16 – فتح رب البرية في شرح القواعد الفقهية والأصولية
أحمد بن علي وأسامة
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
القواعد الفقهية
رقم القاعدة: 16
نص القاعدة: المَصَالِحُ المعتَبَرَةُ شَرْعًا هي ما يُقِيمُ الحياةَ الدُّنيا للحياةِ الآخِرةِ لَا اتِّباعُ أهْواءِ النُّفُوسِ
صيغ أخرى للقاعدة:
إنما تعتبر المصالح التي هي عماد الدين والدنيا .
قواعد ذات علاقة:
1_ اتباع الهوى ضد اتباع الشريعة / (قاعدة متكاملة).
2_ وضع الشريعة لإخراج المكلف عن داعية هواه / (قاعدة متكاملة).
3_ مشقة مخالفة الهوى لا رخصة فيها / (قاعدة متفرعة).
شرح القاعدة:
هذه القاعدة تتضمن توضيحا وتقييدا للقاعدة السابقة ” وضع الشرائع لمصالح العباد “, ومفادها أن ما جاءت به الشريعة وقصدت تحقيقه, من جلب للمصالح ودرء للمفاسد, قائم على الاعتبارات الشرعية الموضوعية, وليس على مراعاة الأهواء والأمزجة والشهوات.
قال الشاطبي:
الْمَصَالِحُ الْمُجْتَلَبَةُ شَرْعًا وَالْمَفَاسِدُ الْمُسْتَدْفَعَةُ إِنَّمَا تُعْتَبَرُ مِنْ حَيْثُ تُقَامُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لِلْحَيَاةِ الْأُخْرَى1، لَا مِنْ حَيْثُ أَهْوَاءِ النُّفُوسِ فِي جَلْبِ مَصَالِحِهَا الْعَادِيَّةِ، أَوْ دَرْءِ مَفَاسِدِهَا الْعَادِيَّةِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أُمُورٌ:
أَحَدُهَا:
مَا سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى من أَنَّ الشَّرِيعَةَ إِنَّمَا جَاءَتْ لِتُخْرِجَ الْمُكَلَّفِينَ عَنْ دَوَاعِي أَهْوَائِهِمْ حَتَّى يَكُونُوا عِبَادًا لِلَّهِ ، وَهَذَا الْمَعْنَى إِذَا ثَبَتَ لَا يَجْتَمِعُ مَعَ فَرْضِ أَنْ يَكُونَ وَضْعُ الشَّرِيعَةِ عَلَى وَفْقِ أَهْوَاءِ النُّفُوسِ، وَطَلَبِ مَنَافِعِهَا الْعَاجِلَةِ كَيْفَ كَانَتْ، وَقَدْ قال ربنا سبحانه:
{وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ} الْآيَةَ1 [الْمُؤْمِنُونَ: 71]
وَالثَّانِي:
مَا تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْمَنَافِعَ الْحَاصِلَةَ لِلْمُكَلَّفِ مَشُوبَةٌ بِالْمَضَارِّ عَادَةً، كَمَا أَنَّ الْمَضَارَّ مَحْفُوفَةٌ بِبَعْضِ الْمَنَافِعِ ، كَمَا نَقُولُ: إِنَّ النُّفُوسَ مُحْتَرَمَةٌ مَحْفُوظَةٌ وَمَطْلُوبَةُ الْإِحْيَاءِ، بِحَيْثُ إِذَا دَارَ الْأَمْرُ بَيْنَ إِحْيَائِهَا وَإِتْلَافِ الْمَالِ عَلَيْهَا، أَوْ إِتْلَافِهَا وَإِحْيَاءِ المال، كان إحياؤها أولى، فإن عرض إِحْيَاؤُهَا إِمَاتَةَ الدِّينِ، كَانَ إِحْيَاءُ الدِّينِ أَوْلَى وَإِنْ أَدَّى إِلَى إِمَاتَتِهَا، كَمَا جَاءَ فِي جِهَادِ الْكُفَّارِ، وَقَتْلِ الْمُرْتَدِّ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَكَمَا إِذَا عَارَضَ إِحْيَاءُ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِمَاتَةَ نُفُوسٍ كَثِيرَةٍ فِي الْمُحَارِبِ مَثَلًا، كَانَ إِحْيَاءُ النُّفُوسِ الْكَثِيرَةِ أَوْلَى، وَكَذَلِكَ إِذَا قُلْنَا: الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ فِيهِ إِحْيَاءُ النُّفُوسِ، وَفِيهِ مَنْفَعَةٌ ظَاهِرَةٌ، مَعَ أَنَّ فِيهِ مِنَ الْمَشَاقِّ وَالْآلَامِ فِي تَحْصِيلِهِ ابْتِدَاءً وَفِي اسْتِعْمَالِهِ حَالًا وَفِي لَوَازِمِهِ وَتَوَابِعِهِ انْتِهَاءً كَثِيرًا.
