1472 – فتح المنعم في تحضير صحيح مسلم
مشاركة: أحمد بن علي وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وعبدالله المشجري وأسامة
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة،
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
صحيح مسلم
(2) بَاب طَلَاقِ الثَّلَاثِ
١٥ – (١٤٧٢) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ – وَاللَّفْظُ لِابْنِ رَافِعٍ -. قَالَ إِسْحَاقُ: أَخْبَرَنَا، وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَانَ الطَّلَاقُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَسَنَتَيْنِ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ طَلَاقُ الثَّلَاثِ وَاحِدَةٌ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: إِنَّ النَّاسَ قَدِ اسْتَعْجَلُوا فِي أَمْرٍ قَدْ كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ
أَنَاةٌ، فَلَوْ أَمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِمْ فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ ».
١٦ – (١٤٧٢) حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، أَخْبَرَنَا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ . (ح)، وَحَدَّثَنَا ابْنُ رَافِعٍ – وَاللَّفْظُ لَهُ – حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ ، أَخْبَرَنِي ابْنُ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ « أَنَّ أَبَا الصَّهْبَاءِ قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ : أَتَعْلَمُ أَنَّمَا كَانَتِ الثَّلَاثُ تُجْعَلُ وَاحِدَةً عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ، وَأَبِي بَكْرٍ وَثَلَاثًا مِنْ إِمَارَةِ عُمَرَ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَعَمْ ».
١٧ – (١٤٧٢) وَحَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ ، عَنْ طَاوُسٍ، « أَنَّ أَبَا الصَّهْبَاءِ قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ : هَاتِ مِنْ هَنَاتِكَ، أَلَمْ يَكُنِ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَاحِدَةً؟ فَقَالَ: قَدْ كَانَ ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ فِي عَهْدِ عُمَرَ تَتَايَعَ النَّاسُ فِي الطَّلَاقِ، فَأَجَازَهُ عَلَيْهِمْ ».
_________
(أناة) أي مهلة وبقية استمتاع لانتظار المراجعة. (فلو أمضيناه عليهم) أي فليتنا أنفذنا عليهم ما استعجلوا فيه. فهذا كان منه تمنيا، ثم أمضى ما تمناه. أو المعنى فلو أمضيناه عليهم لما فعلوا ذلك الاستعجال.
قال الشافعي: فإن كان معنى قول ابن عباس أن الثلاث كانت تحسب على عهد رسول الله، واحدة يعني أنه بأمر النبي فالذي يشبه والله أعلم أن يكون ابن عباس قد علم أن كان شيئاً فنسخ، فإن قيل: فما دل على ما وصفت؟ قيل: لا يشبه أن يكون يروي عن رسول الله شيئاً ثم يخالفه بشيء لم يعلمه كان من النبي فيه خلافه فإن قيل فلعل هذا شيء روي عن عمر فقال فيه ابن عباس بقول عمر قيل: قد علمنا أن ابن عباس يخالف عمر في نكاح المتعة وبيع الدينار بالدينارين وفي بيع أمهات الأولاد وغيره فكيف يوافقه في شيء يروى عن النبي فيه خلافه فإن قيل: فلم لم يذكره؟ قيل وقد يسأل الرجل عن الشيء فيجيب فيه ولا يتقصى فيه الجواب ويأتي على الشيء ويكون جائزاً له كما يجوز له لو قيل: أصلى الناس على عهد رسول الله إلى بيت المقدس؟ وأن يقول: نعم. وإن لم يقل ثم حولت القبلة قال: فإن قيل فقد ذكر على عهد أبي بكر وصدر من خلافة عمر قيل والله أعلم وجوابه حين استفتى يخالف ذلك كما وصفت، فإن قيل: فهل من دليل تقوم به الحجة في ترك أن تحسب الثلاث واحدة في كتاب أو سنة أو أمر أبين مما ذكرت. قيل: نعم.
حدثنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه قال: كان رجل إذا طلق امرأته ثم ارتجعها قبل أن تنقضي عدتها كان ذلك له وإن طلقها ألف مرة فعمد رجل إلى امرأة له فطلقها ثم أمهلها حتى إذا شارفت انقضاء عدتها ارتجعها ثم طلقها وقال: والله لا آويك إلي ولا تحلين أبداً، فأنزل الله: “الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان” فاستقبل الناس الطلاق جديداً من يومئذ من كان منهم طلق أو لم يطلق وذكر بعض أهل التفسير هذا فلعل ابن عباس أجاب على أن الثلاث والواحدة سواء وإذا جعل الله عدد الطلاق على الزوج وأن يطلق متى شاء فسواء الثلاث والواحدة وأكثر من الثلاث في أن يقضي بطلاقه.
