2236 ‘ 2237 تحضير سنن أبي داود
مجموعة: أحمد بن علي وعدنان البلوشي وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وأسامة الحميري
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
بَابُ حَتَّى مَتَى يَكُونُ لَهَا الْخِيَارُ؟
2236 – حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ يَحْيَى الْحَرَّانِيُّ، حَدَّثَنِي مُحَمَّدٌ يَعْنِي ابْنَ سَلَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، وَعَنْ أَبَانَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ بَرِيرَةَ أُعْتِقَتْ وَهِيَ عِنْدَ مُغِيثٍ عَبْدٍ لِآلِ أَبِي أَحْمَدَ فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَقَالَ لَهَا: «إِنْ قَرِبَكِ فَلَا خِيَارَ لَكِ»
[حكم الألباني] : ضعيف
بَابٌ فِي الْمَمْلُوكَيْنِ يُعْتَقَانِ مَعًا هَلْ تُخَيَّرُ امْرَأَتُهُ؟
2237 – حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، وَنَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَوْهَبٍ، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تَعْتِقَ مَمْلُوكَيْنِ لَهَا زَوْجٌ، قَالَ: فَسَأَلَتِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَنْ ذَلِكَ، «فَأَمَرَهَا أَنْ تَبْدَأَ بِالرَّجُلِ، قَبْلَ الْمَرْأَةِ»، قَالَ نَصْرٌ: أَخْبَرَنِي أَبُو عَلِيٍّ الْحَنَفِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ
[حكم الألباني] : ضعيف
______
قال الطحاوي:
بَابُ بَيَانِ مُشْكِلِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْخِيَارِ الَّذِي جَعَلَهُ لِبَرِيرَةَ لَمَّا أُعْتِقَتْ هَلْ هُوَ كَخِيَارِهَا لَوْ خَيَّرَهَا زَوْجُهَا، أَوْ بِخِلَافِ ذَلِكَ؟
4381 – حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ عَبُّودٍ، حَدَّثَنَا مَرْوَانُ يَعْنِي الطَّاطَرِيَّ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، وَذَكَرَ آخَرَ قَبْلَهُ يَعْنِي ابْنَ لَهِيعَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ، أَنَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَدَّثُوهُ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: ” أَيُّمَا أَمَةٍ كَانَتْ تَحْتَ عَبْدٍ فَعُتِقَتْ، فَهِيَ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَطَأْهَا زَوْجُهَا “. هَكَذَا رَوَى مَرْوَانُ هَذَا الْحَدِيثَ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ وَاللَّيْثِ، وَاللَّفْظُ وَاحِدٌ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْهُمَا بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ
4382 – كَمَا حَدَّثَنَا يُونُسُ، أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: وَأَخْبَرَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ حَسَنٍ الضَّمْرِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَتَحَدَّثُونَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: ” إِذَا عَتَقَتِ الْأَمَةُ وَهِيَ تَحْتَ عَبْدٍ فَأَمْرُهَا بِيَدِهَا، فَإِنْ هِيَ أَقَرَّتْ حَتَّى يَطَأَهَا، فَهِيَ امْرَأَتُهُ لَا تَسْتَطِيعُ فِرَاقَهُ “.
4383 – وَحَدَّثَنَا يُونُسُ، أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ، وَأَخْبَرَنِيهِ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنِ الضَّمْرِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِثْلَهُ فَعَقَلْنَا بِذَلِكَ أَنَّ مَرْوَانَ جَاءَ بِهَذَا الْحَدِيثِ بِرِوَايَتِهِ إِيَّاهُ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، وَاللَّيْثِ كَمَا رَوَاهُ عَنْهُمَا، وَكَانَ فِي الْحَقِيقَةِ هَذَا اللَّفْظُ الَّذِي رَوَاهُ بِهِ إِنَّمَا هُوَ لَفْظُ ابْنِ لَهِيعَةَ، وَأَنَّ حَدِيثَ اللَّيْثِ يُخَالِفُهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْهُمَا
