2267 ‘ 2268 تحضير سنن أبي داود
جمع أحمد بن علي وعدنان البلوشي وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وأسامة الحميري
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
بَابٌ فِي الْقَافَةِ
2267 – حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، الْمَعْنَى، وَابْنُ السَّرْحِ، قَالُوا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، – قَالَ مُسَدَّدٌ: وَابْنُ السَّرْحِ – يَوْمًا مَسْرُورًا، – وَقَالَ عُثْمَانُ: – تُعْرَفُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ، فَقَالَ: ” أَيْ عَائِشَةُ، أَلَمْ تَرَيْ أَنَّ مُجَزِّزًا الْمُدْلِجِيَّ رَأَى زَيْدًا، وَأُسَامَةَ قَدْ غَطَّيَا رُءُوسَهُمَا بِقَطِيفَةٍ، وَبَدَتْ أَقْدَامُهُمَا فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ الْأَقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ “، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «كَانَ أُسَامَةُ أَسْوَدَ، وَكَانَ زَيْدٌ أَبْيَضَ»،
[حكم الألباني] : صحيح
2268 – حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ. قَالَ: قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ مَسْرُورًا تَبْرُقُ أَسَارِيرُ وَجْهِهِ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: «وَأَسَارِيرُ وَجْهِهِ لَمْ يَحْفَظْهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ»، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: ” أَسَارِيرُ وَجْهِهِ هُوَ تَدْلِيسٌ مِنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ، لَمْ يَسْمَعْهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ إِنَّمَا سَمِعَ الْأَسَارِيرَ مِنْ غَيْرِهِ، قَالَ: وَالْأَسَارِيرُ فِي حَدِيثِ اللَّيْثِ، وَغَيْرِهِ “، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَسَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ صَالِحٍ، يَقُولُ: «كَانَ أُسَامَةُ أَسْوَدَ شَدِيدَ السَّوَادِ مِثْلَ الْقَارِ، وَكَانَ زَيْدٌ أَبْيَضَ مِثْلَ الْقُطْنِ»
[حكم الألباني] : صحيح
———
جاء في مختصر المزني:
باب في القافة ودعوى الولد من كتاب الدعوى والبينات ومن كتاب نكاح قديم
(قال الشافعي): أخبرنا سفيان عن الزهري عن عروة «عن عائشة قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرف السرور في وجهه فقال ألم تري أن مجززا المدلجي نظر إلى أسامة وزيد عليهما قطيفة قد غطيا رءوسهما وبدت أقدامهما فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض».
(قال الشافعي): فلو لم يكن في القافة إلا هذا انبغى أن يكون فيه دلالة أنه علم ولو لم يكن علما لقال له: لا تقل هذا؛ لأنك إن أصبت في شيء لم آمن عليك أن تخطئ في غيره وفي خطئك قذف محصنة أو نفي نسب وما أقره إلا أنه رضيه ورآه علما ولا يسر إلا بالحق صلى الله عليه وسلم.
ودعا عمر رحمه الله قائفا في رجلين ادعيا ولدا فقال: لقد اشتركا فيه فقال عمر للغلام: وال أيهما شئت وشك أنس في ابن له فدعا له القافة.
(قال الشافعي): رحمه الله وأخبرني عدد من أهل العلم من المدينة ومكة أنهم أدركوا الحكام يفتون بقول القافة.
(قال الشافعي): رحمه الله ولم يجز الله جل ثناؤه نسب أحد قط إلا إلى أب واحد ولا رسوله عليه السلام.
(قال): ولو ادعى حر وعبد مسلمان وذمي مولودا وجد لقيطا فلا فرق بين واحد منهم كالتداعي فيما سواه فيراه القافة فإن ألحقوه بواحد فهو ابنه وإن ألحقوه بأكثر لم يكن ابن واحد منهم حتى يبلغ فينتسب إلى أيهم شاء فيكون ابنه وتنقطع عنه دعوى غيره.
[مختصر المزني – ط الفكر بآخر كتاب الأم 8/ 426]
قال القاضي عياض: ومعنى ذلك قوله فى الرواية الأخرى: ” مسروراً “: لأن المسرور ينطلق وجهه، ويجرى البشر فيها، بخلاف المقطب والحزين. و ” مُجزّز “: بفتح الجيم وكسر الزاى الأولى هو المعروف، وكذا ضبطه الحفاظ، وقيدناه عن شيوخنا، واختلف فيه الرواية عن الدارقطنى وعبد الغنى فيما حكيناه عن ابن جريج [فالذى قيدناه عن القاضى الشهيد فى كتاب الدارقطنى وعبد الغنى أن ابن جريج] (2) كان يقول فيه: ” مُجزّز ” بفتح الزاى، والذى قيده عنه الجيانى وَأَبُو عمر بن عبد البرّ: ” محزرٍ ” بحاء مهملة ساكنة وراء مكسورة.
والصواب فيه الأول، وهو من بنى مدلج، وكانت القيافة فيهم وفى بنى أسد، تعترف العرب لهم بذلك. قال الزبير بن بكار: إنما قيل له مُجزّز؛ لأنه كان إذا أخذ أسيراً يحلق لحيته، وقال غيره: جزَّ ناصيته. ومعنى ” آنفاً “: أى قبل، وقيل: أول وقت نحن فيه قربت.
قال الإمام: كانت الجاهلية تقدح فى نسب أسامة؛ لكونه أسود شديد السواد، وكان زيد أبوه أبيض من القطن، هكذا ذكره أبو داود عن أحمد بن صالح، ولما قضى هذا القايف بإلحاق هذا النسب مع اختلاف اللون – وكانت الجاهلية تصغى إلى قول القافة – سر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لكونه كافاً لهم عن الطعن فيه.
قال القاضى: قال غير أحمد: كان زيد أزهر اللون، وكان أسامة شديد الأدمة، زيد ابن حارثة عربى صريح من كلب، أصابه سباء، فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بنت خويلد، فوهبته للنبى صلى الله عليه وسلم، فتبناه، فكان يدعى زيد بن محمد، حتى نزلت: {ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ} (2) فقيل: زيد بن حارثة، وابنه أسامة، أمه أم أيمن بركة، وتدعى أم الظباء مولاة عبد الله بن عبد المطلب، ورابّة النبى صلى الله عليه وسلم، ولم أر لأحد أنها كانت سوداء، إلا أن أحمد بن سعيد الصدفى ذكر فى تاريخه من رواية عبد الرزاق عن ابن سيرين؛ أن أم أيمن هذه كانت سوداء، فإن كان هذا فلها خرج [أسامة] (3) لكن لو كان هذا صحيحاً لم ينكر الناس لونه لمعرفتهم بأمّه؛ إذ لا ينكر أن يلد الأبيض أسود من سوداء، وقد نسبها الناس فقالوا: أم أيمن بركة بنت محصن بن ثعلبة بن عمرو بن حصن بن مالك بن سلمة ابن عمرو بن النعمان.
وقد ذكر مسلم فى كتاب الجهاد عن ابن شهاب؛ أن أم أيمن كانت من الحبشة، وصيفة لعبد الله بن عبد المطلب أبى النبى صلى الله عليه وسلم. وكذا ذكره الواقدى، وأما زوجها عبيد قبل [ذلك] (1) فكان حبشياً، إلا أن يكون معنى قول ابن شهاب ” حبشية “: أى من مهاجرة الحبشة فمحتمل، فقد كانت منهن، كما قال عمر لأسماء بنت عميس: الحبشية هذه، والمعروف أنه كانت للنبى صلى الله عليه وسلم بركة أخرى حبشية، كانت تخدم أم حبيبة، فلعله اختلط أمرهما لاشتباه اسمهما.
وقد قال أبو عمر بن عبد البر: وأظنها أم أيمن، وذكر بعض المؤرخين، أن أم أيمن هذه، من سبى جيش أبرهة صاحب الفيل، لما انهزم عن مكة، أخذها عبد المطلب من فَلّ عسكره – والله أعلم. وهذا يؤكد – أيضاً – ما ذكر عن ابن سيرين – والله أعلم.