قال الشافعي: وحكم الله في الطلاق أنه مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان وقوله فإن طلقها يعني والله أعلم الثلاث فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره، فدل حكمه أن المرأة تحرم بعد الطلاق ثلاثاً حتى تنكح زوجاً غيره وجعل حكمه بأن الطلاق إلى الأزواج يدل على أنه إذا حدث تحريم المرأة بطلاق ثلاث وجعل الطلاق إلى زوجها فطلقها ثلاثاً مجموعة أو مفرقة حرمت عليه بعدهن حتى تنكح زوجاً غيره كما كانوا مملكين عتق رقيقهم فإن أعتق واحداً أو مائة في كلمة لزمه ذلك كما يلزمه كلها جمع الكلام فيه أو فرقه مثل قوله لنسوة: أنتن طوالق ووالله لا أقربكن وأنتن علي كظهر أمي، وقوله لفلان: علي كذا ولفلان علي كذا ولفلان علي كذا فلا يسقط عنه بجمع الكلام معنى من المعاني جميعه كلام فيلزمه بجمع الكلام ما يلزمه بتفريقه، فإن قال قائل: فهل من سنة تدل على هذا؟ قيل: نعم.
حدثنا الربيع قال: أخبرنا الشافعي قال: أخبرنا سفيان عن الزهري عن عروة عن الزبير عن عائشة أنه سمعها تقول جاءت امرأة رفاعة القرظي إلى رسول الله فقالت: إني كنت عند رفاعة فطلقني فبت طلاقي فتزوجت عبد الرحمن بن الزبير وإنما معه مثل هدبة الثوب فتبسم رسول الله وقال: أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته، قال وأبو بكر عند النبي وخالد بن سعيد بن العاص بالباب ينتظر أن يؤذن له فنادى يا أبا بكر: ألا تسمع ما تجهر به هذه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال الشافعي: فإن قيل: فقد يحتمل أن يكون رفاعة بت طلاقها في مرات قلت ظاهره في مرة واحدة وبت إنما هي ثلاث إذا احتملت ثلاثاً، وقال رسول الله: أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا حتى يذوق عسيلتك ولو كانت عائشة حسبت طلاقها بواحدة كان لها أن ترجع إلى رفاعة بلا زوج فإن قيل: أطلق أحد ثلاثاً على عهد النبي قيل: نعم، عويمر العجلاني طلق امرأته ثلاثاً قبل أن يخبر النبي أنها تحرم عليه باللعان فلما أعلم النبي نهاه وفاطمة بنت قيس تحكي للنبي أن زوجها بت طلاقها تعني والله أعلم أنه طلقها ثلاثاً، وقال النبي: ليس لك عليه نفقة والله أعلم، لا رجعة له عليها ولم أعلمه عاب طلاق ثلاث معاً.
قال الشافعي: فلما كان حديث عائشة في رفاعة موافقاً ظاهر القرآن وكان ثابتاً كان أولى الحديثين أن يؤخذ والله أعلم وإن كان ليس بالبين فيه جداً.
قال الشافعي: ولو كان الحديث الآخر له مخالفاً كان الحديث الآخر يكون ناسخاً والله أعلم وإن كان ذلك ليس بالبين فيه جداً.
[اختلاف الحديث ص188 ت عبد العزيز]
جاء في جامع علوم أحمد:
529 – ما جاء في طلاق الثلاث
حديث ابن عباس رضي الله عنهما: كان الطلاق على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمر قد كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم. فأمضاه عليهم.
قال الإمام أحمد: هذا شاذ مطروح .
وقال مرة: عندما سئل: بأي شيء تدفعه؟ قال: أدفعه برواية الناس عن ابن عباس من وجوه خلافه، ثم ذكر عن عدة عن ابن عباس من وجوه أنها ثلاث .
وقال مرة: كل أصحاب ابن عباس رضي الله عنهما رووا خلاف ما قال طاوس، وروى سعيد بن جبير ومجاهد ونافع، عن ابن عباس خلاف ذلك (4).
[الجامع لعلوم الإمام أحمد – علل الحديث 15/ 68]
قال ابن المنذر:
ذكر اختلاف أخبار ابن عباس في هذا الباب
7630 – حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج، أخبرني ابن طاوس، عن أبيه أن أبا الصهباء قال لابن عباس: تعلم أنها كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وثلاثا من إمارة عمر؟ فقال ابن عباس: نعم.
7631 – حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق، عن معمر، أخبرني ابن طاوس عن أبيه، عن ابن عباس قال: كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة فقال عمر: إن الناس قد استعجلوا أمرا كانت لهم فيه أناة فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم.
ذكر الأخبار الدالة على أن ذلك لم يكن بعلم النبي صلى الله عليه وسلم ما أفتى بخلافه
7632 – حدثنا إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق [عن معمر] عن أيوب، عن عبد الله بن كثير، عن مجاهد قال سئل ابن عباس عن رجل طلق امرأته عدد النجوم، فقال: يكفيك من ذلك رأس الجوزاء.
7633 – حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج قال: أخبرني عكرمة بن خالد، أن سعيد بن جبير أخبره أن رجلا جاء إلى ابن عباس، فقال: طلقت امرأتي ألفا، فقال: تأخذ ثلاثا وتدع تسعمائة وسبعة وتسعين.
