2284 الى 2296 – تحضير سنن أبي داود
مشاركة: أحمد بن علي وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وأسامة الحميري
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
بَابٌ فِي نَفَقَةِ الْمَبْتُوتَةِ
2284 – حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ مَوْلَى الْأَسْوَدِ بْنِ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ طَلَّقَهَا الْبَتَّةَ وَهُوَ غَائِبٌ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا وَكِيلَهُ بِشَعِيرٍ فَتَسَخَّطَتْهُ ⦗٢٨٦⦘، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا لَكِ عَلَيْنَا مِنْ شَيْءٍ، فَجَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: «لَهَا لَيْسَ لَكِ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ»، وَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدَّ فِي بَيْتِ أُمِّ شَرِيكٍ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ تِلْكَ امْرَأَةٌ يَغْشَاهَا أَصْحَابِي، اعْتَدِّي فِي بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى، تَضَعِينَ ثِيَابَكِ، وَإِذَا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي»، قَالَتْ: فَلَمَّا حَلَلْتُ ذَكَرْتُ لَهُ أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ، وَأَبَا جَهْمٍ خَطَبَانِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ، وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ، انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ»، قَالَتْ: فَكَرِهْتُهُ، ثُمَّ قَالَ: «انْكِحِي أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ»، فَنَكَحْتُهُ، فَجَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا، وَاغْتَبَطْتُ بِهِ،
[حكم الألباني]: صحيح
2285 – حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبَانُ بْنُ يَزِيدَ الْعَطَّارُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ، حَدَّثَتْهُ أَنَّ أَبَا حَفْصِ بْنَ الْمُغِيرَةِ، طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، وَسَاقَ الْحَدِيثَ فِيهِ: وَأَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَنَفَرًا مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ أَتَوُا النَّبِيَّ ﷺ، فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّ أَبَا حَفْصِ بْنَ الْمُغِيرَةِ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا، وَإِنَّهُ تَرَكَ لَهَا نَفَقَةً يَسِيرَةً، فَقَالَ: «لَا نَفَقَةَ لَهَا»، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَحَدِيثُ مَالِكٍ أَتَمُّ.
[حكم الألباني]: صحيح
2286 – حَدَّثَنَا مَحْمُودُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو، عَنْ يَحْيَى، حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ، حَدَّثَتْنِي فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ، أَنَّ أَبَا عَمْرِو بْنَ حَفْصٍ الْمَخْزُومِيَّ، طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، وَسَاقَ الْحَدِيثَ، وَخَبَرَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، قَال: فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَيْسَتْ لَهَا نَفَقَةٌ وَلَا مَسْكَنٌ»، قَالَ فِيهِ: وَأَرْسَلَ إِلَيْهَا النَّبِيُّ ﷺ: «أَنْ لَا تَسْبِقِينِي بِنَفْسِكِ»،
[حكم الألباني]: صحيح
2287 – حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، قَالَتْ: كُنْتُ عِنْدَ رَجُلٍ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ فَطَلَّقَنِي الْبَتَّةَ، ثُمَّ سَاقَ نَحْوَ حَدِيثِ مَالِكٍ، قَالَ فِيهِ: «وَلَا تُفَوِّتِينِي بِنَفْسِكِ»، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الشَّعْبِيُّ، وَالْبَهِيُّ وَعَطَاءٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَاصِمٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي الْجَهْمِ، كُلُّهُمْ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ أَنَّ ⦗٢٨٧⦘ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا
[حكم الألباني]: صحيح
2288 – حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، «أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، فَلَمْ يَجْعَلْ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ نَفَقَةً وَلَا سُكْنَى»
[حكم الألباني]: صحيح
2289 – حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدٍ الرَّمْلِيُّ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا كَانَتْ عِنْدَ أَبِي حَفْصِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَأَنَّ أَبَا حَفْصِ بْنَ الْمُغِيرَةِ طَلَّقَهَا آخِرَ ثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ، فَزَعَمَتْ أَنَّهَا جَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَاسْتَفْتَتْهُ فِي خُرُوجِهَا مِنْ بَيْتِهَا، فَأَمَرَهَا أَنْ تَنْتَقِلَ إِلَى ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى “، فَأَبَى مَرْوَانُ أَنْ يُصَدِّقَ حَدِيثَ فَاطِمَةَ فِي خُرُوجِ الْمُطَلَّقَةِ مِنْ بَيْتِهَا، قَالَ عُرْوَةُ: وَأَنْكَرَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، وَشُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «وَشُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، وَاسْمُ أَبِي حَمْزَةَ دِينَارٌ وَهُوَ مَوْلَى زِيَادٍ»
[حكم الألباني]: صحيح
2290 – حَدَّثَنَا مَخْلَدُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ: أَرْسَلَ مَرْوَانُ، إِلَى فَاطِمَةَ فَسَأَلَهَا، فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا كَانَتْ عِنْدَ أَبِي حَفْصٍ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ أَمَّرَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، يَعْنِي عَلَى بَعْضِ الْيَمَنِ، فَخَرَجَ مَعَهُ زَوْجُهَا، فَبَعَثَ إِلَيْهَا بِتَطْلِيقَةٍ، كَانَتْ بَقِيَتْ لَهَا، وَأَمَرَ عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ، وَالْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ أَنْ يُنْفِقَا عَلَيْهَا، فَقَالَا: وَاللَّهِ مَا لَهَا نَفَقَةٌ إِلَّا أَنْ تَكُونَ حَامِلًا، فَأَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: «لَا نَفَقَةَ لَكِ إِلَّا أَنْ تَكُونِي حَامِلًا»، وَاسْتَأْذَنَتْهُ فِي الِانْتِقَالِ، فَأَذِنَ لَهَا، فَقَالَتْ: أَيْنَ أَنْتَقِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟، قَالَ: «عِنْدَ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ»، وَكَانَ أَعْمَى، تَضَعُ ثِيَابَهَا عِنْدَهُ، وَلَا يُبْصِرُهَا، فَلَمْ تَزَلْ هُنَاكَ حَتَّى مَضَتْ عِدَّتُهَا فَأَنْكَحَهَا النَّبِيُّ ﷺ أُسَامَةَ فَرَجَعَ قَبِيصَةُ إِلَى مَرْوَانَ فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ مَرْوَانُ: لَمْ نَسْمَعْ هَذَا الْحَدِيثَ ⦗٢٨٨⦘ إِلَّا مِنَ امْرَأَةٍ، فَسَنَأْخُذُ بِالْعِصْمَةِ الَّتِي وَجَدْنَا النَّاسَ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ فَاطِمَةُ: حِينَ بَلَغَهَا ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] حَتَّى ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١]، قَالَتْ: فَأَيُّ أَمْرٍ يُحْدِثُ بَعْدَ الثَّلَاثِ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَكَذَلِكَ رَوَاهُ يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَأَمَّا الزُّبَيْدِيُّ، فَرَوَى الْحَدِيثَيْنِ جَمِيعًا حَدِيثَ عُبَيْدِ اللَّهِ، بِمَعْنَى مَعْمَرٍ، وَحَدِيثَ أَبِي سَلَمَة بِمَعْنَى عُقَيْلٍ، وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَنَّ قَبِيصَةَ بْنَ ذُؤَيْبٍ حَدَّثَهُ بِمَعْنًى دَلَّ عَلَى خَبَرِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، حِينَ قَالَ: فَرَجَعَ قَبِيصَةُ، إِلَى مَرْوَانَ فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ
[حكم الألباني]: صحيح
بَابُ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ
2291 – حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، أَخْبَرَنِي أَبُو أَحْمَدَ، حَدَّثَنَا عَمَّارُ بْنُ رُزَيْقٍ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: كُنْتُ فِي الْمَسْجِدِ الْجَامِعِ مَعَ الْأَسْوَدِ، فَقَالَ: أَتَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه، قَالَ: «مَا كُنَّا لِنَدَعَ كِتَابَ رَبِّنَا، وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا صلى الله عليه وسلم لِقَوْلِ امْرَأَةٍ، لَا نَدْرِي أَحَفِظَتْ ذَلِكَ أَمْ لَا»
_________
[حكم الألباني] : صحيح موقوف
2292 – حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَقَدْ عَابَتْ ذَلِكَ عَائِشَةُ رضي الله عنها أَشَدَّ الْعَيْبِ – يَعْنِي حَدِيثَ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ – وَقَالَتْ: «إِنَّ فَاطِمَةَ كَانَتْ فِي مَكَانٍ وَحْشٍ فَخِيفَ عَلَى نَاحِيَتِهَا، فَلِذَلِكَ رَخَّصَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم»،
[حكم الألباني] : حسن
2293 – حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ قِيلَ لِعَائِشَةَ: أَلَمْ تَرَيْ إِلَى قَوْلِ فَاطِمَةَ؟ قَالَتْ: أَمَا إِنَّهُ لَا خَيْرَ لَهَا فِي ذَلِكَ،
[حكم الألباني] : صحيح
2294 – حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، فِي خُرُوجِ فَاطِمَةَ، قَالَ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ سُوءِ الْخُلُقِ
[حكم الألباني] : ضعيف
2295 – حَدَّثَنَا الْقَعْنَبِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّهُ سَمِعَهُمَا يَذْكُرَانِ، أَنَّ يَحْيَى بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ طَلَّقَ بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَكَمِ الْبَتَّةَ، فَانْتَقَلَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَأَرْسَلَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، وَهُوَ أَمِيرُ الْمَدِينَةِ، فَقَالَتْ لَهُ: «اتَّقِ اللَّهَ، وَارْدُدِ الْمَرْأَةَ إِلَى بَيْتِهَا»، فَقَالَ مَرْوَانُ – فِي حَدِيثِ سُلَيْمَانَ -: إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ غَلَبَنِي، وَقَالَ مَرْوَانُ – فِي حَدِيثِ الْقَاسِمِ -: أَوَ مَا بَلَغَكِ شَأْنُ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ؟ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: «لَا يَضُرُّكَ أَنْ لَا تَذْكُرَ حَدِيثَ فَاطِمَةَ»، فَقَالَ مَرْوَانُ: إِنْ كَانَ بِكِ الشَّرُّ فَحَسْبُكِ مَا كَانَ بَيْنَ هَذَيْنِ مِنَ الشَّرِّ
[حكم الألباني] : صحيح
2296 – حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ، حَدَّثَنَا مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَدُفِعْتُ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فَقُلْتُ فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ: طُلِّقَتْ فَخَرَجَتْ مِنْ بَيْتِهَا، فَقَالَ سَعِيدٌ: «تِلْكَ امْرَأَةٌ فَتَنَتِ النَّاسَ، إِنَّهَا كَانَتْ لَسِنَةً، فَوُضِعَتْ عَلَى يَدَيْ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى»
[حكم الألباني] : صحيح مقطوع
——
قال الخطابي:
معنى البتة هنا الطلاق وقد روي أنها كانت آخر تطليقة بقيت لها من الثلاث. وفيه دليل أن المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها، واختلف فيها فقالت طائفة لا نفقة لها ولا سكنى إلاّ أن تكون حاملًا وروي ذلك عن ابن عباس وأحمد وروي عن فاطمة أنها قالت لم يجعل رسول الله ﷺ سكنى ولا نفقة.