قال الإمام: اختلف الناس فى القول بالقافة، فنفاه أبو حنيفة، وأثبته الشافعى، ونفاه مالك فى المشهور عنه فى الحرائر وأثبته فى الإماء، وقد روى الأبهرى عن الرازى عن ابن وهب عن مالك؛ أنه أثبته فى الحرائر والإماء جميعاً….
قال القاضى: جمهور العلماء على الأخذ بهذا إلا ما حكاه عن أبى حنيفة والثورى وأصحابهما وإسحاق….
[إكمال المعلم بفوائد مسلم 4/ 655]
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ:
وَهَذَا صَحِيحٌ الْقِيَافَةُ يُحْكَمُ بِهَا فِي إِلْحَاقِ الْأَنْسَابِ، إِذَا اشْتَبَهَتْ بِالِاشْتِرَاكِ فِي الْوَطْءِ الْمُوجِبِ لِلُحُوقِ النَّسَبِ، فَإِذَا اشْتَرَكَ الرَّجُلَانِ فِي وَطْءِ امْرَأَةٍ يَظُنُّهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا زَوْجَتَهُ، أَوْ أَمَتَهُ، أَوْ يَتَزَوَّجُهَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَزْوِيجًا فَاسِدًا يَطَؤُهَا فِيهِ، أَوْ كَانَ نِكَاحُ أَحَدِهِمَا صَحِيحًا يَطَؤُهَا فِيهِ وَوَطِئَهَا الْآخَرُ بِشُبْهَةٍ، أَوْ يَكُونَانِ شَرِيكَيْنِ فِي أَمَةٍ فَيَشْتَرِكَانِ فِي وَطْئِهَا، ثُمَّ تَأْتِي بِوَلَدٍ بَعْدَ وَطْئِهَا لِمُدَّةٍ لَا تَنْقُصُ عَنْ أَقَلِّ الْحَمْلِ، وَهِيَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ، وَلَا تَزِيدُ عَلَى أَكْثَرِهِ، وَهِيَ أَرْبَعُ سِنِينَ فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُلْحَقَ بِهِمَا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُخْلَقَ مِنْ مَائِهِمَا، فَيُحْكَمُ بِالْقَافَةِ فِي إِلْحَاقِهِ بِأَحَدِهِمَا:
وَكَذَلِكَ لَوِ اشْتَرَكَ عَدَدٌ كَثِيرٌ فِي وَطْئِهَا، حُكِمَ بِالْقَافَةِ فِي إِلْحَاقِهِ بِأَحَدِهِمْ، وَسَوَاءٌ اجْتَمَعُوا عَلَى ادِّعَائِهِ، وَالتَّنَازُعِ فِيهِ أَوْ تَفَرَّدَ بِهِ بَعْضُهُمْ فِي اسْتِوَائِهِ فِي إِلْحَاقِهِ بِأَحَدِهِمْ، وَهُوَ فِي الصَّحَابَةِ قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طالب عليه السلام فِي الْقَافَةِ، إِذَا وُجِدُوا، وَيَقْرَعُ بَيْنَهُمْ إِذَا فُقِدُوا وَحَكَمَ عُمَرُ رضي الله عنه بِالْقَافَةِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ، وَبِهِ قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، وَبِهِ قَالَ مِنَ التَّابِعِينَ عَطَاءٌ وَمِنَ الْفُقَهَاءِ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ لَا يُحْكَمُ بِالْقَافَةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُخْلَقَ الْوَلَدُ مِنْ مَاءِ رَجُلَيْنِ وَأَكْثَرُ، وَأَلْحَقَهُ بِجَمِيعِهِمْ، وَلَوْ كَانُوا مِائَةً.
وَإِذَا تَنَازَعَ امْرَأَتَانِ وَلَدًا أَلْحَقْتُهُ بِهِمَا كَالرَّجُلَيْنِ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: أُلْحِقُهُ بِالْوَاحِدِ إِجْمَاعًا، وَبِالِاثْنَيْنِ أَثَرًا وَبِالثَّلَاثَةِ قِيَاسًا وَلَا أُلْحِقُهُ بِالرَّابِعِ، فَتَحَرَّرَ الْخِلَافُ مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ:
أحدها: في إِلْحَاقِهِ بِالْقَافَةِ مَنَعَ مِنْهَا أَبُو حَنِيفَةَ وَجَوَّزْنَاهُ.
والثاني: في إلحاقه بأبوين جَوَّزَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبْطَلْنَاهُ.
وَالثَّالِثُ: فِي خَلْقِهِ مِنْ مَاءَيْنِ فَأَكْثَرَ، صَحَّحَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَفْسَدْنَاهُ.
واستدل أصحاب أبي حنيفة على إبطال قوة الْقَافَةِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ لِلشَّبَهِ تَأْثِيرٌ فِي لُحُوقِ الْأَنْسَابِ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ علم} وَهَذِهِ صِفَةُ الْقَائِفِ، وَبُقُولِهِ تَعَالَى: {فِي أَيِّ صورة ما شاء ركبك} وَلَوْ تَرَكَّبَتْ عَنِ الْأَشْبَاهِ زَالَتْ عَنْ مُشْتَبَهٍ. وبقوله تعالى: {أفحكم الجاهلية يبغون} .
وَالْقِيَافَةُ مِنْ أَحْكَامِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَقَدْ أُنْكِرَتْ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، وَعُدَّتْ مِنَ الْبَاطِلِ، حَتَّى قَالَ جَرِيرٌ فِي شِعْرِهِ:
(وَطَالَ خِيَارِي غُرْبَةُ الْبَيْنِ وَالنَّوَى … وَأُحْدُوثَةٌ مِنْ كَاشِحٍ يَتَقَوَّفُ)
أَيْ يَقُولُ: الْبَاطِلَ.
وَمِمَّا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم َ – فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ وَأَنَا أُنْكِرُهُ.
فَقَالَ: هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. قَالَ: مَا أَلْوَانُهَا؟ قَالَ: حُمْرٌ. قَالَ: فَهَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَمِنْ أَيْنَ هَذَا؟ قَالَ: لَعَلَّ عِرْقًا نَزَعَهُ. قَالَ: وَهَذَا لَعَلَّ عِرْقًا نَزَعَهُ “. فَأَبْطَلَ الِاعْتِبَارَ بِالشَّبَهِ الَّذِي يَعْتَبِرُهُ الْقَائِفُ. وَبِمَا رُوِيَ أَنَّ الْعَجْلَانِي لَمَّا قُذِفَ مِنْ شَرِيكِ بْنِ السَّحْمَاءِ بِزَوْجَتِهِ وَهِيَ حَامِلٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم َ -: ” إِنْ جَاءَتْ بِهِ عَلَى نَعْتِ كَذَا فَلَا أَرَاهُ إِلَّا وَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهَا، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ عَلَى نَعْتِ كَذَا، فَلَا أَرَاهُ إِلَّا وَقَدْ كَذَبَ عَلَيْهَا “، فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الْمَكْرُوهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم َ -: ” إِنَّ أَمْرَهُ لَبَيِّنٌ لَوْلَا مَا حَكَمَ اللَّهُ لَوْلَا الْأَيْمَانُ، لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ “. فَدَلَّ عَلَى أَنَّ حُكْمَ اللَّهِ يَمْنَعُ مِنِ اعْتِبَارِ الشَّبَهِ.
