1479 – فتح المنعم في تحضير صحيح مسلم
مشاركة: أحمد بن علي وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وعبدالله المشجري وأسامة وعدنان البلوشي
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة،
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
بَابٌ: فِي الْإِيلَاءِ وَاعْتِزَالِ، النِّسَاءِ، وَتَخْيِيرِهِنَّ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ﴾
٣٠ – (١٤٧٩) حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الْحَنَفِيُّ ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ ، عَنْ سِمَاكٍ أَبِي زُمَيْلٍ ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ ، حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ: «لَمَّا اعْتَزَلَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ نِسَاءَهُ، قَالَ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا النَّاسُ يَنْكُتُونَ بِالْحَصَى، وَيَقُولُونَ: طَلَّقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نِسَاءَهُ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُؤْمَرْنَ بِالْحِجَابِ، فَقَالَ عُمَرُ: فَقُلْتُ: لَأَعْلَمَنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ. قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ فَقُلْتُ: يَا بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ أَقَدْ بَلَغَ مِنْ شَأْنِكِ أَنْ تُؤْذِي رَسُولَ اللهِ ﷺ؟ فَقَالَتْ: مَا لِي وَمَا لَكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ عَلَيْكَ بِعَيْبَتِكَ، قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ فَقُلْتُ لَهَا: يَا حَفْصَةُ، أَقَدْ بَلَغَ مِنْ شَأْنِكِ أَنْ تُؤْذِي رَسُولَ اللهِ ﷺ؟ وَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَا يُحِبُّكِ، وَلَوْلَا أَنَا لَطَلَّقَكِ رَسُولُ اللهِ ﷺ، فَبَكَتْ أَشَدَّ الْبُكَاءِ، فَقُلْتُ لَهَا: أَيْنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ؟ قَالَتْ: هُوَ فِي خِزَانَتِهِ فِي الْمَشْرُبَةِ، فَدَخَلْتُ، فَإِذَا أَنَا بِرَبَاحٍ غُلَامِ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَاعِدًا عَلَى أُسْكُفَّةِ الْمَشْرُبَةِ، مُدَلٍّ رِجْلَيْهِ عَلَى نَقِيرٍ مِنْ خَشَبٍ، وَهُوَ جِذْعٌ يَرْقَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَيَنْحَدِرُ، فَنَادَيْتُ: يَا رَبَاحُ، اسْتَأْذِنْ لِي عِنْدَكَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَنَظَرَ رَبَاحٌ إِلَى الْغُرْفَةِ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَيَّ فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا، ثُمَّ قُلْتُ: يَا رَبَاحُ اسْتَأْذِنْ لِي عِنْدَكَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَنَظَرَ رَبَاحٌ إِلَى الْغُرْفَةِ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَيَّ فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا، ثُمَّ رَفَعْتُ صَوْتِي، فَقُلْتُ: يَا رَبَاحُ، اسْتَأْذِنْ لِي عِنْدَكَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ؛ فَإِنِّي أَظُنُّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ ظَنَّ أَنِّي جِئْتُ مِنْ أَجْلِ حَفْصَةَ، وَاللهِ لَئِنْ أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ بِضَرْبِ عُنُقِهَا لَأَضْرِبَنَّ عُنُقَهَا. وَرَفَعْتُ صَوْتِي، فَأَوْمَأَ إِلَيَّ أَنِ ارْقَهْ، فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَهُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى حَصِيرٍ، فَجَلَسْتُ، فَأَدْنَى عَلَيْهِ إِزَارَهُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، وَإِذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ، فَنَظَرْتُ بِبَصَرِي فِي خِزَانَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَإِذَا أَنَا بِقَبْضَةٍ مِنْ شَعِيرٍ نَحْوِ الصَّاعِ وَمِثْلِهَا قَرَظًا فِي نَاحِيَةِ الْغُرْفَةِ، وَإِذَا أَفِيقٌ مُعَلَّقٌ. قَالَ: فَابْتَدَرَتْ عَيْنَايَ، قَالَ: مَا يُبْكِيكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟ قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، وَمَا لِي لَا أَبْكِي، وَهَذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِكَ، وَهَذِهِ خِزَانَتُكَ لَا أَرَى فِيهَا إِلَّا مَا أَرَى، وَذَاكَ قَيْصَرُ، وَكِسْرَى فِي الثِّمَارِ وَالْأَنْهَارِ، وَأَنْتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَصَفْوَتُهُ، وَهَذِهِ خِزَانَتُكَ، فَقَالَ: يَا ابْنَ الْخَطَّابِ أَلَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَنَا الْآخِرَةُ، وَلَهُمُ الدُّنْيَا؟ قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: وَدَخَلْتُ عَلَيْهِ حِينَ دَخَلْتُ، وَأَنَا أَرَى فِي وَجْهِهِ الْغَضَبَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا يَشُقُّ عَلَيْكَ مِنْ شَأْنِ النِّسَاءِ؟ فَإِنْ كُنْتَ طَلَّقْتَهُنَّ فَإِنَّ اللهَ مَعَكَ وَمَلَائِكَتَهُ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ، وَأَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَالْمُؤْمِنُونَ مَعَكَ، وَقَلَّمَا تَكَلَّمْتُ، وَأَحْمَدُ اللهَ بِكَلَامٍ إِلَّا رَجَوْتُ أَنْ يَكُونَ اللهُ يُصَدِّقُ قَوْلِي الَّذِي أَقُولُ، وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ آيَةُ التَّخْيِيرِ: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾، ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾. وَكَانَتْ عَائِشَةُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ وَحَفْصَةُ تَظَاهَرَانِ عَلَى سَائِرِ نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَطَلَّقْتَهُنَّ؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ وَالْمُسْلِمُونَ يَنْكُتُونَ بِالْحَصَى يَقُولُونَ: طَلَّقَ رَسُولُ اللهِ ﷺ نِسَاءَهُ، أَفَأَنْزِلُ فَأُخْبِرَهُمْ أَنَّكَ لَمْ تُطَلِّقْهُنَّ؟ قَالَ: نَعَمْ إِنْ شِئْتَ، فَلَمْ أَزَلْ أُحَدِّثُهُ حَتَّى تَحَسَّرَ الْغَضَبُ عَنْ وَجْهِهِ، وَحَتَّى كَشَرَ فَضَحِكَ، وَكَانَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ ثَغْرًا، ثُمَّ نَزَلَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ، وَنَزَلْتُ، فَنَزَلْتُ أَتَشَبَّثُ بِالْجِذْعِ، وَنَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَأَنَّمَا يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ مَا يَمَسُّهُ بِيَدِهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّمَا كُنْتَ فِي الْغُرْفَةِ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ؟ قَالَ:
إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ، فَقُمْتُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، فَنَادَيْتُ بِأَعْلَى صَوْتِي: لَمْ يُطَلِّقْ رَسُولُ اللهِ ﷺ نِسَاءَهُ، وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ فَكُنْتُ أَنَا اسْتَنْبَطْتُ ذَلِكَ الْأَمْرَ، وَأَنْزَلَ اللهُ عز وجل آيَةَ التَّخْيِيرِ ».
