2260 ، 2261 ،2262 تحضير سنن أبي داود:
جمع أحمد بن علي وعدنان البلوشي وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وأسامة الحميري
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
بَابٌ إِذَا شَكَّ فِي الْوَلَدِ
2260 – حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي خَلَفٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ بَنِي فَزَارَةَ، فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَتِي جَاءَتْ بِوَلَدٍ أَسْوَدَ، فَقَالَ: «هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟»، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «مَا أَلْوَانُهَا؟»، قَالَ: حُمْرٌ، قَالَ: «فَهَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟»، قَالَ: إِنَّ فِيهَا لَوُرْقًا، قَالَ: فَأَنَّى تُرَاهُ؟، قَالَ: «عَسَى أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ»، قَالَ: «وَهَذَا عَسَى أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ»،
[حكم الألباني] : صحيح
2261 – حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ، وَهُوَ حِينَئِذٍ يُعَرِّضُ بِأَنْ يَنْفِيَهُ،
[حكم الألباني] : صحيح
2262 – حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ وَإِنِّي أُنْكِرُهُ، فَذَكَرَ مَعْنَاهُ
[حكم الألباني] : صحيح
——
قال الخطابي:
قال الشيخ هذا القول من السائل تعريض بالريبة كأنه يريد نفي الولد بحكم النبي صلى الله عليه وسلم فإن الولد للفراش ولم يجعل خلاف الشبه واللون دلالة يجب الحكم بها وضرب له المثل بما يوجد من اختلاف الألوان في الإبل وفحلها ولقاحها واحد.
وفي هذا إثبات القياس وبيان أن المتشابهين حكمهما من حيث اشتبها واحد.
وفيه دليل على أن الرجل إذا ولدت له امرأته ولداً فقال ليس مني لم يصر قاذفاً لها بنفس هذا القول لجواز أن يكون ليس منه لكن لغيره بوطء شبهة أو من زوج متقدم.
وفيه دليل على أن الحد لا يجب في المكاني وإنما يجب بالقذف الصريح.
[معالم السنن 3/ 272]
قال ابن بطال:
احتج بهذا الحديث الكوفيون والشافعى، فقالوا: لا حد فى التعريض، ولا لعان بالتعريض؛ لأن النبى صلى الله عليه وسلم لم يوجب على هذا الرجل الذى عرض له بامرأته حدا. وأوجب مالك الحد فى التعريض واللعان بالتعريض إذا فهم منه من القذف ما يفهم من التصريح. وقال أصحابه فى تأويل هذا الحديث للكوفيين: لا حجة لكم فيه؛ لأن الرجل لم يرد بتعريضه القذف وإنما جاء سائلاً مستشيرًا، ودليل ذلك فى الحديث، وذلك لأن النبى صلى الله عليه وسلم لما ضرب له المثل سكت، ورأى أن الحق فيما ضرب له النبى صلى الله عليه وسلم من ذلك. قال المهلب: فالتعريض إذا لم يكن على سبيل المشاتمة والمواجهة، وكان على سبيل السؤال عما يجهل من المشكلات، فلا حد فيه، ولو وجب فى هذا حد، لبقى شىء من علم الدين لا سبيل إلى التوصل إليه من ذكر من عرض له فى ذلك عارض، ولا يجب عند مالك فى التعريض حد إلا أن يكون على سبيل مشاتمة ومواجهة يعلم قصده لذلك. وسيأتى اختلاف العلماء وبيان مذاهبهم فى التعريض فى كتاب الحدود، إن شاء الله.
