1473 ، 1474 – فتح المنعم في تحضير صحيح مسلم
مشاركة: أحمد بن علي وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وعبدالله المشجري وأسامة
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة،
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
بَابُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ حَرَّمَ امْرَأَتَهُ وَلَمْ يَنْوِ الطَّلَاقَ
18 – (1473) وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ هِشَامٍ – يَعْنِي: الدَّسْتَوَائِيَّ – قَالَ: كَتَبَ إِلَيَّ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ يُحَدِّثُ عَنْ يَعْلَى بْنِ حَكِيمٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: « فِي الْحَرَامِ يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ }».
20 – (1474) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ ، حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ ، يُخْبِرُ أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ تُخْبِرُ، « أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَمْكُثُ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، فَيَشْرَبُ عِنْدَهَا عَسَلًا، قَالَتْ: فَتَوَاطَأْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ أَنَّ أَيَّتَنَا مَا دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَلْتَقُلْ: إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ، أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ فَدَخَلَ عَلَى إِحْدَاهُمَا، فَقَالَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَلَنْ أَعُودَ لَهُ، فَنَزَلَ: {لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكَ}، إِلَى قَوْلِهِ: {إِنْ تَتُوبَا}
– لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ – {وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا} – لِقَوْلِهِ: بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا » ..
21 – (1474) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ، وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: « كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُحِبُّ الْحَلْوَاءَ وَالْعَسَلَ، فَكَانَ إِذَا صَلَّى الْعَصْرَ دَارَ عَلَى نِسَائِهِ فَيَدْنُو مِنْهُنَّ، فَدَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ فَاحْتَبَسَ عِنْدَهَا أَكْثَرَ مِمَّا كَانَ يَحْتَبِسُ، فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ فَقِيلَ لِي: أَهْدَتْ لَهَا امْرَأَةٌ مِنْ قَوْمِهَا عُكَّةً مِنْ عَسَلٍ، فَسَقَتْ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْهُ شَرْبَةً. فَقُلْتُ: أَمَا وَاللهِ لَنَحْتَالَنَّ لَهُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِسَوْدَةَ، وَقُلْتُ: إِذَا دَخَلَ عَلَيْكِ فَإِنَّهُ سَيَدْنُو مِنْكِ، فَقُولِي لَهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ فَإِنَّهُ سَيَقُولُ لَكِ: لَا، فَقُولِي لَهُ: مَا هَذِهِ الرِّيحُ؟ – وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَشْتَدُّ عَلَيْهِ أَنْ يُوجَدَ مِنْهُ الرِّيحُ – فَإِنَّهُ سَيَقُولُ لَكِ: سَقَتْنِي حَفْصَةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ، فَقُولِي لَهُ: جَرَسَتْ نَحْلُهُ الْعُرْفُطَ، وَسَأَقُولُ ذَلِكِ لَهُ، وَقُولِيهِ أَنْتِ يَا صَفِيَّةُ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى سَوْدَةَ قَالَتْ: تَقُولُ سَوْدَةُ: وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَقَدْ كِدْتُ أَنْ أُبَادِئَهُ بِالَّذِي قُلْتِ لِي، وَإِنَّهُ لَعَلَى الْبَابِ فَرَقًا مِنْكِ، فَلَمَّا دَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ قَالَ: لَا، قَالَتْ: فَمَا هَذِهِ الرِّيحُ؟ قَالَ: سَقَتْنِي حَفْصَةُ شَرْبَةَ عَسَلٍ، قَالَتْ: جَرَسَتْ نَحْلُهُ الْعُرْفُطَ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيَّ، قُلْتُ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَى صَفِيَّةَ فَقَالَتْ بِمِثْلِ ذَلِكَ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى حَفْصَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا أَسْقِيكَ مِنْهُ؟ قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي بِهِ. قَالَتْ: تَقُولُ سَوْدَةُ: سُبْحَانَ اللهِ، وَاللهِ لَقَدْ حَرَمْنَاهُ، قَالَتْ: قُلْتُ لَهَا: اسْكُتِي ».
——-
قال القاضي عياض:
ذكر عن ابن عباس أنه كان يقول فى الحرام: ” يمين يكفرها “، وقال ابن عباس: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}، وذكر حديث سب نزول قوله تعالى: {لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَك} ، وتواطؤ عائشة وحفصة على قولهما: ” أجد منك ريح مغافير “، قال الإمام: إذا قال لزوجته: أنت علىّ حرام، فاختلف المذهب فى ذلك. فالمشهور أنها ثلاث تطليقات، يكون كما قيل فى غير المدخول بها خاصة، ولعبد الملك فى المبسوط: لا ينوى فى أقل وإن لم يدخل، وعند أبى مصعب ومحمد بن عبد الحكم: هى لمن لم يدخل بها واحدة، وللمدخول بها ثلاث. وذكر ابن خويز منداد عن مالك: أنها واحدة بائنة، وإن كانت مدخولاً بها، وحكى ابن سحنون عن عبد العزيز ابن أبى سلمة أنها واحدة رجعية.