٣١ – (١٤٧٩) حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ ، أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ – يَعْنِي: ابْنَ بِلَالٍ -، أَخْبَرَنِي يَحْيَى ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ بْنُ حُنَيْنٍ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ يُحَدِّثُ قَالَ: «مَكَثْتُ سَنَةً، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَنْ آيَةٍ فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَسْأَلَهُ هَيْبَةً لَهُ، حَتَّى خَرَجَ حَاجًّا، فَخَرَجْتُ مَعَهُ، فَلَمَّا رَجَعَ فَكُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ عَدَلَ إِلَى الْأَرَاكِ لِحَاجَةٍ لَهُ، فَوَقَفْتُ لَهُ حَتَّى فَرَغَ، ثُمَّ سِرْتُ مَعَهُ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَنِ اللَّتَانِ تَظَاهَرَتَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ أَزْوَاجِهِ؟ فَقَالَ: تِلْكَ حَفْصَةُ وَعَائِشَةُ. قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: وَاللهِ إِنْ كُنْتُ لَأُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْ هَذَا مُنْذُ سَنَةٍ، فَمَا أَسْتَطِيعُ هَيْبَةً لَكَ، قَالَ: فَلَا تَفْعَلْ مَا ظَنَنْتَ أَنَّ عِنْدِي مِنْ عِلْمٍ فَسَلْنِي عَنْهُ، فَإِنْ كُنْتُ أَعْلَمُهُ أَخْبَرْتُكَ، قَالَ: وَقَالَ عُمَرُ: وَاللهِ إِنْ كُنَّا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَا نَعُدُّ لِلنِّسَاءِ أَمْرًا حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِيهِنَّ مَا أَنْزَلَ، وَقَسَمَ لَهُنَّ مَا قَسَمَ. قَالَ: فَبَيْنَمَا أَنَا فِي أَمْرٍ أَءْتَمِرُهُ إِذْ قَالَتْ لِي امْرَأَتِي: لَوْ صَنَعْتَ كَذَا وَكَذَا، فَقُلْتُ لَهَا: وَمَا لَكِ أَنْتِ وَلِمَا هَاهُنَا؟ وَمَا تَكَلُّفُكِ فِي أَمْرٍ أُرِيدُهُ؟ فَقَالَتْ لِي: عَجَبًا لَكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ مَا تُرِيدُ أَنْ تُرَاجَعَ أَنْتَ، وَإِنَّ ابْنَتَكَ لَتُرَاجِعُ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَتَّى يَظَلَّ يَوْمَهُ غَضْبَانَ. قَالَ عُمَرُ: فَآخُذُ رِدَائِي، ثُمَّ أَخْرُجُ مَكَانِي حَتَّى أَدْخُلَ عَلَى حَفْصَةَ، فَقُلْتُ لَهَا: يَا بُنَيَّةُ، إِنَّكِ لَتُرَاجِعِينَ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَتَّى يَظَلَّ يَوْمَهُ غَضْبَانَ، فَقَالَتْ حَفْصَةُ: وَاللهِ إِنَّا لَنُرَاجِعُهُ، فَقُلْتُ: تَعْلَمِينَ أَنِّي أُحَذِّرُكِ عُقُوبَةَ اللهِ، وَغَضَبَ رَسُولِهِ يَا بُنَيَّةُ، لَا يَغُرَّنَّكِ هَذِهِ الَّتِي قَدْ أَعْجَبَهَا حُسْنُهَا، وَحُبُّ رَسُولِ اللهِ ﷺ إِيَّاهَا. ثُمَّ خَرَجْتُ حَتَّى أَدْخُلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ لِقَرَابَتِي مِنْهَا، فَكَلَّمْتُهَا، فَقَالَتْ لِي أُمُّ سَلَمَةَ: عَجَبًا لَكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ قَدْ دَخَلْتَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى تَبْتَغِيَ أَنْ تَدْخُلَ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَزْوَاجِهِ! قَالَ: فَأَخَذَتْنِي أَخْذًا كَسَرَتْنِي عَنْ بَعْضِ مَا كُنْتُ أَجِدُ، فَخَرَجْتُ مِنْ عِنْدِهَا، وَكَانَ لِي صَاحِبٌ مِنَ الْأَنْصَارِ إِذَا غِبْتُ أَتَانِي بِالْخَبَرِ، وَإِذَا غَابَ كُنْتُ أَنَا آتِيهِ بِالْخَبَرِ، وَنَحْنُ حِينَئِذٍ نَتَخَوَّفُ مَلِكًا مِنْ مُلُوكِ غَسَّانَ ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَسِيرَ إِلَيْنَا، فَقَدِ امْتَلَأَتْ صُدُورُنَا مِنْهُ، فَأَتَى صَاحِبِي الْأَنْصَارِيُّ يَدُقُّ الْبَابَ، وَقَالَ: افْتَحِ افْتَحْ فَقُلْتُ: جَاءَ الْغَسَّانِيُّ؟ فَقَالَ: أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ، اعْتَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَزْوَاجَهُ. فَقُلْتُ: رَغِمَ أَنْفُ حَفْصَةَ وَعَائِشَةَ، ثُمَّ آخُذُ ثَوْبِي فَأَخْرُجُ حَتَّى جِئْتُ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي مَشْرُبَةٍ لَهُ يُرْتَقَى إِلَيْهَا بِعَجَلَةٍ، وَغُلَامٌ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ أَسْوَدُ عَلَى رَأْسِ الدَّرَجَةِ، فَقُلْتُ: هَذَا عُمَرُ، فَأُذِنَ لِي، قَالَ عُمَرُ: فَقَصَصْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ هَذَا الْحَدِيثَ، فَلَمَّا بَلَغْتُ حَدِيثَ أُمِّ سَلَمَةَ تَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، وَإِنَّهُ لَعَلَى حَصِيرٍ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ شَيْءٌ، وَتَحْتَ رَأْسِهِ وِسَادَةٌ مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ، وَإِنَّ عِنْدَ رِجْلَيْهِ قَرَظًا مَضْبُورًا، وَعِنْدَ رَأْسِهِ أَهَبًا مُعَلَّقَةً، فَرَأَيْتُ أَثَرَ الْحَصِيرِ فِي جَنْبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَبَكَيْتُ، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكَ؟ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ كِسْرَى، وَقَيْصَرَ فِيمَا هُمَا فِيهِ، وَأَنْتَ رَسُولُ اللهِ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمَا الدُّنْيَا، وَلَكَ الْآخِرَةُ ».
٣٢ – (١٤٧٩) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى ، حَدَّثَنَا عَفَّانُ ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، أَخْبَرَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حُنَيْنٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَقْبَلْتُ مَعَ عُمَرَ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِمَرِّ الظَّهْرَانِ وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِطُولِهِ كَنَحْوِ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ بِلَالٍ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «قُلْتُ: شَأْنُ الْمَرْأَتَيْنِ؟ قَالَ: حَفْصَةُ وَأُمُّ سَلَمَةَ، وَزَادَ فِيهِ: وَأَتَيْتُ الْحُجَرَ، فَإِذَا فِي كُلِّ بَيْتٍ بُكَاءٌ، وَزَادَ أَيْضًا: وَكَانَ آلَى مِنْهُنَّ شَهْرًا، فَلَمَّا كَانَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ نَزَلَ إِلَيْهِنَّ ».
٣٣ – (١٤٧٩) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ – وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ – قَالَا: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ سَمِعَ عُبَيْدَ بْنَ حُنَيْنٍ وَهُوَ مَوْلَى الْعَبَّاسِ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: «كُنْتُ أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ عَنِ الْمَرْأَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تَظَاهَرَتَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَلَبِثْتُ سَنَةً مَا أَجِدُ لَهُ مَوْضِعًا حَتَّى صَحِبْتُهُ إِلَى، مَكَّةَ، فَلَمَّا كَانَ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ ذَهَبَ يَقْضِي حَاجَتَهُ، فَقَالَ: أَدْرِكْنِي بِإِدَاوَةٍ مِنْ مَاءٍ، فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَلَمَّا قَضَى حَاجَتَهُ وَرَجَعَ، ذَهَبْتُ أَصُبُّ عَلَيْهِ، وَذَكَرْتُ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَنِ الْمَرْأَتَانِ؟ فَمَا قَضَيْتُ كَلَامِي حَتَّى قَالَ: عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ .»