[شرح صحيح البخاري لابن بطال 7/ 461]
قال النووي:
أَمَّا الْأَوْرَقُ فَهُوَ الَّذِي فِيهِ سَوَادٌ لَيْسَ بِصَافٍ وَمِنْهُ قِيلَ لِلرَّمَادِ أَوْرَقُ وَلِلْحَمَامَةِ وَرْقَاءُ وَجَمْعُهُ وُرْقٌ بِضَمِّ الْوَاوِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ كَأَحْمَرَ وَحُمْرٍ وَالْمُرَادُ بِالْعِرْقِ هنا الْأَصْلُ مِنَ النَّسَبِ تَشْبِيهًا بِعِرْقِ الثَّمَرَةِ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ فُلَانٌ مُعَرَّقٌ فِي النَّسَبِ وَالْحَسَبِ وَفِي اللُّؤْمِ وَالْكَرَمِ وَمَعْنَى نَزَعَهُ أَشْبَهَهُ وَاجْتَذَبَهُ إِلَيْهِ وَأَظْهَرَ لَوْنَهُ عَلَيْهِ وَأَصْلُ النَّزْعِ الْجَذْبُ فَكَأَنَّهُ جَذَبَهُ إِلَيْهِ لِشَبَهِهِ يُقَالُ مِنْهُ نَزَعَ الْوَلَدُ لِأَبِيهِ وَإِلَى أَبِيهِ وَنَزَعَهُ أبوه ونزعه إِلَيْهِ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْوَلَدَ يَلْحَقُ الزَّوْجَ وإِنْ خَالَفَ لَوْنُهُ لَوْنَهُ حَتَّى لَوْ كَانَ الْأَبُ أَبْيَضَ وَالْوَلَدُ أَسْوَدَ أَوْ عَكْسُهُ لَحِقَهُ وَلَا يَحِلُّ لَهُ نَفْيُهُ بِمُجَرَّدِ الْمُخَالَفَةِ فِي اللَّوْنِ وَكَذَا لَوْ كَانَ الزَّوْجَانِ أَبْيَضَيْنِ فجاء الولد أسود أو عكسه لاحتمال أنه نَزَعَهُ عِرْقٌ مِنْ أَسْلَافِهِ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ التَّعْرِيضَ بِنَفْيِ الْوَلَدِ لَيْسَ نَفْيًا وَأَنَّ التَّعْرِيضَ بِالْقَذْفِ لَيْسَ قَذْفًا وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وموافقيه وفيه إثبات القياس والاعتبار بالأشباه وضرب الأمثال وفيه الاحتياط للانساب وإلحاقها بمجرد الامكان قوله فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى (إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ وَإِنِّي أَنْكَرْتُهُ) مَعْنَاهُ اسْتَغْرَبْتُ بِقَلْبِي أَنْ يَكُونَ مِنِّي لَا أَنَّهُ نَفَاهُ عَنْ نَفْسِهِ بِلَفْظِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
[شرح النووي على مسلم 10/ 133]
قال ابن حجر:
قوله: (باب إذا عرض بنفي الولد) بتشديد الراء من التعريض، وهو ذكر شيء يفهم منه شيء آخر لم يذكر، ويفارق الكناية بأنها ذكر شيء بغير لفظه الموضوع يقوم مقامه، وترجم البخاري لهذا الحديث في الحدود ما جاء في التعريض وكأنه أخذه من قوله في بعض طرقه يعرض بنفيه، وقد اعترضه ابن المنير فقال: ذكر ترجمة التعريض عقب ترجمة الإشارة لاشتراكهما في إفهام المقصود، لكن كلامه يشعر بإلغاء حكم التعريض فيتناقض مذهبه في الإشارة. والجواب أن الإشارة المعتبرة هي التي لا يفهم منها إلا المعنى المقصود، بخلاف التعريض فإن الاحتمال فيه إما راجح وإما مساو فافترقا، قال الشافعي في الأم: ظاهر قول الأعرابي أنه اتهم امرأته، لكن لما كان لقوله وجه غير القذف لم يحكم النبي صلى الله عليه وسلم فيه بحكم القذف فدل ذلك على أنه لا حد في التعريض، ومما يدل على أن التعريض لا يعطي حكم التصريح الإذن بخطبة المعتدة بالتعريض لا بالتصريح فلا يجوز، والله أعلم….
قوله: (إن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم في رواية أبي مصعب جاء أعرابي وكذا سيأتي في الحدود عن إسماعيل بن أبي أويس، عن مالك، وللنسائي جاء رجل من أهل البادية وكذا في رواية أشهب، عن مالك عند الدارقطني، وفي رواية ابن وهب التي عند أبي داود أن أعرابيا من بني فزارة وكذا عند مسلم وأصحاب السنن من رواية سفيان بن عيينة، عن ابن شهاب، واسم هذا الأعرابي ضمضم بن قتادة أخرج حديثه عبد الغني بن سعيد في المبهمات له من طريق قطبة بنت عمرو بن هرم أن مدلوكا حدثها إن ضمضم بن قتادة ولد له مولود أسود من امرأة من بني عجل فشكا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هل لك من إبل؟
قوله: (أتى النبي صلى الله عليه وسلم في رواية ابن أبي ذئب صرخ بالنبي صلى الله عليه وسلم.