قَالُوا: وَلَوْ كَانَتِ الْقِيَافَةُ عِلْمًا لَعَمَّ فِي النَّاسِ، وَلَمْ يُخْتَصَّ بِقَوْمٍ وَلَأَمْكَنَ أَنْ يَتَعَاطَاهُ كُلُّ مَنْ أَرَادَ كَسَائِرِ الْعُلُومِ فَلَمَّا لَمْ يَعُمَّ وَلَمْ يُمْكِنْ أَنْ يُتَعَلَّمَ بَطَلَ أَنْ يَكُونَ عِلْمًا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَعْمَلُ بِالْقِيَافَةِ فِي إِلْحَاقِ الْبَهَائِمِ كَانَ أَوْلَى أَنْ لَا يَعْمَلَ بِهَا فِي إِلْحَاقِ الْأَنْسَابِ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى جَوَازِ إِلْحَاقِ الْوَلَدِ بِآبَائِهِ لِعُمُومِ قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم َ -: ” الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ “. فَلَمَّا لَمْ يَمْتَنِعِ الِاشْتِرَاكُ فِي الْفِرَاشِ لَمْ يَمْتَنِعِ الِاشْتِرَاكُ فِي الْإِلْحَاقِ، وَبِمَا رُوِيَ مِنْ قَضِيَّةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه: ” اخْتَصَمَا فِي رَجُلَيْنِ إِلَيْهِ وَقَدْ وَطِئَا امْرَأَةً فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ فَأَتَتْ بِوَلَدٍ فَدَعَا بِالْقَائِفِ وَسَأَلَهُ فَقَالَ: قَدْ أَخَذَ الشَّبَهَ مِنْهُمَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَضَرْبَهُ عُمَرُ بِالدِّرَةِ، حَتَّى أَضْجَعَهُ ثُمَّ حَكَمَ بِأَنَّهُ ابْنُهُمَا يَرِثُهُمَا، وَيَرِثَانِهِ، وَهُوَ لِلْبَاقِي مِنْهُمَا. فَلَمْ يظهر له في الحكم بهما فخالف مَعَ اشْتِهَارِ الْقَضِيَّةِ، فَصَارَ كَالْإِجْمَاعِ.
قَالُوا: وَلِأَنَّهُمَا قَدِ اشْتَرَكَا فِي السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِثُبُوتِ النَّسَبِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ لَاحِقًا بِهِمَا كَأَبَوَيْنِ.
قَالُوا: ولأن أسباب التوارث لا يمنع الِاشْتِرَاكُ فِيهَا كَالْوَلَاءِ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى جَوَازِ خَلْقِهِ مِنْ مَاءِ رِجَالٍ بِأَنَّهُ لَمَّا خُلِقَ الْوَلَدُ مِنْ مَاءِ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ، إِذَا امْتَزَجَ بِمَاءِ الْمَرْأَةِ فِي الرَّحِمِ كَانَ أَوْلَى أَنْ يُخْلَقَ مِنْ مَاءِ الْجَمَاعَةِ، إِذَا امْتَزَجَ مَاؤُهُمْ بِمَائِهَا، لِأَنَّهُ بِالِاجْتِمَاعِ أَقْوَى وَبِالِانْفِرَادِ أَضْعَفُ، وَالْقُوَّةُ أَشْبَهُ بِعُلُوقِ الْوَلَدِ مِنَ الضَّعْفِ.
قَالُوا: وَلِأَنَّهُ إِذَا جَازَ أَنْ يُخْلَقَ مِنِ اجْتِمَاعِ مَاءِ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ مِنْ إِنْزَالٍ بَعْدَ إِنْزَالٍ، جَازَ أَنْ يخلق من اجتماع ماء الجماعة من وطىء بعد وطىء، لِأَنَّ اجْتِمَاعَ الْمِيَاهِ مِنَ الْجَمَاعَةِ كَاجْتِمَاعِهَا مِنَ الْوَاحِدِ.
[الحاوي الكبير 17/ 380]
قال ابن قدامة:
القسم الثاني، أنْ يَدَّعِىَ نَسَبَه اثْنانِ فصاعِدًا، والكَلَامُ في ذلك في فُصُولٍ:
أحدُها: أنَّه إذا ادَّعَاهُ مُسْلِمٌ وكافِرٌ، أو حُرٌّ وعَبْدٌ، فهما سواءٌ. وبهذا قال الشافِعِيُّ. وقال أبو حنيفةَ: المُسْلِمُ أَوْلَى من الذِّمِّيِّ، والحُرُّ أوْلَى من العَبْدِ؛ لأنَّ على اللَّقِيطِ ضَرَرًا في إلْحاقِه بالعَبْدِ والذِّمِّيِّ، فكان إلْحاقُه بالحُرِّ المُسْلِمِ أَوْلَى، كما لو تَنَازَعُوا في الحَضَانةِ. ولَنا، أنَّ كلَّ واحدٍ [منهم إذا] انْفَردَ صَحَّتْ دَعْواهُ، فإذا تَنَازَعُوا، تَسَاوَوْا في الدَّعْوَى ، كالأحْرارِ المسلِمين. وما ذَكَرُوه من الضَّرَرِ لا يَتَحَقَّقُ، فإنَّنا لا نَحْكُمُ بِرِقِّه ولا كُفْرِه. ولا يُشْبِهُ النَّسَبُ الحَضَانةَ، بِدَلِيلِ أنَّنا نُقَدِّمُ في الحَضَانةِ المُوسِرَ والحَضَرِيَّ، ولا نُقَدِّمُهُما في دَعْوَى النَّسَبِ. قال ابن المُنْذِرِ: إذا كان عَبْدٌ، امْرَأته أمَةٌ، في أيْدِيهِما صَبِيٌّ، فادَّعَى رَجُلٌ من العَرَبِ امْرَأتُه عَرَبِيَّةٌ أنَّه ابْنُه من امْرَأتِه، فأقام العَبْدُ بَيِّنةً بِدَعْواه [أنه ابْنُه] ، فهو ابْنُه في قولِ أبى ثَوْرٍ وغيرِه. وقال أصْحابُ الرَّأْى: يُقْضَى به لِلْعَربِىِّ، لِلْعِتْقِ الذي يَدْخُلُ فيه، وكذلك لو كان المُدَّعِى من المَوَالِى عَبْدَهُم. وقولُهم هذا غير صَحِيحٍ؛ لأنَّ العَربَ وغيرَهم في أحْكامِ اللَّه ولُحُوقِ النَّسَبِ بهم سواءٌ.
الفصل الثاني: أنَّه إذا ادَّعاهُ اثْنانِ، فكان لأحَدِهِما به بَيِّنةٌ، فهو ابْنُه. وإن أقَامَا بَيِّنَتَينِ، تَعَارَضَتَا، وسَقَطَتَا، ولا يمكنُ اسْتِعْمالُهما ههُنا؛ لأنَّ اسْتِعْمالَهُما في المالِ إمَّا بِقِسْمَتِه بين المُتَدَاعِيَيْنِ، ولا سَبِيلَ إليه ههُنا، وإمَّا بالإِقْراعِ بينهما، والقُرْعَةُ لا يَثْبُتُ بها النَّسَبُ. فإن قيل: فإنَّ ثُبُوتَه ههُنا يكونُ بالبَيِّنةِ لا بالقُرْعةِ، وإنَّما القُرْعةُ مُرَجِّحَةٌ. قُلْنا: فيَلْزَمُ أنَّه إذا اشْتَرَكَ رَجُلانِ في وَطْءِ امْرأةٍ، فأتَتْ بِوَلَدٍ، أنْ يُقْرَعَ بينهما، ويكونُ لُحُوقُه بالوَطْءِ لا بالقُرْعةِ.