٣٤ – (١٤٧٩) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ – وَتَقَارَبَا فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ -. قَالَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ: حَدَّثَنَا، وَقَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «لَمْ أَزَلْ حَرِيصًا أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ عَنِ الْمَرْأَتَيْنِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ، اللَّتَيْنِ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ حَتَّى حَجَّ عُمَرُ وَحَجَجْتُ مَعَهُ، فَلَمَّا كُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ عَدَلَ عُمَرُ وَعَدَلْتُ مَعَهُ بِالْإِدَاوَةِ فَتَبَرَّزَ، ثُمَّ أَتَانِي فَسَكَبْتُ عَلَى يَدَيْهِ، فَتَوَضَّأَ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، مَنِ الْمَرْأَتَانِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ اللَّتَانِ قَالَ اللهُ عز وجل لَهُمَا ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ قَالَ عُمَرُ: وَاعَجَبًا لَكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ – قَالَ الزُّهْرِيُّ: كَرِهَ وَاللهِ مَا سَأَلَهُ عَنْهُ وَلَمْ يَكْتُمْهُ – قَالَ: هِيَ حَفْصَةُ وَعَائِشَةُ، ثُمَّ أَخَذَ يَسُوقُ الْحَدِيثَ. قَالَ: كُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ قَوْمًا نَغْلِبُ النِّسَاءَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَجَدْنَا قَوْمًا تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ، فَطَفِقَ نِسَاؤُنَا يَتَعَلَّمْنَ مِنْ نِسَائِهِمْ، قَالَ: وَكَانَ مَنْزِلِي فِي بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ بِالْعَوَالِي، فَتَغَضَّبْتُ يَوْمًا عَلَى امْرَأَتِي، فَإِذَا هِيَ تُرَاجِعُنِي، فَأَنْكَرْتُ أَنْ تُرَاجِعَنِي، فَقَالَتْ: مَا تُنْكِرُ أَنْ أُرَاجِعَكَ؟ فَوَاللهِ إِنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ لَيُرَاجِعْنَهُ وَتَهْجُرُهُ إِحْدَاهُنَّ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ، فَانْطَلَقْتُ فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ، فَقُلْتُ: أَتُرَاجِعِينَ رَسُولَ اللهِ ﷺ؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ، فَقُلْتُ: أَتَهْجُرُهُ إِحْدَاكُنَّ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ قُلْتُ: قَدْ خَابَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْكُنَّ، وَخَسِرَ أَفَتَأْمَنُ إِحْدَاكُنَّ أَنْ يَغْضَبَ اللهُ عَلَيْهَا لِغَضَبِ رَسُولِهِ ﷺ، فَإِذَا هِيَ قَدْ هَلَكَتْ، لَا تُرَاجِعِي رَسُولَ اللهِ ﷺ، وَلَا تَسْأَلِيهِ شَيْئًا، وَسَلِينِي مَا بَدَا لَكِ، وَلَا يَغُرَّنَّكِ أَنْ كَانَتْ جَارَتُكِ هِيَ أَوْسَمَ وَأَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْكِ – يُرِيدُ عَائِشَةَ – قَالَ: وَكَانَ لِي جَارٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَيَنْزِلُ يَوْمًا وَأَنْزِلُ يَوْمًا، فَيَأْتِينِي بِخَبَرِ الْوَحْيِ وَغَيْرِهِ، وَآتِيهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وَكُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّ غَسَّانَ تُنْعِلُ الْخَيْلَ لِتَغْزُوَنَا، فَنَزَلَ صَاحِبِي ثُمَّ أَتَانِي عِشَاءً فَضَرَبَ بَابِي، ثُمَّ نَادَانِي، فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: حَدَثَ أَمْرٌ عَظِيمٌ! قُلْتُ: مَاذَا؟ أَجَاءَتْ غَسَّانُ؟ قَالَ: لَا، بَلْ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ وَأَطْوَلُ، طَلَّقَ النَّبِيُّ ﷺ نِسَاءَهُ. فَقُلْتُ: قَدْ خَابَتْ حَفْصَةُ وَخَسِرَتْ، قَدْ كُنْتُ أَظُنُّ هَذَا كَائِنًا، حَتَّى إِذَا صَلَّيْتُ الصُّبْحَ شَدَدْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي، ثُمَّ نَزَلْتُ، فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ وَهِيَ تَبْكِي، فَقُلْتُ: أَطَلَّقَكُنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ؟ فَقَالَتْ: لَا أَدْرِي، هَا هُوَ ذَا مُعْتَزِلٌ فِي هَذِهِ الْمَشْرُبَةِ، فَأَتَيْتُ غُلَامًا لَهُ أَسْوَدَ، فَقُلْتُ: اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ، فَدَخَلَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيَّ، فَقَالَ: قَدْ ذَكَرْتُكَ لَهُ فَصَمَتَ، فَانْطَلَقْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى الْمِنْبَرِ فَجَلَسْتُ، فَإِذَا عِنْدَهُ رَهْطٌ جُلُوسٌ يَبْكِي بَعْضُهُمْ، فَجَلَسْتُ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ، ثُمَّ أَتَيْتُ الْغُلَامَ، فَقُلْتُ: اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ فَدَخَلَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيَّ فَقَالَ: قَدْ ذَكَرْتُكَ لَهُ فَصَمَتَ، فَوَلَّيْتُ مُدْبِرًا فَإِذَا الْغُلَامُ يَدْعُونِي، فَقَالَ: ادْخُلْ، فَقَدْ أَذِنَ لَكَ فَدَخَلْتُ، فَسَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَإِذَا هُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى رَمْلِ حَصِيرٍ، قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ، فَقُلْتُ: أَطَلَّقْتَ يَا رَسُولَ اللهِ نِسَاءَكَ؟ فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيَّ، وَقَالَ: لَا، فَقُلْتُ: اللهُ أَكْبَرُ، لَوْ رَأَيْتَنَا يَا رَسُولَ اللهِ وَكُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ قَوْمًا نَغْلِبُ النِّسَاءَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ وَجَدْنَا قَوْمًا تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ، فَطَفِقَ نِسَاؤُنَا يَتَعَلَّمْنَ مِنْ نِسَائِهِمْ، فَتَغَضَّبْتُ عَلَى امْرَأَتِي يَوْمًا، فَإِذَا هِيَ تُرَاجِعُنِي، فَأَنْكَرْتُ أَنْ تُرَاجِعَنِي، فَقَالَتْ: مَا تُنْكِرُ أَنْ أُرَاجِعَكَ؟ فَوَاللهِ إِنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ لَيُرَاجِعْنَهُ، وَتَهْجُرُهُ إِحْدَاهُنَّ الْيَوْمَ إِلَى اللَّيْلِ، فَقُلْتُ: قَدْ خَابَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكِ مِنْهُنَّ وَخَسِرَ، أَفَتَأْمَنُ إِحْدَاهُنَّ أَنْ يَغْضَبَ اللهُ عَلَيْهَا لِغَضَبِ رَسُولِهِ ﷺ فَإِذَا هِيَ قَدْ هَلَكَتْ؟ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ دَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ، فَقُلْتُ: لَا يَغُرَّنَّكِ أَنْ كَانَتْ جَارَتُكِ هِيَ أَوْسَمُ مِنْكِ، وَأَحَبُّ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْكِ، فَتَبَسَّمَ أُخْرَى فَقُلْتُ: أَسْتَأْنِسُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَجَلَسْتُ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فِي الْبَيْتِ، فَوَاللهِ مَا رَأَيْتُ فِيهِ شَيْئًا يَرُدُّ الْبَصَرَ إِلَّا أُهَبًا ثَلَاثَةً. فَقُلْتُ: ادْعُ اللهَ يَا رَسُولَ اللهِ أَنْ يُوَسِّعَ عَلَى أُمَّتِكَ، فَقَدْ وَسَّعَ عَلَى فَارِسَ وَالرُّومِ، وَهُمْ لَا يَعْبُدُونَ اللهَ، فَاسْتَوَى جَالِسًا، ثُمَّ قَالَ: أَفِي شَكٍّ أَنْتَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟ أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، فَقُلْتُ: اسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُولَ اللهِ، وَكَانَ أَقْسَمَ أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَيْهِنَّ شَهْرًا مِنْ شِدَّةِ مَوْجِدَتِهِ عَلَيْهِنَّ، حَتَّى عَاتَبَهُ اللهُ عز وجل ».
٣٥ – (١٤٧٥) قَالَ الزُّهْرِيُّ : فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «لَمَّا مَضَى تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ بَدَأَ بِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّكَ أَقْسَمْتَ أَنْ لَا تَدْخُلَ عَلَيْنَا شَهْرًا، وَإِنَّكَ دَخَلْتَ مِنْ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ أَعُدُّهُنَّ، فَقَالَ: إِنَّ الشَّهْرَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ، ثُمَّ قَالَ: يَا عَائِشَةُ، إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا، فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَعْجَلِي فِيهِ حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ، ثُمَّ قَرَأَ عَلَيَّ الْآيَةَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ﴾ حَتَّى بَلَغَ: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾، قَالَتْ عَائِشَةُ: قَدْ عَلِمَ وَاللهِ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا لِيَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ. قَالَتْ: فَقُلْتُ: أَوَ فِي هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟! فَإِنِّي أُرِيدُ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ». قَالَ مَعْمَرٌ : فَأَخْبَرَنِي أَيُّوبُ ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَا تُخْبِرْ نِسَاءَكَ أَنِّي اخْتَرْتُكَ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّ اللهَ أَرْسَلَنِي مُبَلِّغًا، وَلَمْ يُرْسِلْنِي مُتَعَنِّتًا. قَالَ قَتَادَةُ: ﴿صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾: مَالَتْ قُلُوبُكُمَا .