وقالت طائفة لها السكنى والنفقة حاملًا كانت أو غير حامل. وقاله عمر وسفيان وأهل الرأي.
وقالت طائفة لها السكنى ولا نفقة قاله مالك والأوزاعي وابن أبي ليلى والشافعي وابن المسيب والحسن وعطاء والشعبي، واحتجوا بقوله ﴿أسكنوهن﴾ الآية فأوجب السكنى عامًا، وأن نقل النبي ﷺ إياها من بيت أحمائها إلى بيت ابن أم مكتوم فليس فيه إبطال السكنى بل فيه إثباته وإنما هو اختيار لموضع السكنى.
واختلف في سبب ذلك فقالت عائشة كانت فاطمة في مكان وحش فخيف عليها فرخص لها رسول الله ﷺ في الانتقال.
وقال ابن المسيب إنما نقلت عن بيت حمائها لطول لسانها وهو معنى قوله ﴿ولا يخرجن إلاّ أن يأتين بفاحشة مبينة﴾ [الطلاق: ١] الآية وقد بيناه.
معالم السنن ٣/٢٨٣ — الخطابي (ت ٣٨٨)
قال العباد:
أورد أبو داود هذه الترجمة: باب نفقة المبتوتة، أي: التي طلقت طلاقًا بائنًا وليس طلاقًا رجعيًا، وأما المطلقة طلاقًا رجعيًا فهي زوجة تجب لها النفقة، ولو مات أحدهما فإنهما يتوارثان ما دامت في العدة؛ لأنها زوجة من الزوجات، وله أن يجامعها، ولو جامعها فإن ذلك يكون رجعة لها، وعلى هذا فالنفقة والسكنى واجبتان لها، وأما المبتوتة فهي بخلاف ذلك؛ لأنه لا سبيل إلى الاستفادة منها ولا إلى الرجوع إليها، وأما المطلقة طلاقًا رجعيًا فإنها زوجته ما دامت في العدة، فينفق عليها ويسكنها، ويمكن أن يرجع إليها، وأن يعود الأمر على ما عليه قبل الطلاق؛ وأما المطلقة طلاقًا بائنًا فإنها لا سكنى لها ولا نفقة، كما جاء ذلك في حديث فاطمة بنت قيس هذا الذي بدأ به المصنف، حيث ذكر الأحاديث الواردة في قصة طلاق أبي عمرو بن حفص لها وأنه طلقها البتة وذلك آخر ثلاث تطليقات، أي: أنه طلقها مرة ثم مرة، ثم بقيت لها الثالثة فطلقها إياها فبانت منه، فالمطلقة طلاقًا بائنًا لا نفقة لها ولا سكنى، وفي ذلك خلاف بين أهل العلم:
وأرجح الأقوال الثلاثة: أنها لا سكنى لها ولا نفقة،
قوله : البتة جاء تفسيرها بأنها آخر ثلاث تطليقات،
شرح سنن أبي داود للعباد ٢٦١/١٢ — عبد المحسن العباد (معاصر)
——
——-
قال الحافظ: وقد اختلف السلف في نفقة المطلقة البائن وسكناها، فقال الجمهور: لا نفقة لها، ولها السكنى، واحتجوا لإثبات السكنى بقوله تعالى: ﴿ أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ ﴾ [الطلاق: 6]، ولإسقاط النفقة بمفهوم قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾ [الطلاق: 6]، فإن مفهومة أن غير الحامل لا نفقة لها، وألا لم يكن لتخصيصها بالذكر معنى، والسياق يفهم أنها في غير الرجعية؛ لأن نفقة الرجعية واجبة لو لم تكن حاملًا، وذهب أحمد وإسحاق وأبو ثور إلى أنه لا نفقة لها ولا سكنى على ظاهر حديث فاطمة بنت قيس، ونازعوا في تناول الآية الأولى المطلقة البائن، وقد احتجت فاطمة بنت قيس صاحبة القصة على مروان حين بلغها إنكاره بقولها بيني وبينكم كتاب الله؛ قال الله تعالى: ﴿ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ ﴾ [الطلاق: 1] إلى قوله: ﴿ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا ﴾ [الطلاق: 1]، قالت هذا لمن كانت له مراجعة، فهي أمر يحدث بعد الثلاث وإذا لم يكن لها نفقة، وليست حاملًا، فعلام يحبسونها، وقد وافق فاطمة على أن المراد بقوله تعالى: ﴿ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا ﴾ المراجعة، قتادة والحسن والسدي والضحاك أخرجه الطبري عنهم[6].
وقال البخاري: باب قصة فاطمة بنت قيس، وقوله: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا ﴾ [الطلاق: 1].
حدثنا إسماعيل، حدثنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد أنه سمعه يذكر أن يحيى بن سعيد بن العاص طلق بنت عبدالرحمن بن الحكم فانتقلها عبدالرحمن، فأرسلت عائشة أم المؤمنين إلى مروان، وهو أمير المدينة: اتق الله وارددها إلى بيتها، قال مروان في حديث سليمان: إن عبدالرحمن بن الحكم غلبني، وقال القاسم بن محمد: أوما بلغك شأن فاطمة بنت قيس، قالت: لا يضرك ألا تذكر حديث فاطمة، فقال: مروان بن الحكم: إن كان بك شر فحسبك ما بين هذين من الشر.
حدثنا محمد بن بشار، حدثنا غندر، حدثنا شعبة، عن عبدالرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت ما لفاطمة: ألا تتقي الله يعني في قولها لا سكنى، ولا نفقة.
حدثنا عمرو بن عباس، حدثنا ابن مهدي، حدثنا سفيان، عن عبدالرحمن بن القاسم، عن أبيه، قال عروة بن الزبير لعائلة: ألم ترين إلى فلانة بنت الحكم طلَّقها زوجها البتة، فخرجت فقالت: بئس ما صنعت، قال: ألم تسمعي في قول فاطمة قالت: أما إنه ليس لها خير في ذكر هذا الحديث.
وزاد ابن أبي الزناد عن هشام، عن أبيه عابت عائلة أشد العيب وقالت: إن فاطمة كانت في مكان وحش، فخيف على ناحيتها، فلذلك أرخص لها النبي – صلى الله عليه وسلم[7]؛ انتهى.
قال الحافظ: (وقد أخذ البخاري الترجمة من مجموع ما ورد في قصة فاطمة، فرتب الجواز على أحد الأمرين، أما خشية الاقتحام عليها وإما أن يقع منها على أهل مطلقها فحش من القول، ولم ير بين الأمرين في قصة فاطمة معارضة لاحتمال وقوعهما معًا في شأنها، وقال أيضًا: فإذا جمعت ألفاظ الحديث من جميع طرقه، خرج منها أن سبب استئذانها في الانتقال ما ذكر من الخوف عليها ومنها، واستقام الاستدلال حينئذ على أن السكنى لم تسقط لذاتها، وإنما سقطت للسبب المذكور نعم، وكانت فاطمة بنت قيس تجزم بإسقاط سكنى البائن ونفقتها، وتستدل لذلك بالآية.
قوله: (أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه): العاتق ما بين العنق والمنكب في رواية: “إنه ضراب للنساء”.
وفي الحديث دليل على جواز ذكر الإنسان بما فيه عند النصيحة، وأنه لا يكون من الغيبة المحرمة، وفيه استعمال المبالغة وجواز نكاح القرشية للمولى[8]، والله أعلم.