الفصل الثالث: أنَّه إذا لم تكُنْ به بَيِّنةٌ، أو تَعَارَضَتْ به بَيِّنتانِ، وسَقَطَتَا، فإنَّا نُرِيه القافَةَ معهما، أو مع عَصَبَتِهِما عندَ فَقْدِهِما، فنُلْحِقُه بمَن ألْحَقَتْهُ به منهما. هذا قول أنَسٍ، وعَطَاءٍ، ويَزِيدَ بن عبد المَلِكِ، والأوْزاعِىِّ، واللَّيْثِ، والشافِعِىِّ، وأبي ثَوْرٍ. وقال أصْحابُ الرَّأْيِ: لا حُكْمَ لِلْقَافَةِ، ويُلْحَقُ بالمُدَّعِيَيْنِ جميعا؛ لأنَّ الحُكْمَ بالقَافَةِ تَعْوِيلٌ على مُجَرَّدِ الشَّبَهِ والظَّنِّ والتَّخْمِينِ، فإنَّ الشَّبَهَ يُوجَدُ بين الأجانِبِ، ويَنْتَفِى بين الأقَارِبِ، ولهذا رُوِى عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، أنَّ رَجُلًا أتَاهُ، فقال: يا رسولَ اللَّه، إنَّ امْرَأَتِى وَلَدَتْ غُلَامًا أسْوَدَ، فقال: “هَلْ لَكَ مِنْ إبِلٍ؟ ” قال: نعم. قال: “فَمَا ألْوَانُهَا؟ “. قال: حُمْرٌ. قال: “فَهَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟ ” قال: نعم. قال: “أنَّى أتَاهَا ذلِكَ؟ ” قال: لَعَلَّ عِرْقًا نَزَعَ. قال: “وهَذَا لَعَلَّ عِرْقًا نَزَعَ”. مُتَّفَقٌ عليه . قالوا: ولو كان الشَّبَهُ كافِيًا لَاكْتُفِىَ به في وَلَدِ المُلَاعِنَةِ، وفيما إذا أقَرَّ أحَدُ الوَرَثَةِ بأخٍ وأنْكَرَهُ الباقُونَ. ولَنا، ما رُوِى عن عائِشَةَ، رَضِىَ اللهُ عنها، أنَّ النَّبىَّ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ عليها يَوْمًا مَسْرُورًا، تَبْرُقُ أسَارِيرُ وَجْهِه، فقال: “ألَمْ تَرَىْ أنَّ مُجَزِّزًا الْمُدْلِجِىَّ نَظَرَ آنِفًا إلى زَيْدٍ وأسامَةَ، وقَدْ غَطَّيَا رُءُوسَهُمَا، وبَدَتْ أقْدَامُهُمَا، فَقَالَ: إنَّ هذِهِ الْأَقْدَامَ بَعْضُها مِن بَعْضٍ؟ “. مُتَّفَقٌ عليه . فلولا جَوَازُ الاعْتِمادِ على القَافةِ لَما سُرَّ به النبيُّ صلى الله عليه وسلم، ولا اعْتَمَدَ عليه. ولأنَّ عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، قَضَى به بحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ، فلم يُنْكِرْه مُنْكِرٌ، فكان إجْماعًا، ويَدُلُّ على ذلك قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في وَلَدِ المُلَاعِنَةِ: “انْظرُوهَا، فَإنْ جَاءَتْ بهِ حَمْشَ السَّاقَيْنِ كَأَنَّهُ وَحَرَةٌ فَلَا أرَاهُ إلَّا قَدْ كَذَبَ عَلَيْهَا، وَإنْ جَاءَتْ بِهِ أكْحَلَ، جَعْدًا، جُمالِيًّا ، سابِغَ الأَلْيَتَيْنِ، خَدَلَّجَ السّاقَيْنِ ، فَهُوَ لِلَّذِى رُمِيَتْ به”. فأتَتْ به على النَّعْتِ المَكْرُوهِ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: “لَوْلَا الْأَيْمانُ لَكَانَ لِى وَلَهَا شَأْنٌ” . فقد حَكَمَ به النبيُّ صلى الله عليه وسلم للذى أشْبَهَهُ منهما. وقوله: “لَوْلَا الْأَيْمانُ لَكَانَ لِى وَلَهَا شَأْنٌ”. يَدُلُّ على أنَّه لم يَمْنَعْهُ من العَمَلِ بالشَّبَهِ إلَّا الأَيْمانُ، فإذا انْتَفَى المانِعُ يَجِبُ العَمَلُ به لِوُجُودِ مُقْتَضِيه. وكذلك قولُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في ابْنِ أمَةِ زَمْعَةَ، حين رَأَى به شَبَهًا بَيِّنًا بِعُتْبَةَ بن أبِى وَقَّاصٍ: “احْتَجِبِى مِنْهُ يَا سَوْدَةُ” . فعَمِلَ بالشَّبَه في حَجْبِ سَوْدَةَ عنه. فإن قيل: فالحَدِيثَانِ حُجَّةٌ عليكم، إذ لم يَحْكُمِ النبيُّ صلى الله عليه وسلم بالشَّبَهِ فيهما، بل ألْحَقَ الوَلَدَ بِزَمْعَةَ، وقال لعبدِ بن زَمْعَةَ: “هُوَ لَكَ يا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ، الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، ولِلْعَاهِرِ الحَجَرُ”. ولم يَعْمَلْ بشَبَهِ وَلَدِ المُلَاعِنةِ في إقَامةِ الحَدِّ عليها، لِشَبَهِهِ بالمَقْذُوفِ. قُلْنا: إنَّما لم يَعْمَلْ به في ابنِ أَمَةِ زَمعةَ؛ لأنَّ الفِرَاشَ أقْوَى، وتَرْكُ العَمَلِ بالبَيِّنةِ لِمُعارَضَةِ ما هو أقْوَى منها ، لا يُوجِبُ الإِعْراضَ عنها إذا خَلَتْ عن المُعارِضِ . وكذلك تَرَكَ إقَامَةَ الحَدِّ عليها من أجْلِ أَيْمانِها، بِدَلِيلِ قوله: “لَوْلَا الْأَيْمانُ لَكَانَ لِى وَلَهَا شَأْنٌ”. على أنَّ ضَعْفَ الشَّبَه عن إقَامةِ الحَدِّ لا يُوجِبُ ضَعْفَه عن إلْحاقِ النَّسَبِ، فإنَّ الحَدَّ في الزِّنَى لا يَثْبُتُ إلَّا بأَقْوَى البَيِّناتِ، وأكْثَرِها عَدَدًا، وأقْوَى الإِقْرارِ، حتى يُعْتَبَرَ فيه تَكْرَارُه أرْبَعَ مَرّاتٍ، ويُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، والنَّسَبُ يَثْبُتُ بشهَادَةِ امْرَأةٍ واحِدَةٍ على الوِلَادةِ، ويَثْبُتُ بمُجَرَّدِ الدَّعْوَى، ويَثْبُتُ مع ظُهُورِ انْتِفائِه، حتى لو أن امْرَأةً أتَتْ بوَلَدٍ وزَوْجُها غائِبٌ عنها منذ عِشْرِينَ سَنة، لَحِقَه وَلَدُها، فكيف يحْتَجُّ على نَفْيِه بعَدَمِ إقَامةِ الحَدِّ! ولأنَّه حَكَمَ بِظَنٍّ غالِبٍ، ورَأْىٍ راجِحٍ، ممَّن هو من أهْلِ الخِبْرةِ، فجاز، كَقَوْلِ المُقَوِّمِينَ. وقولُهم: إنَّ الشَّبَه يجوزُ وُجُودُه [وعَدَمُه. قُلْنا: الظاهِرُ وُجُودُه] ، ولهذا قال: النبيُّ صلى الله عليه وسلم حين قالت أُمُّ سَلَمةَ: أو تَرَى ذلك المَرْأَة؟ قال: “فَمِنْ أيْنَ يَكُونُ الشَّبَهُ؟ ” . والحَدِيثُ الذي احْتَجُّوا به حُجَّةٌ عليهم؛ لأنَّ إنْكارَ الرَّجُلِ وَلَدَه لمُخَالَفَةِ لَوْنِه، وعَزْمَهُ على نَفْيِه لذلك، يَدُلُّ على أنَّ العادَةَ خِلَافُه، وأنَّ في طِبَاعِ الناسِ إنْكَارَه، وأنَّ ذلك إنَّما يُوجَدُ نادِرًا، وإنَّما ألْحَقَه النبيُّ صلى الله عليه وسلم به لِوُجُودِ الفِرَاشِ، وتَجُوزُ مُخَالَفةُ الظاهِرِ لِدَلِيلٍ، ولا يجوزُ تَرْكُه من غير دَلِيلٍ، ولأنَّ ضَعْفَ الشَّبَه عن نَفْىِ النَّسَبِ لا يَلْزَمُ منه ضَعْفُه عن إثْبَاتِه، فإنَّ النَّسَبَ يُحْتَاطُ لإِثْباتِه، ويَثْبُتُ بأدْنَى دَلِيلٍ، ويَلْزَمُ من ذلك التَّشْدِيدُ في نَفْيِه، وأنَّه لا يَنْتَفِى إلَّا بأقْوَى الأَدِلَّةِ، كما أنَّ الحَدَّ لَمَّا انْتَفَى بالشَّبَهِ، لم يَثْبُتْ إلَّا بأَقْوَى دَلِيلٍ، فلا يَلْزَمُ حينئذٍ من المَنْعِ من نَفْيِه بالشَّبَهِ في الخَبَرِ المَذْكُورِ، أن لا يَثْبُتَ به النَّسَبُ في مَسْأَلَتِنا. فإن قيل: فههُنا إن عَمِلْتُم بالقَافَةِ فقد نَفَيْتُم النَّسَبَ عمَّن لم تُلْحِقْه القافَةُ به. قُلْنا: إنَّما انتفَى النَّسَبُ ههُنا لِعَدَمِ دَلِيلِه؛ لأنَّه لم يُوجَدْ إلَّا مُجَرَّدُ الدَّعْوَى، وقد عارَضَها مثلُها، فسَقَطَ حُكْمُها، وكان الشَّبَهُ مُرَجِّحًا لأَحَدِهِما، فانْتَفَتْ دَلَالَةٌ أخرى، فلَزِمَ انْتِفَاءُ النَّسَبِ لِانْتِفاءِ دَلِيلِه، وتَقدِيمُ اللِّعَانِ عليه لا يَمْنَعُ العَمَلَ به عندَ عَدَمِه، كاليَدِ تُقَدَّمُ عليها البَيِّنةُ، ويُعْمَلُ بها.