وقد اختلفت أجوبة مالك وأصحابه، فى كنايات الطلاق، فسلكوا فيها طرقاً مختلفة، ففى بعضها يحمل اللفظ على الثلاث، ولا ينوى فى أقل، وفى بعضها [ينوى فى أقل وفيه] يحمل على الواحدة حتى ينوى أكثر منها، وفى بعضها: ينوى قبل الدخول ولا ينوى بعده، وبعضها فيمن لم يدخل بها واحدة، وفى الدخول بها ثلاث.
هذا جملة ما يقولونه فى ذلك، ويختلفون فى بعض الألفاظ من أى هذه الأقسام هو تفصيل ذلك، وذكر الروايات فيه وتعديد الألفاظ فيه طول، ولكنا نعقد أصلاً يرجع إليه جميع ما وقع فى الروايات على كثرتها، ويعلم منه سبب اختلافهم، فيما اختلفوا فيه، ووجه تفرقتهم فيما فرقوا فيه، ووجه التنويه فى [بعض] دون بعض.
فاعلم أن الألفاظ الدالة على الطلاق، إما أن تدل عليه بحكم وضع اللغة، وبحكم عرف الاستعمال، أو لا تكون لها دلالة عليه أصلاً، وإن لم يكن لها دلالة عليه فلا فائدة فى ذكرها ها هنا، وإن كانت لها دلالة عليه فلا تخلو إما أن تكون دلالتها عليه فى اللغة أو فى الاستعمال تتضمن البينونة والعدد بقولهم: أنت طالق ثلاثاً فهذا لا يختلف فى وقوع الثلاث وأنه لا ينوى، ولا يفترق الجواب فى المدخول بها وغير المدخول بها، ويكون دلالتها على البينونة وانقطاع الملك خاصة، فينظر فى ذلك، هل يصح انقطاع الملك والبينونة بالواحدة أو لا يصح فى الشرع إلا بالثلاث؟ وهذا أصل مختلف فيه، إذا لم تكن معه معاوضة، أو يكون يدل على عدد غالباً قد يسمتعمل فى غيره نادراً، فيحمل مع عدم القصد على الغالب، ومع وجود القصد على النادر إذا قصد إليه وجاء مستفتياً فيه، وإن كانت عليه بينة، فتختلف فروع هذا القسم، وإن كان يستعمل فى الأعداد استعمالاً متساوياً وقصد إلى أحد الأعداد، قبل منه، جاء مستفتياً أو قامت عليه بينة، وإن لم يكن له قصد فهذا موضع الاضطراب.
فمن أصحابنا من يحمله على أقل الأعداد واستصحاباً لبراءة الذمة، وأخذاً بالمتيقن ودون ما زاد، ومنهم من يحمله على أكثر الأعداد أخذاً بالاحتياط، واستظهاراً فى صيانة الفروج، ولا سيما على قولنا: إن الطلقة الواحدة تحرّم، فكان الاستباحة بالرجعة مشكوك فيها هنا، ولا تستباح الفروج بالشك.
فاضبط هذا، فإنه من أصرار العلم، وإليه ينحصر جميع ما قاله العلماء المتقدمون فى هذه المسائل، وبه تضبط مسائل الفتوى فى هذا الفن، وأقرب مثال يوضح لك هذه الجملة، ما نحن فيه من مسألة القائل: الحلال علىّ حرام، فقولهم فى المشهور أنها ثلاث، وينوى فى غير المدخول بها فى أقل، بناء على أن هذا اللفظ وضع لإبانة العصمة، وأنها لا تبين بعد الدخول بأقل من ثلاث، وتبين قبل الدخول بواحدة، ولكنها فى العدد غالباً فى الثلاث، ونادراً فى أقل منه، فحملت قبل الدخول على الثلاث، ونوى فى أقل.
وقول عبد الملك: لا ينوى فى أقل وإن لم يدخل بها، بناء على أنها موضوعة للثلاث، لقوله: أنت طالق ثلاثاً، ويلحق بأول الأقسام التى ذكرنا.
وقول أبى مصعب: هى فى التى لم يدخل بها واحدة، والمدخول بها ثلاث، بناء على أنها لا تفيد عدداً، وإنما تفيد البينونة لا أكثر، والبينونة تصح فى غير المدخول بها بواحدة، ولا تصح فى المدخول بها إلا بالثلاث، على إحدى الطريقتين التى ذكرنا.
