2297 – تحضير سنن أبي داود
مشاركة: أحمد بن علي وعدنان البلوشي وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وأسامة الحميري وعبدالله المشجري
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
بَابٌ فِي الْمَبْتُوتَةِ تَخْرُجُ بِالنَّهَارِ
٢٢٩٧ – حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: طُلِّقَتْ خَالَتِي ثَلَاثًا، فَخَرَجَتْ تَجُدُّ نَخْلًا لَهَا، فَلَقِيَهَا رَجُلٌ، فَنَهَاهَا، فَأَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ لَهَا: «اخْرُجِي فَجُدِّي نَخْلَكِ، لَعَلَّكِ أَنْ تَصَدَّقِي مِنْهُ أَوْ تَفْعَلِي خَيْرًا»
[حكم الألباني]: صحيح
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
دراسة الحديث رواية:
– في جامع الأصول ٨/١٤٣ — ابن الأثير ٥٩٨٠ – (م د س) جابر بن عبد الله قال: «طُلِّقَت خالتي، فأرادتْ أن تَجُدَّ نخلَها، فزجرها رجل أن تخرجَ، فأتت النبيَّ ﷺ، فقال: بلى، فجُدِّي نَخْلَكِ، فإنكِ عسى أَن تَصَدَّقي أو تفعلي معروفًا» . أخرجه مسلم والنسائي.
وفي رواية أبي داود …الحديث
دراسة الحديث دراية:
– قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَجْه اِسْتِدْلَال أَبِي دَاوُدَ مِنْ هَذَا الْحَدِيث فِي أَنَّ لِلْمُعْتَدَّةِ فِي الطَّلَاق أَنْ تَخْرُجَ بِالنَّهَارِ هُوَ أَنَّ جِدَاد النَّخْل فِي غَالِب الْعُرْف لَا يَكُون إِلَّا نَهَارًا، وَقَدْ نُهِيَ عَنْ جِدَاد اللَّيْل، وَنَخْل الْأَنْصَار قَرِيب مِنْ دُورهمْ، فَهِيَ إِذَا خَرَجَتْ بُكْرَةً لِلْجِدَادِ أَمْكَنَهَا أَنْ تُمْسِيَ فِي بَيْتهَا لِقُرْبِ الْمَسَافَة، وَهَذَا فِي الْمُعْتَدَّة مِنْ التَّطْلِيقَات الثَّلَاث، فَأَمَّا الرَّجْعِيَّة فَإِنَّهَا لَا تَخْرُج لَيْلًا وَلَا نَهَارًا، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة: لَا تَخْرُج الْمَبْتُوتَة لَيْلًا وَلَا نَهَارًا كَالرَّجْعِيَّةِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيّ: تَخْرُج نَهَارًا وَلَا تَخْرُج لَيْلًا عَلَى ظَاهِر الْحَدِيث، قَالَ الْقَارِي: يُعْلَم مِنْهُ أَنَّهُ لَوْلَا التَّطَوُّع لَمَا جَازَ لَهَا الْخُرُوج، أَوْ لِلتَّنْوِيعِ بِأَنْ يُرَاد بِالتَّصَدُّقِ الْفَرْض وَبِالْخَيْرِ التَّطَوُّع وَالْهَدِيَّة وَالْإِحْسَان إِلَى الْجَار، يَعْنِي أَنْ يَبْلُغ مَالُكِ نِصَابًا فَتُؤَدِّي زَكَاته، وَإِلَّا فَافْعَلِي مَعْرُوفًا مِنْ التَّصَدُّق وَالتَّقَرُّب وَالتَّهَادِي. عون المعبود – (ج ٥ / ص ١٦٣)
حديث نهى عن جداد الليل :
حديث جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده الحسين بن علي، أن رسول الله ﷺ نهى عن الجداد بالليل والحصاد بالليل. قال جعفر بن محمد: أُراه من أجل المساكين . أخرجه ابن الأعرابي في «معجمه» (٣/ ٩٦٥ – ٩٦٦)، والبيهقي (٤/ ١٣٣)، والخطيب في «تاريخه» (١٢/ ٣٧٢)، وجاء في بعض أسانيده، ذكر علي ، والصواب إرساله.