فصل: والقافَةُ قَوْمٌ يَعْرِفُونَ الأَنسْابَ بالشَّبَهِ، ولا يَخْتَصُّ ذلك بِقَبِيلَةٍ مُعَيَّنة، بل مَنْ عُرِفَ منه المَعْرِفَةُ بذلك، وتَكَرَّرَتْ منه الإِصَابةُ، فهو قائِفٌ. وقيل: أكْثَر ما يكونُ في بَنِى مُدْلِجٍ رَهْطِ مُجَزِّزٍ الْمُدْلِجىّ الذي رأى أُسَامةَ وأباه زَيْدًا قد غَطَّيَا رُؤُوسَهُما، وبَدَتْ أقْدَامُهُما، فقال: “إنَّ هذِهِ الْأقْدَامَ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ”. وكان إياسُ بن مُعَاوِيةَ المُزَنِىُّ قائِفًا، وكذلك قيل في شُرَيْحٍ. ولا يُقْبَلُ قولُ القائِفِ إلَّا أن يكونَ ذَكَرًا، عَدْلًا، مُجَرّبًا في الإِصَابةِ، حُرًّا؛ لأنَّ قولَه حُكْمٌ، والحكم تُعْتبَرُ له هذه الشُّرُوطُ. قال القاضي: وتُعْتَبَرُ مَعْرِفةُ القائِفِ بالتَّجْرِبَةِ، وهو أن يُتْرَكَ الصَّبِىُّ مع عَشرَةٍ من الرِّجالِ غيرِ مَن يَدَّعِيه، ويُرَى إيَّاهُم، فإن ألْحَقَه بواحدٍ منهم سَقَطَ قولُه؛ لأنَّا تَبَيَّنّا خَطَأَه، وإن لم يُلْحِقْه بواحدٍ منهم، أرَيْناه إيَّاه مع عِشْرِينَ فيهم مُدَّعِيهِ، فإن ألْحَقَه به لَحِقَ، ولو اعْتُبِرَ بأن يَرَى صَبِيًّا [مَعْرُوفَ النَّسَبِ] مع قَوْمٍ فيهم أبُوه أو أخُوه، فإذا ألْحَقَه بِقَرِيبِه، عُلِمَتْ إصَابَتُه، وإن ألْحَقَه بغيرِه، سَقَطَ قولُه، جازَ. وهذه التَّجْرِبةُ عند عَرْضِه على القائِفِ للاحْتِياطِ في مَعرِفَةِ إصَابَتِه، وإن لم نُجَرِّبْهُ في الحالِ، بَعد أن يكونَ مَشْهُورًا بالإِصَابةِ وصِحَّةِ المَعْرِفةِ في مَرَّاتٍ كَبِيرَة، جازَ. وقد رَوَيْنا أنَّ رَجُلًا شَرِيفًا شَكَّ في وَلَدٍ له من جارِيَتِه، وأَبَى أن يَسْتَلْحِقَه، فمَرَّ به إياسُ بن مُعَاوِيةَ في المَكْتَبِ، وهو لا يَعْرِفُه، فقال: ادْعُ لي أباكَ. فقال له المُعَلِّمُ: ومن أبُو هذا؟ قال: فُلَانٌ. قال: من أين عَلِمْتَ أنَّه أبُوه؟ قال: هو أشْبَهُ به من الغُرَابِ بالغُرَابِ. فقَامَ المُعَلِّمُ مَسْرُورًا إلى أبِيه، فأعْلَمَه بقولِ إياسٍ، فخَرَجَ الرَّجُلُ وسَأَلَ إيَاسًا، فقال: من أين عَلِمْتَ أنَّ هذا وَلَدِى؟ فقال: سُبْحانَ اللَّه، وهل يَخْفَى ولدُك على أحَدٍ، إنَّه لَأشْبَهُ بك من الغُرَابِ بالغُرَابِ. فَسُرَّ الرَّجُلُ، واسْتَلْحَقَ وَلَدَه.
وهل يُقْبَلُ قولُ واحدٍ، أو لا يُقْبَلُ إلَّا قول اثْنَيْنِ؟ فظاهِرُ كلامِ أحمدَ، أنَّه لا يُقْبَلُ إلَّا قولُ اثْنَيْنِ، فإنَّ الأثْرَمَ رَوَى عنه، أنَّه قِيل له: إذا قال أحَدُ القافَةِ: هو لهذا. وقال الآخَرُ: هو لهذا؟ قال: لا يُقْبَلُ واحِدٌ حتى يَجْتَمِعَ اثْنانِ، فيكونَانِ شاهِدَيْنِ. فإذا شَهِدَ اثْنانِ من القافَةِ أنَّه لهذا، فهو لهذا؛ لأنَّه قولٌ يَثْبُتُ به النَّسَبُ، فأشْبَهَ الشَّهَادَةَ. وقال القاضِى: يُقْبَلُ قولُ الواحِدِ؛ لأنَّه حُكْمٌ، ويُقْبَلُ في الحُكْمِ قولُ واحدٍ. وحَمَلَ كَلَامَ أحمدَ على ما إذا تَعَارَضَ قولُ القائِفِينَ، فقال: إذا خالَفَ القائِفُ غيرَه، تَعَارَضَا وسَقَطَا. وإن قال اثْنانِ قَوْلًا، وخالَفَهُما واحدٌ، فقَوْلُهما أَوْلَى؛ لأنَّهما شاهِدَانِ، فقَوْلُهما أقْوَى من قولِ واحدٍ. وإن عَارَضَ قَوْلُ اثْنَيْنِ قَوْلَ اثْنَيْنِ، سَقَطَ قولُ الجَمِيعِ. وإن عارَضَ قَوْلُ الاثْنَيْنِ ثَلاثَةً فأكْثَر ، لم يُرَجَّحْ، وسَقَطَ الجَمِيعُ، كما لو كانت إحْدَى البَيِّنَتَيْنِ اثْنَيْنِ، والأُخْرَى ثَلَاثَةً [أو أكثرَ] . فأمَّا إن ألْحَقَتْهُ القافَةُ بواحِدٍ، ثم جاءَتْ قافَةٌ أخرى فأَلْحَقَتْه بآخَرَ، كان لاحِقًا بالأَوَّلِ؛ لأنَّ القائِفَ جَرَى مَجْرَى حُكْمِ الحاكِمِ، ومتى حَكمَ الحاكِمُ حُكْمًا لم يَنْتَقِضْ بمُخَالَفَةِ غيرِه له. وكذلك إن ألْحَقَتْهُ بواحِدٍ، ثم عادَتْ فأَلْحَقَتْهُ بغيرِه؛ لذلك. فإن أقَامَ الآخَرُ بَيِّنةً أنَّه وَلَدُه، حُكِمَ له به، وسَقَطَ قولُ القائِفِ؛ لأنَّه بَدَلٌ، فيَسْقُطُ بِوُجُودِ الأصْلِ، كالتَّيَمُّمِ مع الماءِ.
