18- فتح رب البرية في شرح القواعد الفقهية والأصولية
أحمد بن علي وأسامة وناصر الريسي
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
القواعد الفقهية
رقم القاعدة: 18
نص القاعدة: الجَوَابِرُ مَشْرُوعَةٌ لِجَلْبِ مَا فَاتَ مِنَ المَصَالِحِ, وَالزَّوَاجِرُ مَشْرُوعَةٌ لِدَرْءِ المَفَاسِدِ.
صيغ أخرى للقاعدة:
1 – الجوابر مشروعة لاستدراك المصالح الفائتة, والزواجر مشروعة لدرء المفاسد المتوقعة
قواعد ذات علاقة:
1 – الحدود زواجر وجوابر. أخص
2 – النقيصة لا تجبر بفضيلة. مقابلة [ف 719]
3 – الهيآت لا تجبر. أخص [ف 6901]
4 – الجابر بقدر الفائت. متفرعة [ف 943]
شرح القاعدة:
الجوابر: الجَبْرُ: خِلافُ الكسرِ, وجَبَرَ العَظْمَ والفَقيرَ جَبْراً: أحْسَنَ إليه أو أغْناهُ بعدَ فَقْرٍ , والجبر في الحساب: إلحاق شيء به إصلاحاً لما يراد إصلاحه.
والمراد بالجوابر في القاعدة: المكملات أو المتممات أو البدائل التي يمكن أن تُجبر بها الأعمال الفائتة من العبد؛ وذلك استدراكاً لما لم يدرك من الخير. كالطهارة بالتراب جبراً للطهارة بالماء, وجبر النقص أو الزيادة في سنن الصلاة بسجود السهو, وغيرها.
والزواجر: الزجر: المنع والنهي والانتهار.
والمراد ب
الزواجر في القاعدة: الأحكام التي شُرِعت بقصد الردع والزجر عن اقتراف المحرمات, ودرء المفاسد المؤدية إلى ضياع الحقوق وشيوع الهرج والتقاتل, وكذلك الحفاظ على المقاصد التي شُرِعت لأجلها الأحكام. كالقصاص شُرِع لحفظ النفوس وزجر الجناة وغيرهم.
ومعنى القاعدة: أن “الغرض من الجوابر جبرُ واستدراك ما فات من مصالح حقوق الله وحقوق عباده, كما أن الزواجر مشروعة لدرء المفاسد المتوقعة, ولا يشترط في الجوابر أن يكون من وجب عليه الجبر آثماً, ولذلك شرع الجبر مع الخطأ والعمد, والجهل والعلم, والذكر والنسيان, وعلى المجانين والصبيان, بخلاف الزواجر, فإن معظمها لا يجب إلا على عاصٍ زجراً له عن المعصية.
أمثلة :
– جبر ما فات بالسهو من ترتيب الصلاة والكفِّ عن الأفعال المفسدة بالسجود.
– جبر ما بين السِّنَّين من التفاوت في الزكاة بشاتين أو عشرين درهماً. وهذا جَبْرٌ خارجٌ عن قياس الجبر بالقِيَم.
– جبر الصوم في حق الشيخ الكبير بمد من الطعام, وكذلك جبر تأخير قضاء صوم رمضان إلى رمضان آخر عن كل يوم بمدٍّ من طعام. ومنها: جبر نَقْص التمتع والقران بالدم ثم بالصيام.
قال القرافي:
وقد اختلف العلماء في بعض الكفارات هل هي زواجر لما فيها من مشاق تحمل الأموال وغيرها أو هي جوابر لأنها عبادات لا تصلح إلا بالنيات وليس التقرب إلى الله سبحانه وتعالى زجرا بخلاف الحدود والتعزيرات فإنها ليست قربات إذ ليست فعلا للمزجورين بل تفعلها الأئمة فيهم ثم الجوابر تقع مع العبادات والنفوس والأعضاء ومنافع الأعضاء والجراح والأموال والمنافع فجوابر العبادات كالتيمم مع الوضوء وسجود السهو مع السنن وجهة السفر في الصلاة والنافلة مع الكعبة وجهة العدو في الخوف مع الكعبة وصلاة الجماعة لمن صلى وحده وأحد النقدين مع دون السن الواجب في الزكاة أو زيادة السن في ابن اللبون مع وصف أنوثة بنت مخاض والإطعام لمن أخر القضاء ولم يصم للعجز والصيام والإطعام والنسك في حق من ارتكب محظورا من محظورات الحج أو الدم كترك الميقاة أو التلبية أو شيء من واجبات الحج ما عدا الأركان أو جبرا لما فات من السفر أو العمل في التمتع والقران وجبر الدم ثلاثة أيام في الحج وسبعة في غيره وجبر الصيد في الحرم والإحرام بالمثل أو الطعام أو الصيام والصيد المملوك بذلك لحق الله تعالى وبقيمته لحق المالك وهو متلف واحد جبر ببدلين فهو نادر ولم يشرع كشجر الحرم الجائز خلافا للشافعية واعلم أن الصلاة لا تجبر إلا بعمل بدني ولا تجبر الأموال إلا بالمال وتجبر العمرة والحج والصيد بالبدني والمالي معا ومفترقين والصوم يجبر بالبدني بالقضاء وبمال في الإطعام وأما جوابر المال فالأصل أن يؤتى بغير المال مع الإمكان فإن أتى به كامل الذات والصفات برئ من عهدته أو ناقص الأوصاف جبر بالقيمة لأن الأوصاف ليست مثلية أو ناقص القيمة لم يضمن في بعض المواطن لأن الفائت رغبات الناس وهي غير متقومة في الشرع ولا قائمة بالعين وتجبر الأموال المثلية بأمثالها لأن المثل أقرب إلى رد العين الذي هو الأصل من القيمة
[الذخيرة للقرافي 3/ 302]
سيأتي شرح الكلام في آخر المبحث
وتنقسم الزواجر قسمين: “أحدهما: ما هو زاجر عن الإصرار على ذنب حاضر, أو مفسدة ملابسة لا إثم على فاعلها, وهو ما قُصِد به دفع المفسدة الموجودة, ويسقط باندفاعها.