وَمَعَ ذَلِكَ، فَالْمُعْتَبَرُ إِنَّمَا هُوَ الْأَمْرُ الْأَعْظَمُ، وَهُوَ جِهَةُ الْمَصْلَحَةِ الَّتِي هِيَ عِمَادُ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، لَا مِنْ حَيْثُ أَهْوَاءِ النُّفُوسِ- حَتَّى إِنَّ الْعُقَلَاءَ قَدِ اتَّفَقُوا عَلَى هَذَا النَّوْعِ فِي الْجُمْلَةِ، وَإِنْ لَمْ يُدْرِكُوا مِنْ تَفَاصِيلِهَا قَبْلَ الشَّرْعِ مَا أَتَى بِهِ الشرع
[الموافقات 2/ 63]
أدلة القاعدة:
1_ أبرز دليل على هذه القاعدة, هو كون الشريعة منزلة من عند الله تعالى, فهذا وحده كاف لتكون منزهة عن مسايرة أهواء الناس واتباع شهواتهم, وقائمة على المصالح الحقيقية للعباد, في معاشهم ومعادهم.
2_ ورد في القرآن والسنة الكثير من الآيات والأحاديث, في ذم اتباع الأهواء والشهوات, والتحذير من عواقبها الوخيمة في الدنيا والآخرة. وهذا معناه أن الشرائع ومصالحها ليست على وفق ذلك.
3_ باستقراء أحكام الشريعة, نجد أنها متضمنة دائما كبحَ الشهوات وترويضها وتهذيبها, وضبطَ الاستجابة لها في الحدود المعقولة والبناءة.
1_ قال الشاطبي: ” هذه المسألة إذا فُهمت, حصل بها فهم كثير من آيات القرآن وأحكامه, كقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة-29] , وقوله: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ} [الجاثية-13] , وقوله: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْق} [الأعراف-32] الآية, وما كان نحو ذلك, من أنها ليست على مقتضى ظاهرها بإطلاق, بل بقيود تقيدت بها حسبما دلت عليه الشريعة في وضع المصالح ودفع المفاسد, والله أعلم”
2 – الشريعة راعت وأقرت جميع الشهوات, باعتبارها رغبات فطرية أولا, وباعتبارها طاقات بدنية ونفسية, لا غنى عنها للحياة البشرية ثانيا, فجعلت منها طاقات استصلاحية بناءة, بل جعلتها مناط حفظ الضروريات من المقاصد والمصالح, لكنها لم تسمح لها بتجاوز هذه الوظيفة المشروعة, إلى الاستعمال المتسيب الهدام.
3 – قال الله عز وجل: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} [الأعراف-31] , في هذا المثال: نجد الآية قد تضمنت مشروعية التزين والأكل والشرب, باعتبارها مصالح ولا غنى عنها, ولكنها نهت عن الإسراف في ذلك. فالوجه الأول هو الاستعمال المصلحي المحمود شرعا, والوجه الثاني خلاف ذلك, لأنه مجرد تمادٍ في اتباع الهوى والشهوة. اهـ