انظر: «العلل» للدارقطني (٣/ ١٠٤).
منحة العلام في شرح بلوغ المرام ٨/٨٢
بينما ذكره الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها ٥/٥١٣ قال :
٢٣٩٣ – «نهى عن الجداد بالليل والحصاد بالليل. قال جعفر بن محمد: أراه من أجل
المساكين».
أخرجه ابن الأعرابي في «معجمه» (ق ٢٠٣ / ٢) والبيهقي (٤ / ١٣٣) والخطيب
في «التاريخ» (١٢ / ٣٧٢) من طرق عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده – يعني
الحسين – مرفوعا. قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم. وقصر السيوطي في
تخريجه، فلم يعزه إلا للبيهقي! ورمز لحسنه فقط كما قال المناوي، ثم قلده في
«التيسير»، فقال: «وإسناده حسن»!
و(الجداد) بفتح الجيم والكسر: صرام النخل، وهو قطع ثمرتها. انتهى من السلسلة الصحيحة
– و(قوله للمعتدَّة: (فَجُدِّي نَخلِك) وإباحته لها الخروج لجدِّ نخلها؛ دليل لمالك، والشافعي، وأحمد، والليث على قولهم: إن المعتدة تخرج بالنهار في حوائجها، وإنما تلزم منزلها بالليل. وسواء عند مالك كانت رجعية أو بائنة. وقال الشافعي في الرجعية: لا تخرج ليلًا ولا نهارًا، وإنما تخرج نهارًا المبتوتة. وقال أبو حنيفة: ذلك في المتوفى عنها زوجها، وأمَّا المطلقة: فلا تخرج ليلًا ولا نهارًا. وقال الجمهور بهذا الحديث: إن الجداد بالنهار عرفًا، وشرعًا. أما العرف: فهو عادة الناس في مثل ذلك الشغل. وأما الشرع: فقد نهى صلى الله عليه وسلم عن جداد الليل. ولا يقال: فيلزم من إطلاقه أن تخرج بالليل؛ إذ قد يكون نخلها بعيدًا تحتاج إلى المبيت فيه؛ لأنا نقول: لا يلزم ذلك من هذا الحديث؛ لأن نخلهم لم يكن الغالب عليها البعد من المدينة، بحيث يحتاج إلى المبيت، وإنما هي بحيث يخرج إليها، ويرجع منها في النهار.
و(قوله: فلعلَّكِ أن تصَّدَّقي، أو تفعلي معروفًا) ليس تعليلًا لإباحة الخروج إليها بالاتفاق، وإنما خرج هذا مخرج التنبيه لها، والحضِّ على فعل الخير، والله تعالى أعلم.
المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم ٤/٢٧٩ — أبو العباس القرطبي (ت ٦٥٦)
– قال النووي في شرح مسلم ١٠/١٠٨: فِيهِ حَدِيثُ جَابِرٍ هَذَا الْحَدِيثُ دَلِيلٌ لِخُرُوجِ الْمُعْتَدَّةِ الْبَائِنِ لِلْحَاجَةِ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَاللَّيْثِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَآخَرِينَ جَوَازُ خُرُوجِهَا فِي النَّهَارِ لِلْحَاجَةِ وَكَذَلِكَ عِنْدَ هَؤُلَاءِ يَجُوزُ لَهَا الْخُرُوجُ في عدة الوفاة ووافقهم أَبُو حَنِيفَةَ فِي عِدَّةِ الْوَفَاةِ وَقَالَ فِي الْبَائِنِ لَا تَخْرُجُ لَيْلًا وَلَا نَهَارًا وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الصَّدَقَةِ مِنَ التَّمْرِ عِنْدَ جُدَادِهِ وَالْهَدِيَّةِ وَاسْتِحْبَابُ التَّعْرِيضِ لِصَاحِبِ التَّمْرِ بِفِعْلِ ذَلِكَ وَتَذْكِيرُ الْمَعْرُوفِ وَالْبِرِّ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
– قال صاحب «الهداية» (٢/ ٢٧٩ – ٢٩٠): لأن نفقتها على الزوج بخلاف المتوفى عنها إذ لا نفقة لها.