قوله: (فقال: يا رسول الله، إن امرأتي ولدت غلاما أسود) لم أقف على اسم المرأة ولا على اسم الغلام، وزاد في رواية يونس وإني أنكرته أي استنكرته بقلبي ولم يرد أنه أنكر كونه ابنه بلسانه وإلا لكان تصريحا بالنفي لا تعريضا، ووجه التعريض، أنه قال غلاما أسود أي وأنا أبيض فكيف يكون مني؟ ووقع في رواية معمر، عن الزهري عند مسلم وهو حينئذ يعرض بأن ينفيه ويؤخذ منه أن التعريض بالقذف ليس قذفا وبه قال الجمهور، واستدل الشافعي بهذا الحديث لذلك، وعن المالكية يجب به الحد إذا كان مفهوما، وأجابوا عن الحديث بما سيأتي بيانه في آخر شرحه. وقال ابن دقيق العيد: في الاستدلال بالحديث نظر، لأن المستفتي لا يجب عليه حد ولا تعزير. قلت: وفي هذا الإطلاق نظر، لأنه قد يستفتي بلفظ لا يقتضي القذف وبلفظ يقتضيه، فمن الأول أن يقول مثلا: إذا كان زوج المرأة أبيض فأتت بولد أسود: ما الحكم؟ ومن الثاني أن يقول مثلا: إن امرأتي أتت بولد أسود وأنا أبيض فيكون تعريضا، أو يزيد فيه مثلا زنت فيكون تصريحا، والذي ورد في حديث الباب هو الثاني فيتم الاستدلال. وقد نبه الخطابي على عكس هذا فقال: لا يلزم الزوج إذا صرح بأن الولد الذي وضعته امرأته ليس منه حد قذف لجواز أن يريد أنها وطئت بشبهة أو وضعته من الزوج الذي قبله إذا كان ذلك ممكنا.
قوله: (قال: فما ألوانها؟ قال: حمر) في رواية محمد بن مصعب، عن مالك عند الدارقطني قال رمك والأرمك الأبيض إلى حمرة، وقد تقدم تفسيره في شرح حديث جمل جابر في الشروط.
قوله: (فهل فيها من أورق) بوزن أحمر.
قوله: (إن فيها لورقا) بضم الواو بوزن حمر، والأورق الذي فيه سواد ليس بحالك بل يميل إلى الغبرة، ومنه قيل للحمامة ورقاء.
قوله: (فأنى ذلك) بفتح النون الثقيلة أي من أين أتاها اللون الذي خالفها، هل هو بسبب فحل من غير لونها طرأ عليها أو لأمر آخر؟.
قوله: (لعل نزعه عرق) في رواية كريمة لعله ولا إشكال فيها بخلاف الأول فجزم جمع بأن الصواب النصب أي لعل عرقا نزعه، وقال الصغاني: ويحتمل أن يكون في الأصل لعله فسقطت الهاء، ووجهه ابن مالك باحتمال أنه حذف منه ضمير الشأن، ويؤيد توجيهه ما وقع في رواية كريمة، والمعنى يحتمل أن يكون في أصولها ما هو باللون المذكور فاجتذبه إليه فجاء على لونه، وادعى الداودي أن لعل هنا للتحقيق.
قوله: (ولعل ابنك هذا نزعه) كذا في رواية أبي ذر بحذف الفاعل، ولغيره نزعه عرق وكذا في سائر الروايات، والمراد بالعرق الأصل من النسب شبهه بعرق الشجرة، ومنه قولهم: فلان عريق في الأصالة أي أن أصله متناسب، وكذا معرق في الكرم أو اللؤم، وأصل النزع الجذب، وقد يطلق على الميل، ومنه ما وقع في قصة عبد الله بن سلام حين سئل عن شبه الولد بأبيه أو بأمه: نزع إلى أبيه أو إلى أمه، وفي الحديث ضرب المثل، وتشبيه المجهول بالمعلوم تقريبا لفهم السائل، واستدل به لصحة العمل بالقياس، قال الخطابي: هو أصل في قياس الشبه. وقال ابن العربي: فيه دليل على صحة القياس والاعتبار بالنظير ; وتوقف فيه ابن دقيق العيد فقال: هو تشبيه في أمر وجودي، والنزاع إنما هو في التشبيه في الأحكام الشرعية من طريق واحدة قوية. وفيه أن الزوج لا يجوز له الانتفاء من ولده بمجرد الظن، وأن الولد يلحق به ولو خالف لونه لون أمه.
وقال القرطبي تبعا لابن رشد: لا خلاف في أنه لا يحل نفي الولد باختلاف الألوان المتقاربة كالأدمة والسمرة، ولا في البياض والسواد إذا كان قد أقر بالوطء ولم تمض مدة الاستبراء، وكأنه أراد في مذهبه، وإلا فالخلاف ثابت عند الشافعية بتفصيل فقالوا: إن لم ينضم إليه قرينة زنا لم يجز النفي، فإن اتهمها فأتت بولد على لون الرجل الذي اتهمها به جاز النفي على الصحيح، وفي حديث ابن عباس الآتي في اللعان ما يقويه. وعند الحنابلة يجوز النفي مع القرينة مطلقا، والخلاف إنما هو عند عدمها، وهو عكس ترتيب الخلاف عند الشافعية. وفيه تقديم حكم الفراش على ما يشعر به مخالفة الشبه. وفيه الاحتياط للأنساب وإبقائها مع الإمكان، والزجر عن تحقيق ظن السوء. …
وفيه أن التعريض بالقذف لا يثبت حكم القذف حتى يقع التصريح خلافا للمالكية، وأجاب بعض المالكية أن التعريض الذي يجب به القذف عندهم هو ما يفهم منه القذف كما يفهم من التصريح، وهذا الحديث لا حجة فيه لدفع ذلك، فإن الرجل لم يرد قذفا، بل جاء سائلا مستفتيا عن الحكم لما وقع له من الريبة، فلما ضرب له المثل أذعن، وقال المهلب: التعريض إذا كان على سبيل السؤال لا حد فيه، وإنما يجب الحد في التعريض إذا كان على سبيل المواجهة والمشاتمة. وقال ابن المنير: الفرق بين الزوج والأجنبي في التعريض أن الأجنبي يقصد الأذية المحضة، والزوج قد يعذر بالنسبة إلى صيانة النسب، والله أعلم.
[فتح الباري لابن حجر 9/ 442 ط السلفية]
قال ابن رسلان:
باب إذا شك في الولد
[2260] (ثنا) أبو بشر بكر (بن خلف) ثقة (4) (ثنا سفيان) بن عيينة (عن الزهري، عن سعيد) بن المسيب (عن أبي هريرة قال: جاء رجل) هو ضمضم بن قتادة، ذكره عبد الغني بن سعيد في كتاب “الغوامض” ……
قال الفاكهي: وقد أبعد الخطابي بالاستدلال بهذا الحديث على نفي الحد عمن قال: ليس هذا الولد مني؛ إذ ليس فيه شيء من ذلك، وإنما فيه إنكاره اللون دون الولد ونفيه له.
[شرح سنن أبي داود لابن رسلان 10/ 90]
قال العباد:
قوله: [باب إذا شك في الولد] أي: من شك أن يكون الولد منه وتردد في ذلك، ولم يحصل القذف، ولم تحصل الملاعنة، أي: لا عبرة بهذا الشك، والولد للفراش ولو كان هناك تفاوت واختلاف في اللون؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الولد للفراش)، فما دام أنه ولد على فراشه فهو له، بل لو حصل زنا والعياذ بالله فإنه يغلب جانب الفراش ولا ينظر إلى الزاني ولو كان هناك شبه به، كما في قصة عبد بن زمعة فالنبي صلى الله عليه وسلم ألحقه بالفراش، فالحكم في الأصل للفراش، ولا يتخلص الزوج من الولد إلا بالملاعنة بعد أن يكون قد قذفها بالزنا قذفاً صريحاً، فتتم الملاعنة، ثم ينتفي الولد منه ويكون تبعاً لأمه كما جاءت الأحاديث السابقة في اللعان.
وهذا فيه دليل على إثبات القياس وأنه حجة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قاس شيئاً على شيء، والقياس من الأدلة الشرعية، ويُصار إليه عند عدم وجود النص الصريح في المسألة، وهو إلحاق فرع بأصل في حكم لجامع بينهما، وهو معتبر شرعاً، وقد جاءت فيه أدلة كثيرة ومنها هذا الحديث …
[شرح سنن أبي داود للعباد 258/ 38 بترقيم الشاملة آليا]
عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: جاء رجل من بني فزارة إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال: إن امرأتي ولدت غلامًا أسود، فقال النبي – صلى الله عليه وسلم -: “هل لك إبل؟”، قال: نعم، قال: “فما ألوانها؟”، قال: حمر، قال: “فهل يكون فيها من أورق؟”، قال: إن فيها لورقًا، قال: “فأنى أتاها ذلك؟”، قال: عسى أن يكون نزعه عرق، قال: “وهذا عسى أن يكون نزعه عرق”.
قوله: (إن امرأتي ولدت غلامًا أسود)، في رواية لمسلم: وهو حينئذ يعرض بأن ينفيه.
قال الحافظ: ويؤخذ منه أن التعريض بالقذف ليس قذفًا وبه قال الجمهور.
قال الشافعي في “الأم”: ظاهر قول الأعرابي أنه اتهم امرأته، لكن لما كان لقوله وجه غير القذف، لم يحكم النبي – صلى الله عليه وسلم – فيه بحكم القذف، فدلَّ ذلك على أنه لا حد في التعريض، ومما يدل على أن التعريض لا يعطي حكم التصريح الإذن بخطبة المعتدة بالتعريض لا بالتصريح فلا يجوز.
قوله: (فما ألوانها؟)، قال: حمر وعند الدارقطني قال: رُمْك، والأرمك الأبيض إلى حمرة.
قوله: (فهل يكون فيها من أورق؟)، قال أن فيها لورقًا والأورق الذي فيه سواد ليل بحالك، بل يميل إلى الغبرة، ومنه قيل للحمامة: ورقاء.
قوله: (فأنى أتاها ذلك؟)، أي من أين أتاها اللون الذي خالفها هل هو بسبب فحل من غير لونها، طرأ عليها أو لأمر آخر، وفي رواية لعله قال: عسى أن يكون نزعه عرق، قال: (وهذا عسى أن يكون نزعه عرق”.