4384 – وَحَدَّثَنَا يُونُسُ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، أَنَّ عَائِشَةَ، زَوْجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، رضي الله عنها أَخْبَرَتْهُ: أَنَّ بَرِيرَةَ كَانَتْ تَحْتَ عَبْدٍ مَمْلُوكٍ، فَلَمَّا عَتَقَتْ، قَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ” أَنْتِ أَمْلَكُ بِنَفْسِكِ، إِنْ شِئْتِ أَقَمْتِ مَعَ زَوْجِكِ، وَإِنْ شِئْتِ فَارَقْتِيهِ مَا لَمْ يَمَسَّكِ ”
4385 – وَحَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَرْوَانَ الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْعَلَاءِ الْكَلَاعِيُّ أَبُو عَبْدِ اللهِ الشَّامِيُّ، حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ الدِّمَشْقِيُّ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِبَرِيرَةَ فِي حَدِيثِ عَتَاقِهَا وَتَخْيِيرِهِ صلى الله عليه وسلم إِيَّاهَا: ” إِنَّهُ إِنْ وَطِئَكِ فَلَا خِيَارَ لَكِ ”
4386 – حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يُونُسَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْطَاكِيُّ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ بِالْقَلَّاءِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، وَأَبَانَ بْنِ صَالِحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، وَهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، رضي الله عنها: أَنَّ بَرِيرَةَ أُعْتِقَتْ، فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَقَالَ لَهَا: ” إِنْ قَرَبَكِ فَلَا خِيَارَ لَكِ ”
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَكَانَ فِيمَا رُوِّينَاهُ أَنَّهُ يَقْطَعُهَا عَنِ اخْتِيَارِهَا نَفْسَهَا مِنْ زَوْجِهَا قُرْبُهُ إِيَّاهَا، وَذَلِكَ مِمَّا لَا يَكُونُ مِنْهُ إِلَيْهَا فِي الْمَجْلِسِ الَّذِي أَعْلَمَهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِذَلِكَ فِيهِ، فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّ الْخِيَارَ يَكُونُ لَهَا بَعْدَ قِيَامِهَا مِنْ مَجْلِسِهَا الَّذِي عَلِمَتْ فِيهِ بِوُجُوبِ الْخِيَارِ لَهَا حَتَّى يَكُونَ مِنْهَا مَا يَقْطَعُهَا عَنْ ذَلِكَ مِنْ تَخْلِيَةٍ مِنْهَا بَيْنَ زَوْجِهَا وَبَيْنَهَا أَنْ يَفْعَلَهُ بِهَا مِمَّا لَا يَصْلُحُ لَهُ أَنْ يَفْعَلَهُ بِهَا إِلَّا وَتَزْوِيجُهُ إِيَّاهَا قَائِمٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، كَمَا يَقُولُهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ فِي ذَلِكَ، لَا كَمَا يَقُولُهُ الْكُوفِيُّونَ فِيهِ مِنْ أَنَّ الْخِيَارَ إِنَّمَا يَجِبُ لَهَا فِي مَجْلِسِهَا الَّذِي تَعْلَمُ بِذَلِكَ فِيهِ مَا لَمْ تَقُمْ مِنْهُ، أَوْ تَأْخُذْ فِي عَمَلٍ آخَرَ، أَوْ فِي كَلَامٍ آخَرَ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي قُرْبِهِ لَهَا بِاخْتِيَارِهَا، كَانَ كَذَلِكَ تَمْكِينُهَا إِيَّاهُ مِنْ تَقْبِيلِهِ إِيَّاهَا وَمِمَّا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا لَا يَحِلُّ لَهُ مِنْهَا إِلَّا وَالتَّزْوِيجُ الَّذِي بَيْنَهُمَا قَائِمٌ كَمَا هُوَ، وَذَلِكَ مِنْهَا كَهِيَ لَوْ قَالَتْ بِلِسَانِهَا: قَدِ اخْتَرْتُ زَوْجِي، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنَ كَانَ إِلَيْهِ إِيقَاعُ طَلَاقٍ عَلَى وَاحِدَةٍ مِنْ زَوْجَتَيْهِ بِقَوْلِهِ لَهُمَا: إِحْدَاكُمَا طَالِقٌ أَنَّهُ يَقْطَعُهُ عَنْ ذَلِكَ قُرْبُهُ إِحْدَاهُمَا، وَأَنَّهُ يَكُونُ بِذَلِكَ مُخْتَارًا لَهَا بِقُرْبِهِ إِيَّاهَا، وَمِثْلُ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ لِأَمَتَيْهِ: إِحْدَاكُمَا حُرَّةٌ، فَيَكُونُ لَهُ الْخِيَارُ فِي إِيقَاعِ ذَلِكَ الْعَتَاقِ عَلَى أَيَّتِهِمَا شَاءَ، فَلَا يُوقِعُهُ حَتَّى يُجَامِعَ إِحْدَاهُمَا، وَهُوَ بِذَلِكَ الْجِمَاعِ مُخْتَارٌ لَهَا، كَقَوْلِهِ بِلِسَانِهِ: قَدِ اخْتَرْتُهَا، وَمِثْلُ ذَلِكَ الْأَمَةُ يَبْتَاعُهَا فَيُصِيبُ بِهَا عَيْبًا يُوجِبُ لَهُ بِهِ رَدَّهَا عَلَى بَائِعِهَا إِيَّاهُ، فَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ حَتَّى يَكُونَ مِنْهُ إِلَيْهَا مَا لَا يَحِلُّ لَهُ مِنْهَا إِلَّا بِمِلْكِهِ لَهَا، فَيَكُونُ ذَلِكَ قَاطِعًا لَهُ عَنْ رَدِّهَا بِذَلِكَ الْعَيْبِ عَلَى بَائِعِهَا إِيَّاهُ، وَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْهُ كَقَوْلِهِ بِلِسَانِهِ: قَدْ رَضِيتُهَا بِعَيْبِهَا. وَمِمَّا يُؤَكِّدُ هَذَا الْقَوْلَ أَيْضًا مَا قَدْ رُوِّينَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنَّا فِي هَذِهِ الْأَبْوَابِ فِيمَا كَانَ فِي بَرِيرَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا لَمَّا خُيِّرَتْ كَانَ يَرَى زَوْجَهَا يَتْبَعُهَا فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ وَدُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلَى لِحْيَتِهِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهَا قَدْ كَانَتْ هِيَ أَيْضًا تَتَصَرَّفُ فِي أَسْبَابِ نَفْسِهَا، وَلَا يَقْطَعُهَا ذَلِكَ عَنِ اسْتِعْمَالِ الْخِيَارِ الَّذِي لَهَا فِي نَفْسِهَا لَوِ اسْتَعْمَلَتْهُ، وَمِمَّا يُؤَكِّدُ ذَلِكَ أَيْضًا كَلَامُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِيَّاهَا بَعْدَ أَنْ أَعْلَمَهَا وُجُوبَ الْخِيَارِ لَهَا فِي زَوْجِهَا: وَقَوْلُهُ: ” زَوْجُكِ وَأَبُو وَلَدِكِ ” فَقَالَتْ لَهُ جَوَابًا عَنْ ذَلِكَ مَا قَالَتْ، وَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا، وَلَمْ يَرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَا كَانَ مِنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ قَاطِعًا لَهَا مِنْ تَتَبُّعِ زَوْجِهَا إِيَّاهَا وَهِيَ فِي ذَلِكَ مُتَنَقِّلَةٌ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ مَعَ وُقُوفِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَلَى ذَلِكَ مِنْهَا، وَإِمْضَائِهِ بَعْدَ ذَلِكَ خِيَارَهَا لِنَفْسِهَا، وَقَدْ جَاءَ عَنْ مَنْ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي ذَلِكَ مَا يُؤَكِّدُ هَذَا الْمَعْنَى.
كَمَا قَدْ حَدَّثَنَا يُونُسُ، أَنْبَأَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَنَّ مَالِكًا حَدَّثَهُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ مَوْلَاةً لِبَنِي عَدِيٍّ يُقَالُ لَهَا: زَبْرَاءُ أَخْبَرَتْهُ: أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ عَبْدٍ وَهِيَ أَمَةٌ يَوْمَئِذٍ، فَأُعْتِقَتْ، قَالَتْ: فَأَرْسَلَتْ إِلَيَّ حَفْصَةُ زَوْجُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَدَعَتْنِي، فَقَالَتْ: ” إِنِّي مُخْبِرَتُكِ خَبَرًا، وَلَا أُحِبُّ أَنْ تَصْنَعِي شَيْئًا، إِنَّ أَمْرَكِ بِيَدِكِ مَا لَمْ يَمَسَّكِ زَوْجُكِ ” قَالَتْ: فَفَارَقْتُهُ ثَلَاثًا
وَحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، أَنْبَأَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ: وَأَنْبَأَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: ” إِذَا كَانَتِ الْأَمَةُ تَحْتَ عَبْدٍ فَأَصَابَتْهَا عَتَاقَةٌ فَإِنَّهَا تُخَيَّرُ مَا لَمْ يَمَسَّهَا، إِنْ شَاءَتْ كَانَتِ امْرَأَتَهُ، وَإِنْ شَاءَتْ فَارَقَتْهُ، فَإِنْ قَرُبَ حَتَّى يُجَامِعَهَا لَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تُنْتَزَعَ مِنْهُ ”
وَكَمَا حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا نُعَيْمٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، قَالَ: أَنْبَأَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: ” إِنْ أَصَابَهَا الْعَبْدُ قَبْلَ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ لَهَا الْخِيَارَ، فَلَهَا الْخِيَارُ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَصَابَهَا مُبَادَرَةً، قَالَ: بِئْسَمَا صَنَعَ ” قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَفِي قَوْلِهِ: إِنْ أَصَابَهَا قَبْلَ أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ لَهَا الْخِيَارَ مَا قَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَصَابَهَا وَهِيَ تَعْلَمُ لَمْ يَكُنْ لَهَا خِيَارٌ، وَاللهُ أَعْلَمُ.
