168 -لطائف التفسير والمعاني
جمع سيف بن دورة الكعبي
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى ، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وأن يبارك في ذرياتهم وذرياتنا )
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–
لطيفة :
بلاغة الابهام في القرآن
الفصل الخامس فى [الإبهام والتفسير]
اعلم أن المعنى المقصود إذا ورد فى الكلام مبهما فإنه يفيده بلاغة، ويكسبه إعجابا وفخامة، وذلك لأنه إذا قرع السمع على جهة الإبهام، فإن السامع له يذهب فى إبهامه كل مذهب، ومصداق هذه المقالة قوله تعالى: وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ
ثم فسره بقوله أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦)
[الحجر: ٦٦] وهكذا فى قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما
فأبهمه أولا ثم فسره بقوله: بَعُوضَةً فَما فَوْقَها
[البقرة:
٢٦] ففى إبهامه فى أول وهلة، ثم تفسيره بغير ذلك تفخيم للأمر وتعظيم لشأنه، فإنه لو قال: وقضينا إليه أن دابر هؤلاء مقطوع، وإن الله لا يستحيى أن يضرب مثلا بعوضة، لم يكن فيه من الفخامة وارتفاع مكانه فى الفصاحة، مثل ما لو أبهمه قبل ذلك، ويؤيد ما ذكرناه هو أن الإبهام أولا يوقع السامع فى حيرة وتفكّر واستعظام، لما قرع سمعه فلا تزال نفسه تنزع إليه وتشتاق إلى معرفته والاطلاع على كنه حقيقته، ألا ترى أنك إذا قلت: هل أدلك على أكرم الناس أبا، وأفضلهم فعلا وحسبا، وأمضاهم عزيمة، وأنفذهم رأيا، ثم تقول: فلان- فإن هذا وأمثاله
وأمضاهم عزيمة، وأنفذهم رأيا، ثم تقول: فلان- فإن هذا وأمثاله يكون أدخل فى مدحته مما لو قلت: فلان الأكرم الأفضل الأنبل، وما ذاك إلا لأجل إبهامه أولا، وتفسيره ثانيا، وكل ذلك يؤكد فى نفسك عظم البلاغة فى الكلام إذ أبهم أولا، ثم إنه فسر ثانيا، ثم فى إفادته لما يفيده من ذلك ضربان:
الضرب الأول منهما ما يرد مبهما من غير تفسير، ووروده فى القرآن كثير، وهذا كقوله تعالى فى قصة موسى وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ
[الشعراء: ١٩] فلم يذكر الفعلة بعينها مع كونها معلومة لما فى ذلك من المبالغة فى أمرها وتعظيم شأنها، كأنه قال: تلك الفعلة التى عظم أمرها، وارتفع شأنها، وكقوله تعالى: إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ
[الإسراء: ٩] يريد بذلك الطريقة أو الحالة أو الخصلة إلى غير ذلك من المحتملات المتعددة، وأى شىء من هذه الأمور قدّرته فإنك لا تجد له من البلاغة وإن بالغت فى الإفصاح به، الذى تجده من مذاق الفصاحة مع الإبهام، من جهة أن الوهم يذهب معه كل مذهب، لما فيه من المحتملات الكثيرة ومن هذا قوله تعالى: فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ (٧٨)
[طه: ٧٨] يريد أنه بلغ مبلغا تقاصرت العبارة عن كنهه فحذف
ذاك وأقام الإبهام مقامه؛ لأنه أدل على البلاغة فيه كما قررناه، ومنه قوله تعالى وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى (٥٣)
فَغَشَّاها ما غَشَّى (٥٤)
[النجم: ٥٣، ٥٤] فهذه أبلغ من الآية التى قبلها لأن إبهامها أكثر، فلهذا كان أبلغ وأوقع، ولهذا فإنه قال فى الأولى فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ (٧٨)
[طه: ٧٨] واليم هو البحر فصار الذى أصابهم من الألم والتعب إنما هو من البحر، خاصة لا من غيره، بخلاف الثانية، فإنه أبهم فيها الأمر الذى غشيها، ولم يخصه بجهة دون جهة، وهذا لا محالة يكون أبلغ؛ لأن الإنسان يرمى به خاطره فيه كل مرمى، ويذهب به كل مذهب.
ومما يجرى هذا المجرى قوله تعالى فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى (١٠) ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى (١١) أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى (١٢)
[النجم: ١٠- ١٢] فأبهم الأمر فى هذه الأمور الثلاثة فيما شرح الله به صدره من العلوم الموحاة، وأن الفؤاد ما أنكر ما رأى من تلك العجائب الإلهية، ثم عقبه بالإنكار عليهم فى المماراة له فى الذى رآه، وما ذاك إلا لأنه قصد تعظيم حالها، وأنها بلغت فى الفخامة مبلغا لا تدركه العقول، كأنه قال: أوحى إلى عبده أمرا أى أمر، واللام فى الفؤاد للعهد؛ لأن المراد هو فؤاد الرسول ﷺ، كأنه قال: لا ينبغى لمثل ذلك الفؤاد أن يكذب ذلك الأمر، ولا يصلح فى مثل ذلك الأمر أن تقع فيه المماراة بحال.
