المنذر: وحديث أم حبيبة يدل على معان، فمنها: تحريم إحداد المسلمات على غير أزواجهن فوق ثلاث، وإباحة إحدادهن عليهم ثلاثًا، ومنها أن المأمور بالإحداد الزوجة المسلمة دون اليهودية والنصرانية، وإن كانت تحت مسلم؛ لأن قوله: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر) ، دليل على أن الذمية لم تخاطب بذلك. ومنها الدلالة على أن المخاطب بالإحداد من الزوجات من عدتهن الشهور دون الحوامل منهن. وفيه: دليل على أن المطلقة ثلاثًا لا إحداد عليها. قال ابن المنذر: هذا يدل عليه ظاهر الحديث، وقد قاله بعض من لقيته من أهل العلم، فإن يكن فى ذلك إجماع فهو مسلم له، وليس فيه إجماع؛ لأن الحسن البصرى كان لا يرى الإحداد. ومنها: وجوب الإحداد على جميع الزوجات المسلمات، مدخولاً بهن أو غير مدخول بهن؛ لدخولهن فى جملة من خوطب بالإحداد فى عدة الوفاة إذا كانت العدة بالشهور ، وتدخل فيما ذكرناه الحرة تحت العبد ، والأمة تحت الحر والعبد والمكاتب والمدبر ، وأم الولد المزوجة يتوفى عنهن أزواجهن ، والمطلقة يطلقها زوجها طلاقًا يملك رجعتها، ثم يتوفى عنها قبل انقضاء عدتها، إذ أحكامها أحكام الأزواج إلى أن توفى عنها . وممن قال أن على الأمة إحداد إذا توفى عنها زوجها، مالك، والثورى، والكوفيون، والشافعى، وأبو ثور، وحكى ذلك عن ربيعة؛ لأنها داخلة فى جملة الأزواج، وفى عموم الأخبار، ولا أحفظ فى ذلك خلافًا إلا ما ذكر عن الحسن. وأجمعوا أن أم الولد لا إحداد عليها إذا توفى سيدها، والحجة في ذلك أن الأحاديث إنما جاءت فى الأزواج، وأم الولد ليست بزوجة، ذكر هذا كله ابن المنذر.
قال المؤلف: واختلف قول مالك فى الكتابية هل يلزمها الإحداد على زوجها المسلم، فروى عنه أشهب أنه لا إحداد عليها، وهو قول ابن نافع، والكوفيين، وقد تقدم أن هذا القول يدل عليه الحديث.
قال الكوفيون: وكيف يكون عليها الإحداد مع ما فيها من الشرك، وما تترك من فرائض الله أعظم من ذلك.
وروى أيضًا عن مالك أنه قال: عليها الإحداد، وهو قول الليث، والشافعى، وأبى ثور، وحجة هذا القول أن الإحداد من حق الزوج، وهو يحفظ النسب كالعدة، قالوا: وتدخل الكافرة فى ذلك المعنى، كما دخل الكافر فى أنه لا يجوز أن يُستام على سومه، وإنما فى الحديث: (لا يسم على سوم أخيه) ، كما يقال: هذا طريق المسلمين، وقد يسلكه غيره، قالوا: وإن كان الخطاب يتوجه إلى المؤمنات، فإن الذمية خلت فى ذلك لحق الزوجية؛ لأنها فى النفقة والسكنى والعدة كالمسلمة، فكذلك تكون فى الإحداد. واختلفوا فى الزوجة الصغيرة يتوفى عنها زوجها، فقالت طائفة: عليها من ذلك ما على البالغ منهن، هذا قول مالك، والشافعى، وأحمد بن حنبل، وأبى عبيد، وأبى ثور.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا إحداد عليها؛ لقوله عليه السلام: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث) ، فعلم أن ذلك لا يلزم إلا المكلفين البالغين. واحتج أبو عبيد للقول الأول، فقال: لما كان نكاحها غير محرم على كل ناكح كنكاح الكبيرة، وجب أن تكون فى الإحداد كذلك، وكان يقول: إنما ذلك على من يتولاها من الأبوين وغيرهما. قال المؤلف: ولما أجمعوا أن على الصغيرة عدة الوفاة، فكذلك الإحداد. واختلفوا فى المطلقة ثلاثًا، فقالت طائفة: عليها الإحداد كالمتوفى عنها زوجها سواء، روى ذلك عن سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وابن سيرين، والحكم، وهو قول الكوفيين، وأبى ثور، وأبى عبيد. وقال الشافعى وأحمد وإسحاق: الاحتياط أن تتقى المطلقة الزينة. قال الشافعى: ولا يتبين لى أن أوجبه. واحتج من أوجبه عليها؛ لأنها فى عدة يحفظ بها النسب، كالمتوفى عنها زوجها. وقالت طائفة: لا إحداد على مطلقة، ورخصوا لها فى الزينة، روى ذلك عن عطاء، وربيعة، وهو قول مالك والليث.