——
قال المعلمي
وأما الرابعة: فوجوب النفقة والسكنى للمبتوتة مختلفٌ فيه، والحجة مع من ينفيه.
الحكم المشروع في الطلاق المجموع – ضمن «آثار المعلمي» ١٧/٦٣١
——
قال ابن عثيمين رحمه الله:
ومن فوائد هذا الحديث أن المرأة إذا اعطيت نفقة دون ما يجب لها فلها أن تردها وأن تطلب النفقة الملائمة لها، وكيف تكون الملائمة؟ هل المعتبر حال الزوج أو حال الزوجة أو حالهما؟ في هذا للعلماء ثلاثة أقوال: …والصحيح الذي دل عليه القران أن المعتبر حال الزوج لقوله تعالى (( لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله ، لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها )).
ومن فوائد هذا الحديث جواز القسم دون استقسام، لقول الوكيل ” فقال والله ما لك علينا من شيء “.
ومن فوائد هذا الحديث أن المرجع الى الله ورسوله لأن المرأة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك.
ومنها أن المبتوتة وهذا الشاهد ليس لها نفقة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم ( ليس لك عليه نفقة ) فإن قال قائل هذا يقتضي أن لا نفقة للمبتوتة مطلقا ولو حاملا، فالجواب ليس كذلك، لأن هذا يحتمل أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان عالما بحالها وأنها غير حامل لأن الله تعالى يقول (( وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن )).
ومنها جواز افتاء المفتي بما يعلم من حال المستفتي بدون استفصال، لأن الاستفصال مع العلم بالحال وعدم التغير لا يحتاج إليه تطويل بلا فائدة، أما القاضي فلا يحكم بعلمه، القاضي لا يحكم بعلمه يعني لو تخاصم رجلان عند القاضي والقاضي يعلم أن زيدا له الحق على عمرو فإنه لا يحكم له بذلك
ومن فوائد هذا الحديث أن البائن لا يلزمها أن تعتد في بيت زوجها لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها أن تعتد في بيت من؟ في بيت أم شريك، طيب، فلو أن رجلا طلق امرأته ثلاثا يعني آخر طلاق فلا يلزمها أن تبقى في البيت تذهب إلى أهلها ولا بأس، أما الرجعية فيلزمها أن تبقى في البيت، إذا طلق الإنسان زوجته طلاقا رجعيا لزمها أن تبقى في البيت ولا تخرج لقول الله تعالى (( لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن )).
ومن فوائد الحديث جواز دخول الرجال على المرأة لقول الرسول صلى الله عليه وسلم ( تلك امرأة يغشاها أصحابي ) يعني يأتون إليها كثيرا ولكن يشترط أن لا يخلو الرجل بها وهو من غير محارمها، من أين شرطنا هذا؟ من نصوص آخرى لأن الشريعة يكمل بعضها بعضا.
ومن فوائد هذا الحديث أنه لا يجب على المرأة أن تحتجب عن الأعمى لقوله صلى الله عليه وسلم ( اعتدي في بيت ابن أم مكتوم فإنه رجل أعمى تضعين ثيابك عنده )، وعلى هذا إذا كان لا يجب عليها أن لا تحتجب منه فيجوز لها أن تنظر إليه، وهو كذلك، فيتفرع على هذه الفائدة فائدة اخرى وهي أن المرأة يجوز لها أن تنظر إلى الرجل، إلى وجهه، إلى رأسه، إلى كفه، الى ذراعه إلى ساقه الى قدمه، يجوز لها أن ترى هذا إلا إذا كان نظرها نظر شهوة أو نظر متعة فلا يجوز لقوله تعالى (( وقل للمؤمنات أن يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن )).
ومن فوائد هذا الحديث أنه يجوز للرجل أن يقول للمعتدة إذا فرغت من العدة فأخبريني، وهذا نوع من التعريض في الخطبة
ومن فوائد هذا الحديث أنه يجوز أن يتوارد على المرأة خاطبان فأكثر لأن فاطمة رضى الله عنها توارد عليها ثلاثة من؟ معاوية بن أبي سفيان وأبو جهم وأسامة بن زيد، فإن قال قائل أليس من المعلوم أنه لا يجوز أن يخطب الإنسان على خطبة أخيه؟ قلنا بلى، ولكن هؤلاء خطب بعضهم هذه المرأة وهو لا يعلم أنها مخطوبة، أو أنه لا يعلم بالنهي، أما أن يكونوا قد علموا بالنهي وعلموا أنها مخطوبة فهذا لا يقع في الصحابة لمن علم حالهم، فإن علم الإنسان بأنها مخطوبة فإنه لا يحل له أن يتقدم إليها، إذا قبلوه فالأمر واضح أنه لا يجوز، وإن جهل هل قبلوه أم لا فهو لا يجوز أيضا، لأنهم قد يكونوا على وشك القبول فإذا خطبها الثاني عدلوا وهذا يشبه السوم على سوم أخيه، وقد نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم، وإن علم أنهم ردوه يجوز أن يخطب على خطبة أخيه؟ نعم يجوز.
ومن فوائد هذا الحديث جواز ذكر الإنسان بما يكره إذا كان هذا من باب النصيحة
وكذلك أيضا من فوائده أنه لا بأس أن يرد الخاطب إذا علم أنه كثير الأسفار، واضح؟ وإذا علم أنه ضراب للنساء
ومن فوائد هذا الحديث بيان أن الله تعالى هو الذي بيده ملكوت السماوات والأرض فهذا الرجل الصعلوك معاوية، ماذا كانت حاله فيما بعد؟ كان خليفة، أمير المؤمنين …
ومن فوائد هذا الحديث الإشارة عند المشاورة إلى من يكون أحسن، وهذا واجب …
ومن فوائد هذا الحديث أن الإنسان فيما يتعلق بحاله وقدرته لا يلام إذا خالف المشورة لأن فاطمة حين أشار عليها النبي صلى الله عليه وسلم أن تنكح أسامة، كرهته، ؟ لأن فاطمة بنت قيس من صميم العرب وأسامة بن زيد مولى من الموالي فكرهته ولكن النبي صلى الله عليه وسلم قال انكحي أسامة مرة أخرى فنكحته فجعل الله فيه خيرا واغتبطت به.
ومن فوائد هذا الحديث بركة استشارة النبي صلى الله عليه وسلم في هذه القضية وفي غيرها أيضا، نعم.
كتاب النكاح والرضاع والطلاق واللعان والعتق-
وقال ابن قدامة:
3956 – مسألة: (وأمَّا البائِنُ بِفَسْخٍ أو طَلاقٍ، فإن كانَتْ حامِلًا، فلها النَّفَقَةُ والسُّكْنَى، وإلَّا فلا شَىْءَ لها. وعنه، لها السُّكْنَى)
وجملةُ ذلك، أنَّ الرَّجُلَ إذا طَلَّقَ امرأتَه طَلاقًا بائِنًا، إمَّا أن يكونَ ثَلاثًا، أو بخُلْعٍ، أو بانَتْ بفَسْخٍ وكانت حامِلًا، فلها النَّفَقةُ والسُّكْنَى، بإجْماعِ أَهْلِ العلمِ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} . وفى بعضِ أخْبارِ حَدِيثِ فاطمةَ بنتِ قيسٍ: «لَا نَفَقَةَ لَكِ، إلَّا أن تَكُونِى حامِلًا» . ولأَنَّ الحَمْلَ ولَدُه، فيَلْزَمُه الإِنْفاقُ عليه، ولا يُمْكِنُه النَّفَقةُ عليه إلَّا بالإِنْفاقِ عليها، فوَجَبَ، كما وَجَبَتْ أُجْرَةُ الرَّضاعِ. وإن كانت حائِلًا، فلا نَفَقةَ لها. وفى السُّكْنَى رِوَايتان؛ إحداهما، لا يجبُ لها ذلك. وهو قولُ علىٍّ، وابنِ عباسٍ، وجابرٍ. وبه قال عطاءٌ، وطاوسٌ، والحسنُ، وعمرُو ابنُ مَيْمُونٍ، وعِكْرِمَةُ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وداودُ. والثانيةُ، يجبُ لها. وهو قولُ عمرَ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ عمرَ، وعائشةَ، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والقاسمِ، وسالمٍ، والفُقَهاءِ السَّبْعَةِ، ومالكٍ، والشافعىِّ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}. فأوْجَبَ لهُنَّ السُّكْنَى مُطْلَقًا، ثمَّ خَصَّ الحامِلَ بالإِنْفاقِ عليها. وقال أكثرُ فُقَهاءِ العِراقِ: لها السُّكْنَى والنَّفَقةُ. وبه قال ابنُ شُبْرُمَةَ، وابنُ أبى لَيْلَى، والثَّوْرِىُّ، والحسَنُ بنُ صالحٍ، وأبو حنيفةَ، وأصْحابُه، والبَتِّىُّ، والعَنْبَرِىُّ. ويُرْوَى ذلك عن عمرَ، وابنِ مسعودٍ؛ لأنَّها مُطَلَّقَةٌ، فوَجَبَتْ لها النَّفَقةُ والسُّكْنَى، كالرَّجْعِيَّةِ. ورَدُّوا خَبَرَ فاطمةَ بنتِ قيسٍ بما رُوِى عن عمرَ، أنَّه قال: لا نَدَعُ كِتابَ رَبِّنا، وسُنَّةَ نَبِيِّنا، لقولِ امرأةٍ . وأنْكَرَتْه عائشةُ، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وتأوَّلُوه. قال عُرْوَةُ: لقد عابَتْ عائشةُ ذلك أشَدَّ العَيْبِ، وقالت: إنَّها كانت في مكانٍ وحشٍ، فخِيفَ على ناحِيَتِها . وقال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ: تلك امرأةٌ فتَنَتِ الناسَ بلِسانِها، كانت لَسِنَةً، فوُضِعَتْ على يَدَىِ ابنِ أُمِّ مَكْتُومٍ الأعْمَى . ولَنا، ما رَوَتْ فاطمةُ بنتُ قيسٍ، أنَّ زَوْجَها طَلَّقَها البَتَّةَ وهو غائبٌ، فأرْسَلَ إليها وَكِيلَه بشَعِيرٍ، فسَخِطَتْه ، فقال: واللَّهِ مالكِ علينا مِن شئٍ. فجاءت رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فذكرتْ ذلك له، فقال: «لَيْسَ لَكِ عليه نَفَقَةٌ ولا سُكْنَى». فأَمَرَها أن تَعْتَدَّ في بَيْتِ أُمِّ شريكٍ. مُتَّفَقٌ عليه . وفى لفظٍ: فقال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «انْظُرِى يَا ابْنَةَ قَيْسٍ، إنَّما النَّفَقةُ للمَرْأةِ عَلَى زَوْجِهَا مَا كانَتْ له عليها الرَّجْعَةُ، فإذا لم يَكُنْ له عليها الرَّجْعَةُ، فلا نَفَقَةَ ولا سُكْنَى». روَاه الإِمامُ أحمدُ، والأَثْرَمُ، والحُمَيْدِىُّ . قال ابنُ عبدِ البَرِّ : مِن طَرِيقِ الحُجَّةِ وما يَلْزَمُ منها، قولُ أحمدَ ابنِ حَنْبلٍ ومَن تابَعَه أصَحُّ [وأحَجُّ] . لأنَّه ثَبَتَ عن النبىِّ صلى الله عليه وسلم نَصًّا صَرِيحًا، فأىُّ شئٍ يُعارِضُ هذا إلَّا بمثلِه عن النبىِّ صلى الله عليه وسلم، الذى هو المُبَيِّنُ عن اللَّه تعالى مُرادَه، ولا شئَ يَدْفَعُ ذلك، ومَعْلومٌ أنَّه أعْلَمُ بتأْويلِ قولِ اللَّهِ تعالى: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ}. وأمَّا قولُ عمرَ ومَن وافَقَه، فقد خالَفَه علىٌّ وابنُ عباسٍ وجابرٌ ومَن وافَقَهُم، والحُجَّةُ معهم، ولو لم يُخالِفْه أحَدٌ منهم، لَمَا قُبِلَ قولُه المُخالِفُ لقولِ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فإنَّ قولَ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حُجَّةٌ على عمرَ وغيرِه، ولم يَصِحَّ عن عمرَ أنَّه قال: لا نَدَعُ كتابَ رَبِّنا، وسُنَّةَ نَبِيِّنَا لقولِ امرأةٍ. فإنَّ أحمدَ أنْكَرَه، وقال: أمَّا هذا فلا، فإنَّه قال: لا نَقْبَلُ في دِينِنا قولَ امرأةٍ. وهذا يَرُدُّه الإِجْماعُ على قبولِ قَولِ المرأةِ في الرِّوايةِ، فقد أُخِذَ بقَولِ فُرَيْعَةَ، وهى امرأةٌ، وبِخَبَرِ عائشةَ، وأزْواجِ رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وصارَ خَبَرُ فاطمةَ إذا لم تكنْ حامِلًا، مثلَ نظرِ المرأةِ إلى الرِّجالِ، وخِطْبةِ الرجُلِ على خِطْبَةِ أخِيه، إذا لم تكنْ سَكَنَتْ إلى الأَوَّلِ، وأمَّا تأْوِيلُ مَن تأوَّلَ حَدِيثَها، فليس بشئٍ؛ فإنَّها تخالِفُهم في ذلك، وهى أعْلَمُ بحالِها، ولم يَتَّفِقِ المُتأوِّلُون على شئٍ، وقد رُدَّ على مَن رَدَّ عليها، فقال مَيْمونُ بنُ مِهْرانَ لسَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ، لمَّا قال: تلك امرأةٌ فَتَنَتِ النَّاسَ بلِسانِها: لَئِنْ كانت إنَّما أخَذَتْ بما أفْتاها رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ما فَتَنَتِ الناسَ، وإنَّ لنا في رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أُسْوَةً حَسَنةً، مع أنَّها أحْرَمُ الناسِ عليه، ليس [له عليها] رَجْعَةٌ، ولا بينَهما ميراثٌ . وقولُ عائشةَ: إنَّها كانت في مكانٍ وَحْشٍ. لا يَصِحُّ؛ فإنَّ النبىَّ صلى الله عليه وسلم علَّلَ بغيرِ ذلك، فقال: «يا ابْنَةَ آلِ قيسٍ، إنَّما النَّفَقةُ والسُّكْنَى ما كان لِزَوْجِكِ عَلَيْكِ الرَّجْعَةُ». هكذا رواه الحُمَيْدِىُّ، والأَثْرَمُ. ولو صَحَّ ما قالَتْه عائشةُ لما احْتاجَ عمرُ في رَدِّه إلى أن يَعْتَذِرَ بأنَّه قولُ امرأةٍ، وهى أعْرَفُ بنَفْسِها وبِحالِها. وأمَّا قولُ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: لا نَدَعُ كِتابَ رَبِّنا. فقد قال إسماعيلُ بنُ إسحاقَ: نحنُ نَعْلَمُ أنَّ عمرَ لا يَقُولُ: لا نَدَعُ كِتابَ رَبِّنا. إلَّا لِما هو مَوْجودٌ في كِتابِ اللَّهِ تعالى، والذي في الكِتابِ أنَّ لها النَّفَقَةَ إذا كانت حامِلًا، بقَوْلِه سبحانه: {وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} . وأمَّا غيرُ ذواتِ الحَمْلِ، فلا يَدُلُّ الكِتابُ إلَّا على أنَّهُنَّ لا نَفَقةَ لَهُنَّ؛ لاشْتِراطِه الحَمْلَ في الأمْرِ بالإِنْفاقِ. وقد روَى أبو داودَ وغيرُه، بإسْنادِهم، عن ابنِ عباسٍ، في حَدِيثِ المُتَلاعِنَيْن، قال: ففَرَّقَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بينَهما، وقَضَى أن لا بَيْتَ لها ولا قُوتَ . ولأَنَّ هذه مُحَرَّمَةٌ عليه تَحْريمًا لا تُزِيلُه الرَّجْعَةُ، فلم يَكُنْ لها سُكْنَى ولا نفقةٌ، كالمُلاعِنَةِ، وتُفارِقُ الرَّجْعِيَّةَ، فإنَّها زَوْجَتُه) يلْحَقُها طَلاقُه وظِهارُه وإيلاؤُه، بخِلافِ البائِنِ.
[الشرح الكبير 24/ 308 ت التركي]
قال ابن حجر:
… وقال ابن دقيق العيد: سياق الحديث يقتضي أن سبب الحكم أنها اختلفت مع الوكيل بسبب استقلالها ما أعطاها، وأنها لما قال لها الوكيل: لا نفقة لك، سألت النبي صلى الله عليه وسلم، فأجابها بأنها لا نفقة لها ولا سكنى، فاقتضى أن التعليل إنما هو بسبب ما جرى من الاختلاف لا بسبب الاقتحام والبذاءة، فإن قام دليل أقوى من هذا الظاهر عمل به.
قلت: المتفق عليه في جميع طرقه أن الاختلاف كان في النفقة، ثم اختلفت الروايات: ففي بعضها: فقال: لا نفقة لك ولا سكنى وفي بعضها أنه لما قال لها: لا نفقة لك استأذنته في الانتقال فأذن لها، وكلها في صحيح مسلم، فإذا جمعت ألفاظ الحديث من جميع طرقه خرج منها أن سبب استئذانها في الانتقال ما ذكر من الخوف عليها ومنها، واستقام الاستدلال حينئذ على أن السكنى لم تسقط لذاتها، وإنما سقطت للسبب المذكور. نعم كانت فاطمة بنت قيس تجزم بإسقاط سكنى البائن ونفقتها، وتستدل لذلك كما سيأتي ذكره، ولهذا كانت عائشة تنكر عليها.
تنبيه:
طعن أبو محمد بن حزم في رواية ابن أبي الزناد المعلقة فقال: عبد الرحمن بن أبي الزناد ضعيف جدا، وحكم على روايته هذه بالبطلان، وتعقب بأنه مختلف فيه، ومن طعن فيه لم يذكر ما يدل على تركه فضلا عن بطلان روايته، وقد جزم يحيى بن معين بأنه أثبت الناس في هشام بن عروة، وهذا من روايته عن هشام، فلله در البخاري ما أكثر استحضاره وأحسن تصرفه في الحديث والفقه. وقد اختلف السلف في نفقة المطلقة البائن وسكناها: فقال الجمهور لا نفقة لها. ولها السكنى، واحتجوا لإثبات السكنى بقوله تعالى: {أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم} ولإسقاط النفقة بمفهوم قوله تعالى: {وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن} فإن مفهومه أن غير الحامل لا نفقة لها وإلا لم يكن لتخصيصها بالذكر معنى، والسياق يفهم أنها في غير الرجعية؛ لأن نفقة الرجعية واجبة لو لم تكن حاملا.