وقول ابن خويزمنداد عن مالك: أنها واحدة ثابتة، وإن كانت مدخولاً بها، بناء على أنها لا تفيد عدداً، كطريقة أبى مصعب، ولكن عنده أن البينونة تصح بعد الدخول بواحدة. فمن هاهنا افترقت طرقهم.
وقول ابن أبى سلمة، بناء على أنها تفيد انقطاع الملك على صفة، ولا تستعمل غالباً فى الثلاث، فحكم. لكونها واحدة لصحة معنى اللفظ فى الواحدة، وهى كونها محرمة عندنا وإن كانت الطلقة رجعية، وهكذا محتمل قول عبد الملك وربيعة فى الخلية والبرية، والبائنة: أنها فى غير المدخول بها واحدة، مأخوذ من إحدى هذه الطرق التى ذكرنا.
وتنويه أشهب فى الخلية والبرية وإن كانت مدخولاً بها على ما حكى عنه أبو الفرج، يؤخذ – أيضاً – من إحدى هذه الطرق التى قدمنا.
وعلى هذا يخرج من المسائل ما لا يحصى كثرة فاحتفظ به فإنه عقد حسن.
وقد كثر اختلاف الصحابة فى مسألة القائل: الحلال علىّ حرام ومن سواهم من العلماء، هل هو ظهارٌ أو يمين تكفر، ولا يلزم فيه شىء إلا فى الزوجة كما قال مالك: والذى يلزم فى الزوجة فيه الخلاف الذى ذكرناه وفى بعض ما أوردناه كفاية.
قال القاضى: للعلماء خلاف كثير فى الحرام، فمنها هذه الأقوال المتقدمة الخمسة، ومشهور قول مالك منها بقول جماعة، منهم: على وزيد والحسن والحكم، وبقول عبد الملك، قال ابن أبى ليلى، وفيها ثمانية أقوال أُخر، منها قول ابن شهاب: أن له نيته ولا تكون أقل من واحدة. وقول سفيان: إن نوى ثلاثاً فثلاث، وإن نوى واحدة فواحدة، وإن نوى يميناً فيمين، وان لم ينو شيئاً فلا شىء، هى كذبة. وقول الأوزاعى وأبى ثور مثله، إلا أنه قال: وإن لم ينو شيئاً فكفارة يمين.
وقول الشافعى: إن نوى الطلاق فما أراد من عدده وإن كان نوى واحدة فهى رجعية، وروى مثله عن أبى بكر وعمر وغيرهم من الصحابة والتابعين، وإن أراد تحريمها فكفارة يمين، وليس بمُولٍ.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: إن نوى الطلاق فواحدة بائنة، إلا أن ينوى ثلاثاً، فإن نوى اثنتين فهى واحدة، وإن لم ينو شيئاً فهى يمين وهو مول، وإن نوى الكذب، فليس بشىء، وقال مثله زفر إلا أنه قال: إذا نوى اثنتين لزمتاه، وقال إسحاق: فيها كفارة الظهار، وقال بعض التابعين: هى يمين يكفرها ما يكفر اليمين، وذكره مسلم عن ابن عباس، وقيل: هى كتحريم الماء والطعام، لا يلزمه فيه شىء، وهو قول الشعبى ومسروق وأبى سلمة، وهو قول أصبغ.
وهذا فى الحرائر، وأما فى الإماء فلا يلزم التحريم فيهن عند مالك، كالطعام، وذلك لغو فيما عدا الأزواج، وذهب عامة العلماء إلى أن عليه كفارة يمين لمجرد التحريم، وقال أبو حنيفة: إذا قال ذلك حرم عليه ما قاله فيه من طعام وغيره، ولا شىء عليه، حتى إذا تناوله لزمته كفارة يمين، وأم الولد كالأمة على ما تقدم.