قال الحافظ: يحتمل أن يكون في أصولها ما هو باللون المذكور، فاجتذبه إليه، فجاء على لونه.
قوله: (وهذا عسى أن يكون نزعه عرق).
قال الحافظ: والمراد بالعرق الأصل من النَّسب، شبَّهه بعرق الشجرة، ومنه قولهم: فلان عريق في الأصالة؛ أي: إن أصله متناسب، وكذا معرق في الكرم أو اللؤم، وأصل النزع الجذب، وقد يطلق على الميل، ومنه ما وقع في قصة عبدالله بن سلام حين سئل عن شبة الولد بأبيه أو بأمه، نزع إلى أبيه أو إلى أمه، وفي الحديث: ضرب المثل وتشبيه المجهول بالمعلوم تقريبًا لفَهْم السائل، وفيه أن الزوج لا يجوز له الانتفاء من ولده بمجرد الظن، وأن الولد يلحق به ولو خالف لونه لون أمه، وقال القرطبي تبعًا لابن رشد: لا خلاف في أنه لا يحل نفي الولد باختلاف الألوان المتقاربة؛ كالأدمة والسمرة، ولا في البياض والسواد إذا كان قد أقرَّ بالوطء ولم تمض مدة الاستبراء، وكأنه أراد في مذهبه، وإلا فالخلاف ثابت عند الشافعية بتفصيل، فقالوا: إن لم ينضم إليه قرينة زنا لم يجز النفي، فإن اتَّهمها فأتت بولد على لون الرجل الذي اتَّهمها به جاز النفي على الصحيح، وفي حديث ابن عباس في اللعان ما يقوِّيه، وعند الحنابلة يجوز النفي مع القرينة مطلقًا، والخلاف إنما هو عند عدمها، وهو عكس ترتيب الخلاف عند الشافعية، وفيه تقديم حكم الفراش على ما يشعر به مخالفة الشبه، وفيه الاحتياط للأنساب وإبقائها مع الإمكان، والزجر عن تحقيق ظن السوء، وفيه أن التعريض بالقذف لا يثبت حكم القذف؛ حتى يقع التصريح خلافًا للمالكية، وأجاب بعض المالكية أن التعريض الذي يجب به القذف عندهم هو ما يفهم منه القذف، كما يفهم من التصريح، وهذا الحديث لا حجة فيه لدفع ذلك، فإن الرجل لم يرد قذفًا، بل جاء سائلًا مستفتيًا عن الحكم لما وقع له من الريبة، فلما ضرب له المثل أذعن، وقال المهلب: التعريض إذا كان على سبيل السؤال لا حد فيه، وإنما يجب الحد في التعريض إذا كان على سبيل المواجهة والمشاتمة، وقال ابن المنير: الفرق بين الزوج والأجنبي في التعريض أن الأجنبي يقصد الأذية المحضة، والزوج قد يُعذَر بالنسبة إلى صيانة النسب[1]، والله أعلم.
[1] فتح الباري: (9/ 442- 444).
——
١٠٦١ – وعن أبي هريرة رضي الله عنه : «أنَّه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حين نزلت آية المتلاعنين-: أيُّما امرأةٍ أدخلت على قومٍ من ليس منهم؛ فليست من الله في شيءٍ، ولن يدخلها الله جنَّته، وأيُّما رجلٍ جحد ولده وهو ينظر إليه؛ احتجب الله عنه، وفضحه الله على رءوس الأوَّلين والآخرين». أخرجه أبو داود، والنَّسائيُّ،
١٠٦٢ – وعن عمر رضي الله عنه قال: «من أقرَّ بولده طرفة عين؛ فليس له أن ينفيه». أخرجه البيهقي، وهو حسنٌ موقوفٌ.
فاذا أقر به لا يجوز له نفيه لكي لا يفتح باب التلاعب
تخريج أثر عمر بن الخطاب
في «السنن الكبرى» (٧/ ٤١١ – ٤١٢) من رواية مجالد عن الشعبي عن شريح عن عمر وأخرجه البيهقي أيضًا (٧/ ٤١١).
من طريق قبيصة بن ذؤيب أنه كان يحدث عن عمر: أنه قضى في رجل أنكر ولدًا من المرأة وهو في بطنها، ثم اعترف به وهو في بطنها، حتى إذا ولدت أنكره، فأمر به عمر فجلد ثمانين جلدة لفريته عليها، ثم ألحق به الولد«. إسناده حسن.