وقال ابن المنذر: قول النبى صلى الله عليه وسلم : (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث) ، دليل على أن المطلقة ثلاثًا والمطلق حي لا إحداد عليها؛ لأنه عليه السلام أخبر أن الإحداد إنما هو على نساء الموتى، مع أن الأشياء على الإباحة حتى يدل كتاب أو سنة أو إجماع على حظر شىء فيمتنع منه. وفسر مالك الحفش أنه البيت الردىء، وروى ابن وهب عنه أنه البيت الصغير، وهو قول الخليل. وقال أبو عبيد: الحفش الدرج، وجمعه أحفاش، يشبه البيت الصغير. وقال الخطابى: سمى حفشًا؛ لضيقه وانضمامه، والتحفش الانضمام والاجتماع. وقال مالك: تفتض به، تمسح جلدها كالنشرة. قال صاحب العين: الفضض ماء عذب تصيبه ساعتئذ، وتقول: افتضضته. وقال غيره: كانت المرأة فى الجاهلية تفتض بالدابة، ثم تغتسل وتتنظف، ثم ترمى ببعرة من بعر الغنم، فترمى بها وراء ظهرها، ويكون ذلك إحلالاً لها، ومعنى رميها بالبعرة إعلام لها أن صبرها عامًا أهون عليها من رميها بالبعرة.
[شرح صحيح البخاري لابن بطال 7/ 505]
ورد حديث بأن المعتدة لا تحد على زوج أكثر من ثلاث لكنه شاذ عند أهل العلم ومعل وبعضهم التمس له تأويلا
ففي المسند المصنف المعلل ٣٦/٦٧ — مجموعة من المؤلفين
١٧٣١٩ – عن عبد الله بن شداد، عن أسماء بنت عُميس، قالت:
«دخل علي رسول الله ﷺ اليوم الثالث من قتل جعفر، فقال: لا تحدي بعد يومك هذا».
أخرجه أحمد (٢٧٦٢٣) قال: حدثنا يزيد، قال: أخبرنا محمد بن طلحة، قال: حدثنا الحكم بن عتيبة، عن عبد الله بن شداد، فذكره (١).
١٧٣٢٠ – عن عبد الله بن شداد، عن أسماء بنت عُميس، قالت:
«لما أصيب جعفر، أتانا النبي ﷺ فقال: تسلبي (١) ثلاثا، ثم اصنعي ما شئت» (٢).
أخرجه أحمد (٢٨٠١٥) قال: حدثنا أَبو كامل، ويزيد بن هارون، وعفان. و«عبد الله بن أحمد» ٦/ ٤٣٨ (٢٨٠١٦) قال: وحدثنا محمد بن بكار. و«ابن حِبَّان» (٣١٤٨) قال: أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن بكار بن الريان.
أربعتهم (أَبو كامل مُظفر بن مُدرِك، ويزيد، وعفان بن مسلم، ومحمد بن بكار) عن محمد بن طلحة بن مُصَرِّف، قال: حدثنا الحكم بن عتيبة، عن عبد الله بن شداد، فذكره (٣).
والحديث؛ أخرجه ابن سعد ٤/ ٣٧ و١٠/ ٢٦٧، وإسحاق بن رَاهَوَيْه (٢١٤١)، والطبراني ٢٤/ ٢٥٤، والبيهقي ٧/ ٤٣٨.
– فوائد:
– قال إسحاق بن منصور الكوسج: سألت أحمد عن حديث أسماء بنت عُميس، رضي الله عنها، يعني: تسلبي ثلاثا، ثم اصنعي ما شئت؟ قال: هذا الشاذ من الحديث الذي لا يؤخذ به، قد روي عن النبي ﷺ من كذا وجه خلاف هذا الشاذ.
قال إسحاق: ما أحسن ما قال. «مسائل أحمد وابن رَاهَوَيْه» (٣٣٤٥).
– وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن حديث: رواه محمد بن طلحة بن مُصَرِّف، عن الحكم، عن عبد الله بن شداد، عن أسماء بنت عُميس، قالت: لما أصيب جعفر بن أبي طالب، أمرني النبي ﷺ قال: تسلبي ثلاثا، ثم اصنعي ما شئت.