[شرح مشكل الآثار 11/ 198]
قال ابن قدامة:
1184 – مسألة؛ قال: (فَإِنْ أُعْتِقَ قَبْلَ أَنْ تَخْتَارَ، أَوْ وَطِئَهَا، بَطَلَ خِيَارُهَا، عَلِمَتْ أَنَّ الْخِيَارَ لَهَا أَوْ لَمْ تَعْلَمْ)
وجملةُ ذلك أَنَّ خِيَارَ المُعْتَقَةِ على التَّرَاخِى، ما لم يُوجَدْ أحَدُ هذينِ الأَمْرينِ؛ عِتْقِ زَوْجِها، أوْ وَطْئِه لها، ولا يُمْنَعُ الزَّوْجُ من وَطْئِها. وممَّن قال إنَّه على التَّراخِى؛ مالكٌ، والأَوْزَاعىُّ. ورُوِىَ ذلك عن عبدِ اللَّه بن عمرَ، وأُخْتِه حَفْصةَ. وبه قال سليمانُ بن يسارٍ، ونافعٌ، والزُّهْرِىُّ، وقَتادةُ. وحكاه بعضُ أهلِ العلمِ عن الفُقَهاء السَّبْعةِ. وقال أبو حنيفةَ، وسائرُ العِرَاقِيِّينَ: لها الخِيارُ فى مَجْلِسِ العِلْمِ. وللشافعىِّ ثلاثةُ أقوالٍ؛ أظْهَرُها كقَوْلِنا. والثانى، أنَّه على الفَوْرِ، كخِيارِ الشُّفْعةِ. والثالث، أنَّه (1) إلى ثَلاثةِ أيامٍ. ولَنا، ما رَوَى الإِمامُ أحمدُ، فى “المُسْنَدِ” (2)، بإسْنادِه عن الحسنِ بن عمروِ بن أُمَيَّةَ، قال: سَمِعْتُ رِجالًا يتَحَدَّثُونَ عن النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم، أنَّه قال: “إِذَا عَتَقَتِ الْأَمَةُ، فَهِىَ بالْخِيَارِ، مَا لَمْ يَطَأْهَا، إنْ شَاءَتْ فَارَقَتْهُ، وإِنْ وَطِئَها فَلَا خِيَارَ لَهَا”. رَوَاه الأَثْرَمُ أيضًا. ورَوَى أبو داودَ (3)، أنَّ بَرِيرَةَ عَتَقَتْ وهى عندَ مُغِيثٍ، عبدٍ لآل أبى أحمدَ، فخَيَّرها النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم، فقال لها: “إِنْ قَرَبَكِ فَلَا خِيَارَ لَكِ”. ولأنَّه قولُ مَنْ سَمَّيْنا من الصحابةِ، ولا مُخالِفَ لهم فى عَصْرِهِم. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: لا أعْلَمُ لِابْنِ عمرَ وحَفْصةَ مُخالِفًا من الصحابةِ. ولأنَّ الحاجةَ داعِيةٌ إلى ذلك، فثَبَتَ، كخِيارِ القِصَاصِ، أو خِيَارٍ لدَفْعِ ضَرَرٍ مُتَحَقِّقٍ، فأشْبَهَ ما قُلْناه. إذا ثَبَتَ هذا، فمتى عَتَقَ قبلَ أن تَخْتارَ، سَقَطَ خِيارُها؛ لأنَّ الخِيَارَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ بالرِّقِّ، وقد زال بعِتْقِه، فسَقَطَ، كالمَبِيعِ إذا زال عَيْبُه. وهذا أحدُ قَوْلَىِ الشافعىِّ. وإن وَطِئَها بَطَلَ خِيارُها، عَلِمَتْ بالخِيارِ أو لم تَعْلَمْ. [نَصَّ عليه أحمدُ. وهو قولُ مَن سَمَّيْنا فى صَدْرِ المسألةِ. وذكَر القاضى وأصحابُه: أَنَّ لها الخِيارَ وإن أُصِيبَتْ، ما لم تَعْلَمْ] (4)، فإن أصَابَها بعدَ عِلْمِها، فلا خِيارَ لها. وهذا قولُ عطاءٍ، والحَكَمِ، وحَمَّادٍ، والثَّوْرىِّ، والأَوْزَاعىِّ، والشافعىِّ، وإسْحاقَ؛ لأنَّها إذا أمْكَنَتْ من وَطْئِها قبلَ عِلْمِها، فلم يُوجَدْ منها ما يَدُلُّ على الرِّضَى، فهو كما لو لم تُصَبْ. ولَنا، ما تقدَّم من الحديث. وروَى مالكٌ (5)، عن ابن شِهَابٍ، عن عُرْوةَ، أن مَوْلاةً لبَنِى