——
قال البغوي:
{إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (4) }
{إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ} أَيْ مِنَ التَّعَاوُنِ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِالْإِيذَاءِ. يُخَاطِبُ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} أَيْ زَاغَتْ وَمَالَتْ عَنِ الْحَقِّ وَاسْتَوْجَبْتُمَا التَّوْبَةَ. قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: مَالَتْ قُلُوبُهُمَا بِأَنْ سَرَّهُمَا مَا كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنَ اجْتِنَابِ جَارِيَتِهِ.
أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمْ أَزَلْ حَرِيصًا عَلَى أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَنِ الْمَرْأَتَيْنِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم اللَّتَيْنِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمَا: “إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا” … ثم ساق الروايات
[تفسير البغوي – طيبة 8/ 165]
قوله ( فآخذ ردائي ثم أخرج مكاني حتى أدخل على حفصة) أي فلما سمعت من امرأتي ذلك أخذت ردائي ثم خرجت من مكاني الذي سمعت فيه خبرها بلا تأخر حتى دخلت على حفصة
الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج ١٦/٢٣٥
قال القاضي عياض:
وقولها: ” فعليك بعيبتك “: تريد ابنته، قيل: العيبة الابنة.
قال الإمام: أى بخاصتك وموضع سرّك، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: ” الأنصار كرشى وعيبتى ” (2) قال ابن الأنبارى: يعنى ” كرشى ” أصحابى وجماعتى الذين أعتمد عليهم، وأصل الكرش فى اللغة: الجماعة، وجعل الأنصار عيبته: خصوصيته إياهم؛ لأنه يطلعهم على أسراره، قال غيره: فمعنى ” عيبتى “: خاصتى وموضع سرّى، قال أهل اللغة: والعيبة فى كلام العرب، معناها: ما يجعل فيه الرجل أفضل ثيابه، وحرّ متاعه، وأنفسه عنده.
وقوله: ” فلم أزل أحدثه حتى كشر “: قال ابن السكيت: كشر وابتسم وبَسم وافْترّ وأنكل كله بمعنى واحد، فإن زاد قيل: قهقه، وزهْدق وكركر، فإن أفرط قيل: استغرق ضحكاً، وقال صاحب الأفعال: كشَّر: أبدى أسنانه تبسماً أو غضباً.
قال القاضى: فيه بسط نفس الغضبان، وتسلية لمغتم بما يباح من الحديث، لا بالسخف من الكلام والأفعال، ومثله قوله فى الرواية الأخرى: ” لأقولن شيئاً أضحك به النبى صلى الله عليه وسلم ” …
وقول النبى صلى الله عليه وسلم لعائشة: ” لا تعجلى حتى تستأمرى أبويك ” وقد علم أن أبوىّ لم يكونا ليأمرانى بفراقه، لكراهته عليه السلام فراقها، وخوفه أن تبادر بذلك إذا جعل ذلك إليها، لما فى ظاهره من الزهو بتخييرها، وأنفة النساء عند مثل هذا، مع صغر سنها.
وقولها: ” لا تخبر امرأة من نسائك بالذى قلت ” غيرة منها، وحرصاً على التفرد بالنبى صلى الله عليه وسلم، والاستكثار منه.
وقوله: ” إن الله لم يبعثنى معنتاً ولا متعنتاً، ولكن بعثت معلماً ميسّراً “: أصل العنت الشدة وإدخال المشقة: أى لم يبعثنى بهذا لغيري ولا فى خاصتي، وآخر الحديث يدل عليه، وهو قوله: ” ميسّراً “، ورواه بعضهم: ” مبتسراً “، والأول أولى، لمطابقته معناه. والقرظ: الصمغ، معروف. والأفيق، بفتح الهمزة: الجلد لم يتم دباغه. والإهاب: ما لم يدبغ، جمعه أُهبٌ وأَهبٌ. و” وينكتون الحصى “: أى يضربون به الأرض، فعل المشغول السّر والواجم.
وذكر فى الحديث الأول: أن التى شرب عندها العسل زينب، وفى الحديث بعده: أنها حفصة، والأول الصواب؛ بدليل الأحاديث الأخر فى الباب، والذى بعده أن حفصة إحدى المتظاهرتين عليه.
وفى حديث عمر وإشارته على النبى صلى الله عليه وسلم، لتطليق أزواجه: جواز مثل هذا إذا كان على وجه المصلحة.
فى تأديب عمر وأبى بكر لبنتيهما: جواز ذلك للآباء لكبار الأبناء ومتزوجاتهن. وفيه اهتمام المسلمين لما أهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، واجتماعهم لذلك وبكاؤهم واستعظامهم ذلك. وفيه وجوب الاستئذان على المرء فى منزله، وإن عرف أنه وحده، وتكرار الاستئذان إذا لم يؤذن، والعودة لذلك، وسيأتى فى بابه الكلام عليه.
وجواز اتخاذ الأئمة والكبراء الحجاب عند انفرادهم لما يهمهم، وأنه إذا فهم الحاجب بالسكوت المنع لم يستأذن؛ إذ قد سمع النبى صلى الله عليه وسلم استئذان عمر فسكت، فنظر إليه الغلام ولم يستأذن ولا أذن لعمر، والغالب من حال النبى صلى الله عليه وسلم أنه كان لا يتخذ على بابه بواباً.
وفى فعل عمر من ملاطفة أمر النبى عليه السلام وتسليته بعد استئذانه فى الاستئناس وإضحاكه إياه: ما يقتدى به من فعله، وأنه لا بأس بمثل هذا من التلطف بالكلام الحسن المباح، لا بالسخف والمجانة ومحاكاة الناس.
وقوله: ” أستأنس “: من هذا المعنى، لينبسط فى الكلام لئلا يأتى بما لا يوافق النبى صلى الله عليه وسلم من حديثه، فيزيده هماً وحزناً فلم يرد أن يحدث بغير ما هم فيه حتى يستأذن، وهو من الأدب اللازم بين يدى الأكابر والعلماء. وقال إسماعيل القاضى: معنى يستأنس هنا: فى الإذن، واحتج بذلك على قوله: {حَتَّى تَسْتَأنِسُوا} (1).
وفيه ما كان عليه عليه السلام من التقلل من الدنيا والزهد فيها والقناعة بالدّون منها. وفيه جواز سكنى الغرف، واتخاذ الخزانة لأثاث المرء. وفيه ما كانوا عليه من الحرص على طلب العلم والتناوب فيه، وحمل بعضهم عن بعض كفعل عمر والأنصارى.
وفى خدمة ابن عباس لعمر ما يجب للأئمة والعلماء وأهل الفضل من الحق، وخدمة الفضلاء بعضهم لبعض، وبر الصغار بالكبار وهيبته تلك المدة عن سؤاله عن تفسير الآية، لما كانت إحدى المتظاهرات [على النبى صلى الله عليه وسلم] (2) حفصة ابنته؛ ولذلك قال له: ” واهاً لك يابن عباس “: وهى لفظة توضع للتعجب، كما قال فى الرواية الأخرى: ” واعجباً لك يا ابن عباس “، ألا ترى الزهرى كيف قال: كره والله ما سأله عنه ولم يكتمه، وهذا يرد ما تأوله بعضهم فى هذا أنه إنما تعجب، وأنكر عليه أنه لم يعلم من هما إلى الآن، مع حرصه على العلم.
وفى قوله: ” إن كان عتاباً كان خالياً ” على ما جاء فى رواية البخارى: ما يدل برفع ابن عباس لذلك.
وفيه ما كان عليه عليه السلام من حسن الصحبة وجميل العشرة مع أزواجه والصبر على غيرتهن وأخلاقهن، كما خص عليه عليه السلام فى حسن عشرة النساء، والصبر على اعوجاجهن، والاستمتاع بهن على ذلك.
وفيه أن هجرانهن له لم يكن فى منع حق له عليهن، وإنما كان فى ترك الكلام والإعراض وتيسير الوجه بما طبعن عليه من ذلك، وحملتهن عليه الغيرة.
وفيه المخاطبة بأجمل الألفاظ وأحسنها، بقوله: ” إن كانت جارتك “، ولم يقل: ضرتك، والعرب تفعل ذلك، لما فى لفظة ” الضرة ” من الاسم المكروه.