– قال الشيخ العباد في شرح سنن أبي داود ٢٦٣/٣:
حديث جابر رضي الله عنه وهذا يدل على جواز الخروج للمطلقة المبتوتة في النهار دون الليل، وأما المطلقة الرجعية -كما هو معلوم- فهي زوجة تكون في بيت زوجها كحالتها قبل أن يحصل لها الطلاق، أي: أنها لا تخرج إلا بإذنه، وأما المطلقة المبتوتة فلا علاقة له بها، فشرع لها أن تخرج في النهار دون الليل.
– في الموسوعة الفقهية الكويتية ٢٩/٣٤٩ خُرُوجُ الْمُطَلَّقَةِ الْبَائِنِ:
٥٧ – اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ خُرُوجِ الْمُعْتَدَّةِ مِنْ طَلاَقٍ بَائِنٍ عَلَى قَوْلَيْنِ:
الْقَوْل الأَْوَّل: ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالثَّوْرِيُّ وَالأَْوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ إِلَى جَوَازِ خُرُوجِهَا نَهَارًا لِقَضَاءِ حَوَائِجِهَا، سَوَاءٌ أَكَانَ الطَّلاَقُ بَائِنًا بَيْنُونَةً صُغْرَى أَمْ كُبْرَى، لِحَدِيثِ جَابِرٍ رضي الله عنه السَّابِقِ: طَلُقَتْ خَالَتِي ثَلاَثًا: فَخَرَجَتْ. . . إِلَخْ قَال الشَّافِعِيُّ: وَالْجِدَادُ لاَ يَكُونُ إِلاَّ نَهَارًا غَالِبًا، وَالضَّابِطُ عِنْدَهُ: كُل مُعْتَدَّةٍ لاَ تَجِبُ نَفَقَتُهَا وَلَمْ يَكُنْ لَهَا مَنْ يَقْضِيهَا حَاجَتَهَا لَهَا الْخُرُوجُ، أَمَّا مَنْ وَجَبَتْ نَفَقَتُهَا فَلاَ تَخْرُجُ إِلاَّ بِإِذْنٍ أَوْ ضَرُورَةٍ كَالزَّوْجَةِ، لأَِنَّهُنَّ مَكْفِيَّاتٌ بِنَفَقَةِ أَزْوَاجِهِنَّ.
بَل أَجَازَ الشَّافِعِيَّةُ لِلْبَائِنِ الْخُرُوجَ لَيْلًا إِنْ لَمْ يُمْكِنْهَا نَهَارًا، وَكَذَا إِلَى دَارِ جَارَةٍ لَهَا لِغَزْلٍ وَحَدِيثٍ وَنَحْوِهِمَا لِلتَّأَنُّسِ، بِشَرْطِ: أَنْ تَأْمَنَ الْخُرُوجَ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهَا مَنْ يُؤْنِسُهَا، وَأَنْ تَرْجِعَ وَتَبِيتَ فِي بَيْتِهَا، لِمَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ قَال: اسْتَشْهَدَ رِجَالٌ يَوْمَ أُحُدٍ فَآمَ نِسَاؤُهُمْ وَكُنَّ مُتَجَاوِرَاتٍ فِي دَارٍ فَجِئْنَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقُلْنَ: يَا رَسُول اللَّهِ، إِنَّا نَسْتَوْحِشُ بِاللَّيْل فَنَبِيتُ عِنْدَ إِحْدَانَا فَإِذَا أَصْبَحْنَا تَبَدَّرْنَا إِلَى بُيُوتِنَا فَقَال النَّبِيُّ ﷺ: تَحَدَّثْنَ عِنْدَ إِحْدَاكُنَّ مَا بَدَا لَكُنَّ، فَإِذَا أَرَدْتُنَّ النَّوْمَ فَلْتَؤُبْ كُل امْرَأَةٍ مِنْكُنَّ إِلَى بَيْتِهَا.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لاَ يَجُوزُ خُرُوجُ الْمُعْتَدَّةِ مِنَ الطَّلاَقِ الثَّلاَثِ أَوِ الْبَائِنِ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، لِعُمُومِ النَّهْيِ وَمَسِيسِ الْحَاجَةِ إِلَى تَحْصِينِ الْمَاءِ . انتهى
تنبيه : حديث مجاهد ضعفه الألباني في الضعيفة
٥٥٩٧ – (تحدثن عند إحداكن ما بدا لكن، حتى إذا أردتن النوم، فلتؤب كل امرأة إلى بيتها) .