وذهب أحمد، وإسحاق، وأبو ثور إلى أنه لا نفقة لها ولا سكنى على ظاهر حديث فاطمة بنت قيس، ونازعوا في تناول الآية الأولى المطلقة البائن، وقد احتجت فاطمة بنت قيس صاحبة القصة على مروان حين بلغها إنكاره بقولها: بيني وبينكم كتاب الله، قال الله تعالى: {لا تخرجوهن من بيوتهن} – إلى قوله: – {يحدث بعد ذلك أمرا} قالت: هذا لمن كانت له مراجعة، فأي أمر يحدث بعد الثلاث؟ وإذا لم يكن لها نفقة وليست حاملا فعلام يحبسونها؟ وقد وافق فاطمة على أن المراد بقوله تعالى: {يحدث بعد ذلك أمرا} المراجعة قتادة، والحسن، والسدي، والضحاك، أخرجه الطبري عنهم ولم يحك عن أحد غيرهم خلافه، وحكى غيره أن المراد بالأمر ما يأتي من قبل الله تعالى من نسخ أو تخصيص أو نحو ذلك فلم ينحصر ذلك في المراجعة، وأما ما أخرجه أحمد من طريق الشعبي عن فاطمة في آخر حديثها مرفوعا: إنما السكنى والنفقة لمن يملك الرجعة، فهو من أكثر الروايات موقوف عليها، وقد بين الخطيب في المدرج أن مجالد بن سعيد تفرد برفعه وهو ضعيف، ومن أدخله في رواية غير رواية مجالد، عن الشعبي فقد أدرجه، وهو كما قال، وقد تابع بعض الرواة عن الشعبي في رفعه مجالدا لكنه أضعف منه.
وأما قولها: إذا لم يكن لها نفقة فعلام يحبسونها؟، فأجاب بعض العلماء عنه بأن السكنى التي تتبعها النفقة هو حال الزوجية الذي يمكن معه الاستمتاع ولو كانت رجعية، وأما السكنى بعد البينونة فهو حق لله تعالى، بدليل أن الزوجين لو اتفقا على إسقاط العدة لم تسقط بخلاف الرجعية، فدل على أن لا ملازمة بين السكنى والنفقة. وقد قال بمثل قول فاطمة أحمد، وإسحاق، وأبو ثور وداود وأتباعهم. وذهب أهل الكوفة من الحنفية وغيرهم إلى أن لها النفقة والكسوة، وأجابوا عن الآية بأنه تعالى إنما قيد النفقة بحالة الحمل؛ ليدل على إيجابها في غير حالة الحمل بطريق الأولى؛ لأن مدة الحمل تطول غالبا. ورده ابن السمعاني بمنع العلة في طول مدة الحمل، بل تكون مدة الحمل أقصر من غيرها تارة وأطول أخرى فلا أولوية، وبأن قياس الحائل على الحامل فاسد؛ لأنه يتضمن إسقاط تقييد ورد به النص في القرآن والسنة.
وأما قول بعضهم: إن حديث فاطمة أنكره السلف عليها كما تقدم من كلام عائشة، وكما أخرج مسلم من طريق أبي إسحاق: كنت مع الأسود بن يزيد في المسجد، فحدث الشعبي بحديث فاطمة بنت قيس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجعل لها سكنى ولا نفقة، فأخذ الأسود كفا من حصى فحصبه به وقال: ويلك تحدث بهذا؟ قال عمر: لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة، لا ندري لعلها حفظت أو نسيت، قال الله تعالى: {لا تخرجوهن من بيوتهن} فالجواب عنه أن الدارقطني قال: قوله في حديث عمر: وسنة نبينا غير محفوظ، والمحفوظ: لا ندع كتاب ربنا، وكأن الحامل له على ذلك أن أكثر الروايات ليست فيها هذه الزيادة، لكن ذلك لا يرد رواية النفقة، ولعل عمر أراد بسنة النبي صلى الله عليه وسلم ما دلت عليه أحكامه من اتباع كتاب الله، لا أنه أراد سنة مخصوصة في هذا، ولقد كان الحق ينطق على لسان عمر؛ فإن قوله: لا ندري حفظت أو نسيت، قد ظهر مصداقه في أنها أطلقت في موضع التقييد، أو عممت في موضع التخصيص، كما تقدم بيانه، وأيضا فليس في كلام عمر ما يقتضي إيجاب النفقة، وإنما أنكر إسقاط السكنى.
وادعى بعض الحنفية أن في بعض طرق حديث عمر: للمطلقة ثلاثا السكنى والنفقة، ورده ابن السمعاني بأنه من قول بعض المجازفين فلا تحل روايته، وقد أنكر أحمد ثبوت ذلك عن عمر أصلا، ولعله أراد ما ورد من طريق إبراهيم النخعي، عن عمر لكونه لم يلقه، وقد بالغ الطحاوي في تقرير مذهبه فقال: خالفت فاطمة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن عمر روى خلاف ما روت، فخرج المعنى الذي أنكر عليها عمر خروجا صحيحا، وبطل حديث فاطمة فلم يجب العمل به أصلا، وعمدته على ما ذكر من المخالفة ما روى عمر بن الخطاب؛ فإنه أورده من طريق إبراهيم النخعي، عن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لها السكنى والنفقة، وهذا منقطع لا تقوم به حجة.
[فتح الباري لابن حجر 9/ 479 ط السلفية]
قال العباد:
شرح أثر عمر (ما كنا لندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة)
قول عمر رضي الله عنه: (كتاب ربنا) يعني: ما جاء في القرآن في قوله تعالى: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ} [الطلاق:6] أي: وهي من المطلقات، إذاً: فلها السكنى، وكان عمر رضي الله عنه ينقل عنه أن لها السكنى والنفقة معاً، والمسألة خلافية، فعدد من الصحابة منهم ابن عباس قالوا: إنها لا سكنى لها ولا نفقة، كما جاء في حديث فاطمة، وعمر رضي الله عنه وغيره قالوا: لها السكنى والنفقة، والقول الثالث: أن لها السكنى دون النفقة، وقد ذكرنا أن الصحيح هو ما دل عليه حديث فاطمة بنت قيس: من أنها لا سكنى لها ولا نفقة.
وقوله: (وسنة نبينا) قال بعض أهل العلم: إن هذا غير محفوظ ولا ثابت؛ لأنه لم يأت شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم في أن لها النفقة، بل الذي جاءت به السنة أنها لا نفقة لها، وقد جاء في بعض الروايات: أنه إنما تكون النفقة لمن تكون لها رجعة، وأما المبتوتة والبائنة فهذه لا سبيل للمطلَّق إليها، إذاً: فلا سكنى لها ولا نفقة.
ويمكن أن يحمل قوله: (سنة نبينا) على الطريقة، أي: أن الرسول صلى الله عليه وسلم طريقته القرآن، فقد جاءت سنته وفقاً لما جاء في القرآن…..
إذاً: فقول عمر رضي الله عنه: (كتاب ربنا وسنة نبينا) يمكن أن يقال: المقصود بالسنة طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو ما يشمل الكتاب والسنة.
[شرح سنن أبي داود للعباد 262/ 3 بترقيم الشاملة آليا]
(المسألة الرابعة): في بيان ما وجّه إلى حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها هذا، من المطاعن، والجواب عنه:
وقد أشبع الكلام في هذه المسألة العلّامة ابن القيّم: في كتابه الممتع “زاد المعاد”، وقد ذكر قبل ذكر المطاعن وأجوبتها كون حديثها موافقًا لكتاب الله عز وجل فقال:
[موافقة هذا الحكم لكتاب الله عز وجل]:
قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ} [الطلاق: 1].
فأمر الله عز وجل الأزواج الذين لهم عند بلوغ الأجل الإمساكُ، والتسريح بأن لا يُخرجوا أزواجهم من بيوتهم، وأمر أزواجهنّ أن لا يخرجوهن، فدلّ على جواز إخراج من ليس لزوجها إمساكها بعد الطلاق، فإنَّه سبحانه وتعالى ذكر لهؤلاء المطلقات أحكامًا متلازمة، لا ينفك بعضها عن بعض:
[أحدها]: أن الأزواج لا يخرجوهن من بيوتهنّ.
[والثاني]: أنهنّ لا يخرجن من بيوت أزواجهنّ.
[والثالث]: أن لأزواجهنّ إمساكهنّ بالمعروف قبل انقضاء الأجل، وترك الإمساك، فيُسرّحوهنّ بإحسان.