فصل: وإن أَلْحَقَتْهُ القافَةُ بكافِرٍ أو رَقِيقٍ، لم يُحْكَمْ بِكُفْرِه ولا رِقِّهِ؛ لأن الحُرِّيَّةَ والإِسْلَامَ ثَبَتَا له بِظَاهِرِ الدَّارِ، فلا يَزُولُ ذلك بمُجَرَّدِ الشَّبَهِ والظَّنِّ، كما لم يَزُلْ ذلك بمُجَرَّدِ الدَّعْوَى من المُنْفَرِدِ. وإنَّما قَبِلْنا قولَ القائِفِ في النَّسَبِ، لِلْحَاجَةِ إلى إثْبَاتِه، ولِكَوْنِه غيرَ مُخَالِفٍ لِلظَّاهِرِ، ولهذا اكْتَفَيْنَا فيه بمُجَرَّدِ الدَّعْوَى من المُنْفَرِدِ، ولا حاجَةَ إلى إثْباتِ رِقِّه وكُفْرِه، وإثْبَاتُهُما يُخَالِفُ الظّاهِرَ.
فصل : ولو ادَّعَى نَسَبَ اللَّقِيطِ إنْسانٌ، فأُلْحِقَ نَسَبُه به، لِانْفِرَادِه بالدَّعْوَى، ثم جاءَ آخَرُ فَادَّعاهُ، لم يَزُلْ نَسَبُه عن الأوَّلِ؛ لأنَّه حُكِمَ له به، فلا يَزُولُ بمُجَرَّدِ الدَّعْوَى. فإن أَلْحَقَتْهُ به القافَةُ، لَحِقَ به، وانْقَطَعَ عن الأوَّلِ؛ لأنَّها بَيِّنةٌ [في إلْحَاقِ النَّسَبِ، ويَزُولُ بها الحُكْمُ الثَّابِتُ بمُجَرَّدِ الدَّعْوَى، كالشَّهَادَةِ.
فصل] : وإذا ادَّعاهُ اثْنانِ، فأَلْحَقَتْهُ القافَةُ بهما، لَحِقَ بهما، وكان ابْنَهُما، يَرِثُهُما مِيرَاثَ ابْنٍ، ويَرِثَانِه جَمِيعًا مِيرَاثَ أبٍ واحدٍ. وهذا يُرْوَى عن عمرَ، وعلىٍّ، رَضِىَ اللهُ عنهما. وهو قولُ أبى ثَوْرٍ. وقال أصْحابُ الرَّأْىِ: يُلْحَقُ بهما بمُجَرَّدِ الدَّعْوَى. وقال الشافِعِىُّ: لا يُلْحَقُ بأَكْثَرَ من والدٍ، فإذا ألْحَقَتْهُ بهما سَقَطَ قَوْلُهما، ولم يُحْكَمْ لهما. واحْتجَّ برِوَايةٍ عن عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّ القافَةَ قالت: قد اشْتَرَكَا فيه. فقال عُمَرُ: وَالِ أيَّهما شِئْتَ. ولأنَّه لا يُتَصَوَّرُ كَوْنُه من رَجُلَيْنِ، فإذا ألْحَقَتْهُ القافَةُ بهما، تَبَيَّنَّا كَذِبَهُما، فسَقَطَ قَوْلُهما، كما لو أَلْحَقَتْهُ بأُمَّيْنِ ، ولأن المُدَّعِيَيْنِ لو اتَّفَقَا على ذلك، لم يَثْبُتْ، ولو ادَّعاهُ كلُّ واحدٍ منهما، وأقَامَ بَيِّنَةً، سَقَطَتَا، ولو جازَ أن يُلْحَقَ بهما، لَثَبَتَ باتِّفَاقِهِما، وألْحِقَ بهما عندَ تَعَارُضِ بَيِّنَتِهما. ولَنا، ما رَوَى سَعِيدٌ، في “سُنَنِه”: ثنا سُفْيانُ، عن يَحْيَى بن سَعِيدٍ، عن سليمانَ بن يَسَارٍ، عن عمرَ، في امْرَأةٍ وَطِئَها رَجُلانِ في طُهْرٍ، فقال القائِفُ: قد اشْتَرَكَا فيه جَمِيعًا. فجَعَلَه بينهما . وبإسْنَادِه عن الشَّعْبِىِّ قال: وعلىٌّ يقول: هو ابْنُهُما، وهما أبَوَاه، يَرِثُهُما ويَرِثَانِه . ورَوَاهُ الزُّبَيْرُ بن بَكَّارٍ، بإسْنادِه عن عمرَ. وقال الإِمامُ أحمدُ: حَدِيثُ قَتَادَةَ عن سَعِيدٍ عن عمرَ، جَعَلَه بينهما، وقَابُوس عن أبِيه عن عليٍّ ، جَعَلَه بينهما. ورَوَى الأثْرَمُ، بإسْنادِه عن سَعِيدِ بن المُسَيِّبِ، في رَجُلَيْنِ اشْتَرَكَا في طُهْرِ امْرَأةٍ، فحَمَلَتْ فوَلَدَتْ غُلَامًا يُشْبهُهُما، فَرُفِعَ ذلك إلى عمرَ بن الخَطَّابِ، رَضِىَ اللَّه عنه، فدَعَا القافَةَ فنَظَرُوهُ ، فقالوا: نَرَاه يُشْبِهُهُما. فألْحَقَه بهما، وجَعَلَه يَرِثُهُما ويَرِثَانِه . قال سَعِيدٌ: عَصَبَتُه الباقِى منهما. وما ذَكَرُوه عن عمرَ لا نَعْلَمُ صِحَّتَه، وإن صَحَّ فيَحْتَمِلُ أنَّه تَرَكَ قولَ القافَةِ لأمْرٍ آخَرَ، إمَّا لِعَدَمِ ثِقَتِهِما، وإمَّا لأنَّه ظَهَرَ له من قَوْلِهما واخْتلافِهما ما يُوجِبُ تَركَه، فلا يَنْحَصِرُ المانِعُ من قَبُولِ قَوْلِهما في أنَّهما اشْتَرَكَا فيه. قال أحمدُ: إذا ألْحَقَتْهُ القافَةُ بهما، وَرِثَهُما وَوَرِثَاه، فإن ماتَ أحَدُهُما، فهو للباقِى منهما، ونَسَبُه من الأَوَّلِ قائِمٌ، لا يُزِيلُه شيءٌ. ومَعْنَى قولِه: “هو لِلْباقِى منهما”. واللهُ أعْلَمُ، أنَّه يَرِثُه مِيرَاثَ أبٍ كامِلٍ، كما أنَّ الجَدّةَ إذا انْفَرَدَتْ أخَذَتْ ما يَأْخُذُه الجدَّاتُ، والزَّوْجَةُ تَأْخُذُ وَحْدَها ما يَأْخُذُه جَمِيعُ الزَّوْجاتِ.