ضعيف. أخرجه عبد الرزاق في (المصنف) (٧ / ٣٦ / ١٢٠٧٧) عن ابن جريج عن عبد الله بن كثير قال: قال مجاهد:
استشهد رجال يوم أحد، فام نساؤهم، وكن متجاورات في دار، فجئن النبي ﷺ فقلن: إنا نستوحش يا رسول الله! بالليل، فنبيت عند إحدانا، حتى إذا أصبحنا تبددنا [إلى] بيوتنا. فقال النبي ﷺ:. . . فذكره.
قلت: وهذا إسناد ضعيف، رجاله ثقات، ولكنه مرسل.
وابن جريج مدلس وقد عنعنه. لكنه صرح بالتحديث في رواية عبد المجيد عنه: أخبرني إسماعيل بن كثير عن مجاهد به.
كذا قال: (إسماعيل بن كثير) مكان (عبد الله بن كثير)، وكلاهما ثقة، لكن عبد المجيد – وهو ابن عبد العزيز ابن أبي رواد – فيه ضعف، قال الحافظ:
(صدوق يخطئ، وكان مرجئا، أفرط ابن حبان فقال: متروك) .
أخرجه البيهقي (٧ / ٢٣٦)، ومنه صححت بعض الأخطاء وقعت في رواية (المصنف) .
(تنبيه): لقد أعل ابن القيم في (زاد المعاد) (٣ / ٣١٦) الحديث بالإرسال، لكنه مال إلى تقويته، فقال:
(وهذا وإن كان مرسلا، فالظاهر أن مجاهدًا إما أن يكون سمعه من تابعي ثقة، أو من صحابي، والتابعون لم يكن الكذب معروفًا فيهم. . .) إلخ.
قلت: وهذا مردود باتفاق علماء الحديث في (المصطلح): أن الحديث المرسل من أقسام الحديث الضعيف. وما ذاك إلا لاحتمال أن يكون بين التابعي الثقة وبين النبي ﷺ تابعي واحد أو أكثر، واحتمال أن يكون الواسطة مجهولًا أو ضعيف الحفظ، وليس من الضروري ليكون حديث التابعي ضعيفًا أن يكون متهمًا كما لا يخفى، ولذلك، فما استظهره غير ظاهر، بل هو من نمط تقويته لحديث الحسن البصري عن عمر مرفوعًا:
(لو لبث أهل النار عدد رمل عالج، لكان لهم يوم يخرجون فيه) .
وقد مضى الرد عليه تحت الحديث (٦٠٧) في المجلد الثاني (صفحة ٧٣) .
ثم إن في متن سبب الحديث نكارة عندي، وهو ما ذكرته النسوة من الوحشة، وبناء على ذلك جاء الإذن بخروجهن عند إحداهن، وقد صح في حديث فريعة المعروف في (السنن) أنه ﷺ نهاها عن الخروج، وقال لها:
(امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله) .
وهو مخرج في الإرواء (٢١٤١) .
وفي رواية لعبد الرزاق (١٢٠٧٦)، والطبراني في الكبير (٢٤ / ٤٤٢ /
١٠٨١): أنها ذكرت نفس الشكوى: الوحشة، وأشياء أخرى، ومع ذلك أمرها أن لا تخرج من بيتها.