[والرابع]: إشهاد ذوي عدل، وهو إشهادٌ على الرجعة إما وجوبًا، وإما استحبابًا، وأشار سبحانه إلى حكمة ذلك، وأنه في الرجعيّات خاصّةً بقوله: {لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} [الطلاق: 1]، والأمر الذي يُرجى إحداثه ههنا هو المراجعة، هكذا قال السلف، ومن بعدهم. قال ابن أبي شيبة: حدثنا أبو معاوية، عن داود الأوديّ، عن الشعبيّ: {لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا}، قال: لعلّك تَنْدَمُ، فيكون لك سبيل إلى المراجعة. وقال الضحّاك: {لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} [الطلاق: 1]، قال: لعله أن يراجعها في العدّة. وقاله عطاء، وقتادة، والحسن، وقد تقدَّم قول فاطمة بنت قيس: أيُّ أمر يحدث بعد الثلاث؟
فهذا يدلّ على أن الطلاق المذكور هو الرجعيّ الذي ثبتت فيه هذه الأحكام، وأن حكمة أحكم الحاكمين، وأرحم الراحمين، اقتضته لعل الزوج أن يندم، ويزول الشرّ الذي نزغه الشيطان بينهما، فتتبعها نفسه، فيراجعها، كما قال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: لو أن الناس أخذوا بأمر الله في الطلاق، ما أتبع رجل نفسه امرأة يُطلّقها أبدًا.
ثمَّ ذكر سبحانه وتعالى الأمر بإسكان هؤلاء المطلّقات، فقال: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ} [الطلاق: 6]، فالضمائر كلّها يتّحد مفسّرها، وأحكامها كلها متلازمة، وكان قول النبيّ صلى الله عليه وسلم: “إنما النفقة والسكنى للمرأة إذا كان لزوجها عليها رجعة”، مشتقًّا من كتاب الله عز وجل ومفسّرًا له، وبيانًا لمراد المتكلّم به منه، فقد تبيّن اتحاد قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكتاب الله عز وجل، والميزان العادل معهما أيضًا، لا يُخالفهما، فإن النفقة إنما تكون للزوجة، فإذا بانت منه صارت أجنبيّة حكمها حكم سائر الأجنبيّات، ولم يبق إلا مجرّد اعتدادها منه، وذلك لا يوجب لها نفقة، كالموطوءة بشبهة، أو زنى، ولأن النفقة إنما تجب في مقابلة التمكن من الاستمتاع، وهذا لا يمكن استمتاعه بها بعد بينونتها، ولأن النفقة لو وجبت لها عليه لأجل عدّتها، لوجبت للمتوفّى عنها من ماله، ولا فرق بينهما البتّة، فإن كلّ واحدة منهما قد بانت عنه، وهي معتدّةٌ منه، قد تعذّر منهما الاستمتاع، ولأنها لو وجبت لها السكنى، لوجبت لها النفقة، كما يقوله من يوجبها، فأما أن تجب لها السكنى دون النفقة، فالنصّ، والقياس يدفعه.
ثمَّ قال رحمه الله تعالى:
[ذكر المطاعن التي طُعن بها على حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها قديمًا وحديثًا]:
(فأولها): طعن أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب رضي الله عنه، فروى مسلم في “صحيحه” عن أبي إسحاق، قال: كنت مع الأسود بن يزيد، جالسًا، في المسجد الأعظم، ومعنا الشعبي، فحدّث الشعبي بحديث فاطمة بنت قيس؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يجعل لها سكنى ولا نفقة، ثمَّ أخذ الأسود كَفًّا من حصى، فحصبه به، فقال: ويلك تُحدّث بمثل هذا؟ قال عمر: لا نترك كتاب الله وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم لقول امرأة، لا ندري لعلها حفظت، أو نسيت، لها السكنى والنفقة، قال الله عز وجل: {لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ} [الطلاق: 1].
قالوا: فهذا خبر عمر يُخبر أن سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لها النفقة والسكنى، ولا ريب أن هذا مرفوع، فإن الصحابيّ إذا قال: “من السنة كذا”، كان مرفوعًا، فكيف إذا قال: “من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم “؟، فكيف إذا كان القائل عمر بن الخطّاب؟ وإذا تعارضت رواية عمر رضي الله عنه، ورواية فاطمة، فرواية عمر أولى، ولا سيما، ومعها ظاهر القرآن، كما سنذكر. وقال سعيد بن منصور: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، قال: كان عمر بن الخطّاب إذ ذُكر عنده حديث فاطمة بنت قيس قال: ما كنّا نغيّر في ديننا بشهادة امرأة.
[ذكر طعن عائشة في خبر فاطمة بنت قيس رضي الله عنهما -]:
في “الصحيحين” من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، قال: تزوّج يحيى بن سعيد بن العاص، بنت عبد الرحمن بن الحكم، فطلّقها، فأخرجها من عنده، فعاب ذلك عليهم عروة، فقالوا: إن فاطمة قد خَرَجت، قال عروة: فأتيت عائشة، فأخبرتها بذلك، فقالت: ما لفاطمة بنت قيس خير في أن تذكر هذا الحديث.
وقال البخاري: فانتقلها عبد الرحمن، فأرسلت عائشة أم المؤمنين، إلى مروان بن الحكم، وهو أمير المدينة: اتَّقِ اللهَ وارددها إلى بيتها، قال مروان: إن عبد الرحمن بن الحكم غلبني، وقال: أَوَما بلغك شأن فاطمة بنت قيس؟ قالت: لا يضرّك أن لا تذكر حديث فاطمة، فقال مروان بن الحكم: إن كان بكِ شرّ، فحسبك ما بين هذين من الشر.
ومعنى كلامه: إن كان خروج فاطمة لما يقال من شرّ كان في لسانها، فيكفيك ما بين يحيى بن سعيد بن العاص، وبين امرأته من الشرّ.
وفي “الصحيحين”: عن عروة أنَّه قال لعائشة: ألم تري إلى فلانة بنت الحكم، طلّقها زوجها البتة، فخرجت؟ فقالت: بئس ما صنعت، قال: ألم تسمعي في قول فاطمة؟ قالت: أما إنه ليس لها خير في ذكر هذا الحديث.
وفي حديث القاسم، عن عائشة رضي الله عنها يعني في قولها: لا سكنى ولا نفقة. وفي “صحيح البخاريّ”: عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت لفاطمة: ألا تتّقي الله، تعني في قولها: لا سكنى ولا نفقة. وفي “صحيحه” أيضًا: عنها: إن فاطمة كانت في مكان وحش، فخيف على ناحيتها، فلذلك أرخص النبيّ صلى الله عليه وسلم لها.
وقال عبد الرزاق، عن ابن جريج، أخبرني ابن شهاب، عن عروة، أن عائشة رضي الله تعالى عنها، أنكرت ذلك على فاطمة بنت قيس، تعني انتقال المطلّقة ثلاثًا.
وذكر القاضي إسماعيل، حدّثنا نصر بن عليّ، حدثني أبي، عن هارون، عن محمَّد بن إسحاق، قال: أحسبه عن محمَّد بن إبراهيم، أن عائشة رضي الله عنه قالت لفاطمة بنت قيس: إنما أخرجك هذا اللسان.
[ذكر طعن أسامة بن زيد رضي الله عنه على حديث فاطمة]:….. فذكرها
[ذكر الأجوبة عن هذه المطاعن، وبيان بطلانها]:
وحاصلها أربعة:
[أحدها]: أن راويتها امرأة، لم تأت بشاهدين يُتابعانها على حديثها.
[الثاني]: أن روايتها تضمّنت مخالفة القرآن.
[الثالث]: أن خروجها من المنزل لم يكن لأنه لا حقّ لها في السكنى، بل لأذاها أهل زوجها بلسانها.
[الرابع]: معارضة روايتها برواية أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب رضي الله عنه.
ونحن نبيّن ما في كلّ واحد من هذه الأمور الأربعة – بحول الله تعالى وقوّته – هذا مع أن في بعضها من الانقطاع، وفي بعضها من الضعف، وفي بعضها من البطلان ما سننبّه عليه، وبعضها صحيح عمن نُسب إليه بلا شكّ.
فأما الطعن الأوّل، وهو كون الراوي امرأة، فمَطْعَنٌ باطل بلا شكّ، والعلماء قاطبةً على خلافه، والمحتجّ بهذا من أتباع الأئمة أول مبطل له، ومخالف له، فإنهم لا يختلفون في أن السنن تؤخذ عن المرأة كما تؤخذ عن الرجل، هذا وكم من سنّة تلقاها الأئمة بالقبول عن امرأة واحدة من الصحابة، وهذه مسانيد نساء الصحابة بأيدي الناس، لا تشاء أن ترى فيها سنّة تفرّدت بها امرأة منهنّ إلا رأيتها، فما ذنب فاطمة بنت قيس دون نساء العالمين؟ وقد أخذ الناس بحديث فُريعة بنت مالك بن سنان، أخت أبي سعيد الخدريّ في اعتداد المتوفّى عنها في بيت زوجها، وليست فاطمة بدونها علمًا، وجلالةً، وثقةً، وأمانةً، بل هي أفقه منها بلا شكّ، فإن فُريعة لا تُعرف إلا في هذا الخبر، وأما شهرة فاطمة، ودعاؤها من نازعها من الصحابة إلى كتاب الله ومناظرتها على ذلك، فأمرٌ مشهور، وكانت أسعد بهذه المناظرة ممن خالفها، كما مضى تقريره.
وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يختلفون في الشيء، فتروي لهم إحدى أمهات المؤمنين عن النبيّ صلى الله عليه وسلم شيئًا، فيأخذون به، ويرجعون إليه، ويتركون ما عندهم له، وإنما فُضّلن على فاطمة بنت قيس بكونهنّ أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلا فهي من المهاجرات الأُوَل، وقد رضيها رسول الله صلى الله عليه وسلم لِحِبّه، وابن حِبّه أُسامة بن زيد رضي الله عنهما، وكان هو الذي خطبها له، وإذا شئت أن تعرف مقدار حفظها وعلمها، فاعرفه من حديث الدجّال الطويل الذي حدّث به رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر، فوعته فاطمة، وحفظته، وأدّته كما سمعته، ولم يُنكره عليها أحدٌ مع طوله، وغرابته، فكيف بقصّة جرت لها، وهي سببها، وخاصمت فيها، وحُكم فيها بكلمتين، وهي “لا نفقة، ولا سكنى”، والعادة توجب حفظ مثل هذا، وذِكْرَه، واحتمالُ النسيان فيه أمر مشتركٌ بينها وبين من أنكر عليها، فهذا عمر قد نسي تيمّم الجنب، وذكّره عمار بن ياسر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لهما بالتيمّم من الجنابة، فلم يَذكُره عمر رضي الله عنه، وأقام على أن الجنب لا يصلّي حتى يجد الماء.
ونسي قوله تعالى: {وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا} [النساء: 20]، حتى ذكّرته به امرأة، فرجع إلى قولها.
ونسي قوله: {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} [الزمر: 30]، حتى ذُكّر به.
فإن كان جواز النسيان على الراوي يوجب سقوط روايته سقطت رواية عمر التي عارضتم بها خبر فاطمة، وإن كان لا يوجب سقوط روايته بطلت المعارضة بذلك، فهي باطلة على التقديرين، ولو رُدّت السننُ بمثل هذا، لم يبق بأيدي الأمة منها إلا اليسير، ثمَّ كيف يُعارِض خبرَ فاطمة، ويَطعن فيه بمثل هذا من يرى قبول خبر الواحد العدل، ولا يشترط للرواية نصابًا؟ وعمر رضي الله عنه أصابه في مثل هذا ما أصابه في ردّ خبر أبي موسى في الاستئذان حتى شهد له أبو سعيد، وردّه خبر المغيرة بن شعبة في إملاص المرأة حتى شَهِد له محمَّد بن مسلمة، وهذا كان تثبيتًا منه رضي الله عنه حتى لا يركب الناس الصعب والذَّلُول في الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلا فقد قَبِلَ خبر الضحّاك بن سفيان الكلابيّ وحده، وهو أعرابيّ، وقبل لعائشة رضي الله عنها عدّة أخبار تفرّدت بها.
وبالجملة، فلا يقول أحد: إنه لا يُقبل قولُ الراوي الثقة العدل حتى يشهد له شاهدان، لا سيما إن كان من الصحابة.
فصل:
وأما المطعن الثاني، وهو أن روايتها مخالفة للقرآن، فنجيب بجوابين: مجمل، ومفصّل، أما المجمل، فنقول: لو كانت مخالفةً كما ذكرتم، لكانت مخالفةً لعمومه، فتكون تخصيصًا للعامّ، فحكمها حكم تخصيص قوله: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ} [النساء: 11] بالكافر، والرقيق، والقاتل، وتخصيص قوله: {وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ [النساء: 24] بتحريم الجمع بين المرأة وعمتها، وبينها وبين خالتها، ونظائره، فإن القرآن لم يُخصّ البائن بأنها لا تُخرَج، ولا تَخرُج، وبأنها تسكن من حيث يسكن زوجها، بل إما أن يعمّها، ويعُمّ الرجعيّة، وإما أن يخصّ الرجعيّة.
فإن عمّ النوعين، فالحديث مخصّص لعمومه، وإن خصّ الرجعيات، وهو الصواب للسياق الذي من تدبّره، وتأمله قطع بأنّه في الرجعيّات من عدّة أوجه قد أشرنا إليها، فالحديث ليس مخالفًا لكتاب الله، بل موافقٌ له، ولو ذُكِّر أمير المؤمنين رضي الله عنه بذلك، لكان أوّل راجع إليه، فإن الرجل كما يذهَلُ عن النصّ يذهل عن دلالته وسياقه، وما يقترن به مما يتبيّن المراد منه، وكثيرًا ما يذهَلُ عن دخول الواقعة المعيّنة تحت النصّ العامّ، واندراجه تحتها، فهذا كثيرٌ جدًّا، والتفطّن له من الفهم الذي يؤتيه الله من يشاء من عباده، ولقد كان أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه من ذلك بالمنزلة التي لا تُجهل، ولا تستغرقها عبارة، غير أن النسيان والذهول عُرْضةٌ للإنسان، وإنما الفاضل العالم من إذا ذُكّر ذَكَرَ، ورجع.
فحديث فاطمة رضي الله تعالى عنها مع كتاب الله على ثلاث أطباق، لا يخرج عن واحد منها، إما أن يكون تخصيصًا لعامّه. الثاني: أن يكون بيانًا لما لم يتناوله، بل سكت عنه. الثالث: أن يكون بيانًا لما أريد به، وموافقًا لما أرشد إليه سياقُه، وتعليلُه، وتنبيهه، وهذا هو الصواب، فهو إذن موافقٌ له، لا مخالفٌ، وهكذا ينبغي قطعًا، ومعاذَ الله أن يحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يُخالف كتاب الله تعالى، أو يعارضه. وقد أنكر الإمام أحمد رحمه الله هذا من قول عمر رضي الله عنه، وجعل يتبسّم ويقول: أين في كتاب الله إيجاب السكنى، والنفقة للمطلّقة ثلاثًا؟ وأنكرته قبله الفقيهة الفاضلة فاطمة، وقالت: بيني وبينكم كتاب الله، قال الله تعالى: {لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} [الطلاق: 1]، وأيّ أمر يحدث بعد الثلاث؟ وقد تقدَّم أن قوله: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ} [الطلاق: 2]، يشهد بأن الآيات كلها في الرجعيّات.
فصل:
وأما المطعن الثالث، وهو أن خروجها لم يكن إلا لفحش من لسانها، فما أبرده من تأويل، وأسمجه، فإن المرأة من خيار الصحابة رضي الله عنهم، وفضلائهم، ومن المهاجرات الأُوَل، وممن لا يحملها رقّة الدين، وقلّة التقوى على فُحش، يوجب إخراجها من دارها، وأن يمنع حقّها الذي جعله الله لها، ونهى عن إضاعته، فيا عجبًا: كيف لم ينكر عليها النبيّ صلى الله عليه وسلم هذا الفُحْش، ويقول لها: اتق اللهَ وكُفّي لسانك عن أذى أهل زوجك، واستقرّي في مسكنك؟ وكيف يعدِل عن هذا إلى قوله: “لا نفقة لك، ولا سكنى”، وإلى قوله: “إنما السكنى والنفقة للمرأة التي إذا كان لزوجها عليها رجعة”؟، فيا عجبًا كيف يُترك هذا المانع الصريح الذي خرج من بين شفتي النبيّ صلى الله عليه وسلم، ويُعلّل بأمر موهوم لم يعلّل به رسول الله صلى الله عليه وسلم البتّة، ولا أشار إليه، ولا نبّه عليه؟ هذا من المحال البيَّن. ثمَّ لو كانت فاحشة اللسان، وقد أعاذها الله من ذلك، لقال لها النبيّ صلى الله عليه وسلم، وسمعت، وأطاعت: كُفّي لسانك حتى تنقضي عدّتك، وكان من دونها يسمع، ويُطيع؛ لئلا يخرج من سكنه.
فصل:
وأما المطعن الرابع: وهو معارضة روايتها برواية عمر رضي الله عنه، فهذه المعارضة تُورد من وجهين: أحدهما: قوله: “لا ندع كتاب ربّنا، وسنّة نبيّنا”، وأن هذا من حكم المرفوع. الثاني: قوله: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “لها السكنى والنفقة”.
ونحن نقول: قد أعاذ الله أمير المؤمنين من هذا الكلام الباطل الذي لا يصحّ عنه أبدًا. قال الإمام أحمد: لا يصحّ ذلك عن عمر. وقال أبو الحسن الدارقطنيّ: بل السنّة بيد فاطمة بنت قيس قطعًا، ومن له إلمامٌ بسنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم يشهد شهادة الله أنَّه لم يكن عند عمر رضي الله عنه سُنَّة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن للمطلّقة ثلاثًا السكنى والنفقة، وعمر كان أتقى لله، وأحرص على تبليغ سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تكون هذه السنّة عنده، ثمَّ لا يرويها أصلًا، ولا يبيّنها، ولا يبلّغها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأما حديث حمّاد بن سلمة، عن حمّاد بن أبي سليمان، عن إبراهيم، عن عمر رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “لها السكنى والنفقة”، فنحن نشهد بالله شهادة نُسأل عنها إذا لقيناه أن هذا كذبٌ على عمر رضي الله عنه، وكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينبغي أن لا يَحمِل الإنسانَ فرط الانتصار للمذاهب، والتعصّب لها على معارضة سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة الصريحة بالكذب البحت، فلو يكون عند عمر رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم لخَرِسَت فاطمة، وذووها، ولم ينسبوا بكلمة، ولا دعت فاطمة إلى المناظرة، ولا احتيج إلى ذكر إخراجها لبذاء لسانها، ولَمَا فات هذا الحديث أئمة الحديث، والمصنّفين في السنن، والأحكام، المنتصرين للسُّنَن فقط، لا لمذهب، ولا لرجل، هذا قبل أن نصل به إلى إبراهيم، ولو قُدّر وصولنا بالحديث إلى إبراهيم لانقطع نُخاعُهُ، فإن إبراهيم لم يولد إلا بعد موت عمر رضي الله عنه بسنين، فإن كان مخبر أخبر به إبراهيم، عن عمر رضي الله عنه، وحَسّنّا به الظنّ، وكان قد روي له قول عمر رضي الله عنه بالمعنى، وظنّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي حكم بثبوت النفقة والسكنى للمطلّقة، حتى قال عمر رضي الله عنه: لا ندع كتاب ربّنا لقول امرأة، فقد يكون الرجل صالحًا، ويكون مُغفّلًا، ليس تحمّل الحديث، وحفظه، وروايته من شأنه. وبالله التوفيق.