وفيه جواز قرع الباب للاستئذان، وشدة القرع فيه للأمور المهمة. وجواز النظر إلى ما لم يستر فى بيت المزور، لا سيما الصاحب، وقد جاء النهى عن فضول النظر وكراهيته عن السلف.
وفيه هجره عليه السلام لهن فى غير بيوتهن تأديباً لهن، قال بعضهم: لما فيه من الرفق؛ إذ هجرانهن مع الكون معهن آلم لقلوبهن.
قال القاضى: الأمر بالعكس أولى، بل بعده عنهن أغيظ لهن وأشد حسرة، وهذا مما اختلف فيه العلماء. وذهب بعضهم أنه لا يكون ذلك إلا فى بيوتهن، وفيه حديث، وهذا حجة عليه، وقد نبه عليه البخارى وترجم به ، ورجح حديث عمر. وفيه جواز القسم على مثل هذا، وقد قال تعالى: {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُن} ( الآية. وقد اختلفت فى معنى قوله تعالى هذا، فقيل: هجرانها فى المضجع أن ينام معها ولا يجامعها، وقيل: ينام معها فيه ويوليها ظهره ولا يكلمها، وقيل: يهجرها بلسانه ويغلظ لها بالقول ولا يدع جماعها.
وفى قول عمر: ” رغم أنف حفصة “: جواز قول مثل هذا وقاله عمر بن عبد العزيز وابن حبيب، وقد كرهه مالك، ومعناه: ذل أنفها ولصق بالتراب، وهو الرغام، من الذلة.
وفيه قوله: ” إن كانت جارتك ” يريد: ضرتك، وكانوا يكرهون تسميتها ضرّة لما فى لفظه من الضر.
وقوله: ” أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم فى الدنيا “: يحتج به من يفضل الفقر على الغنى، لما فى مفهوم هذا أن بمقدار ما يتعجل من طيبات الدنيا يفوته من الآخرة ما كان يدخر له لو لم يستعجله، وقد يتأوله الآخرون بأن المراد أن حظ هؤلاء من النعيم ما نالوه فى الدنيا، ولا حظ لهم فى الآخرة لكفرهم…
وذكر فى الحديث: أنه آلى من نسائه شهراً. الإيلاء: الحلف، وأصله: الامتناع من فعل الشىء. آلى إيلاء، وتَأَلَّى تألّياً وائتلى ائتلاء، وصار فى عرف الفقهاء مختصاً بالحلف على الاعتزال من جماع الزوجات إلا ما حكى عن ابن سيرين من أنه محمول على كل حلف عليهن، من جماع أو كلام أو إنفاق.
ولا خلاف بين العلماء، أن مجرد الإيلاء، لا يوجب فى حينه طلاقاً ولا حكماً. واختلفوا، هل له تقدير ومدة به يجب حكمه الذى نص عليه بقوله: {لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُر} (3) الآية أم لا؟ مذهب علماء الحجاز والمدنيين وجمهور الصحابة والتابعين ومن بعدهم: إلى أن ذلك لمن حلف على أكثر من أربعة أشهر، فمن حلف على أربعة فأقل، فليس بمولٍ. وذهب الكوفيون إلى أن ذلك لمن حلف على أربعة أشهر فأكثر، لا على أقل.
وشذ ابن أبى ليلى وابن شبرمة والحسن فى آخرين منهم، فقال: إن حلف على ألّا يجامعها يوماً أو أقل، ثم تركها حتى مضت أربعة أشهر فهو مولٍ تعلقاً بظاهر الآية.
وروى عن ابن عمر عكس هذا، أن كل من وقت ليمينه وقتاً وضرب مدة وإن طالت، فليس بمول، وإنما المولى من حلف [على] (4) الأبد. ولا خلاف بينهم أنه لا يقع عليه طلاق قبل الأربعة أشهر، ولا خلاف أنه إن أحنث نفسه قبل تمامها، أن الإيلاء ساقط عنه. ثم اختلفوا اختلافاً آخر: هل بانقضاء الأربعة الأشهر يقع الطلاق؟ وهو قول الكوفيين كلهم ويقدرون الآية: فإن فاؤوا فيهن، أم حتى يوقف الزوج فإمّا فاء وإمّا طلق، أو طلّق عليه السّلطان؟ هو قول علماء الحجاز والمدينة ومصر وكافة فقهاء أصحاب الحديث وأهل الظاهر، وتقدير الآية عند هؤلاء: فإن فاؤوا بعدهن، وهو مشهور قول مالك وأصحابه، وحكى عنه مثل قول الكوفيين وقال أشهب من أصحابنا: إن قال: أنا أفئ، أمهل حتى تنقضى عدتها، فإن لم يف بانت منه.
ثم اختلف القائلون بوقوع الطلاق بانقضاء الأربعة الأشهر، هل هو بائن أو رجعى؟ وأما الآخرون فلا خلاف بينهم أنها رجعية، إلا أن مالكاً يقول: لا يصح فيها الرجعة حتى يطأ الزوج فى العدة، ولم يحفظ هذا الشرط لأحد سواه.
وكذلك اختلفوا إذا وقع الطلاق وقد حاضت ثلاثاً فى الأربعة الأشهر، هل تحتاج إلى استئناف عدة؟ وهو قول الكافة، أم لا تحتاج إليها وتلك تُغنيها وتتزوج مكانها؟ وهو قول جابر بن زيد، وقال به الشافعى فى القديم.
وكذلك اختلفوا: هل يكون غير قاصد الضرر والحالف فى الرضا وعلى غير الغضب، مولياً أو لا؟ فكافتهم على أنه يكون مولياً بكل وجه. وذهب مالك والأوزاعى إلى أنه لا يكون مولياً، إذا حلف لمصلحة ولده حتى تفطمه، وهو قياس قولهم فى شبه هذا، مما لم يقصد به الضرر، وبه قال أبو عبيد، وعن علي وابن عباس قالا: إنما يكون مولياً، إذا حلف على وجه الغضب، وأمّا على وجه الرضا فلا يكون مولياً.
وقوله تعالى فى الآية: {فَإِن فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيم} (1) يشعر بأن الإيلاء إنما له هذا الحكم، إذا قصد به الإضرار؛ إذ عنه يكون الغفران والرحمة، وقيل: غفور فى اجترامهم بالحلف على ذلك وتحنيث أنفسهم بالفىء رحيم بهم، وقيل: غفور فيما زاد على الأربعة الأشهر؛ إذ قد أباح له التربص فيها فما زاد فهو محظور. وفيه حجة لمشهور قول مالك والكافة.
وقوله: ” فجلست فأدنى عليه إزاره “: فيه أن مجالسة الرجل لغيره وإن كان ممن يختص به، بخلاف جلوسه وحده من التحفظ والتستر، لما تدعو إليه الضرورة من كشف جسده؛ لأن ذلك من المروءة والسمت.
وفى بداية النبى صلى الله عليه وسلم لعائشة: فضيلتها على غيرها وأثرتها عنده، وكذلك بدايته بالدخول عند تمام الشهر عندها، يحتمل أنها كانت نوبتها بعد التى خرج عنها قبل يمينه، ويحتمل أنه ابتدأ القسم الآن فبدأ بها، ويحتمل أنه بدأ بالدخول عندها ثم دخل إلى سائر نسائه فسوّى بينهن واستمر بعدُ قسمه على ما أراد من ذلك.
وقوله فى الحديث من رواية ابن أبى شيبة: ” اللتين تظاهرتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم “: توقيراً لهما، وبِرًا أن يقول فى هذا الحديث: تظاهرتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فكنى بعهده واكتفى به عن غيره، وقد جاء فى الحديث الآخر مبيناً على رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قال: {وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْه} .
وقوله لعائشة: ” إن الشهر تسع وعشرون “: فيه حجة لابن عبد الحكم، أن من عليه صيام شهر، فصامه بالأيام أنه يجزيه، خلاف قول مالك وأصحابه: أنه يتم ثلاثين؛ إذ ليس فى هذا الحديث صومه للهلال، بل قول عائشة: ” أعدّهن عدّا ” يدل على ما قلناه.
[إكمال المعلم بفوائد مسلم 5/ 35]
تنبيه :
فإن أفرط قيل: *استغرب ضحكاً*
في المعلم بفوائد مسلم ٢/٢٠٠ — المازري (ت ٥٣٦): فإن أفرط قيل: استُغْرِبَ (٥٣) ضحكا. قال صاحب الأفعال: كَشرَ، أي أبدى أسنانه تبسمًا أو غضبًا.