عَدِىٍّ، يُقال لها: زَبْراءُ، أخْبَرَتْه أنَّها كانت تحتَ عبدٍ، فعَتَقَتْ، قالت: فأَرْسَلَتْ إلىَّ حَفْصةُ، فدَعَتْنِى، فقالت: إنَّ أَمْرَكِ بيَدِكِ ما لم يَمَسَّكِ زَوْجُكِ، فإن مَسَّكِ، فليس لك من الأمرِ شىءٌ. فقلتُ: هو الطَّلاقُ، ثم الطَّلاقُ [ثم الطَّلاقُ] (6). ففارَقَتْه ثَلاثًا. وقال مالكٌ (7)، عن نافعٍ، عن ابن عمرَ: إنَّ لها الخِيارَ ما لم يَمَسَّها. ولأنَّه خِيارُ عَيْبٍ، فيَسْقُطُ (8) بالتَّصَرُّفِ فيه مع الجَهالةِ، كخِيَارِ الرَّدِّ بالعَيْبِ. ولا تَفْرِيعَ على هذا القولِ، فأمَّا على القولِ (9) الآخَر، فإذا وَطِئَها، وادَّعَتِ الجَهالةَ بالعِتْقِ، وهى ممَّن يجوزُ خَفاءُ ذلك عليها، مثل أن يَعْتِقَها سَيِّدُها فى بَلَدٍ آخرَ، فالقولُ قولُها مع يَمِينِها؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ ذلك. وإن كانت ممَّن لا يَخْفَى ذلك عليها، لكَوْنِهما (10) فى بلدٍ واحدٍ، وقد اشْتَهَرَ ذلك، لم يُقْبَلْ قولُها؛ لأنَّه خِلافُ الظاهرِ. وإن عَلِمَتِ العِتْقَ، وادَّعَتِ الجهالةَ بثُبُوتِ الخِيارِ، فالقولُ قولُها؛ لأنَّ ذلك لا يَعْلَمُه إلَّا خَوَاصُّ الناسِ، فالظَّاهِرُ (11) صِدْقُها فيه. وللشافعىِّ فى قَبُولِ قَوْلِها فى ذلك قَوْلان.
فصل: فإن عَتَقَ العَبْدُ والأَمَةُ دَفْعةً واحدةً، فلا خِيارَ لها، والنكاحُ بحالِه، سواءٌ أعْتَقَهُما (12) رَجُلٌ واحدٌ أو رَجُلانِ. نَصَّ عليه أحمدُ. وعنه: لها الخِيارُ. والأَوَّلُ أَوْلَى؛ لأنَّ الحُرِّيَّةَ الطارِئةَ بعدَ عِتْقِها تَمْنَعُ الفَسْخَ، فالمُقارِنةُ أَوْلَى، كإسْلامِ الزَّوْجَيْنِ. وعن أحمدَ: إن (13) عَتَقَا معا انْفَسخَ النِّكاحُ. ومَعْناه -واللَّه أعلم- أنَّه إذا وَهَبَ لعَبْدِه (14) سُرِّيَّةً، وأَذِنَ له فى التَّسَرِّى بها، ثم أعْتَقَهُما جميعا، صارا حُرَّيْنِ، وخَرَجَتْ عن مِلْكِ العَبْدِ، فلم يَكُنْ له إصابَتُها إلَّا بنِكاحٍ جَديدٍ. هكذا رَوَى جماعةٌ من أصحابِه، فى مَن وَهَبَ لعَبْدِه سُرِّيَّةً، أو اشْتَرَى له سُرِّيَّةً، ثم أعْتَقَهُما (15)، لا يَقْرَبُها إلَّا بنكاحٍ جديدٍ. واحتجَّ أحمدُ على ذلك، بما رَوَى نافعٌ، عن ابن عمرَ، أَنَّ عبدًا له كان له سُرِّيَّتانِ، فأعْتَقَهُما وأعْتَقَه (16)، فنَهاه أن يَقْرَبَهُما إلَّا بنكاحٍ جديدٍ (17). ولأنَّها بإعْتاقِها خَرَجَتْ عن أن تكونَ مملوكةً، فلم يُبَحْ له (18) التَّسَرِّى بها، كالحُرَّةِ الأصْلِيَّةِ. وأمَّا إذا كانت امرأتَه، فعَتَقَا، لم يَنْفَسِخْ نِكاحُه بذلك؛ لأنَّه إذا لم يَنْفَسِخْ بإعْتاقِها وحْدها. فلأَنْ لا يَنْفَسِخَ بإعْتاقِهِما معا أَوْلَى. ويَحْتَمِلُ أَنَّ أحمدَ إنَّما أراد بقولِه: انْفَسَخَ نِكاحُهما (19). أَنَّ لها فَسْخَ (20) النِّكاحِ. وهذا تخريجٌ على الرِّواية التى تقولُ بأنَّ لها الفَسْخَ إذا كان زَوْجُها حُرًّا [قبلَ العِتْقِ] (21).