وقد تناظر في هذه المسألة ميمون بن مهران، وسعيد بن المسيّب، فذكر له ميمون خبر فاطمة، فقال سعيد: تلك امرأة فتنت الناس، فقال له ميمون؛ لئن كانت إنما أخذت بما أفتاها به رسول الله صلى الله عليه وسلم ما فَتَنت الناسَ، وإن لنا في رسول الله أسوة حسنة، مع أنها أحرم الناس عليه، ليس لها عليه رجعةٌ، ولا بينهما ميراث. انتهى.
ولا يُعلم أحد من الفقهاء رحمهم الله تعالى إلا وقد احتجّ بحديث فاطمة بنت قيس هذا، وأخذ به في بعض الأحكام كمالك، والشافعيّ، وجمهور الأمة يحتجّون به في سقوط نفقة المبتوتة، إذا كانت حائلًا، والشافعيّ نفسه احتجّ به على جواز جمع الثلاث؛ لأنَّ في بعض ألفاظه: فطلّقني ثلاثًا، وقد بيّنّا أنَّه إنما طلّقها آخر ثلاث، كما أخبرت به عن نفسها. واحتجّ به من يرى جواز نظر المرأة إلى الرجال. واحتجّ به الأئمة كلّهم على جواز خطبة الرجل على خطبة أخيه إذا لم تكن المرأة قد سكنت إلى الخاطب الأوّل. واحتجّوا به على جواز بيان ما في الرجل إذا كان على وجه النصيحة لمن استشاره أن يزوّجه، أو يُعامله، أو يسافر معه، وأن ذلك ليس بغيبة. واحتجّوا به على وقوع الطلاق في حال غيبة أحد الزوجين عن الآخر، وأنه لا يشترط حضوره، ومواجهته به. واحتجّوا به على جواز التعريض بخطبة المعتدّة البائن، وكانت هذه الأحكام كلها حاصلة ببركة روايتها، وصدق حديثها، فاستنبطتها الأمّة منها، وعمِلت بها، فما بال روايتها تُردّ في حكم واحد من أحكام هذا الحديث، وتُقبل فيما عداه؟ فإن كانت حفظته، قُبلت في جميعه، وإن لم تكن حفظته وجب أن لا يُقبل في شيء من أحكامه. وبالله التوفيق.
[فإن قيل [: بقي عليكم شيء واحدٌ، وهو أن قوله سبحانه وتعالى: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ} إنما هو في البوائن، لا في الرجعيّات، بدليل قوله عقبه: {وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 6] فهذا في البائن؛ إذ لو كانت رجعيّة، لما قيّد النفقة عليها بالحمل، ولكان عديم التأثير، فإنها تستحقّها حائلًا كانت، أو حاملًا، والظاهر أن الضمير في {أَسْكِنُوهُنَّ} هو والضمير في قوله: {وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ} واحد.
[فالجواب]: أن مورد هذا السؤال إما أن يكون من الموجبين النفقة والسكنى، أو ممن يوجب السكنى دون النفقة، فإن كان الأوّل، فالآية على زعمه حجة عليه؛ لأنه شرط في إيجاب النفقة عليهنّ كونهنّ حوامل، والحكم المعلّق على الشرط ينتفي عند انتفائه، فدلّ على أن البائن الحائل لا نفقة لها.
[فإن قيل]: فهذه دلالة على المفهوم، ولا يقول بها.
[قيل]: ليس ذلك من دلالة المفهوم، بل من انتفاء الحكم عند انتفاء شرطه، فلو بقي الحكم بعد انتفائه لم يكن شرطًا.
وإن كان ممن يوجب السكنى وحدها، فيقال له: ليس في الآية ضمير واحد يخصّ البائن، بل ضمائرها نوعان: نوع يخصّ الرجعيّة قطعًا، كقوله: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} [الطلاق: 2]. ونوع يَحتَمِل أن يكون للبائن، وأن يكون للرجعيّة، وأن يكون لهما، وهو قوله: {لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ}، وقوله: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ}، فحمله على الرجعيّة هو المتعيّن؛ لتتّحد الضمائر ومفسّرها، فلو حُمل على غيرها لزم اختلاف الضمائر، ومفسّرها، وهو خلاف الأصل، والحمل على الأصل أولى.
[فإن قيل]: فما الفائدة في تخصيص نفقة الرجعيّة بكونها حاملًا؟
[قيل]: ليس في الآية ما يقتضي أنَّه لا نفقة للرجعيّة الحائل، بل الرجعيّة نوعان، قد بيّن الله حكمهما في كتابه: حائلٌ، فلها النفقة بعقد الزوجيّة؛ إذ حكمها حكم الأزواج. أو حامل، فلها النفقة بهذه الآية إلى أن تضع حملها، فتصير النفقة بعد الوضع نفقة قريب، لا نفقة زوج، فيخالف حالها قبل الوضع حالها بعده، فإن الزوج يُنفق عليها وحده، إذا كانت حاملًا، فإذا وضعت صارت نفقتها على من تجب عليه نفقة الطفل، ولا يكون حالها في حال حملها كذلك، بحيث تجب نفقتها على من تجب عليه نفقة الطفل، فإنَّه في حال حملها جزء من أجزائها، فإذا انفصل كان له حكم آخر، وانتقلت النفقة من حكم إلى حكم، فظهرت فائدة التقييد، وسرّ الاشتراط. والله أعلم بما أراد من كلامه. انتهى كلام ابن القيّم رحمه الله تعالى.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي حقّقه العلّامة ابن القيّم رحمه الله تحقيقٌ نفيس جدًّا.
وحاصله أن حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها حديث صحيح يجب العمل به؛ فإن المطاعن التي وُجّهت إليه غير مقبولة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم نفقة المبتوتة:
قال الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ رحمه الله: اختلف الناس في النفقة للمبتوتة إذا لم تكن حاملًا: …
ثمَّ قال أبو عمر رحمه الله بعد أن ذكر أقوال من ردّ حديث فاطمة، أو تأوله -، ما نصّه:
لكن من طرق الحجة، وما يلزم منها قول أحمد بن حنبل، ومن تابعه أصحّ، وأحجّ؛ لأنه لو وجب السكنى عليها، وكانت عبادة تعبّدها الله بها، لألزمها ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يُخرجها عن بيت زوجها إلى بيت أم شريك، ولا إلى بيت أم مكتوم؛ ولأنه أجمعوا أن المرأة التي تبذو على أحمائها بلسانها، تؤدّب، وتقصر على السكنى في المنزل الذي طُلّقت فيه، وتُمنع من أذى الناس، فدلّ ذلك على أن من اعتلّ بمثل هذه العلّة في الانتقال، اعتلّ بغير صحيح من النظر، ولا متّفق عليه من الخبر، هذا ما يوجبه عندي التأمّل لهذا الحديث مع صحّته، وبالله تعالى التوفيق.
وإذا ثبت أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة بنت قيس – وقد طُلّقت طلاقًا باتًا -: لا سكنى لك، ولا نفقة، وإنما السكنى والنفقة لمن عليها رجعة؛ فأيّ شيء يعارض به هذا؟ هل يُعارض إلا بمثله عن النبيّ صلى الله عليه وسلم الذي هو المبيّن عن الله مراده من كتابه، ولا شيء عنه صلى الله عليه وسلم يدفع ذلك، ومعلوم أنَّه أعلم بتأويل قول الله عز وجل: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ} من غيره صلى الله عليه وسلم، وأما الصحابة، فقد اختلفوا كما رأيت، منهم من يقول: لها السكنى والنفقة، منهم: عمر، وابن مسعود، ومنهم من يقول: لها السكنى، ولا نفقة، منهم ابن عمر، وعائشة، ومنهم من يقول: لا سكنى لها، ولا نفقة، وممن قال ذلك: عليّ، وابن عباس، وجابر، وكذلك اختلاف فقهاء الأمصار على هذه الثلاثة الأقوال، على ما ذكرنا، وبيّنّا – والحمد لله -. انتهى المقصود من كلام ابن عبد البرّ رحمه الله.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي حقّقه الحافظ أبو عمر رحمه الله من ترجيح القول بما دلّ عليه حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها هو الحقّ الذي لا مرية فيه.
والحاصل أن الصحيح أنَّه لا سكنى، ولا نفقة للمبتوتة، إلا أن تكون حاملًا؛ لحديث فاطمة رضي الله عنها هذا، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج 26/ 205]