قال المحقق: (٥٣) «استُغرب ضحكا» بالبناء للنائب كذا في (أ) وفي اللغة: استغرب معلوما ومجهولا: بالغ الضحك.
يقصد بتعليل البخاري لحديث ولا تهجر إلا في البيت ما ورد في الصحيح :
قال البخاري (٥٢٠٢): باب هِجرة النبي ﷺ نساءَه في غير بُيوتهن، ويُذكر عن معاوية بن حَيدَة، رَفعَه، غيرَ أَن لا تُهجَر إِلا في البيت.
والأول أصح.
—
النبي صلى الله عليه وسلم هو أحكم البشر وأعلمهم وأحلمهم ، فلا يتصور أن يفعل النبي صلى الله عليه وسلم شيئا ويقره عليه الوحي ، إلا وهو الحكمة والأحسن .
فمن ذلك : حلف النبي صلى الله عليه وسلم أن يعتزل نساءه شهرا .
روى البخاري عن أنس (378)، وأم سلمة (1910) رضي الله عنهما: ” أَنَّ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم آلَى مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا”.
وأقره الوحي على ذلك، ولم ينكره ، فدل ذلك على أن ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم هو الحكمة.
وقد ذكر العلماء سبب اعتزال النبي صلى الله عليه وسلم لنسائه ، فقال بعضهم : إنه بسبب إفشاء حفصة سر النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة . وقال بعضهم : لأنهن طلبن منه زيادة النفقة . وقد جاءت الروايات بهذا وهذا ، فلما أغضبنه، أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤدبهن، فاعتزلهن شهرا .
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله في “فتح الباري” (9/200):
“قَوْلُهُ : (فَاعْتَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِسَاءَهُ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ الْحَدِيثِ الَّذِي أَفْشَتْهُ حَفْصَةُ إِلَى عَائِشَةَ)، كَذَا فِي هَذِهِ الطَّرِيقِ لَمْ يُفَسِّرِ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ الَّذِي أَفْشَتْهُ حَفْصَةُ ، وَفِيهِ أَيْضًا : (وَكَانَ قَالَ : مَا أَنَا بِدَاخِلٍ عَلَيْهِنَّ شَهْرًا؛ مِنْ شِدَّةِ مَوْجِدَتِهِ عَلَيْهِنَّ حِينَ عَاتَبَهُ اللَّهُ)، وَهَذَا أَيْضًا مُبْهَمٌ ، وَلَمْ أَرَهُ مُفَسَّرًا…
وَالْمرَاد بالمعاتبة قَوْله تَعَالَى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ … الْآيَاتِ).
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي الَّذِي حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ وَعُوتِبَ عَلَى تَحْرِيمِهِ ، كَمَا اخْتُلِفَ فِي سَبَبِ حَلِفِهِ عَلَى أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَى نِسَائِهِ عَلَى أَقْوَالٍ:
فَالَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ الْعَسَلُ … وَذَكَرْتُ فِي التَّفْسِيرِ قَوْلًا آخَرَ أَنَّهُ فِي تَحْرِيمِ جَارِيَتِهِ مَارِيَةَ، وَذَكَرْتُ هُنَاكَ كَثِيرًا مِنْ طُرُقِهِ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ عَنْ عَائِشَة عِنْد بن مَرْدَوَيْهِ مَا يَجْمَعُ الْقَوْلَيْنِ…
وَجَاءَ فِي سَبَبِ غَضَبِهِ مِنْهُنَّ، وَحَلِفِهِ أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَيْهِنَّ شَهْرًا: قصَّة أُخْرَى. فَأخْرج ابن سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : (أُهْدِيَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَدِيَّةٌ فَأَرْسَلَ إِلَى كُلِّ امْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِهِ نصِيبهَا ، فَلم ترض زَيْنَب بنت جحش بنصيبها ، فَزَادَهَا مَرَّةً أُخْرَى فَلَمْ تَرْضَ ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ : لَقَدْ أَقْمَأَتْ وَجْهَكَ ، تَرُدُّ عَلَيْكَ الْهَدِيَّةَ ، فَقَالَ لَأَنْتُنَّ أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ أَنْ تُقْمِئْنَنِي ، لَا أَدْخُلُ عَلَيْكُنَّ شَهْرًا … الْحَدِيثَ).(( فيه الواقدي قال في أنيس الساري : والواقدي قال البخاري: متروك الحديث، تركه أحمد وابن نمير وابن المبارك وإسماعيل بن زكريا)) وأخرجه ابن البختري
مصنفات ابن البختري ٣٦٠ – (١١٦) حدثنا محمد: حدثنا أبوبدر: حدثنا حارثة بن محمد .. (١).
ذكره في زوائد الاجزاء قال المحقق فيه حارثة بن محمد بن أبي الرجال ضعيف.
ومن طريقه أخرجه ابن ماجه مختصرًا، انظر المسند الجامع (١٦٧٤٨) (١٦٧٥١). انتهى
وَمِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ نَحْوُهُ وَفِيهِ : (ذَبَحَ ذِبْحًا، فَقَسَمَهُ بَيْنَ أَزْوَاجِهِ، فَأَرْسَلَ إِلَى زَيْنَبَ بِنَصِيبِهَا، فَرَدَّتْهُ ، فَقَالَ : زِيدُوهَا ثَلَاثًا، كُلُّ ذَلِكَ تَرُدُّهُ؛ فَذَكَرَ نَحْوَهُ ) .
أيضا هذا من طريق الواقدي ( أنيس الساري )
وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ : (جَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَالنَّاسُ جُلُوسٌ بِبَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُؤْذَنْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ ، فَأُذِنَ لِأَبِي بَكْرٍ فَدَخَلَ ، ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ فَاسْتَأْذَنَ فَأُذِنَ لَهُ ، فَوَجَدَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسًا وَحَوْلَهُ نِسَاؤُهُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ: هُنَّ حَوْلِي كَمَا تَرَى يَسْأَلْنَنِي النَّفَقَةَ ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى عَائِشَةَ ، وَقَامَ عُمَرُ إِلَى حَفْصَةَ، ثُمَّ اعْتَزَلَهُنَّ شَهْرًا، فَذَكَرَ نُزُولَ آيَةِ التَّخْيِيرِ).
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَجْمُوعُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ كَانَ سَبَبًا لِاعْتِزَالِهِنَّ، وَهَذَا هُوَ اللَّائِقُ بِمَكَارِمِ أَخْلَاقِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَعَةِ صَدْرِهِ، وَكَثْرَةِ صَفْحِهِ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ حَتَّى تَكَرَّرَ مُوجِبُهُ مِنْهُنَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسلم ورضى عَنْهُن…
وَالرَّاجِحُ مِنَ الْأَقْوَالِ كُلِّهَا: قِصَّةُ مَارِيَةَ لِاخْتِصَاصِ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ بِهَا، بِخِلَافِ الْعَسَلِ فَإِنَّهُ اجْتَمَعَ فِيهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُنَّ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْأَسْبَابُ جَمِيعُهَا اجْتَمَعَتْ فَأُشِيرَ إِلَى أَهَمِّهَا، وَيُؤَيِّدُهُ شُمُولُ الْحَلِفِ لِلْجَمِيعِ ، وَلَوْ كَانَ مَثَلًا فِي قِصَّةِ مَارِيَةَ فَقَطْ لَاخْتَصَّ بِحَفْصَةَ وَعَائِشَةَ” انتهى.
قال المرداوي رحمه الله في “الإنصاف” (23/137):
“الإيلاءُ مُحَرَّمٌ في ظاهِرِ كلامِ الأصحابِ، لأنَّه يمينٌ على تَرْكِ واجِبٍ” انتهى .
سئل الشيخ ابن باز رحمه الله :
هل يجوز للمسلم الإيلاء من زوجته؟
فأجاب :
“يجوز إذا رأى المصلحة في ذلك، لكن لا يجعله أربعة أشهر، لا يزيد على أربعة أشهر كما قال تعالى: (لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) [البقرة:226]، أربعة أشهر فأقل: يجوز إذا رأى المصلحة في ذلك” انتهى من موقع الشيخ.
والإيلاء الذي يتكلم الفقهاء عن حكمه هو الحلف على ترك وطء الزوجة أكثر من أربعة أشهر ، لا أقل من هذا .
وقد حدد الله تعالى للمولي أربعة أشهر ، فإذا مضت طلب منه الحاكم أن يرجع عن يمينه ويكفر كفارة يمين ، أو يطلق .