[إكمال المعلم بفوائد مسلم 5/ 23]
قال ابن قدامة:
فصل: إذا قال لزَوْجتِه: أنتِ علىَّ حرامٌ. وأطلقَ، فهو ظِهَارٌ. وقال الشَّافعىُّ: لا شىءَ عليه. وله قولٌ آخَرُ: عليه كفارةُ يَمِينٍ، وليس بِيَمِينٍ. وقال أبو حنيفةَ: هو يَمينٌ. وقد رُوِىَ ذلك عن أبى بكرٍ، وعمرَ بنْ الخطّابِ، وابنِ مسعودٍ، رَضِىَ اللَّه عنهم. وقال سعيدٌ : حدَّثنا خالدُ بنُ عبدِ اللَّهِ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضَّحَّاكِ، أَنَّ أبا بكرٍ، وعمرَ، وابنَ مسعودٍ قالوا فى الحرامِ: يمينٌ. وبه قال ابنُ عبّاسٍ، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وسعيدُ بنُ جُبَيرٍ. وعن أحمدَ ما يدَلُّ. على ذلك؛ لأنَّ اللَّه تعالى قالَ: {لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} . ثم قال: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} . وقال ابنُ عباس: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} . ولأنَّه تَحْريمٌ للحلالِ، أشْبَهَ تحريمَ الأَمَةِ. ولَنا، أنَّه تَحْريمٌ للزَّوجةِ بغيرِ طَلاقٍ، فوَجَبَتْ به كفَّارةُ الظِّهارِ، كما لو قال: أنتِ علىَّ حرامٌ كظهرِ أُمِّى. فأمَّا إن نَوَى غيرَ الظِّهارِ، فالمَنْصُوصُ عن أحمدَ، فى روايةِ جماعةٍ، أنَّه ظِهارٌ، نَوَى الطَّلاقَ أو لم ينْوِه. وذكَرَه الخِرَقِىُّ فى موضعٍ غيرِ هذا. وممَّن قال إنَّه ظهارٌ؛ عثمانُ بنُ عفانَ، وابنُ عبّاسٍ، وأبو قِلَابَةَ، وسعيدُ بنُ جُبَيرٍ، وميمونُ بنُ مِهْرَانَ، والبَتِّىُّ. رَوَى الأثْرَمُ، بإسنادِه عن ابنِ عبَّاسٍ، فى الحرامِ، أنَّه تَحْرِيرُ رَقَبةٍ، فإن لم يَجِدْ فصيامُ شهرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، أو إطْعامُ سِتِّينَ مسكينًا . ولأنَّه صَرِيحٌ فى تَحْرِيمِها، فكان ظِهارًا، وإن نَوَى غيرَه، كقوله: أنتِ علىَّ كظهرِ أُمِّى. وعن أحمد؛ أنَّه إذا نَوَى به الطَّلاقَ، كان طلاقًا. وقال : إذا قال: ما أحَلَّ اللَّهُ علىَّ حَرامٌ. يَعْنِى به الطَّلاقَ، أخافُ أن يكونَ ثلاثًا، ولا أُفْتِى به. وهذا مثلُ قولِه فى الكناياتِ الظَّاهرةِ، فكأنَّه جَعلَه مِن كناياتِ الطَّلاقِ، يَقَعُ به الطَّلاقُ إذا نَوَاه. ونقلَ عنه البَغَوِىُّ فى رجلٍ قال لامرأتِه: أمْرُكِ بيدِكِ. فقالتْ: أنا عليك حَرامٌ. فقد حُرِّمَتْ عليه. فجعلَه منها كنايةً فى الطَّلاقِ، فكذلك مِن الرَّجلِ. واختارَه ابنُ عَقِيلٍ. وهو مذهبُ أبى حنيفةَ، والشَّافعىِّ. ورُوِىَ ذلك عن ابنِ مسعودٍ. وممن رُوِىَ عنه أنَّه طلاقُ ثلاثٍ؛ عَلِىٌّ، وزيدُ بنُ ثابتٍ، وأبو هُرَيْرةَ، والحَسَنُ البَصْرِىُّ، وابنُ أبى لَيْلَى. وهو مذهبُ مالكٍ فى المَدْخُولِ بها؛ لأنَّ الطَّلاقَ نوعُ تَحْريمٍ، فصحَّ أن يُكْنَى به عنه، كقولِه: أنتِ بائنٌ. فأمَّا إن لم يَنْوِ الطَّلاقَ، فلا يَكونُ طلاقًا بحالٍ؛ لأنَّه ليس بصَرِيحٍ فى الطَّلاقِ، فإذا لم يَنْوِ معه، لم يَقَعْ به طلاقٌ، كسائرِ الكناياتِ. وإن قُلْنا: إنَّه كنايةٌ فى الطَّلاقِ. وَنوَى به، فحُكْمُه حُكْمُ الكناياتِ الظَّاهرةِ، على ما مَضَى من الاخْتلافِ فيها. وهو قولُ مالكٍ، وأبى حنيفةَ، والشَّافعىِّ، كلٌّ على أصْلِه، ويُمْكِنُ حَمْلُه على الكناياتِ الخفِيَّةِ إذا قُلْنا: إنَّ الرَّجْعةَ مُحرَّمَةٌ؛ لأنَّ أقلَّ ما تَحْرُمُ به الزَّوجةُ طلقةٌ رَجْعِيَّةٌ، فحُمِلَ على اليقينِ. وقد