(تنبيه هام): كنت ذهبت في الإرواء إلى أن إسناد حديث فريعة ضعيف، ثم بدا لي أنه صحيح بعد أن اطلعت على كلام ابن القيم فيه، وتحقيق أنه صحيح، بما لم أره لغيره جزاه الله خيرًا، وازددت قناعة حين علمت أنه صححه مع الترمذي ابن الجارود وابن حبان والحاكم والذهبي، ومن قبلهم محمد بن يحيي الذهلي الحافظ الثقة الجليل، وأقرهم الحافظ في (بلوغ المرام)، والحافظ ابن كثير في (التفسير)، واستعمله أكثر فقهاء الأمصار، كما قال ابن عبد البر في (الاستيعاب)، ومنهم بعض الصحابة كابن عمر، قال:
(لا تخرج المتوفى عنها في عدتها من بيت زوجها) .
أخرجه عبد الرزاق (٧ / ٣١ / ١٢٠٦٢) بإسناد (الصحيحين) . وقد صح غيره خلافه.
ولكن مما لا شك فيه أن الآثار إذا اختلفت عنهم، فالأولى بالترجيح ما كان موافقًا للحديث، ولا سيما إذا أنكر على المخالف في زمانهم.
فقد روي عبد الرزاق أيضًا (٧ / ٣٠ / ١٢٠٥٥)، والبيهقي (٧ / ٤٣٦) من طريقين صحيحين عن القاسم بن محمد:
أن عائشة رضي الله عنها كانت تخرج المرأة وهي في عدتهها من وفاة زوجها. قال: فأبى ذلك الناس، إلا خلافها، فلا نأخذ بقولها وندع قول الناس!
والقاسم بن محمد، هو ابن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، أحد الفقهاء
بالمدينة، وعائشة خالته، ومع ذلك لم يأخذ بقولها، لمخالفتها لقول الناس، وإنما هم أصحاب النبي ﷺ كما هو ظاهر. والله سبحانه وتعالى أعلم.
سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة ١٢/٢٠٦ — ناصر الدين الألباني (ت ١٤٢٠)
المجلد ١٢←القسم الأول←٥٥٩٧
قال الاتيوبي :
شرح الحديث: فذكر النقولات السابقة
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ – (منها): بيان مشروعيّة خروج المتوفّى عنها زوجها من بيتها أثناء العدّة؛ لحاجتها.
٢ – (ومنها): جواز خروج المبتوتة من بيتها؛ للحاجة.
٣ – (ومنها): الحثّ على التصدّق، وفعل الخير.
٤ – (ومنها): أن النساء كالرجال في فعل الخير؛ لأنهنّ شقائق الرجال، قال الله تعالى: ﴿وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ﴾ الآية [الأحزاب: ٣٥].
٥ – (ومنها): مشروعيّة العناية بحفظ المال، واقتنائه لفعل الخير، والمواساة به.
٦ – (ومنها): استحباب الصدقة من التمر عند جداده، والهديّة منه.
٧ – (ومنها): استحباب التعريض لصاحب التمر بفعل ذلك، وتذكيره بالمعروف، والبرّ، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في خروج المعتدّة من بيتها:
قال أبو العبّاس القرطبيّ رحمه الله: هذا الحديث دليلٌ لمالك، والشافعيّ، وأحمد، والليث على قولهم: إن المعتدّة تخرج بالنهار في حوائجها، وإنما تلزم منزلها بالليل، وسواء عند مالك كانت رجعيّةً، أو بائنة.
وقال الشافعيّ في الرجعيّة: لا تخرج ليلًا، ولا نهارًا، وإنما تخرج نهارًا المبتوتة.
وقال أبو حنيفة: ذلك في المتوفّى عنها زوجها، وأما المطلّقة، فلا تخرج ليلًا ولا نهارًا.
وقال الجمهور بهذا الحديث إن الجداد بالنهار عرفًا، وشرعًا، أما العرف، فهو عادة الناس في مثل ذلك الشغل، وأما الشرع، فقد نهى ﷺ عن جداد الليل.