فصل: وإن ادَّعاهُ أكْثَرُ منْ اثْنَيْنِ، فأَلْحَقَتْهُ بهم القافَةُ، فنَصَّ أحمدُ، في رِوَايةِ مُهَنَّا، أنَّه يُلْحَقُ بِثَلَاثَةٍ. ومُقْتَضَى هذا أنَّه يُلْحَقُ بمَن أَلْحَقَتْهُ القافَةُ وإن كَثُرُوا. وقال أبو عبدِ اللَّه ابن حامِدٍ: لا يُلْحَقُ بأكْثَرَ من اثْنَيْنِ. وهو قولُ أبى يوسفَ؛ لأنَّا صِرْنَا إلى ذلك لِلْأَثَرِ، فيُقْتَصَرُ عليه. وقال القاضي: لا يُلْحَقُ بأَكْثَرَ من ثَلَاثةٍ، وهو قولُ محمدِ ابن الحَسَنِ. ورُوِى ذلك عن أبي يوسفَ أيضًا. ولَنا، أنَّ المَعْنَى الذي لأَجْلِه لَحِقَ بِاثْنَيْنِ، مَوْجُودٌ فيما زَادَ عليه، فَيُقاسُ عليه، وإذا جازَ أن يُخْلَقَ من اثْنَيْنِ، جازَ أن يُخْلَقَ من أكْثَرَ من ذلك. وقولُهم: إن إلْحاقَه بالاثْنَيْنِ على خِلَافِ الأَصْلِ. مَمْنُوعٌ، وإن سَلَّمْنَاهُ، لكنَّه ثَبَتَ لِمَعْنًى مَوْجودٍ في غيرِه، فيَجِبُ تَعْدِيَةُ الحُكْمِ به، كما أنَّ إباحَةَ أكْلِ المَيْتَةِ عند المَخْمَصَةِ أُبِيحَ على خِلَافِ الأصْلِ، لا يَمْنَعُ من أن يُقَاسَ على ذلك مالُ غيرِه، والصَّيْدُ الحَرَمِىُّ، وغيرُهما من المُحَرَّماتِ، لِوُجُودِ المعْنَى، وهو إبْقاءُ النَّفْسِ، وتَخْلِيصُها من الهَلَاكِ. وأمَّا قولُ مَن قال: إنَّه يجوزُ إلْحاقُه بثَلَاثةٍ، ولا يُزَادُ على ذلك، فتَحَكُّمٌ، فإنَّه لم يَقْتَصِرْ على المَنْصُوصِ عليه، ولا عَدَّى الحُكْمَ إلى كلِّ ما وُجِدَ فيه المَعْنَى، ولا نَعْلَمُ في الثَّلَاثةِ مَعْنًى خاصًّا يَقْتَضِى إلْحاقَ النَّسَبِ بهم، فلم يَجُز الاقْتِصارُ عليه بالتَّحَكُّمِ.
[المغني لابن قدامة 8/ 370]
باب في القافة
جمع قائف وهو من يستدل بالخلقة على النسب ويلحق الفروع بالأصول بالشبه والعلامات ٢٢٦٧ – قوله: «أسارير وجهه» خطوط تجتمع في الجبهة وتنكسر، «ألم تري» بفتح الراء وسكون الياء على خطاب المرأة «مجززا» بجيم وزائين معجمتين أولها مشددة مكسورة «المدلجي» بضم ميم وسكون دال وكسر لام ، ووجه سرووه أن الناس كانوا يطعنون في نسب أسامة بن زيد لكونه أسودا وزيد أبيض وهم كانوا يعتمدون على قول القائف، فبشهادة هذا القائف يندفع طعنهم، وقد أخذ بعضهم من هذا الحديث القول بالقيافة في إثبات النسب؛ لأن سرووه بهذا القول دليل صحته؛ لأنه لا يسر بالباطل بل ينكره، ومن لا يقول بذلك يقول وجه السرور هو أن الكفرة الطاعنين كانوا يعتقدون القيافة فصار قول القائف حجة عليهم وهو يكفي في السرور.
فتح الودود في شرح سنن أبي داود — السندي، محمد بن عبد الهادي
———————-
[ما جاء في القافة]
شرح حديث (ألم تري أن مجززا المدلجي رأى زيدا وأسامة فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض)وهذا دليل على اعتبار علم القيافة وقول القائف؛ لأن الرسول ﷺ أقر ذلك وسر به، وهو صلوات الله وسلامه وبركاته عليه لا يسر بباطل، فهذا إذا يدل على اعتبار القيافة، فإذا حصل اشتباه ولم يكن هناك قرينة فإن الأمر يعرض على القافة، فمن قالت: إنه يشبه فلانا فإنه يلحق به، فإذا كان هناك مثلا وطء من عدد وصار الولد محتملا أن يكون من هذا أو من هذا أو من هذا، فإنهم يعرضون على القافة ومن قدمته القافة فإن الولد ينسب إليه.
وهذا فيما لو أن رجالا كانوا مالكين لأمة ووطئوها في طهر واحد فحملت، ولا يجوز لهم أن يطئوها جميعا، ولكن لو حصل أنهم وطئوها جميعا وجاءت بولد فإنه يعرض على القافة، وإذا قالوا: إنه يشبه فلانا يلحق به؛ لأن هذا مرجح، وسيأتي فيما بعد حديث فيه: أن ثلاثة وطئوا امرأة -يعني: مملوكة لهم- في طهر واحد وأن عليا رضي الله عنه أقرع بينهم، وألزم الذي خرجت له القرعة أن يدفع لصاحبيه ثلثي الدية -أي: ثلثي القيمة- لكن القيافة مقدمة على القرعة؛ لأن الرسول ﷺ اعتبر القيافة وأقرها، فإذا ميز القائف من يكون له الشبه وأنه يكون منه ومن سلالته فإنه يلحق به.
شرح سنن أبي داود للعباد — عبد المحسن العباد (معاصر)
————————–
– (باب في القافة)
وممن أثبت الحكم بالقافة عمر بن الخطاب وبن عباس وبه قال عطاء وإليه ذهب الأوزاعي ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل وهو قول عامة أصحاب الحديث
وقال أصحاب الرأي في الولد المشكل يدعيه اثنان يقضى به لهما وأبطل الحكم بالقافة
انتهى
عون المعبود وحاشية ابن القيم — العظيم آبادي، شرف الحق
———————-
ومن أسباب إلحاق الولد القول بالقافة والأصل في ذلك حديث مجزز المدلجي رواه الأئمة …. فمذهب مالك أنه يكون للرجل أبوان قال أبو يوسف نعم وأمان فأما قول أبي يوسف هذا فما رأيت له في أثناء الطلب دليلًا أحكيه لأن المشاهدة تبطله وتنفيه وأما الأبوان فلا إشكال في أنه ممكن وقد تبين في حديث عمر وجه امتزاج المائين وإذا اضطررنا إلى القافة وتعارض الشبه وألحقناه بهما فمن علمائنا من قال يقال لهما انظرا إلى أغلب الشبه يقال له فإن استويا فماذا يكون الحكم وقد قال ابن القاسم وغيره من العلماء إذا ألحق القافة الولد بهما كان ابنًا لهما قال بعضهم يوالي من شاء قال ابن القاسم وغيره يكون ابنًا لهما ولا يكون له الاختيار وقد روي عن مالك أنه قال إن القافة لا تكون في بغايا الجاهلية وإنما تكون في أولاد الرشدة وهذا خلاف حديث عمر الذي أدخل والصحيح أنها تجري فيهم لأنه إذا جاز استلحاقهم بالدعوى فكل نسب يلحق الدعوى والفراش تدخله القافة.
القبس في شرح موطأ مالك بن أنس ١/٩١٨ — أبو بكر ابن العربي (ت ٥٤٣)
قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله : ” القيافة لا تختص ببني مرة وبني مدلج .
كان مشهورا في الحجاز بنو مدلج . والموجود الآن آل مرة ، وليسوا من بني مدلج ، ولهم الشهرة في ذلك . ويظهر توسيع الدائرة ، فالتمرن والقيافة موجودة في غيرهم من حاضرة وبادي ، فيوجد في الحاضرة أناس فيهم معرفة قوية ، وإنما الشهرة كما تقدم لآل مرة ، ولهم في ذلك من الحذق الشيء المشهور ، وبعضهم يجزمون بأشياء دقيقة شهد الواقع بصدقهم فيها ؛ لكن منهم من حذقه في معرفة السارق . وليس كل ما يجزمون به استنادا إلى الأثر . كما أن لهم توسما بالإشارة ، فلهم توسم بالفراسة ، فالذي عنده شيء من الخوف يجزمون عليه حتى يعترف …
ومعرفة الأثر تلحق بالقيافة ، إلا أنه لا يستعمل في لحوق الأنساب ، فإنه شيء آخر ، لكن إذا احتيج إلى نظر أقدامها في الأرض صح ، لكن الشبه بالوجه ونحوه أبلغ مما سواه .