قال أبي: فسروه على معنيين:
أحدهما؛ أن الحديث ليس هو عن أسماء، وغلط محمد بن طلحة، وإنما كانت امرأة سواها.
وقال آخرون: هذا قبل أن ينزل العدد.
قال أبي: أشبه عندي والله أعلم، أن هذه كانت امرأة غير أسماء، وكانت من جعفر بسبيل قرابة، ولم تكن امرأته، لأن النبي ﷺ قال: لا تحد امرأة على أحد فوق ثلاث، إلا على زوج. «علل الحديث» (١٣١٨).
– وقال الدارقُطني: يرويه الحكم بن عتيبة، واختُلِف عنه؛
فرواه محمد بن طلحة، عن الحكم، عن عبد الله بن شداد، عن أسماء.
وأرسله معاذ بن معاذ، وغُندَر، عن شعبة.
ورواه الحسن بن عمارة، عن الحكم، والحسن بن سعد، عن عبد الله بن شداد، عن أسماء.
ورواه الحجاج بن أَرطَاة، واختُلِف عنه؛
فرواه أَبو خالد الأحمر، عن حجاج، عن الحسن بن سعد، عن عبد الله بن شداد، عن أسماء ابنة عميس.
قال ذلك عبد الصمد، عن حماد.
وأرسله أسد بن عَمرو البَجَلي، عن حجاج، عن الحسن بن سعد، عن عبد الله بن شداد، لم يتجاوز به.
والمرسل أصح. «العلل» (٤٠٥٠).
– وقال الدارقُطني: رواه الحكم بن عتيبة، واختُلِف عنه؛
فرواه محمد بن طلحة، وعبد الغفار بن القاسم أَبو مريم، والحسن بن عباد، عن الحكم، عن عبد الله بن شداد، عن أسماء بنت عُميس.
وكذلك قال عبد الصمد: عن شعبة.
والمحفوظ عن شعبة، عن الحكم، عن عبد الله بن شداد، مُرسلًا. «العلل» (٣٩٦٥).
قال ابن رسلان:
قوله: “فوق ثلاث” جواز الإحداد بثلاثة فما دونها، وأنه يحرم الزيادة على الثلاث؛ لأن في تعاطيه إظهار عدم الرضا بالقضاء، وأما الثلاث [فإن النفوس لا تستطيع فيها الصبر] (1) ولذلك سن فيها التعزية (إلا على زوج) واستثنى بكل مفهوم [عدم وجوب الحداد على المنكوحة نكاحًا فاسدًا] (2) فإنه لا يحل الإحداد لها، ولفظ “لا يحل” لا يفهم منها الوجوب، فأين وجوب الإحداد؟ وأجيب بأن الوجوب مأخوذ من الإجماع فاكتفي به، وتعقب بعض المتأخرين ذلك بمنع الإجماع فإن الإجماع في الإحداد معروف….
[شرح سنن أبي داود لابن رسلان 10/ 188]
قال الإتيوبي:
(المسألة الأولى): في أقوال أهل العلم في حكم إحداد المرأة:
قال العلامة ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى-: ما ملخّصه: لا نعلم بين أهل العلم خلافًا في وجوب الإحداد على المتوفّى عنها زوجها، إلا الحسن، فإنه قال: لا يجب الإحداد، وهو قول شذّ به عن أهل العلم، وخالف به السنة، فلا يعرّج عليه، ويستوي في وجوبه الحرّة، والأمة، والمسلمة، والذمّيّة، والكبيرة، والصغيرة. وقال أصحاب الرأي: لا إحداد على ذمّيّة، ولا صغيرة؛ لأنهما غير مكلّفين. والصحيح قول الجمهور؛ لعموم الأحاديث.
ولا إحداد على غير الزوجات، كأم الولد، إذا مات سيدها، قال ابن المنذر: لا أعلمهم يختلفون في ذلك. وكذلك الأمة التي يطؤها سيدها، إذا مات عنها، ولا الموطوءة بشبهة، ولا المزنيّ بها؛ لحديث الباب، فإنه قال: “إلا على زوج”، فشرط كونه زوجًا.
ولا إحداد أيضًا على الرجعية، ولا نعلم فيه خلافًا بين العلماء؛ لأنها في حكم الزوجات، لها أن تتزين لزوجها، وتستشرف له، ليرغب فيها، كما تفعل في حال النكاح. ولا إحداد أيضًا على المنكوحة نكاحَا فاسدًا؛ لأنها ليست زوجة على الحقيقة.