فصل: ويُسْتَحَبُّ لمَنْ له عَبْدٌ وأمَةٌ متَزوِّجان، فأراد عِتْقَهُما، البدايةُ بالرَّجُلِ؛ لئلَّا يَثْبُتَ للمرأةِ خِيارٌ عليه فيُفْسَخَ (22) نِكاحُه. وقد رَوَى أبو داودَ (23)، والأثْرَمُ، بإسْنادِهما عن عائشةَ، أنَّه كان لها غُلامٌ وجارِيةٌ، فتَزَوَّجا، فقالت للنَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم: إنِّى أُرِيدُ أن أعْتِقَهُما. فقال لها: “فَابْدئِى بالرَّجُلِ قَبْلَ الْمَرْأَةِ”. وعن صَفِيّةَ بنت أبى عُبَيْدٍ، أنَّها فَعَلَتْ ذلك، وقالت للرجلِ: إنِّى (24) بَدَأْتُ بعَتْقِكَ لئلَّا يكونَ لها عليكَ خِيارٌ (25)….
[المغني لابن قدامة 10/ 71]
قال ابن القيم:
فصل
في حكمه صلى الله عليه وسلم بثبوت الخيار للمعتقة تحت العبد
ثبت في «الصَّحيحين» و «السُّنن»: أنَّ بريرةَ كاتبت أهلَها، وجاءت تسأل النبيَّ صلى الله عليه وسلم في كتابتها، فقالت عائشة: إن أحبَّ أهلك أن أعدَّها لهم ويكون ولاؤك لي فعلتُ، فذكرَتْ ذلك لأهلها فأبوا إلا أن يكون لهم الولاء، فقال النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم لعائشة: «اشتريها واشترطي لهم الولاء، فإنَّما الولاء لمن أعتق»، ثمَّ خطَبَ النَّاسَ وقال: «ما بال أقوامٍ يشترطون شروطًا ليست في كتاب اللَّه، مَن اشترط شرطًا ليس في كتاب الله فهو باطلٌ، وإن كان مائة شرطٍ، قضاءُ الله أحقُّ، وشَرْط الله أوثق، وإنَّما الولاء لمن أعتق». ثمَّ خيَّرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أن تبقى على نكاح زوجها وبين أن تفسخه، فاختارت نفسَها، فقال لها: «إنَّه زوجكِ وأبو وَلدِكِ»، فقالت: يا رسول الله تأمرني بذلك؟ قال: «لا إنَّما أنا شافعٌ»، قالت: فلا حاجة لي فيه، وقال لها إذ خيَّرها: «إن قربك فلا خيار لك»، وأمرها أن تعتدَّ، وتُصُدِّق عليها بلحمٍ، فأكل منه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم وقال: «هو عليها صدقةٌ ولنا هديَّةٌ».
وكان في قصَّة بريرة من الفقه: جواز مُكاتبة المرأة، وجواز بيع المُكاتَب وإن لم يُعَجِّزه سيِّده، وهذا مذهب أحمد المشهور عنه، وعليه أكثر نصوصه. وقال في رواية أبي طالب: لا يطأ مكاتبته، ألا ترى أنَّه لا يقدر أن يبيعها. وبهذا قال مالك وأبو حنيفة والشَّافعيُّ.
والنَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أقرَّ عائشةَ على شرائها، وأهلَها على بيعها، ولم يسأل: أعجَزَتْ أم لا، ومجيئها تستعينُ في كتابتها لا يستلزم عجزَها، وليس في بيع المكاتب محذورٌ، فإنَّ بيعَه لا يبطلُ كتابتَه، فإنَّه يبقى عند المشتري كما كان عند البائع، إن أدَّى إليه عَتَق، وإن عَجَز عن الأداء فله أن يعيده إلى الرِّقِّ كما كان عند بائعه، فلو لم تأتِ السُّنَّة بجواز بيعه، لكان القياس يقتضيه.
وقد ادَّعى غيرُ واحدٍ الإجماعَ القديمَ على جواز بيع المكاتب. قالوا:
لأنَّ قصَّة بريرة وردت بنقل الكافَّة، ولم يبق بالمدينة مَن لم يعرف ذلك؛ لأنَّها صفقةٌ جرَتْ بين أمِّ المؤمنين وبين بعض الصَّحابة، وهم موالي بريرة، ثمَّ خطب رسولُ الله صلى الله عليه وسلم النَّاسَ في أمر بيعها خُطبةً في غير وقت الخطبة، ولا يكون شيءٌ أشهر من هذا، ثمَّ كان مِن مَشْي زوجها خلفها باكيًا في أزقَّة المدينة ما زاد الأمرَ شهرةً عند النِّساء والصِّبيان، قالوا: فظهر يقينًا أنَّه إجماعٌ من الصَّحابة، إذ لا يظنُّ بصاحبٍ أنَّه يخالف مِن سنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل هذا الأمر الظَّاهر المستفيض. قالوا: ولا يمكن أن توجِدونا عن أحدٍ من الصَّحابة المنعَ مِن بيع المكاتَب إلا روايةً شاذَّةً عن ابن عبَّاسٍ لا يعرف لها إسنادٌ.
واعتذر مَن منع بيعه بعذرين:
أحدهما: أنَّ بريرةَ كانت قد عجَزَت، وهذا عذر أصحاب الشَّافعيِّ.