قال الله تعالى : لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ البقرة/226-227.
قال السعدي رحمه الله في تفسيره (ص101):
“وهذا من الأيمان الخاصة بالزوجة، في أمر خاص، وهو حلف الزوج على ترك وطء زوجته مطلقا، أو مقيدا، بأقل من أربعة أشهر أو أكثر.
فمن آلى من زوجته خاصة، فإن كان لدون أربعة أشهر، فهذا مثل سائر الأيمان، إن حنث كفر، وإن أتم يمينه، فلا شيء عليه، وليس لزوجته عليه سبيل، لأنه ملَّكه أربعة أشهر.
وإن كان أبدا، أو مدة تزيد على أربعة أشهر، ضُربت له مدة أربعة أشهر من يمينه، إذا طلبت زوجته ذلك، لأنه حق لها، فإذا تمت، أُمر بالفيئة وهو الوطء، فإن وطئ، فلا شيء عليه إلا كفارة اليمين، وإن امتنع، أجبر على الطلاق، فإن امتنع، طلق عليه الحاكم.
ولكن الفيئة والرجوع إلى زوجته، أحب إلى الله تعالى، ولهذا قال: فَإِنْ فَاءُوا أي: رجعوا إلى ما حلفوا على تركه، وهو الوطء. فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ يغفر لهم ما حصل منهم من الحلف، بسبب رجوعهم. رَحِيمٌ حيث جعل لأيمانهم كفارة وتحلة، ولم يجعلها لازمة لهم غير قابلة للانفكاك، ورحيم بهم أيضا، حيث فاءوا إلى زوجاتهم، وحنوا عليهن ورحموهن.
وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ أي: امتنعوا من الفيئة، فكان ذلك دليلا على رغبتهم عنهن، وعدم إرادتهم لأزواجهم، وهذا لا يكون إلا عزما على الطلاق، فإن حصل هذا الحق الواجب منه مباشرة، وإلا أجبره الحاكم عليه، أو قام به.
فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ فيه وعيد وتهديد، لمن يحلف هذا الحلف، ويقصد بذلك المضارة والمشاقة” انتهى.
——
حدود هجر الزوجة ووسائل تأديبها
وإذا لم تطع الزوجة زوجها فيما تجب فيه الطاعة فإنه يعظها ويخوفها، فإن لم يفد ذلك فله هجرها في المضطجع وهجرها في الكلام ثلاثة أيام فقط، فإن لم يفد الهجر فله ضربها ضربا غير مبرح.
قال الحجاوي (الحنبلي): إذا ظهر منها إمارات النشوز ….. وعظها، فإن رجعت إلى الطاعة والأدب حرم الهجر والضرب، وإن أصرت وأظهرت النشوز بأن عصته وامتنعت من إجابته إلى الفراش، أو خرجت من بيته بغير إذنه ونحو ذلك هجرها في المضجع ما شاء، وفي الكلام ثلاثة أيام لا فوقها، فإن أصرت ولم ترتدع فله أن يضربها فيكون الضرب بعد الهجر في الفراش وتركها من الكلام ضربا غير مبرح أي غير شديد، ويجتنب الوجه والبطن والمواضع المخوفة والمستحسنة. الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل.
—
ذكر الاتيوبي فوائد كثيرة اخترنا بعضها وحذفنا ما سبق أن ذكرناه عن الأئمة
قال الإتيوبي:
(المسألة الثالثة): في فوائده:
– (منها): أن فيه سؤالَ العالم عن بعض أمور أهله، وإن كان عليه فيه غَضَاضة، إذا كان في ذلك سنةٌ تُنْقَل، ومسألةٌ تُحْفَظُ. قاله المهلب رحمه الله.
– (ومنها): أن شدة الوطاة على النساء مذمومٌ؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم أَخَذ بسيرة الأنصار في نسائهم، وترك سيرة قومه.
– (ومنها): أن فيه سياقَ القصة على وجهها، وإن لم يَسأل السائل عن ذلك، إذا كان في ذلك مصلحة، من زيادة شرح، وبيان، وخصوصًا إذا كان العالم يَعْلَم أن الطالب يُؤْثر ذلك.
– (ومنها): جواز دخول الآباء على البنات، ولو كان بغير إذن الزوج، والتنقيب عن أحوالهنّ، لا سيما ما يتعلق بالمتزوجات.
– (ومنها): أن فيه حسنَ تلطف ابن عباس رضي الله عنهما، وشدّة حرصه على الاطّلاع على فنون التفسير.
– (ومنها): أن فيه طلبَ علو الإسناد؛ لأن ابن عباس رضي الله عنهما أقام مدّةً طويلة ينتظر خلوة عمر؛ ليأخذ عنه، وكان يمكنه أخذ ذلك بواسطة عنه، ممن لا يهاب سؤاله، كما كان يهاب عمر رضي الله عنه.
– (ومنها): أن فيه حرص الصحابة رضي الله عنهم على طلب العلم، والضبط بأحوال الرسول صلى الله عليه وسلم.
– (ومنها): أن طالب العلم يجعل لنفسه وقتًا يتفرغ فيه لأمر معاشه، وحال أهله.
– (ومنها): البحث في العلم في الطرُق، والخلوات، وفي حال القعود، والمشي.
– (ومنها): أن فيه الرفقَ بالأصهار، والحياء منهم، إذا وقع للرجل من أهله ما يقتضي معاتبتهم.
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج 26/ 198]
قال ابن القيم -رحمه الله-:
فصلٌ:
في قوله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيئًا وَهُوَ خَيرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)﴾.
في هذه الآية عدةُ حِكَم وأسرار ومصالح للعبد:
فإن العبد إذا علم أن المكروه قد يأتي بالمحبوب، والمحبوب قد يأتي بالمكروه؛ لم يأمن أن تُوافِيَه المضرةُ من جانب المسرة، ولم ييأس أن تأتيه المسرة من جانب المضرة؛ لعدم علمه بالعواقب؛ فإن الله يعلم منها ما لا يعلمه العبد؛ أوجب له ذلك أمورًا:
منها: أنَّه لا أنفعَ له من امتثال الأمر، وإن شقَّ عليه في الابتداء؛ لأنَّ عواقبه كلها خيراتٌ ومسراتٌ ولذاتٌ وأفراح، وإن كرهته نفسه؛ فهو خيرٌ لها وأنفع. وكذلك لا شيء أضرٌ عليه من ارتكاب النهي، وإن هَوِيتْه نفسه ومالت إليه؛ فإن عواقبه كلها آلامٌ وأحزانٌ وشرورٌ ومصائبُ. وخاصّةُ العقل تحمّلُ الألم اليسير لما يعقبه من اللذة العظيمة والخير الكثير، واجتناب اللذة اليسيرة لما يعقبه من الألم العظيم والشر الطويل. فنظر الجاهل لا يُجاوز المبادئَ إلى غاياتها، والعاقل الكيِّس دائمًا ينظرُ إلى الغايات من وراء سُتور مبادئها، فيرى ما وراء تلك السُّتورِ من الغايات المحمودة والمذمومة، فيرى المناهي كطعام لذيذٍ قد خُلِط فيه سُمٌّ قاتلٌ؛ فكلما دعتْه لذته إلى تناوله نهاه ما فيه من السم، ويرى الأوامر كدواء كريه المذاق مُفْضٍ إلى العافية والشفاء، وكلما نهاه كراهةُ مذاقه عن تناوله أمرهُ نفعُه بالتناول.
ولكن هذا يحتاج إلى فضل علم تُدرَك به الغاياتُ من مبادئها، وقوةِ صبر يُوطِّنُ به نفسَه على تحمُّلِ مشقَّة الطريق لما يُؤمِّلُ عند الغاية؛ فإذا فقد اليقين والصبر تعذَّر عليه ذلك، وإذا قوي يقينُهُ وصبرُهُ هإن عليه كل مشقَّةٍ يتحمَّلُها في طلب الخير الدائم واللَّذَّة الدائمة.
ومن أسرار هذه الآية: أنها تقتضي من العبد التفويضَ إلى من يعلم عواقبَ الأمور، والرِّضى بما يختارُهُ له ويقضيه له؛ لما يرجو فيه من حسن العاقبة.