رُوِىَ عن أحمدَ ما يَدلُّ عليه؛ فإنَّه قال: إذا قال: أنتِ علىَّ حَرامٌ، أعنى به طلاقًا. فهى واحدةٌ. ورُوِىَ هذا عن عمرَ بنِ الخطَّابِ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، والزُّهْرِىِّ. وقد رُوِىَ عن مَسْروقٍ، وأبى سَلَمَةَ ابنِ عبدِ الرَّحمنِ، والشَّعْبِىِّ: ليس بشىءٍ؛ لأنَّه قولٌ هو كاذبٌ فيه. وهذا يَبْطُلُ بالظِّهارِ؛ فإنَّه مُنْكَرٌ مِنَ القَوْلِ وزُورٌ، وقد أوْجَبَ الكفَّارةَ، ولأنَّ هذا إيقاعٌ للطَّلاقِ، فأشْبَهَ قولَه: أنتِ بائنٌ. أو أنتِ طالقٌ. ورُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه إذا نَوَى اليمينَ كان يمينًا. فإنَّه قال، فى روايةِ مُهَنَّا: إنَّه إذا قال: أنتِ علىَّ حرامٌ. وَنوَى يَمِينًا، ثم ترَكَها أربعةَ أشْهُرٍ، قال: هو يمِينٌ، وإنَّما الإِيلاءُ أن يَحْلِفَ باللَّهِ أن لا يَقْرَبَ امرأتَه. فظاهرُ هذا أنَّه إذا نَوَى اليمينَ كانت يمينًا. وهذا مذهبُ ابنِ مسعودٍ، وقولُ أبى حنيفةَ، والشَّافعىِّ. وممَّن رُوِىَ عنه: عليه كفّارةُ يَمِينٍ. أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ، وعمرُ، وابنُ عبّاسٍ، وعائشةُ، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ، وعَطاءٌ، وطاوُسٌ، وسليمانُ بنُ يَسارٍ، وقتادة، والأوْزَاعىُّ. وفى المُتَّفَقِ عليه ، عن سعيد بنِ جبَيرٍ، أنَّه سمِعَ ابنَ عبَّاسٍ يَقولُ: إذا حرَّم الرَّجلُ عليه امرأتَه، فهى يَمِينٌ يُكَفرُها. وقال: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} . ولأنَّ اللَّه تعالى قال: {يَاأَيُّهَا النَّبِىُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِى مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (1) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} . فجعل الحرامَ يَمِينًا. ومعنى قولِه: نَوَى يمينًا -واللَّه أعلم- أنَّه نَوَى بقوله: أنتِ علىَّ حرامٌ. تَرْكَ وَطْئِها، واجْتنابَها، وأقامَ ذلك مُقامَ قولِه: واللَّهِ لا وَطِئْتُك.
فصل: وإن قال: أنتِ علىَّ حرامٌ. أعنى به الطَّلاقَ. فهو طلاق. رَوَاه الجماعةُ عن أحمدَ. ورَوَى عنه أبو عبدِ اللَّه النَّيْسَابُورِىُّ ، أنَّه قال : إذا قال: أنتِ علىَّ حرامٌ، أُريدُ به الطَّلاقَ. كنتُ أَقولُ: إنَّها طَلاقٌ ، يُكَفِّرُ كفَّارةَ الظِّهارِ. وهذا كأنَّه رُجوعٌ عن قولِه: إنَّه طَلاقٌ. ووَجْهُه أنَّه صَرِيحٌ فى الظِّهارِ، فلم يَصِرْ طلاقًا بقوله: أُريدُ به الطَّلاقَ. كما لو قال: أنتِ علىَّ كظَهْرِ أُمِّى، أعْنِى به الطَّلاقَ. قال القاضى: ولَكِنْ جماعةُ أصحابِنا على أنَّه طَلاقٌ…
[المغني لابن قدامة 10/ 396]
قال ابن عثيمين:
فَصْلٌ
وإنْ قَالَ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ، أَوْ كَظَهْرِ أُمِّي؛ فَهُوَ ظِهَارٌ، وَلَوْ نَوَى بِهِ الطَّلَاقَ، وَكَذلِكَ مَا أَحَلَّ اللهُ عَلَيَّ حَرَامٌ، …………………..
قوله: «وإن قال: أنت علي حرام» هذه الكلمة أهم ما في الباب، فإذا قال: أنت علي حرام يخاطب زوجته، فهذا لا يخلو من ثلاث حالات، إما أن ينوي الطلاق، أو الظهار، أو اليمين.
وعلى القول الراجح إذا قال لزوجته: أنت علي حرام، ونوى به الخبر دون الإنشاء، فإننا نقول له: كذبت، وليس بشيء؛ لأنها حلال، كما لو قال: هذا الخبز عليَّ حرام، يريد الخبر لا الإنشاء، فنقول: كذبت، هذا حلال، لك أن تأكله.