سبل السلام شرح بلوغ المرام – ت حلاق ٦/٢١٦
في معرفة السنن :
١٥١٥٨ – رُوِّينَا عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه : «أَنَّ» الرَّجُلَ إِذَا أَقَرَّ بِوَلَدِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْفِيَهُ ”
معرفة السنن والآثار ١١/١٧٣ — أبو بكر البيهقي
وفي المصنف
١٧٥٦٥ – حَدَّثَنَا حَفْصٌ، عَنْ مُجَالِدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، *عَنْ عَلِيٍّ*، قَالَ: «إِذَا أَقَرَّ بِوَلَدِهِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْفِيَهُ»
المصنف – ابن أبي شيبة – ت الحوت ٤/٣٩
١٨٤٩٢ – حدثنا ابن إدريس عن هشام *عن الحسن* قال: إذا أقر الرجل بولده فليس له أن ينفيه على حال.
المصنف – ابن أبي شيبة – ت الشثري ١٠/٣٤
ويستفاد من هذا الحديث: أنه يجوز للإنسان أن ينتفي مما ولدت زوجته، ولكن هذا ليس بجائز على الإطلاق بل إنما يجوز إذا رآها تزني وولدت من يمكن كونه من الزاني، وأما إذا رآها تزني وولدت من لا يمكن أن يكون من الزوج فإنه يجب عليه أن ينفي الولد، إذا كان لا يمكن أن يكون من الزوج وذلك بأن تأتي به وزوجها غائب ليس حاضرًا، فإذا أتت به لأكثر من ستة أشهر من غيبة زوجها بل لأكثر من أربع سنين لغيبة زوجها فالولد من الزوج، ولا يحتمل أن يكون من الزاني فهنا لا يجوز أن ينتفي منه، مثل: أن تأتي به لأقل من ستة أشهر من الزنا فهنا فلا يكون من الزاني؛ لأن أقل الحمل ستة أشهر، وهذا الولد ولد لأقل من ستة أشهر من الزنا فلا يكون من الزاني ولا يجوز أن ينتفي منه، والثاني أن يحتمل أن يكون من الزوج ومن الزاني، ففي هذه الحال إن غلب على ظنه أنه من الزاني فله أن يلاعن، ولا
يجب؛ لأن قوة الفراش تغلب على غلبة الظن الذي عنده، الحالة الثالثة ألا يمكن كونه من الزوج لكونه غائبًا لم يتصل بها ويتبين حملها في غيبة الزوج بأن يكون قد استبرأها من قبل ففي هذا الحال يجب أن ينفيه؛ لأنه ليس ولدًا له ولا يجوز أن يكفله مع أولاده، وهو في هذه الحال ليس من الأولاد قطعًا فهذه ثلاثة أقسام أما مجرد اللون واختلاف الشبه فإن ذلك لا يجوز للإنسان أن ينتفي من ولده؛ لأن النبي ﷺ قال لعله نزعه عرق.
فتح ذي الجلال والإكرام بشرح بلوغ المرام ط المكتبة الإسلامية ٥/١٠٠-١٠٥
قال البسام:
بحذف الفاعل، ولغيره نزعه عرق وكذا في سائر الروايات، والمراد بالعرق الأصل من النسب شبهه بعرق الشجرة…وفيه أن الزوج لا يجوز له الانتفاء من ولده بمجرد الظن، وأن الولد يلحق به ولو خالف لونه لون أمه …. ثم نقل ما سبق نقلناه عن ابن حجر
—-
قرار المجمع الفقهي رقم: 95 (7/16) : بشأن البصمة الوراثية ومجالات الاستفادة منها. الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد: فإن مجلس المجمع الفقهي الإسلامي في دورته السادسة عشرة المنعقدة بمكة المكرمة، في المدة من 21-26/10/1422هـ الذي يوافقه من 5-10/1/2002م، وبعد النظر إلى التعريف الذي سبق للمجمع اعتماده في دورته الخامسة عشرة، ونصه:(البصمة الوراثية هي البِنْيَةُ الجينية (نسبة إلى الجينات، أي المورثات) ، التي تدل على هوية كل إنسان بعينه. وأفادت البحوث والدراسات العلمية أنها من الناحية العلمية وسيلة تمتاز بالدقة، لتسهيل مهمة الطب الشرعي، ويمكن أخذها من أي خلية (بشرية) من الدم، أو اللعاب، أو المني،أو البول، أو غيره). وبعد الاطلاع على ما اشتمل عليه تقرير اللجنة التي كلفها المجمع في الدورة الخامسة عشرة بإعداده من خلال إجراء دراسة ميدانية مستفيضة للبصمة الوراثية، والاطلاع على البحوث التي قدمت في الموضوع من الفقهاء، والأطباء، والخبراء، والاستماع إلى المناقشات التي دارت حوله، تبين من ذلك كله أن نتائج البصمة الوراثية تكاد تكون قطعية في إثبات نسبة الأولاد إلى الوالدين، أو نفيهم عنهما، وفي إسناد العينة (من الدم أو المني أو اللعاب) التي