الثاني: ما يقع زاجراً عن مثل ذنب ماض متصرِّم, أو عن مثل مفسدة ماضية متصرِّمة؛ ولا يسقط إلا بالاستيفاء وهو ضربان:
أحدهما: ما يجب إعلام مستحقه به ليُبرئ منه أو يستوفيه: وذلك كالقصاص في النفوس والأطراف, وكحد القذف؛ فإنه يلزم من وجب عليه أن يُعَرِّف مستحقه به ليستوفيه أو يعفو عنه.
الضرب الثاني: ما الأَوْلى بالمتسبِّبِ إليه سترُه, كحد الزنا والخمر والسرقة.
والجرائم المزجور عنها ضربان:
أحدهما: ما يجب زاجرها على مرتكبها: كالكفارات الزاجرة عن إفساد الصوم وإفساد الحج وإفساد الاعتكاف والطهارة.
الضرب الثاني: ما يجب زاجرها على فاعلها. وهو ثلاثة أضرب:
أحدها: ما يجب على الأئمة استيفاؤه إذا ثبت عندهم بالحجج الشرعية؛ كحد الشرب والسرقة والمحاربة والزنا.
الضرب الثاني: ما يتخير فيه مستوفيه بين استيفائه وبين العفو عنه, والعفوُ أفضلُ, كالقصاص في النفوس والأعضاء, وكحدِّ القذف عند الشافعي رحمه الله.
أدلة القاعدة:
1 – قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ} [المائدة: -95]
2 – ما ورد في حديث أنس وغيره أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان عنده بعض نسائه, فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين جارية بقصعة لها فيها طعام. قال: فضربت بيدها فكسرت القصعة, فأخذ النبي -صلى الله عليه وسلم- الكسرتين فضم إحداهما إلى الأخرى, وجعل فيها جميع الطعام, ويقول: غارت أمكم, كلوا كلوا. حتى جاءت قصعتها التي في بيتها, وحبس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- القصعة حتى فرغوا, فدفع الصفحة الصحيحة إلى الرسول, وحبس المكسورة في بيته , وفي حديث آخر: أن عائشة كانت هي التي غارت وكسرت الإناء, وأنها قالت لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ما كفارة ما صنعت؟ قال: إناء مثل إناء وطعام مثل طعام , ووجه الدلالة في فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه استبدل إناءً بإناء وطعاماً بطعامٍ استدراكاً لما قد يفوت من مصلحة التعاون بين نسائه, وتلافياً للمفاسد التي قد تنتج عن فعل الضرائر من الغيرة والتعدي…
بيان بعض كلام القرافي :
- (مع السنن): سجود السهو يجبر نقص الصلاة إذا فاتت بعض السنن.
- (مع الكعبة) – في السفر: المسافر في النافلة على الراحلة يتجه حيث سار، فجهة السفر تقوم مقام الكعبة.
- (مع الكعبة) – في الخوف: في صلاة الخوف يجوز ترك استقبال القبلة لمواجهة العدو، فجهة العدو بدل عن الكعبة.
- (وصلاة الجماعة لمن صلى وحده): إعادة الصلاة في جماعة تجبر الانفراد السابق.
- (فات من السفر): الدم في التمتع جابر لفوات السفر المستقل بين العمرة والحج.
- (العمل): الدم في التمتع والقران جابر لفوات تعدد العمل (العمرة والحج كل على حدة).
- (الإحرام): من صاد وهو محرم لزمه مثل الصيد أو طعام أو صيام، فجبر الصيد متعلق بالإحرام.
- (جوابر المال فالأصل أن يؤتى بغير المال): الأصل الجبران بالمثل (عين الشيء) لا بالقيمة النقدية إلا عند التعذر.