الثاني [والأول هو العمل بالقيافة في إثبات النسب] : ما يتعلق بمعرفة الجاني من سرقة أو قتل أو تهمة ، فهذا يعتمد النظر والحذق ، ويعتمد الشطارة ؛ فإن كثيرا من هذه الأمور يأخذونه لا من نفس الأثر بل لهم مِران في ذلك . وقد يصير فيهم وهم ، ووجوده فيهم أحيانا لا يسقط قولهم ؛ فإن البينة قد تغلط … يشترط في القائف العدالة المعتبرة في الشاهد ، والقاضي ، والإمام ، والخبرة شرط ” انتهى من “فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم” (9/31).
وأما الاعتماد عليهم : فالفقهاء يذكرون الاعتماد على القافة في إثبات النسب المجهول ، كالولد الناتج عن وطء شبهة ، واللقيط ونحو ذلك .
واختلفوا في الاعتماد على قولهم في تحديد الجاني والسارق .
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : ” وقول القافة في الأنساب معتبر ، فهل يعتبر قول القافة في الأموال ؟ بمعنى أن القائف إذا رأى قدم السارق ، وقال : هذا فلان بن فلان ، فهل يؤخذ به ، أو يقال : إنه قرينة ويؤتى بالرجل إن أقر وإلا برئ ؟ فيها خلاف بين العلماء : منهم من قال : إذا عُرف بالإصابة بالتجربة فإنه يؤخذ به ، وكما ذكرنا هؤلاء القافة ربما يشهدون شهادة على أن هذا قدم فلان بن فلان ، وليس عندهم فيه شك ، فيكون قرينة ، وفي قضية داود وسليمان عليهما الصلاة والسلام : (إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ) الأنبياء/ 78، 79، استدل بالأثر على المؤثر ” انتهى من “الشرح الممتع” (10/399).
وقد ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله إلى أنه يعتد بقول القائف في المعاملات وفي الجنايات ، وذكر أمثلة لذلك : كأن يدعي شخص أنه ذهب من ماله شيء ، ويثبت ذلك ، فيقص القائف أثر الوطء من مكان إلى مكان آخر ، فشهادة القائف أن المال دخل إلى هذا الموضع توجب أحد الأمرين : إما الحكم به ، وإما أن يكون الحكم به مع يمين المدعي ، وهو الأقرب ، فإن هذه الأمارات ترجح جانب المدعي ، واليمين مشروعة في أقوى الجانبين .
وينظر : “الفتاوى الكبرى” (5/508).
والاعتماد على القافة في هذه الأمور كلها ، يرجع فيه إلى القاضي وما يراه ، وإلى وجود الشروط المعتبرة في القائف من العدالة والخبرة ، وإلى عدم وجود البينة المعارضة للقيافة .
——
– يرى جمهور الفقهاء جواز كونها دليلاً شرعياً لإثبات النسب، ويحتجون بما يلي:
١- حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها مسروراً تبرق أسارير وجهه فقال: «ألم تسمعي ما قال المدلجي لزيد وأسامة ورأى أقدامهما، إن بعض هذه الأقدام من بعض» (رواه البخاري).
ومعروف أن أسامة كان أسود شديد السواد مثل القار، وكان زيد أبيض مثل القطن، فالرسول بهذا الحديث يقر بنسب أسامة من زيد.
٢- حديث الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال «إذا غلب ماء الرجل كان الشبه للأعمام، وإذا غلب ماء المرأة كان الشبه للأخوال» (رواه الماوردي في الحاوي الكبير ج١٧ ص ٣٨٣، ورواه ابن عبد البر في التمهيد).
٣- حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن أعرابياً أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن امرأتي ولدت غلاماً أسود وإني أنكرته، فقال له الرسول: هل لك من إبل؟ قال: نعم، قال: ما ألوانها؟ قال: حمر، قال: فهل فيها أورق؟ قال: نعم.
قال الرسول صلى الله عليه وسلم: فأنى هو؟ قال: لعله يا رسول الله أن يكون نزعه عرق فقال الرسول: وهذا لعله أن يكون نزعه عرق له(رواه البخاري). واستدل الجمهور بأشياء أخرى كذلك.
– أما المانعون وعلى رأسهم الإمام أبو حنيفة فقالوا بعدم جواز إثبات النسب بالقيافة، واستدلوا بما يلي:
١- قال تعالى: «ولا تقف ما ليس لك به علم» (الآية ٣٦ من سورة الإسراء). فقول القائف رجم بالغيب وحزر وتخمين، فكما لا يجوز الاعتماد على المنجم وقارئ الرمل فإنه لا يجوز الاعتماد على القائف.
٢- قال تعالى «أفحكم الجاهلية يبغون..» (الآية ٥٠ من سورة المائدة) والقيافة من أحكام الجاهلية، وكون الرسول صلى الله عليه وسلم سرّ بقول القائف المدلجي لا يعني جواز الاحتكام إلى القائف لكونه حقاً بل لقيام الحجة على أهل الجاهلية بما كانوا يعتقدونه.
أو كما يقول الكاساني «لأن الكفار كانوا يطعنون في نسب أسامة رغم أنهم يعتقدون في القيافة، فلما قال القائف ذلك فكأنه أقام الحجة عليهم بما يعتقدون فسرّ الرسول صلى الله عليه وسلم لذلك» (انظر بدائع الصنائع ج٦ ص ٢٤٢).
واستدلوا أيضاً بأشياء أخرى.
– نعم.. ويقول القرافي من المالكية: «القيافة من باب الاجتهاد يعتمد عليه كالتقويم في المتلفات ونفقات الزوجات وخرص الثمار في الزكوات وتحرير جهة الكعبة في الصلوات وجزاء الصيد، وكل ذلك تخمين وتقريب، وهذا يمكن تعلمه بالتجربة والممارسة (انظر الفروق ج٤ ص ٢٢٢).
– على أية حال فإذا قلنا بأن القيافة علم وليست بتخمين فإن بعض العلماء ذكر صفة القيافة بشكل مفصل، يقول الماوردي: «فالمعتبر فيها التشابه من أربعة أوجه: أحدها تخطيط الأعضاء وأشكال الصورة، والثاني في الألوان والشعور والثالث في الحركات والأفعال، والرابع في الكلام والصوت والحدة والأناة، فلئن جاز أن تختلف هذه الأربعة في الآباء والأبناء في الظاهر الجلي، فلا بد أن يكون بينهما في الباطن تشابه خفي». (انظر الحاوي الكبير للماوردي ج ١٧ ص ٣٨٧).
قال الإتيوبي:
(المسألة الثالثة): في فوائده:
(منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان مشروعيّة العمل بالقافة، وفيه اختلافٌ بين العلماء، سيأتي تحقيقه في المسألة التالية، إن شاء اللَّه تعالى.
(ومنها): جواز اضطجاع الرجل مع ولده في شعار واحد.
(ومنها): جواز الشهادة على المنتقبة، والاكتفاء بمعرفتها، من غير رؤية الوجه.
(ومنها): قبول شهادة من يشهد قبل أن يُستشهد عند عدم التهمة.
(ومنها): سرور الحاكم لظهور الحقّ لأحد الخصمين، عند السلامة من الهوى.
(ومنها) أن البخاريّ -رحمه اللَّه تعالى- أدخل هذا الحديث في “كتاب الفرائض” إشارة إلى الردّ على من زعم أن القائف لا يُعتبر قوله، فإن من اعتبر قوله، فعمل به، لزم منه حصول التوارث بين الملحق والملحق به. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[ذخيرة العقبى في شرح المجتبى 29/ 196]