والثَّاني: أنَّ البيع ورد على مال الكتابة لا على رقبتها، وهذا عذر أصحاب مالك.
وهذان العذران أحوج إلى أن يُعْتَذر عنهما من الحديث، ولا يصحُّ واحدٌ منهما،……
وقالت طائفةٌ: إنَّما أذن لها في الاشتراط ليكون وسيلةً إلى ظهور بطلان هذا الشَّرط، وعِلْم الخاصِّ والعامِّ به، وتقرُّر حكمه صلى الله عليه وسلم، وكان القوم قد علموا حكمه في ذلك، فلم يقنعوا دون أن يكون الولاء لهم، فعاقبهم بأن أذن لعائشة في الاشتراط، ثمَّ خطبَ النَّاسَ فأذَّن فيهم ببطلان هذا الشَّرط، وتضمَّن حكمًا مهمًّا من أحكام الشَّريعة، وهو أنَّ الشَّرط الباطل إذا شُرِط في العقد لم يجز الوفاء به، ولولا الإذن في الاشتراط لما عُلِم ذلك، فإنَّ الحديث تضمَّن فساد هذا الحكم، وهو كون الولاء لغير المعتِق.
وأمَّا بطلانه إذا شُرِط، فإنَّما اسْتُفيد من تصريح النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ببطلانه بعد اشتراطه، ولعلَّ القوم اعتقدوا أنَّ اشتراطه يفيدُ الوفاءَ به، وإن كان خلاف مقتضى العقد المطلق، فأبطله النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم وإن شُرِط كما أبطله بدون الشَّرط.
فإن قيل: فإذا فات مقصودُ المشترط ببطلان الشَّرط، فإنَّه إمَّا أن يُسَلَّط على الفسخ، أو يُعطَى مِن الأرش بقدر ما فات من غرضه، والنَّبيُّ صلى الله عليه وسلم لم يقض بواحدٍ من الأمرين.
قيل: هذا إنَّما يثبت إذا كان المشترط جاهلًا بفساد الشَّرط. فأمَّا إذا علم بطلانه ومخالفته لحكم الله، كان عاصيًا آثمًا بإقدامه على اشتراطه، فلا فسخ له ولا أَرْش، وهذا أظهر الأمرين في موالي بريرة، والله أعلم.
[زاد المعاد ط عطاءات العلم 5/ 224]
قال ابن حجر:
وفيه ثبوت الخيار للأمة إذا عتقت على التفصيل المتقدم وأن خيارها يكون على الفور لقوله في بعض طرقه إنها عتقت فدعاها فخيرها فاختارت نفسها وللعلماء في ذلك أقوال:
أحدها وهو قول الشافعي أنه على الفور، وعنه يمتد خيارها ثلاثا، وقيل: بقيامها من مجلس الحاكم، وقيل: من مجلسها، وهما عن أهل الرأي، وقيل: يمتد أبدا وهو قول مالك، والأوزاعي، وأحمد وأحد أقوال الشافعي، واتفقوا على أنه إن مكنته من وطئها سقط خيارها، وتمسك من قال به بما جاء في بعض طرقه وهو عند أبي داود من طريق ابن إسحاق بأسانيد عن عائشة أن بريرة أعتقت فذكر الحديث وفي آخره إن قربك فلا خيار لك وروى مالك بسند صحيح عن حفصة أنها أفتت بذلك، وأخرج سعيد بن منصور، عن ابن عمر مثله، قال ابن عبد البر: لا أعلم لهما مخالفا من الصحابة، وقال به جمع من التابعين منهم الفقهاء السبعة، واختلف فيما لو وطئها قبل علمها بأن لها الخيار هل يسقط أو لا؟ على قولين للعلماء أصحهما عند الحنابلة لا فرق، وعند الشافعية تعذر بالجهل، وفي رواية الدارقطني: إن وطئك فلا خيار لك، ويؤخذ من هذه الزيادة أن المرأة إذا وجدت بزوجها عيبا ثم مكنته من الوطء بطل خيارها.
وفيه أن الخيار فسخ لا يملك الزوج فيه رجعة، وتمسك من قال له الرجعة بقول النبي صلى الله عليه وسلم لو راجعته ولا حجة فيه وإلا لما كان لها اختيار فتعين حمل المراجعة في الحديث على معناها اللغوي والمراد رجوعها إلى عصمته، ومنه قوله تعالى {فلا جناح عليهما أن يتراجعا} مع أنها في المطلق ثلاثا…. وطول ابن حجر في ذكر فوائد قصة بريرة
[فتح الباري لابن حجر 9/ 413 ط السلفية]
قال الإتيوبي:
(المسألة الأولى): في فوائده، وليس المراد فوائد هذا السياق فحسبُ، بل ما اشتمل عليه قصّة بريرة – رضي اللَّه تعالى عنها -، بجميع رواياته المختلفة، سواء كان عند المصنّف، أو في “الصحيحين”، أو في غيرهما، كما أشرنا إلى معظمها في الشرح جمعناها في محلّ واحدٍ حتّى تتكامل الاستفادة:
1 – (منها): ما ترجم له المصنّف -رحمه اللَّه تعالى-، وهو بيان مشروعيّة الخيار للأمة، إذا أُعتقت، وسيأتي بيان اختلاف المذاهب، وأدلّتها، وترجيح الراجح منها في المسألة التالية، إن شاء اللَّه تعالى.