وإذا نوى الإنشاء، أي: تحريمها، فهذا إن نوى به الطلاق فهو طلاق؛ لأنه قابِلٌ لأن يكون طلاقاً، وإن نوى به الظهار فهو ظهار، وإن نوى به اليمين فهو يمين، والفرق بين هذه الأمور الثلاثة، أنه إذا نوى به اليمين فهو ما نوى التحريم، لكن نوى الامتناع، إما معلقاً وإما منجزاً، مثل أن يقول: إن فعلت كذا فأنت علي حرام، فهذا معلق، لا يقصد أن يحرم زوجته، بل قصده أن تمتنع زوجته من ذلك، وكذلك أنت علي حرام قصده أن يمتنع من زوجته، فنقول: هذا يمين لقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ *} {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} [التحريم: 1، 2]، فقوله: {مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} «ما» اسم موصول يفيد العموم فهو شامل للزوجة، وللأمة، وللطعام، والشراب، واللباس، فحكم هذا حكم اليمين، قال ابن عباس رضي الله عنهما: «إذا قال لزوجته: أنت علي حرام فهي يمين يكفرها»، وهذه هي الحال الأولى.
الحال الثانية: أن ينوي به الطلاق، فينوي بقوله: أنت علي حرام أن يفارقها، فهذا طلاق لأنه صالح للفراق، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى».
الحال الثالثة: أن يريد به الظهار، أي: أنها محرمة عليه فهذا موضع خلاف بين العلماء:
قال بعض العلماء: إنه يكون ظهاراً؛ لأن معنى قول المظاهر لزوجته: أنت علي كظهر أمي، أنت حرام، لكنه شبَّهه بأعلى درجات التحريم، وهو ظهر أمه؛ لأن أشد ما يكون حراماً عليه أمه.
وقال بعض العلماء: لا يكون ظهاراً؛ لأن قولك: أنت علي كظهر أمي ليس مثل قولك: أنت علي حرام، فالأول أبشع وأقبح، فيختص الحكم به ولا يقاس عليه ما دونه، لكن الذي يظهر ـ والله أعلم ـ أنهما سواء، يعني وطأَك علي حرام، كما تحرم علي أمي، فيكون ظهاراً.
قوله: «أو كظهر أمي فهو ظهار ولو نوى به الطلاق» لأن هذا هو ما جاء به القرآن، ولو قلنا: إن الرجل إذا قال لزوجته: أنت عليَّ كظهر أمي ونوى به الطلاق إنه طلاق، لَكُنَّا حكمنا في الظهار بحكم الجاهلية؛ لأنهم في الجاهلية يرون أن قول الإنسان لزوجته: أنت علي كظهر أمي طلاق، ولكن الشرع خالفهم في هذا وجعله ظهاراً، فالإنسان إذا أتى بصريح الظهار فهو ظهار، ولو نوى به الطلاق، فنقول: الزوجة باقية في ذمتك، ولا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله به من الكفارة، وهل نقول: ما لم يجرِه مجرى اليمين، بأن قال: إن فعلت كذا فزوجتي علي كظهر أمي؟ فالجواب: نعم، على القول الراجح أنه قد يُجرى مَجرى اليمين، أي: منع نفسه، ولم يرد أن يحرم زوجته ويجعلها كظهر أمه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى».
لكن قوله: «أنتِ علي حرام»، لا تساوي «أنت علي كظهر أمي»، لأن عندنا نصاً في القرآن، يقول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} [التحريم: 1]، ثم قال: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} [التحريم: 2]، فجعل الله التحريم يميناً، وإخراج الزوجة من هذا العموم يحتاج إلى دليل، ولا دليل.
إذن على المذهب يجعلون قول الإنسان: أنت عليَّ حرام كقوله: أنت عليَّ كظهر أمي، فيجعلونه ظهاراً في كل حال، ولو نوى به الطلاق، فإذا جاء رجل يستفتينا يقول: إني قلت لزوجتي: أنت عليَّ حرام، فعلى المذهب ما نقول: ماذا نويت؟ بل نقول: أنت مظاهر، فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله به، أما على القول الصحيح فإننا نقول: ماذا نويت؟
قوله: «وكذلك ما أحل الله عليَّ حرام» «ما» مبتدأ، وخبره «حرام» و «ما» عام لكل ما أحل الله، فيدخل فيه الزوجة وإن لم يواجهها به صريحاً، فهذا ليس كالأول، فإن اقترن به شيء يدل على ما نوى عملنا به، وإلا فنجعله ظهاراً؛ لأن المؤلف يقول: «وكذلك» و «الكاف» للتشبيه و «ذا» اسم إشارة يعود على ما سبق من قوله: «أنت علي حرام» يعني وكذلك إذا قال: «ما أحل الله علي حرام» فهو ظهار.
وأما بالنسبة للطعام والشراب واللباس فهو يمين، فتبعَّضَ الحكمُ، وصارت هذه الكلمة لشيء يميناً، ولشيء ظهاراً، والذي نرجحه أنه يمين.