ولا يقال: فيلزم من إطلاقه أن تخرج بالليل، إذ قد يكون نخلها بعيدًا، تحتاج إلى المبيت فيه؛ لأنا نقول: لا يلزم ذلك من هذا الحديث؛ لأن نخلهم لَمْ يكن الغالب عليها البعد من المدينة، بحيث يُحتاج إلى المبيت، وإنما هي بحيث يُخرَج إليها، ويُرجَع منها في النهار. انتهى كلام القرطبيّ رحمه الله
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يظهر لي أن المتوفّى عنها زوجها، والمطلّقة طلاقًا بائنًا لهنّ الخروج لحوائجهنّ مطلقًا، ليلًا، أو نهارًا، ثم يَعُدْن إلى بيوتهنّ؛ لإطلاق حديث جابر رضي الله عنه، فإنه ﷺ لما قال لها: «اخرجي، فجدّي» ما قيّده، لا بليل، ولا بنهار، فيُعْمَل بعمومه، وأما المطلّقة طلاقًا رجعيًّا، فلا تخرج مطلقًا، إلَّا لما استثناه الله تعالى في كتابه حيث قال سبحانه وتعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ الآية [الطلاق: ١] (١)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج ٢٦/٢٧٠-٢٧٥
——
هل يجوز للمطلقة رجعيا الخروج من البيت؟
الحال الأولى: أن تكون معتدة من طلاق رجعي، فلها الخروج إلى المسجد وإلى دور القرآن بشرط أن يأذن لها زوجها؛ لأن المطلقة طلاقاً رجعياً زوجة، لها ما للزوجات وعليها ما على الزوجات. فعن ابن عمر أنه كان يقول: (إذا طلق الرجل امرأته تطليقة أو تطليقتين لم تخرج من بيتها إلا بإذنه) رواه ابن أبي شيبة في “مصنفه ” (4/142)
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:
“القول الراجح أن المرأة المطلقة إذا كان الطلاق رجعياً، فهي كالزوجة التي لم تطلق أي أن لها أن تخرج إلى جيرانها أو أقاربها أو إلى المسجد لسماع المواعظ أو ما أشبه ذلك، وليست كالتي مات عنها زوجها، وأما قوله تعالى: لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ، فالمراد بالإخراج المفارقة يعني لا تفارق البيت وتخرج وتسكن في بيت آخر..” انتهى من فتاوى “نور على الدرب” وقال النووي رحمه الله: “إن كانت رجعية فهي زوجته، فعليه القيام بكفايتها، فلا تخرج إلا بإذنه” انتهى من “روضة الطالبين” (8/416).
هل يجوز خروج المطلقة البائن في العدة؟
الحالة الثانية: أن تكون مبانة، سواء كانت البينونة كبرى، كما لو استوفى عدد الطلقات أو بينونة صغرى، كما لو خالعته على عوض أو فُسخ النكاحُ لعيب ـ جاز لها الخروج، ولو بغير إذن؛ لزوال الزوجية. فعن ابن عمر رضي الله عنه أنه كان يقول: “إذا طلقت المرأة ألبتة، فإنها تأتي المسجد والحق هو لها، ولا تبيت إلا ببيتها حتى تنقضي عدتها ” من “المدونة” (2/42) وجاء في “مغني المحتاج” (5/174): “والمعتدة الحائل البائن بخلع أو ثلاث لا نفقة لها، ولا كسوة قطعاً لزوال الزوجية، فأشبهت المتوفى عنها” انتهى. وفي حاشية “البيجرمي” (4/90): “…أما من لها نفقة، كرجعية وحامل بائن، فلا يخرجان لذلك إلا بإذن الزوج كالزوجة إذ عليه القيام بكفايتهما نعم للثانية الخروج لغير تحصيل النفقة كشراء قطن وبيع غزل كما ذكره السبكي وغيره ” انتهى.