ومنها: أنه لا يَقترِحُ على ربه ولا يختار عليه ولا يسأله ما ليس له به علمٌ؛ فلعل مضرته وهلاكه فيه وهو لا يعلم، فلا يختارُ على ربه شيئًا، بل يسأله حُسْنَ الاختيار له، وأن يُرضِيه بما يختاره؛ فلا أنفعَ له من ذلك.
ومنها: أنه إذا فَوَّضَ إلى ربه ورضي بما يختاره له؛ أمدَّه فيما يختاره له بالقوة عليه والعزيمة والصبر، وصَرَفَ عنه الآفاتِ التي هي عُرضة اختيارِ العبد لنفسه، وأراه من حسن عواقب اختياره له ما لم يكن ليصل إلى بعضه بما يختاره هو لنفسه.
ومنها: أنه يُرِيحه من الأفكار المُتعِبة في أنواع الاختيارات، ويُفرِّغ قلبَه من التقديرات والتدبيرات التي يَصعد منها في عقبةٍ وينزلُ في أخرى، ومع هذا فلا خروجَ له عما قُدِّر عليه؛ فلو رضي باختيار الله أصابه القدر وهو محمودٌ مشكورٌ ملطوفٌ به فيه، وإلَّا جري عليه القدرُ وهو مذمومٌ غيرُ ملطوفٍ به فيه؛ لأنه مع اختياره لنفسه.
ومتى صحَّ تفويضُهُ ورضاه اكتنفَه في المقدور العطفُ عليه واللطفُ به، فيصير بين عطفه ولطفه؛ فعطفهُ يَقِيه ما يحذره، ولطفُهُ يُهوِّنُ عليه ما قدَّرَهُ.
إذا نَفَذَ القدرُ في العبد كان من أعظم أسباب نفوذه تحيُّلُهُ في ردِّه؛ فلا أنفعَ له من الاستسلام وإلقاء نفسه بين يدي القدر طريحًا كالميتة؛ فإن السَّبُعَ لا يرضى بأكل الجِيَفِ.
الفوائد لابن القيم – ط عطاءات العلم ١/١٩٨-٢٠٠
—-
ملحقات :
مسألة [١٠]: هل يصح الإيلاء من طليقته الرجعية؟
- مذهب الجمهور أنه يصح الإيلاء؛ لأنها ما زالت زوجة له، وهو قول أصحاب المذاهب الأربعة.
- وحكى ابن حامد رواية عن أحمد أنه لا يصح؛ لأن الطلاق يقطع مدة الإيلاء إذا طرأ عليه؛ فلأن يمنع صحته ابتداء أولى.
وأُجيب بأنها زوجة تشملها الآية.مسألة [١١]: هل يصح الإيلاء من الزوجة الأمة، والزوجة الذمية؟
ذكر أهل العلم أن الإيلاء يصح في كل زوجة مسلمة، أو كتابية حرة، أو أمة.
مسألة [١٢]: الإيلاء قبل الدخول بالمرأة؟
- مذهب الجمهور أن الإيلاء يصح قبل الدخول وبعده؛ لعموم الآية: ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ وهو قول النخعي، ومالك، والأوزاعي، وأحمد، والشافعي وغيرهم.
- وقال الزهري، وعطاء، والثوري: إنما يصح الإيلاء بعد الدخول. ولا دليل لهم على هذا التقييد، والله أعلم.
فائدة: قال ابن قدامة رحمه الله في «المغني» (١١/ ٢٤): وَيَصِحُّ الْإِيلَاءُ مِنْ المَجْنُونَةِ وَالصَّغِيرَةِ، إلَّا أَنَّهُ لَا يُطَالَبُ بِالْفَيْئَةِ فِي الصِّغَرِ وَالْجُنُونِ؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنْ أَهْلِ المُطَالَبَةِ. فَأَمَّا الرَّتْقَاءُ وَالْقَرْنَاءُ، فَلَا يَصِحُّ الْإِيلَاءُ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ مُتَعَذِّرٌدَائِمًا، فَلَمْ تَنْعَقِدْ الْيَمِينُ عَلَى تَرْكِهِ. اهـ
مسألة [١٣]: الذي ينعقد منه الإيلاء.
قال ابن قدامة رحمه الله في «المغني» (١١/ ٢٥): وَيَصِحُّ الْإِيلَاءُ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ مُكَلَّفٍ قَادِرٍ عَلَى الْوَطْءِ. وَأَمَّا الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ، فَلَا يَصِحُّ إيلَاؤُهُمَا؛ لِأَنَّ الْقَلَمَ مَرْفُوعٌ عَنْهُمَا، وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ تَجِبُ بِمُخَالَفَتِهِ كَفَّارَةٌ أَوْ حَقٌّ، فَلَمْ يَنْعَقِدْ مِنْهُمَا كَالنَّذْرِ.
وَأَمَّا الْعَاجِزُ عَنْ الْوَطْءِ؛ فَإِنْ كَانَ لِعَارِضٍ مَرْجُوٍّ زَوَالُهُ، كَالْمَرَضِ وَالْحَبْسِ، صَحَّ إيلَاؤُهُ؛ لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى الْوَطْءِ، فَصَحَّ مِنْهُ الِامْتِنَاعُ مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَرْجُوِّ الزَّوَالِ كَالْجُبِّ وَالشَّلَلِ، لَمْ يَصِحَّ إيلَاؤُهُ؛ لِأَنَّهَا يَمِينٌ عَلَى تَرْكِ مُسْتَحِيلٍ، فَلَمْ تَنْعَقِدْ. اهـ
مسألة [١٤]: إيلاء الذمي.
- مذهب أحمد، والشافعي، وأبي حنيفة، وأبي ثور، وغيرهم أنه يصح إيلاؤه، ويلزمه ما يلزم المسلم إذا تقاضوا إلينا، وإن أسلم فلا ينقطع حكم إيلائه. واستدلوا بعموم الآية.
- وقال مالك: إن أسلم؛ سقط حكم يمينه.
- وقال أبو يوسف، ومحمد: ليس بمولي إذا حلف بالله؛ لأنه لا يحنث إذا جامع؛ لكونه غير مكلف، وإن كانت يمينه بطلاق، أو عتاق، فهو مول؛ لأنه يصح عتقه، وطلاقه.مسألة [١٥]: هل يشترط في الإيلاء أن يكون في حال الغضب، وقصد المضارة؟
- ذهب جماعة من أهل العلم إلى اشتراط ذلك، فقالوا: لا إيلاء إلا في الغضب على وجه المضارة، روي ذلك عن علي، وابن عباس، كما في «مصنف ابن أبي شيبة»، و«سنن ابن منصور»، وفيهما ضعف، الأول فيه جهالة، والثاني انقطاع. وهو قول الحسن، والنخعي، وقتادة، وعطاء، والليث.
- وذهب أكثر أهل العلم إلى عدم اشتراط ذلك، وروي هذا القول عن ابن مسعود، وفيه ضعف. وهو قول ابن سيرين، والشعبي، وسعيد بن جبير، والثوري، والشافعي، ومالك، والأوزاعي، وأبي عبيد، وأهل العراق، وابن المنذر؛ لعدم وجود دليل على هذا الشرط، والآية عامة، وهو قول الظاهرية، ولكن قال مالك، والأوزاعي، وأبو عبيد: من حلف ألا يطأ زوجته حتى تفطم ولده، وقصده الإصلاح لولده؛ فلا يكون إيلاء. والصحيح أنه يعد إيلاء؛ لعموم الآية، وهو قول الجمهور. (١)
مسألة [١٦]: مدة التربص للمولي؟
يقول الله عزوجل: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ [البقرة: ٢٢٦]، ولا خلاف بين أهل العلم أن مدة تربص الحر من الحرة أربعة أشهر للآية.• واختلفوا في العبد، فذهب جماعة من أهل العلم إلى أن حكم العبد كحكم الحر يتربص أربعة أشهر؛ لعموم الآية، وهو قول أحمد، والشافعي، وأبي ثور، وابن المنذر، والظاهرية. وهذا القول هو الصحيح.
- وذهب بعضهم إلى أن إيلاء العبد شهران، وهو قول عطاء، والزهري، ومالك قياسا على تنصيف عدد منكوحاته.
- وذهب الحسن، والشعبي إلى أنه إذا كانت زوجته أمةً فشهران، وإن كانت حرة فأربعة أشهر.
- وقال الشعبي، وأبو حنيفة: الإيلاء من الأمة نصف الإيلاء من الحرة، حرًّا كان الزوج، أو عبدًا.
فتح العلام في دراسة أحاديث بلوغ المرام ط ٤ ٨/٦١٦