[الشرح الممتع على زاد المستقنع 13/ 79]
قال الإتيوبي:
(المسألة الثالثة): في اختلاف أهل العلم فيمن قال لامرأته: أنت عليّ حرام:
قال أبو عبد الله القرطبيّ رحمه الله في “تفسيره”: اختَلَف العلماء في الرجل يقول لزوجته: “أنت عليّ حرام” على ثمانية عشر قولًا:
(أحدها): لا شيء عليه، وبه قال الشعبيّ، ومسروق، وربيعة، وأبو سلمة، وأصبغ، وهو عندهم كتحريم الماء والطعام، قال الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ} الآية [المائدة: 87]، والزوجة من الطيّبات، ومما أحلّ اللهُ، وقال تعالىْ {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ} [النحل: 116]، وما لم يُحرّمه الله فليس لأحد أن يُحرّمه، ولا يصير بتحريمه حرامًا، ولم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لِمَا أحلّ الله: هو عليّ حرام، وإنما امتنع من مارية ليمين تقدّمت منه، وهو قوله: “والله لا أقربها بعد اليوم”، فقيل له: {لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ}؛ أي: لم تمتنع منه بسبب اليمين؟ يعني أقدِمْ عليه، وكفّر.
(وثانيها): أنها يمين يُكفّرها، قاله أبو بكر الصّدّيق، وعمر بن الخطّاب، وعبد الله بن مسعود، وابن عبّاس، وعائشة رضي الله عنهم، والأوزاعيّ، وهو مقتضى الآية، قال سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس: إذا حرّم الرجل عليه امرأته، فإنما هي يمين يُكفّرها، وقال ابن عبّاس: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21]، يعني أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كان حرّم جاريته، فقال الله تعالى: {لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} إلى قوله تعالى: {قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ} الآية [التحريم: 1، 2]، فكفّر عن يمينه، وصيّر الحرام يمينًا، أخرجه الدارقطنيّ.
(وثالثها): أنها تجب فيها كفّارة، وليست بيمين، قاله ابن مسعود، وابن عبّاس أيضًا في إحدى روايتيه، والشافعيّ في أحد قوليه، وفي هذا القول نظر، والآية تردّه على ما يأتي.
(ورابعها): هي ظهار، ففيها كفّارة الظهار، قاله عثمان، وأحمد بن حنبل، وإسحاق.
(وخامسها): أنه إن نوى الظهار، وهو ينوي أنها محرّمة كتحريم ظهر أمه، كان ظهارًا، وإن نوى تحريم عينها عليه بغير طلاق، تحريمًا مطلقًا، وجبت كفّارة يمين، وإن لم ينو شيئًا، فعليه كفّارة يمين، قاله الشافعيّ.
(وسادسها): أنها طلقةٌ رجعيّةٌ، قاله عمر بن الخطّاب، والزهريّ، وعبد العزيز بن أبي سلمة، وابن الماجشون.
(وسابعها): أنها طلقة بائنةٌ، قاله حمّاد بن أبي سليمان، وزيد بن ثابت، ورواه خُوَيز مَنْدَاد عن مالك.
(وثامنها): أنها ثلاث تطليقات، قاله عليّ بن أبي طالب، وزيد بن ثابت أيضًا، وأبو هريرة رضي الله عنهم.
(وتاسعها): هي في المدخول بها ثلاث، ويُنَوَّى في غير المدخول بها، قاله الحسن، وعليّ بن زيد، والحكم، وهو مشهور مذهب مالك.
(وعاشرها): هي ثلاث، ولا يُنوَّى بحال، ولا في محلّ، وإن لم يدخل بها، قاله عبد الملك في المبسوط، وبه قال ابن أبي ليلى.
(وحادي عشرها): هي في التي لم يدخل بها واحدةٌ، وفي التي دخل بها ثلاثٌ، قاله أبو مصعب، ومحمد بن عبد الحكم.
(وثاني عشرها): أنه إن نوى الطلاق، أو الظهار كان ما نوى، فإن نوى الطلاق، فواحدةٌ بائنةٌ، إلا أن ينوي ثلاثًا، فإن نوى ثنتين فواحدة، فإن لم ينو شيئًا كانت يمينًا، وكان الرجل مُولِيًا من امرأته، قاله أبو حنيفة وأصحابه، وبمثله قال زُفر، إلا أنه قال: إذا نوى اثنتين ألزمناه.
(وثالث عشرها): أنه لا تنفعه نيّة الظهار، وإنما يكون طلاقًا، قاله ابن قاسم.
(ورابع عشرها): قال يحيى بن عمر: يكون طلاقًا، فإن ارتجعها لم يجز له وطؤها حتى يكفّر كفّارة الظهار.
(وخامس عشرها): إن نوى الطلاق فما أراد من أعداده، وإن نوى واحدةً، فهي رجعيّةٌ. وهو قول الشافعيّ رحمه الله، وروي مثله عن أبي بكر، وعمر، وغيرهم من الصحابة، والتابعين.