توجد في مسرح الحادث إلى صاحبها، فهي أقوى بكثير من القيافة العادية ( التي هي إثبات النسب بوجود الشبه الجسماني بين الأصل والفرع ) ، وأن الخطأ في البصمة الوراثية ليس واردًا من حيث هي، وإنما الخطأ في الجهد البشري أو عوامل التلوث ونحو ذلك. وبناء على ما سبق قرر ما يلي: أولاً: لا مانع شرعًا من الاعتماد على البصمة الوراثية في التحقيق الجنائي، واعتبارها وسيلة إثبات في الجرائم التي ليس فيها حد شرعي ولا قصاص؛ لخبر: “ادْرَؤوا الحُدُودَ بالشُّبُهاتِ” . وذلك يحقق العدالة والأمن للمجتمع، ويؤدي إلى نيل المجرم عقابه وتبرئة المتهم، وهذا مقصد مهم من مقاصد الشريعة. ثانيًا: إن استعمال البصمة الوراثية في مجال النسب لابد أن يحاط بمنتهى الحذر والحيطة والسرية، ولذلك لابد أن تقدم النصوص والقواعد الشرعية على البصمة الوراثية. ثالثًا: لا يجوز شرعًا الاعتماد على البصمة الوراثية في نفي النسب، ولا يجوز تقديمها على اللعان. رابعًا: لا يجوز استخدام البصمة الوراثية بقصد التأكد من صحة الأنساب الثابتة شرعًا، ويجب على الجهات المختصة منعه وفرض العقوبات الزاجرة؛ لأن في ذلك المنع حماية لأعراض الناس وصونًا لأنسابهم. خامسًا: يجوز الاعتماد على البصمة الوراثية في مجال إثبات النسب في الحالات التالية أ- حالات التنازع على مجهول النسب بمختلف صور التنازع التي ذكرها الفقهاء، سواء أكان التنازع على مجهول النسب بسبب انتفاء الأدلة أو تساويها، أم كان بسبب الاشتراك في وطء الشبهة ونحوه. ب-حالات الاشتباه في المواليد في المستشفيات، ومراكز رعاية الأطفال ونحوها، وكذا الاشتباه في أطفال الأنابيب. ج- حالات ضياع الأطفال واختلاطهم، بسبب الحوادث أو الكوارث أو الحروب، وتعذر معرفة أهلهم، أو وجود جثث لم يمكن التعرف على هويتها، أو بقصد التحقق من هويات أسرى الحروب والمفقودين. سادسًا: لا يجوز بيع الجينوم البشري لجنس، أو لشعب، أو لفرد، لأي غرض، كما لا تجوز هبتها لأي جهة، لما يترتب على بيعها أو هبتها من مفاسد. سابعًا: يوصي المجمع بما يلي: أ- أن تمنع الدولة إجراء الفحص الخاص بالبصمة الوراثية إلا بطلب من القضاء؛ وأن يكون في مختبرات للجهات المختصة، وأن تمنع القطاع الخاص الهادف للربح من مزاولة هذا الفحص، لما يترتب على ذلك من المخاطر الكبرى. ب- تكوين لجنة خاصة بالبصمة الوراثية في كل دولة، يشترك فيها المتخصصون الشرعيون، والأطباء، والإداريون، وتكون مهمتها الإشراف على نتائج البصمة الوراثية، واعتماد نتائجها. ج- أن توضع آلية دقيقة لمنع الانتحال والغش، ومنع التلوث وكل ما يتعلق بالجهد البشري في حقل مختبرات البصمة الوراثية، حتى تكون النتائج مطابقة للواقع، وأن يتم التأكد من دقة المختبرات، وأن يكون عدد المورثات (الجينات المستعملة للفحص) بالقدر الذي يراه المختصون ضروريًّا دفعًا للشك. والله ولي التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد. محمد بن إبراهيم بن جبير، صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان، محمد رشيد راغب قباني، د.مصطفى سيربتش، د.نصر فريد واصل، د.الصديق محمد الأمين الضرير، محمد الحبيب بن الخوجه، محمد سالم بن عبد الودود، محمد بن عبد الله بن السبيل، د.رضا الله محمد ادريس المباركفوري، د.عبد الكريم زيدان، محمد تقي العثمان (بدون توقيع) ، د.وهبه مصطفى الزحيلي، د.يوسف بن عبد الله القرضاوي، د. عبدالستار فتح الله سعيد. الأمين العام للمجمع الفقهي : د.صالح بن زابن المرزوقي. نائب الرئيس : د.عبد الله بن عبد المحسن التركي. رئيس مجلس المجمع الفقهي الإسلامي: عبد العزيز بن عبد الله آل الشيخ.
——
الانتساب إلى القبيلة بالفحص الجيني
د . عارف الشيخ
في البداية يجب أن نعلم يقيناً بأن الادعاء في النسب لا يغير من الحقيقة شيئاً، والإسلام حذرنا من الزيف، فالقرآن الكريم قال: “ادعوهم لآبائهم” .