2 – (ومنها): جواز المكاتبة بالسنّة، تقريرًا لحكم الكتاب.
ثم طول في الفوائد فكان آخرها
143 – (ومنها): ما قيل: إنه لا يجب السؤال عن أصل المال الواصل إليه، إذا لم يظنّ تحريمه، أو تظهر فيه شبهة، إذ لم يسأل صلى الله عليه وسلم عمن تصدّق على بريرة، ولا عن حاله.
وتُعُقّب بأنه صلى الله عليه وسلم هو الذي أرسل إلى بريرة بالصدقة، فلم يتمّ هذا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانية): في اختلاف أهل العلم في خيار الأمة إذا أُعتقت:
… قال الجامع – عفا اللَّه تعالى عنه -: قد تبيّن بما ذُكر من الأدلّة أن الأرجح القول الأول، وهو أن خيار الأمة إذا أُعتقت إنما هو إذا كانت تحت عبد، لا تحت حرّ. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم هل الخيار فسخٌ، أم طلاقٌ؟:
قال ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى-: وفرقة الخيار فسخٌ، لا ينقص بها عدد الطلاق. نصّ عليه أحمد، ولا أعلم فيه خلافًا. قيل لأحمد: لم لا يكون طلاقًا؟ قال: لأن الطلاق ما تَكلّم به الرجل؛ ولأن الفرقة لاختيار المرأة، فكانت فسخًا، كالفسخ لعُنّته، أو عَتَهِهِ انتهى.
قال الجامع – عفا اللَّه تعالى عنه -: قوله: ولا أعلم فيه خلافًا. فيه نظر، فإن الخلاف ثابت، قال في “الفتح”: واختُلف في التي تختار الفراق، هل يكون ذلك طلاقًا، أو فسخًا؟، فقال مالكٌ، والأوزاعيّ، والليث: تكون طلقة بائنة، وثبت مثله عن الحسن، وابن سيرين. أخرجه ابن أبي شيبة. وقال الباقون: يكون فسخًا، لا طلاقًا انتهى.
قال الجامع – عفا اللَّه تعالى عنه -: الذي يظهر لي أن الأرجح القول بأنه فسخٌ؛ لظهور معنى الفسخ فيه أكثر من ظهور معنى الطلاق، حيث إنه ليس فيه كلام للزوج، وأنه من قبل المرأة، فيترجّح كونه فسخًا. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم في وقت خيار الأمة:
قال ابن قُدامة -رحمه اللَّه تعالى-: خيار المعتقة على التراخي، ما لو يوجد أحد أمرين: عتق زوجها، أو وطؤه لها، وممن قال: إنه على التراخي مالكٌ، والأوزاعيّ، وروي ذلك عن عبد اللَّه بن عمر، وأخته حفصة، وبه قال سليمان بن يسار، ونافعٌ، والزهريّ، وقتادة، وحكاه بعض أهل العلم عن الفقهاء السبعة.
وقال أبو حنيفة، وسائر العراقيين: لها الخيار في مجلس العلم. وللشافعيّ ثلاثة أقوال: أظهرها كقولنا. والثاني: أنه على الفور، كخيار الشفعة. والثالث أنه إلى ثلاثة أيام.
ولنا ما روى الإمام أحمد في “المسند” بإسناده عن الحسن بن عمرو بن أميّة، قال: سمعت رجالاً يتحدَّثون عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: “إذا أُعتقت الأمة، فهي بالخيار، ما لم يطأها، إن شاءت فارقته، وإن وطئها فلا خيار لها”. ورواه الأثرم أيضًا. وروى أبو داود أن بريرة عتقت، وهي عند مغيث، عبد لآل أحمد، فخيّرها النبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال لها: “إن قربك فلا خيار لك”. ولأنه قول من سمّينا من الصحابة، ولا مخالف لهم في عصرهم. قال ابن عبد البرّ: لا أعلم لابن عمر، وحفصة مخالفًا من الصحابة. ولأن الحاجة داعية إلى ذلك فثبت، كخيار القصاص، أو خيارٍ لدفع ضرر متحقّق، فأشبه ما قلناه. انتهى.
قال الجامع – عفا اللَّه تعالى عنه -: عندي أن ما ذهب إليه الإمام أحمد، ومن معه من أن تخيير الأمة على التراخي أرجح؛ لإطلاق تخيير الشارع لها، دون أن يقيّده بوقت دون وقت. واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
[ذخيرة العقبى في شرح المجتبى 29/ 9]