واختُلف في المطلّقة البائن….
قال الجامع – عفا اللَّه تعالى عنه -: عدم وجوب الاحداد على المطلّقة البائن هو الأرجح عندي؛ لقوة دليله، فإن الموجبين لم يأتوا بنصّ، ولا إجماع، فليس لنا دليلٌ نتمسّك به حتى نخرج من البراءة الأصلية. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): فيما تجتنبه المحدّة في زمن إحدادها:
قال أهل العلم يجب عليها أن تجتنب ما يدعو إلى جماعها، ويرغّب في النظر إليها، ويُحسّنها، وذكر من ذلك أشياء:
(فمنها): الطيب، ولا خلاف في تحريمه عند من أوجب الإحداد؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: “لا تمسّ طيبًا إلا عند طهرها، إذا طهرت من حيضتها بنبذة من قسط، أو أظفار”. متّفقٌ عليه. ولا يجوز لها استعمال الأدهان المطيّبة، كدهن البنفسج، والياسمين، والبان، وما أشبهه؛ لأنه استعمال للطيب، فأما الأدهان بغير الطيب، كالزيت، والشيرج، والسمن، فلا بأس به.
(ومنها): الزينة، واجتنابها واجب في قول عامة أهل العلم، منهم: ابن عمر، وابن عبّاس، وعطاء. وجماعة أهل العلم يكرهون ذلك، وينهون عنه. وهي ثلاثة أقسام:
[أحدها]: الزينة في نفسها، فيحرم عليها أن تختضب، وأن تحمّر وجهها، وتبيّضه، وأن تكتحل بالإثمد من غير ضرورة، ورخّص فيه عند الضرورة عطاء، والنخعيّ، ومالك، وأصحاب الرأي. والصحيح أنه لا يجوز؛ لما سبق من قصّة المرأة التي استأذنت في أن تكحل ابنتها للمرض، فنهاها النبيّ صلى الله عليه وسلم.
[الثاني]: زينة الثياب، فتحرم عليها الثياب المصبوغة للتحسين، كالمعصفر، والمزعفر، وسائر الملون للتحسين؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: “لا تلبس ثوبًا مصبوغًا”. متّفقٌ عليه. وأما ما لا يقصد بصبغه حسنه، كالكحليّ، والأسود، والأخضر المشبع، فلا تُمنع منه؛ لأنه ليس بزينة.
قال الجامع – عفا اللَّه تعالى عنه -: وقد ذكروا مما تجتنبه الحادّة أيضًا النقاب، وما في معناه، مثل البرقع؛ لأن المعتدّة كالمحرمة، لكن لم أجد لذلك دليلًا، فإن كان هناك دليل من نصّ أو إجماع، فذاك، وإلا فلا أرى لمنعه وجهًا، فليتنبّه. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
“إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا باللَّه، عليه توكلت، وإليه أنيب”.
[ذخيرة العقبى في شرح المجتبى 29/ 266]
قال ابن عثيمين -رحمه الله-:
ويجوز لها أن تكلم الرجال ، وأن تتكلم بالهاتف ، وأن تأذن لمن يدخل بالبيت ممن يمكن دخوله ، وأن تخرج إلى سطح البيت في الليل وفي النهار ، ولا يلزمها أن تغتسل كل جمعة كما يظنه بعض العامة ، ولا أن تنقض شعرها كل أسبوع .
وكذلك أيضاً لا يلزمها بل لا يشرع لها إذا انتهت العدة أن تخرج معها بشيء تتصدق به على أول من يلاقيها فإن هذا من البدع .
المصدر:
( 70 سؤالاً في أحكام الجنائز ص 35) لفضيلة الشيخ محمد الصالح العثيمين
——
أمر الله تعالى المرأة أن تعتد لوفاة زوجها أربعة أشهر وعشرا ، فقال : ( وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ) البقرة/234 ، ولم ينص سبحانه على الحكمة من ذلك نصا صريحا ، فاستنبط أهل العلم ما رأوه حكمة تتناسب مع قواعد الشريعة العامة في حفظ الأنساب والأعراض .
قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره : ” وقد ذكر سعيد بن المسيب ، وأبو العالية وغيرهما ، أن الحكمة في جعل عدة الوفاة أربعة أشهر وعشراً ، لاحتمال اشتمال الرحم على حمل ، فإذا انتُظر به هذه المدة ، ظهر إن كان موجوداً ، كما جاء في حديث ابن مسعود الذي في الصحيحين وغيرهما : ( إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوماً نطفة ، ثم يكون علقة مثل ذلك ، ثم يكون مضغة مثل ذلك ، ثم يبعث إليه الملك فينفخ فيه الروح ) فهذه ثلاث أربعينات بأربعة أشهر ، والاحتياط بعشر بعدها لما قد ينقص بعض الشهور ، ثم لظهور الحركة بعد نفخ الروح فيه ، والله أعلم .
قال سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة : سألت سعيد بن المسيب : ما بال العشر ؟ قال : فيه ينفخ الروح ، وقال الربيع بن أنس : قلت لأبي العالية : لم صارت هذه العشر مع الأشهر الأربعة ؟ قال : لأنه ينفخ فيه الروح ، رواهما ابن جرير ” انتهى .
وقال الشوكاني رحمه الله في “فتح القدير” : ” ووجه الحكمة في جعل العدة للوفاة هذا المقدار أن الجنين الذكر يتحرك في الغالب لثلاثة أشهر ، والأنثى لأربعة ، فزاد الله سبحانه على ذلك عشراً ، لأن الجنين ربما يضعف عن الحركة فتتأخر حركته قليلاً ولا تتأخر عن هذا الأجل ” انتهى .
وينظر : زاد المسير لابن الجوزي (1/275) ، إعلام الموقعين (2/52).
وينبغي التنبه إلى أنه لا يجوز الخروج عن الحكم الشرعي استنادا للحكمة المستنبطة ، فليس لقائل أن يقول : إذا كانت الحكمة من العدة هي التأكد من وجود الحمل أو عدمه ، فإن الطب الحديث يمكنه معرفة ذلك في بداية الحمل فلا حاجة لاعتداد المرأة هذه المدة . ليس له ذلك ، لأن الحكمة المذكورة أمر أخذه العلماء بالاستنباط والاجتهاد ، وقد يكون خطأ ، أو يكون جزءا من الحكمة لا تمامها ، فلا يجوز ترك الأمر المقطوع به ، المجمع عليه ، لحكمة مستنبطة يعتريها الخطأ .
والله أعلم .
—
باحث:
مسائل مهمة :
- من انتقلت من بيتها لغير حاجة ، يلزمها الرجوع لي بيتها .
- البدوية إذا انتقل أهلها فإنها تنتقل معهم .
- لا يجوز للحادة أن تخرج من بيتها لعيادة مريض أو زيارة قريب ونحوه .
- إذا كانت معتكفة لزمها الخروج والبقاء في البيت .
- لا نفقة للحادة .
- أنها ترث زوجها .
- تحرم الخطبة والزواج حتى تنتهي من العدة .
- لا تسافر للحج أو العمرة .
أمور أحدثها الناس وليست من الإحداد في شئ :
أحدث بعض الناس أموراً في الإحداد لا أصل لها في الشرع المطهر. وإنما جاءت نتيجة تلقي الأحكام من العادات المنتشرة بين الناس، والتي لم يأت بها كتاب ولا سنة. فمن هذه الأمور المستحدثة:
- التزام بعض النساء لباساً معيناً أو لوناً معيناً للإحداد .
- امتناع الحادة عن مشط رأسها .
- امتناع الحادة من الاغتسال للتنظيف إلا يوم الجمعة .
- امتناع الحادة عن العمل في بيتها من خياطة ونحوها .
- امتناع الحادة من البروز للقمر .
- امتناع الحادة من الظهور على سطح البيت .
- اعتزال الحادة بحيث لا يراها أحد، وإذا زارها أحد زادت في العدة والإحداد يوماً مقابل ذلك اليوم الذي رئيت فيه كفارة لذلك أو قضاءً له .
- اعتقاد بعضهم أن الحادة لا تقطع اللحمة الحمراء .
- اعتقاد أن الحادة لا يجوز لها تكليم الرجال مطلقاً .
- اعتقاد أن الحادة لا يجوز لها الخروج لقضاء حواجاتها ومصالحها .
- اعتقاد أن الحادة لا تجيب الهاتف .
- اعتقاد أن الحادة لا يجوز لها النصر إلى زوجها إذا مات .
- اعتقاد بعضهم أن المتوفى إذا كان له زوجتان فإن العدة تقسم بينهما.
- اعتقاد بعضهم أن المتوفى إذا كان له زوجتان إحداهما حامل وولدت ذكراً فإن هذا ينهي عدة الزوجة الثانية.