وفي الحديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: “من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام” (رواه البخاري ومسلم) .
وفي حديث آخر يقول عليه الصلاة والسلام: “كفى بالمرء تبرؤ من نسب وإن دق، وادعاء نسب لا يعرف” (رواه أحمد والطبراني) .
– نعم . . نحن لا نطعن في أنساب الناس، ولا نكذب أحداً، لكن إذا وجد مانع شرعي أو عقلي، فإن التصديق يكون مستحيلاً .
– لذلك فإن هيئة الفتوى في الكويت فرقت بين مدعي النسب والمقر به، وقالت بأن الأخذ بنتيجة الفحص الجيني في حال إثبات النسب حرام، سواء كانت النتيجة ثبتت بدلالة قطعية أم دلالة ظنية .
– وفي حالة نفي النسب فإذا كان قطعي الثبوت بإقرار المسلمين العدول أهل الاختصاص في فن فحص الجينات فإنه يعد مانعاً لثبوت النسب، وإذا كان ظني الدلالة فلا .
– أقول إن كثيرين اليوم يلجأون إلى الفحص الجيني لإثبات النسب أو نفيه، لكن ينبغي أن نفرق بين من يفعل ذلك لتصحيح انتمائه إلى القبيلة الفلانية، ومن يفعله لإثبات نسبه إلى أبيه القريب .
– فالأخير ممكن شرعاً وعقلاً، لأن المقارنة بين جينات حاضرة للعيان، وأما المقارنة بين جينات شخص يعيش اليوم بين أظهرنا، وجينات قيس عيلان مثلاً، فكيف يكون ذلك وبينهما آلاف السنين؟
– ولعلك تقول بأن الفاحص يقارن بين شخص حي وأحياء آخرين من أحفاد قيس عيلان، لأنهم امتداد له، وقد أخذوا منه الجينات الوراثية بالتعاقب .
– لكن من خلال الفحوص التي أجريت على فخوذ القبائل الشهيرة مثل تميم وشمر وقحطان وعدنان وربيعة وغيرها، وجد أن كثيراً من أفراد هذه القبائل لا يلتقون في جد واحد .
– والسبب أن دخلاء انتسبوا إليها، ومن ثم تغير مجرى الانتماء الصحيح، وهذا الخلط ليس حاصلاً في العرب فقط، بل حتى في الشعوب الأخرى، فلا تستغرب إذا قيل بأن فلاناً ليس عربياً، أو أن فلاناً ليس من القبيلة الفلانية أصلاً، لأن النسب شيء والانتساب شيء آخر .
– لذا فإن الذي يتحرى الصدق والأمانة والستر على الناس، لا يلجأ إلى الفحوص الجينية التي تخضع للأخطاء البشرية .
– فالفحص الجيني وإن كان دقيقاً من حيث المبدأ العلمي، إلا أن الجينات فصائل كما أن الدماء فصائل، والجينات الوراثية ثابتة في كل سلالة يورثها الأب إلى أحفاده .
– هذا إذا لم تختلط الأنساب من خلال دخول الدخلاء الموالي والمحسوبين، أو من خلال التلوث والعبث البشري أثناء الفحص المخبري .
– ومن هنا فإن كثيراً من الطوائف اليوم في الشرق والغرب والشمال والجنوب، تدور حولهم الشكوك، هل هم عرب أم بربر؟ أو هل هم أشراف، أم أنهم كذا وكذا؟ والسبب أنهم لم يبقوا على حقيقتهم، فالأفضل ألا تعود أنت إلى الحقيقة بالفحص الجيني الذي قد يكشف لك عن مفاجآت أنت في غنى عنها، وتكون المفاسد أكثر من المصالح، وأنت لا تستطيع إصلاح مفاسد آلاف السنوات بنتائج فحوص مختبرية ظنية الدلالة .
– إذاً القبيلة شيء، والحلف شيء، وكلاهما أقره العرب منذ الجاهلية وحتى الإسلام، شريطة أن تبقى القبيلة قبيلة والحلف حلفاً، وكل ينتسب إلى أبيه .
– ومما ذكره أهل الاختصاص أيضاً أن الفحص الجيني الذي يجري للكروموزوم “Y” هو في الذكور فقط، وينتقل من الأب إلى الأبناء،هع ولا يمكن إجراء هذا الفحص للإناث لعدم وجود “الواي” في الإناث .
– “فالواي” يأتي من مصدر واحد هو الجد إلى الأب إلى الأحفاد الذكور، بخلاف “الإكس” الذي يأتي من أربعة مصادر: من الجد والجدة والجد الآخر والجدة من ظ الأخرى، وهذا الذي جعل الفحص الجيني عن طريق الأنثى صعباً .
—-