ومما يجرى على هذا الأسلوب قوله تعالى وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ ما صَنَعُوا
[طه: ٦٩] كأنه قال: ألق هذا الأمر الهائل الذى فى يمينك، فإنه يبطل ما أتوا به من سحرهم العظيم، وإفكهم الكبير، وكما يرد على جهة التعظيم كما أشرنا إليه، فقد يكون واردا على جهة التحقير، كأنه قال: وألق العويد الصغير الذى فى يمينك، فإنه مبطل على حقارته وصغره ما أتوا به من الكذب المختلق والزور المأفوك، تهكما بهم، وإزراء بعقولهم، وتسفيها لأحلامهم، ومنه قوله تعالى فى المدح فَنِعِمَّا هِيَ
[البقرة: ٢٧١] فإن هذا إبهام نزل منزلا عظيما فى إفادته المدح، وما ذاك إلا لأجل فخامته فى الإبهام، فلهذا أفاد البلاغة، ومواقعه فى القرآن أكثر من أن تحصى، ومحاسنه الكبرى أوسع من عديد الحصا، ومن الأمثلة الواردة فى السنة الشريفة قوله ﷺ: «عش ما شئت فإنّك ميّت وأحبب من أحببت فإنّك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك ملاقيه» فهذا الإبهام إذا نظر فيه حاذق بصير، وفكر فيه ألمعى نحرير، وجده مع ما قد حاز من البلاغة مشتملا على مبان جمة، ونكت غزيرة، ومواعظ زاجرة، على تقارب أطرافه، وكثرة محاسنه وأوصافه، وقوله
«أحبب حبيبك هونا مّا عسى أن يكون بغيضك يوما مّا. وأبغض بغيضك هونا مّا عسى أن يكون حبيبك يوما مّا» فهذا من رشيق الإبهام وبديعه، ومن عجيب أمره، ودقيق سره، أنه أمره بالاعتدال فى حالتى الحب والبغض، ومجانبة الإفراط والتفريط، فقال: أحبب حبيبك على الهون من غير إفراط فى حبه، فلعلك أن ترجع عن ذلك فى بعض الأيام وإن قل، فأتى بالهون منكرا مبهما وباليوم منكرا مبهما، ليدل بهما على شدة المبالغة فى المفقود، وإنما قيد الأول بالهون والثانى باليوم على جهة الإبهام ولم يعكس الأمر فيهما؛ لأن الأول موجه على جهة الأمر، بخلاف الثانى، فلهذا أمره بالتهوين فى مبدأ الأمر، حبا كان أو بغضا من غير تهالك فيهما مخافة أن يبدو له خلاف ذلك فيصعب تداركه ويعظم تلافيه، فلا جرم قيد الأمر بالهون، لما كان ملابسا له، وقيد الرجوع باليوم، لما كان عائدا إليه، ولو عكس لم يعط هذا المعنى، ومن هذا قوله ﷺ: «خذوا العطاء ما كان عطاء فإذا تجاحفت قريش ملكها فاتركوه» . وفى حديث آخر: «خذوا العطاء ما كان عطاء فإذا تجاحفت قريش الملك فلا تأخذوه فإنما هو رشوة» فالإبهام هو قوله: «ما كان عطاء»، لاشتماله على مقاصد عظيمة، وفى هذا القدر كفاية من التمثيل بالكلام النبوى……
«الضرب الثانى» فى الإبهام الذى ظهر تفسيره، وهذا كقوله تعالى: وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ
[الحجر: ٦٦] فقوله: ذلِكَ الْأَمْرَ
مبهم، وقد فسره بقوله: أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ
وفى إبهامه أولا، ثم تفسيره ثانيا تفخيم للأمر وتعظيم لشأنه، ولو قال من قال من أول وهلة: وقضينا إليه أن دابر هؤلاء مقطوع، لم يكن فيه ما
كان مع الإبهام من الفخامة، وعلى نحو هذا ورد قوله تعالى: قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى (٣٦)
[طه: ٣٦] إلى أن قال إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى (٣٨) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ
[طه: ٣٨- ٣٩] فسر قوله: ما يُوحى (٣٨)
بقوله: أَنِ اقْذِفِيهِ
، فحصل فيه من البلاغة ما ترى، ومن هذا قوله تعالى: فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عامًا
[العنكبوت: ١٤] وقوله تعالى: وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ (٣٨) يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ
إلى قوله بِغَيْرِ حِسابٍ (٤٠)
[غافر: ٣٨- ٤٠] ألا ترى أنه أبهم الرشاد كيف حاله، ثم أوضحه بعد ذلك بأن افتتح كلامه بذم الدنيا وتحقير شأنها، وتعظيم حال الآخرة والاطلاع على كنه حقيقتها، ثم ذكر الأعمال حسنها وسيئها وعاقبة كل شىء منها، ليرغب فى كل حسنة ويزهد عن كل سيئة، فكأنه قال: سبيل الرشاد ما اشتمل عليه هذا الشرح العظيم المحيط بالترغيب فيما يزلف والانكفاف عما يوهى ويتلف.
ومن السنة الشريفة قوله ﷺ: «ألا أنبئكم بأمرين؛ خفيفة مؤنتهما، عظيم أجرهما، لن يلقى الله بمثلهما» . ثم قال بعد ذلك تفسيرا لهما: «الصمت وحسن الخلق» . وقوله عليه السلام: «ألا أدلكم على ما إذا فعلتموه تحاببتم»، قالوا: نعم، قال: «أفشوا السلام»، فانظر إلى تفسير ما أبهم فى هذين الخبرين، ما أعظم ما اشتمل عليه من البلاغة، وفى حديث آخر «ألا أدلكم على أخسر الناس صفقة» قالوا: نعم، قال: «من باع آخرته بدنيا غيره» . ولهذا باب واسع الخطو فى القرآن الكريم والسنة النبوية، فإن أمرهما مبنى على البلاغة، وهذا الباب موقع عظيم فى الدلالة عليها.
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز ٢/٤٤ —