(وسادس عشرها): إن نوى ثلاثًا فثلاثًا، وإن نوى واحدةً فواحدةً، وإن نوى يمينًا فهي يمين، وإن لم ينو شيئًا فلا شيء عليه، وهو قول سفيان، وبمثله قال الأوزاعيّ، وأبو ثور، إلا أنهما قالا: إن لم ينو شيئًا فهي واحدةٌ.
(وسابع عشرها): له نيّته، ولا يكون أقلّ من واحدة، قاله ابن شهاب، وإن لم ينو شيئًا لم يكن شيء، قاله ابن العربيّ، ورأيت لسعيد بن جبير، وهو:
(ثامن عشرها): أن عليه عتق رقبة، وإن لم يجعلها ظهارًا، ولست أعلم لها وجهًا، ولا يبعد في المقالات عندي.
قال القرطبيّ: قال علماؤنا: سبب الاختلاف في هذا الباب أنه ليس في كتاب اللهُ ولا في سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم نصّ، ولا ظاهرٌ يُعتمد عليه في هذه المسألة، فتجاذبها العلماء لذلك.
فمن تمسّك بالبراءة الأصليّة، قال: لا حكم، فلا يلزم بها شيء، وأما من قال: إنها يمين، فقال: سمّاها الله يمينًا، وأما من قال: تجب فيها كفّارة، وليست بيمين، فبناه على أحد أمرين: أحدهما: أنه ظنّ أن الله تعالى أوجب الكفّارة فيها، وإن لم تكن يمينًا، والثاني: أن معنى اليمين عنده التحريم، فوقعت الكفّارة على المعنى، وأما من قال: إنها طلقة رجعيّةٌ، فإنه حمل اللفظ على أقلّ وجوهه، والرجعيّة محرّمة الوطء كذلك، فيُحمل اللفظ عليه. وهذا يلزم مالكًا؛ لقوله: إن الرجعيّة محرّمة الوطء، وكذلك وجه من قال: إنها ثلاث، فحمله على أكبر معناه، وهو الطلاق الثلاث، وأما من قال: إنه ظهار؛ فلأنه أقلّ درجات التحريم، فإنه تحريم، لا يرفع النكاح، وأما من قال: إنه طلقةٌ بائنةٌ، فعوّل على أن الطلاق الرجعيّ لا يُحرّم المطلّقةَ، وأن الطلاق البائن يحرّمها، وأما قول يحيى بن عمر، فإنه احتاط بأن جعله طلاقًا، فلما ارتجعها احتاط بأن ألزمه الكفّارةَ.
قال ابن العربيّ: وهذا لا يصحّ؛ لأنه جمع بين المتضادّين، فإنه لا يجتمع ظهار وطلاقٌ في معنى لفظ واحد، فلا وجه للاحتياط فيما لا يصحّ اجتماعه في الدليل.
وأما من قال: إنه يُنَوَّى في التي لم يدخل بها؛ فلأن الواحدة تُبينها، وتحرّمها شرعًا إجماعًا، وكذلك قال من لم يَحْكُمْ باعتبار نيّته: إن الواحدة تكفي قبل الدخول في التحريم بالإجماع، فيكفي أخذًا بالأقلّ المتَّفَق عليه، وأما من قال: إنه ثلاث فيهما، فلأنه أخذ بالحكم الأعظم، فإنه لو صرّح بالثلاث لنفذت في التي لم يدخل بها نفوذها في التي دخل بها، ومن الواجب أن يكون المعنى مثله، وهو التحريم.
وهذا كلّه في الزوجة، وأما في الأمة فلا يلزم فيها شيء من ذلك، إلا أن ينوي به العتق عند مالك، وذهب عامّة العلماء إلى أن عليه كفّارة يمين، قال ابن العربيّ: والصحيح أنها طلقة واحدة؛ لأنه لو ذكر الطلاق لكان أقلّه، وهو الواحدة إلا أن يعدّده، كذلك إذا ذكر التحريم يكون أقلّه إلا أن يقيّده بالأكثر، مثل أن يقول: أنت عليّ حرام إلا بعد زوج، فهذا نصّ على المراد. انتهى كلام القرطبيّ.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أقرب الأقوال القول الثاني، وهو أنه يمين يكفّرها؛ لأنه مقتضى الآية، كما أشار إليه ترجمان القرآن عبد الله بن عبّاس رضي الله عنهما، كما بيّنه حديث الباب، وفي رواية النسائيّ من طريق سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أتاه رجلٌ، فقال: إني جعلت امرأتي عليّ حرامًا، قال: كذبت، ليست عليك بحرام، ثم تلا هذه الآية: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ} [التحريم: 1]: عليك أغلظ الكفارة، عتق رقبة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج 26/ 96]