——
اختلف الفقهاء في لزوم المعتدة من طلاق لبيتها ، فقال الجمهور : هي كالمعتدة من وفاة لا تخرج منه في الليل إلا لضرورة ، وتخرج في النهار للحاجة ، وقال آخرون : لا يلزمها ذلك ، فلها أن تخرج كبقية الزوجات .
قال في “شرح منتهى الإرادات” (3/206) : “ورجعية في لزوم منزلِ مطلِّقها – لا في الإحداد – كمتوفى عنها زوجها ؛ لقوله تعالى : ( لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن) وسواء أذن لها المطلق في الخروج أو لا ; لأنه من حقوق العدة ، وهي حق لله تعالى ، فلا يملك الزوج إسقاط شيء من حقوقها ، كما لا يملك إسقاطها ، أي : العدة” انتهى .
وينظر : “فتح القدير” (4/343) ، “مواهب الجليل” (4/164) ، “مغني المحتاج” (5/106) .
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : “وأيضا : تفارق غيرها [أي من الزوجات] في مسائل أخرى ، منها : أنه يلزمها لزوم المسكن ، فيجب عليها لزوم المسكن كالمتوفى عنها ، فلا تخرج إلا للضرورة في الليل ، أو الحاجة في النهار ، أما الزوجات الأخر فلا يجب عليهن لزوم المسكن ، فتخرج المرأة لزيارة قريبها ، لزيارة صديقتها ، وما أشبه ذلك ، إذن هي في لزوم المسكن أشد من الزوجات المعتادات ، والعرف : أنها من حين تطلق تذهب إلى أهلها ،
فهذا حرام ولا يجوز ، والدليل قوله تعالى : (لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) الطلاق/1 ، فلا تخرج حتى تنتهي العدة ، ولو بإذنه لحاجة في النهار ، أو ضرورة في الليل ، هذا هو المذهب .
والقول الثاني : أنها لا يلزمها لزوم المسكن ، بل هي كالزوجات الأخر ؛ لأن الله تعالى سماه بعلا ـ أي : زوجا ـ فهي إذاً زوجة ، وما دامت زوجة فهي كغيرها من الزوجات ، تخرج من البيت ليلا ونهارا ، ولا يلزمها السكنى .
وأما ما استدلوا به من قوله تعالى : (وَلَا يَخْرُجْنَ) ، فالمراد : خروج مفارقة ليس المراد خروجا لأي سبب ، وهذا القول هو الصحيح ” انتهى من” الشرح الممتع” (13/187) .
ويدل لمذهب الجمهور : ما روى مسلم (1483) عن جَابِر بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما قال : طُلِّقَتْ خَالَتِي فَأَرَادَتْ أَنْ تَجُدَّ نَخْلَهَا فَزَجَرَهَا رَجُلٌ أَنْ تَخْرُجَ ، فَأَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : بَلَى ، فَجُدِّي نَخْلَكِ ، فَإِنَّكِ عَسَى أَنْ تَصَدَّقِي ، أَوْ تَفْعَلِي مَعْرُوفًا .
قال في “سبل السلام” (2/296) : “والحديث دليل على جواز خروج المعتدة من طلاق بائن من منزلها في النهار للحاجة إلى ذلك , ولا يجوز لغير حاجة , وقد ذهب إلى ذلك طائفة من العلماء , وقالوا : يجوز الخروج للحاجة والعذر ليلا ونهارا كالخوف وخشية انهدام المنزل ويجوز إخراجها إذا تأذت بالجيران , أو تأذوا بها أذى شديدا ، لقوله تعالى (لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) ، وفُسّر الفاحشة بالبذاءة على الأحماء وغيرهم .
وذهبت طائفة منهم إلى جواز خروجها نهارا مطلقا دون الليل للحديث المذكور ، وقياسا على عدة الوفاة , ولا يخفى أن الحديث المذكور علل فيه جواز الخروج برجاء أن تصدق , أو تفعل معروفا , وهذا عذر في الخروج . وأما لغير عذر , فلا يدل عليه” انتهى .