——
هل يجب على الرجل الإحداد على زوجته ؟
قال ابن قدامة رحمه الله : ” وَتَجْتَنِبُ الزَّوْجَةِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا : الطِّيبَ وَالزِّينَةَ … هَذَا يُسَمَّى الْإِحْدَادَ , وَلَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي وُجُوبِهِ عَلَى الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا ” .
انتهى من ” المغني ” (8/125) .
وجاء في ” فتاوى اللجنة الدائمة ” (20/479) : ” يجب على المرأة التي مات زوجها عنها العدة والإحداد ” انتهى .
أما الرجل فلا إحداد عليه بإجماع أهل العلم .
جاء في ” الموسوعة الفقهية ” (2/105) : ” أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا إحْدَادَ عَلَى الرَّجُلِ ” انتهى .
وجاء في ” فتاوى اللجنة الدائمة ” (19/156) :
” في المنطقة التي نحن فيها عادة ، وهي : إذا توفيت المرأة ، لا يتزوج الزوج زوجة ثانية إلا بعد 6 شهور أو أكثر ، وإذا سألتهم : لماذا ؟ قالوا : احتراما للزوجة . وحدث أن أحد الناس تزوج بعد موت زوجته بأسبوع ، ولم يذهب الناس للزواج عنده ، حتى السلام لا يسلمون عليه ، فهل الزواج بعد وفاة الزوجة ولو بعدها بيوم مسموح به شرعا أم لا ؟
الجواب : هذه عادة جاهلية ، لا أصل لها في الشرع المطهر ، ولذا فإنه ينبغي التواصي بتركها وعدم اعتبارها ، ولا يجوز هجر من تزوج بعد وفاة امرأته مباشرة ؛ لأنه هجر بغير حق شرعي ” انتهى .
والله أعلم
___________________
الحكمة من جعل الإحداد للزوجة دون الزوج
[فَصَلِّ الْحِكْمَةُ فِي وُجُوبِ إحْدَادِ الْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا أَكْثَرَ مِمَّا تَحُدُّ عَلَى أَبِيهَا]
فَصْلٌ:
[الْحِكْمَةُ فِي وُجُوبِ إحْدَادِ الْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا أَكْثَرَ مِمَّا تَحُدُّ عَلَى أَبِيهَا]
وَأَمَّا قَوْلُهُ: «وَمَنْعُ الْمَرْأَةِ مِنْ الْإِحْدَادِ عَلَى أُمِّهَا وَأَبِيهَا فَوْقَ ثَلَاثٍ، وَأَوْجَبَهُ عَلَى زَوْجِهَا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا وَهُوَ أَجْنَبِيٌّ» فَيُقَالُ: هَذَا مِنْ تَمَامِ مَحَاسِنِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ وَحِكْمَتِهَا وَرِعَايَتِهَا
لِمَصَالِحِ
الْعِبَادِ عَلَى أَكْمَلِ الْوُجُوهِ؛ فَإِنَّ الْإِحْدَادَ عَلَى الْمَيِّتِ مِنْ تَعْظِيمِ مُصِيبَةِ الْمَوْتِ الَّتِي كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يُبَالِغُونَ فِيهَا أَعْظَمَ مُبَالَغَةٍ، وَيُضِيفُونَ إلَى ذَلِكَ شَقَّ الْجُيُوبِ، وَلَطْمَ الْخُدُودِ، وَحَلْقَ الشُّعُورِ، وَالدُّعَاءَ بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ، وَتَمْكُثُ الْمَرْأَةُ سَنَةً فِي أَضْيَقِ بَيْتٍ وَأَوْحَشْهُ لَا تَمَسُّ طِيبًا وَلَا تَدْهُنُ وَلَا تَغْتَسِلُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ تَسَخُّطٌ عَلَى الرَّبِّ تَعَالَى وَأَقْدَارِهِ، فَأَبْطَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِرَحْمَتِهِ وَرَأْفَتِهِ سُنَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَأَبْدَلَنَا بِهَا الصَّبْرَ وَالْحَمْدَ وَالِاسْتِرْجَاعَ الَّذِي هُوَ أَنْفَعُ لِلْمُصَابِ فِي عَاجِلَتِهِ وَآجِلَتِهِ؛ وَلَمَّا كَانَتْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ لَا بُدَّ أَنْ تُحْدِثُ لِلْمُصَابِ مِنْ الْجَزَعِ وَالْأَلَمِ وَالْحُزْنِ مَا تَتَقَاضَاهُ الطِّبَاعُ سَمَحَ لَهَا الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ فِي الْيَسِيرِ مِنْ ذَلِكَ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ تَجِدُ بِهَا نَوْعَ رَاحَةٍ وَتَقْضِي بِهَا وَطَرًا مِنْ الْحُزْنِ، كَمَا رَخَّصَ لِلْمُهَاجِرِ أَنْ يُقِيمَ بِمَكَّةَ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ ثَلَاثًا، وَمَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ فَمَفْسَدَتُهُ رَاجِحَةٌ، فَمَنَعَ مِنْهُ، بِخِلَافِ مَفْسَدَةِ الثَّلَاثِ فَإِنَّهَا مَرْجُوحَةٌ مَغْمُورَةٌ بِمَصْلَحَتِهَا، فَإِنَّ فِطَامَ النُّفُوسِ عَنْ مَأْلُوفَاتِهَا بِالْكُلِّيَّةِ مِنْ أَشَقِّ الْأُمُورِ عَلَيْهَا، فَأُعْطِيَتْ بَعْضَ الشَّيْءِ لِيَسْهُلَ عَلَيْهَا تَرْكُ الْبَاقِي، فَإِنَّ النَّفْسَ إذَا أَخَذَتْ بَعْضَ مُرَادِهَا قَنَعَتْ بِهِ، فَإِذَا سُئِلَتْ تَرْكَ الْبَاقِي كَانَتْ إجَابَتُهَا إلَيْهِ أَقْرَبَ مِنْ إجَابَتِهَا لَوْ حُرِّمَتْ بِالْكُلِّيَّةِ.
وَمَنْ تَأَمَّلَ أَسْرَارَ الشَّرِيعَةِ وَتَدَبَّرَ حُكْمَهَا رَأَى ذَلِكَ ظَاهِرًا عَلَى صَفَحَاتِ أَوَامِرِهَا وَنَوَاهِيهَا، بَادِيًا لِمَنْ نَظَرُهُ نَافِذٌ؛ فَإِذَا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ شَيْئًا عَوَّضَهُمْ عَنْهُ بِمَا هُوَ خَيْرٌ لَهُمْ مِنْهُ وَأَنْفَعُ، وَأَبَاحَ لَهُمْ مِنْهُ مَا تَدْعُو حَاجَتُهُمْ إلَيْهِ لِيُسَهِّلَ عَلَيْهِمْ تَرْكَهُ، كَمَا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ بَيْعَ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ، وَأَبَاحَ لَهُمْ مِنْهُ الْعَرَايَا، وَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ النَّظَرَ إلَى الْأَجْنَبِيَّةِ، وَأَبَاحَ لَهُمْ مِنْهُ نَظَرَ الْخَاطِبِ وَالْمُعَامِلِ وَالطَّبِيبِ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ أَكْلَ الْمَالِ بِالْمُغَالَبَاتِ الْبَاطِلَةِ كَالنَّرْدِ وَالشِّطْرَنْجِ وَغَيْرِهِمَا، وَأَبَاحَ لَهُمْ أَكْلَهُ بِالْمُغَالَبَاتِ النَّافِعَةِ كَالْمُسَابَقَةِ وَالنِّضَالِ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ لِبَاسَ الْحَرِيرِ، وَأَبَاحَ لَهُمْ مِنْهُ الْيَسِيرَ الَّذِي تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهِ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ كَسْبَ الْمَالِ بِرِبَا النَّسِيئَةِ، وَأَبَاحَ لَهُمْ كَسْبَهُ بِالسَّلَمِ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ فِي الصِّيَامِ وَطْءَ نِسَائِهِمْ وَعَوَّضَهُمْ عَنْ ذَلِكَ بِأَنْ أَبَاحَهُ لَهُمْ لَيْلًا؛ فَسَهَّلَ عَلَيْهِمْ تَرْكَهُ بِالنَّهَارِ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ الزِّنَا وَعَوَّضَهُمْ بِأَخْذِ ثَانِيَةٍ وَثَالِثَةٍ وَرَابِعَةٍ وَمِنْ الْإِمَاءِ مَا شَاءُوا؛ فَسَهَّلَ عَلَيْهِمْ تَرْكَهُ غَايَةَ التَّسْهِيلِ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ الِاسْتِقْسَامَ بِالْأَزْلَامِ وَعَوَّضَهُمْ عَنْهُ بِالِاسْتِخَارَةِ وَدُعَائِهَا وَيَا بُعْدَ مَا بَيْنَهُمَا، وَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ نِكَاحَ أَقَارِبِهِمْ وَأَبَاحَ لَهُمْ مِنْهُ بَنَاتَ الْعَمِّ وَالْعَمَّةِ وَالْخَالِ وَالْخَالَةِ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ وَطْءَ الْحَائِضِ وَسَمَحَ لَهُمْ فِي مُبَاشَرَتِهَا وَأَنْ يَصْنَعُوا بِهَا كُلَّ شَيْءٍ إلَّا الْوَطْءَ فَسَهَّلَ عَلَيْهِمْ تَرْكَهُ غَايَةَ السُّهُولَةِ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ الْكَذِبَ وَأَبَاحَ لَهُمْ الْمَعَارِيضَ الَّتِي لَا يُحْتَاجُ مِنْ عُرْفِهَا إلَى الْكَذِبِ مَعَهَا أَلْبَتَّةَ، وَأَشَارَ إلَى هَذَا ﷺ بِقَوْلِهِ: «إنَّ فِي الْمَعَارِيضِ مَنْدُوحَةً عَنْ الْكَذِبِ» وَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ الْخُيَلَاءَ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَأَبَاحَهَا لَهُمْ فِي الْحَرْبِ لِمَا فِيهَا مِنْ
الْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ
الْمُوَافِقَةِ لِمَقْصُودِ الْجِهَادِ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ كُلَّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَمِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ وَعَوَّضَهُمْ عَنْ ذَلِكَ بِسَائِرِ أَنْوَاعِ الْوُحُوشِ وَالطَّيْرِ عَلَى اخْتِلَافِ أَجْنَاسِهَا وَأَنْوَاعِهَا، وَبِالْجُمْلَةِ فَمَا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ خَبِيثًا وَلَا ضَارًّا إلَّا أَبَاحَ لَهُمْ طَيِّبًا بِإِزَائِهِ أَنْفَعَ لَهُمْ مِنْهُ، وَلَا أَمَرَهُمْ بِأَمْرٍ إلَّا وَأَعَانَهُمْ عَلَيْهِ فَوَسِعَتْهُمْ رَحْمَتُهُ وَوَسِعَهُمْ تَكْلِيفُهُ.
وَالْمَقْصُودُ أَنَّهُ أَبَاحَ لِلنِّسَاءِ – لِضَعْفِ عُقُولِهِنَّ وَقِلَّةِ صَبْرِهِنَّ – الْإِحْدَادَ عَلَى مَوْتَاهُنَّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَأَمَّا الْإِحْدَادُ عَلَى الزَّوْجِ فَإِنَّهُ تَابِعٌ لِلْعِدَّةِ وَهُوَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِهَا وَمُكَمِّلَاتِهَا، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ إنَّمَا تَحْتَاجُ إلَى التَّزَيُّنِ وَالتَّجَمُّلِ وَالتَّعَطُّرِ، لِتَتَحَبَّبَ إلَى زَوْجِهَا، وَتَرِدُ لَهَا نَفْسُهُ، وَيَحْسُنُ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْعِشْرَةِ، فَإِذَا مَاتَ الزَّوْجُ وَاعْتَدَّتْ مِنْهُ وَهِيَ لَمْ تَصِلْ إلَى زَوْجٍ آخَرَ، فَاقْتَضَى تَمَامَ حَقِّ الْأَوَّلِ وَتَأْكِيدَ الْمَنْعِ مِنْ الثَّانِي قَبْلَ بُلُوغِ الْكِتَابِ أَجَلَهُ أَنْ تُمْنَعَ مِمَّا تَصْنَعُهُ النِّسَاءُ لِأَزْوَاجِهِنَّ، مَعَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ سَدِّ الذَّرِيعَةِ إلَى طَمَعِهَا فِي الرِّجَالِ وَطَمَعِهِمْ فِيهَا بِالزِّينَةِ وَالْخِضَابِ وَالتَّطَيُّبِ، فَإِذَا بَلَغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ صَارَتْ مُحْتَاجَةً إلَى مَا يَرْغَبُ فِي نِكَاحِهَا، فَأُبِيحَ لَهَا مِنْ ذَلِكَ مَا يُبَاحُ لِذَاتِ الزَّوْجِ، فَلَا شَيْءَ أَبْلَغَ فِي الْحُسْنِ مِنْ هَذَا الْمَنْعِ وَالْإِبَاحَةِ، وَلَوْ اقْتَرَحَتْ عُقُولُ الْعَالَمِينَ لَمْ تَقْتَرِحْ شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْهُ.
إعلام الموقعين عن رب العالمين – ط العلمية ٢/١١٢-١١٣