7634 – حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج قال: أخبرني عبد الحميد بن رافع، عن عطاء – بعد وفاته – أن رجلا قال لابن عباس: رجل طلق امرأته مائة، فقال ابن عباس: تأخذ من ذلك ثلاثا وتدع سبعا وتسعين.
7635 – حدثنا محمد بن علي، حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن مالك بن الحارث، قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال [إنه] طلق امرأته ثلاثا فأكثر، قال: عصيت ربك، وبانت منك امرأتك، ولم تتق الله فيجعل لك مخرجا.
7636 – أخبرنا محمد بن عبد الله، أخبرنا ابن وهب، أخبرني سفيان الثوري، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه قال لرجل طلق امرأته ألفا: ثلاث منها تحرمها عليك وبقيتها وزرا عليك اتخذت آيات الله هزوا.
قال أبو بكر: وغير جائز أن يظن بابن عباس أنه يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم يفتي بخلافه، فلما لم يجز ذلك دل فتيا ابن عباس على أن ذلك لم يكن عن علم النبي صلى الله عليه وسلم ولا [عن] أمره، إذ لو كان ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ما استحل ابن عباس أن يفتي بخلافه، أو كان ذلك منسوخا استدلالا بفتيا ابن عباس.
[الأوسط لابن المنذر 9/ 155]
قال أبو بكر القشيري:
[الطلاق ثلاثًا]
….والروايات عن ابن عباس في هذا كثيرة. ولم يختلف الناس في أن الثلاث تقع، إلا هذه الرواية الضعيفة.
قال أيوب السَّخْتِياني: كانوا يعجبون من كثرة خطأ طاوس، وكان رجلًا صالحًا من خيار المسلمين، إلا أنه كان كثير الخطأ، والتسريح والتطليق واحد.
قال مالك رضي الله عنه: المُبارِئَة: التي تبارئ زوجها فتقول: خذ الذي لكَ، قبل أن يدخل بها، والمُخْتَلِعَة هي التي تختلع من كل الذي لها، والمُفْتَدِيَة: التي تعطيه بعضَ الذي لها، وتُمسِك بعضه، وكله سواء.
[أحكام القرآن لبكر بن العلاء – ط جائزة دبي 1/ 239]
قال الطحاوي:
مسألة: [حكم طلاق الثلاث في كلمة واحدة]
قال أبو جعفر: (ومن طلق امرأته ثلاثًا في كلمة واحدة، وقد دخل بها، أو لم يدخل: طلقت ثلاثًا، ولا تحل له إلا بعد زوج يدخل بها).
قال أبو بكر: أما وقوع الثلاث معًا على المدخول بها، فهو إجماع السلف من الصدر الأول، ومن بعدهم من التابعين، وفقهاء الأمصار.
* وأما طلاق الثلاث معًا لغير المدخول بها، ففيه خلاف بين السلف.
قال علي بن أبي طالب، وابن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عمر، وابن عباس، وعبد الله بن عمرو، وابن مغفل، وأنس، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدري، وسعيد بن المسيب: إنه تقع الثلاث معًا إذا قالهن في كلمة واحدة.
وقال الحسن، وعطاء، وطاوس، وجابر بن زيد: إذا طلقها ثلاثًا قبل الدخول: فهي واحدة، وروي عن ابن عباس مثله في إحدى الروايتين…..
فإن قال قائل: روي عن ابن عباس “أن الثلاث كن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وصدرًا من إمارة عمر: واحدة، فلما رأى عمر الناس قد تتابعوا في الطلاق، أجاز ذلك عليهم”.
قيل له: هذا يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون لما رأى الناس يطلقون ثلاثًا في أطهار متفرقة قال: هذه الثلاث التي توقعونها، كان الناس في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وعمر إنما يطلقون واحدة، ثم إن عمر أجاز عليهم، ولم ينكره؛ لأنه جائز لهم أن يطلقوا ثلاثًا للسنة.
والوجه الآخر: أن يكون مراده في الطلاق الثلاث قبل الدخول، وقد روي ذلك عنه على هذا الوجه، وهو ما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا محمد بن عبد الملك بن مروان قال: حدثنا أبو النعمان قال: حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن غير واحد عن طاوس عن ابن عباس قال:
“كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها: جعلوها واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر، وصدرا من إمارة عمر، فلما رأى عمر الناس قد تتابعوا فيها، فقال: أجيزوهن عليهم”.
ووجه ذلك عندنا: أن يقول لها: أنت طالق، وطالق، وطالق، فتقع الأولى، وتبين بها، ولا يقع ما بعدها؛ لأنه صادفها وهي أجنبية…
[شرح مختصر الطحاوي للجصاص 5/ 61]
قال ابن بطال:
اتفق أئمة الفتوى على لزوم إيقاع طلاق الثلاث فى كلمة واحدة، فإن ذلك عندهم مخالف للسنة، وهو قول جمهور السلف، والخلاف فى ذلك شذوذ، وإنما تعلق به أهل البدع، ومن لا يلتفت إليه لشذوذه عن الجماعة التى لا يجوز عليها التواطؤ على تحريف الكتاب والسنة، وإنما يروى الخلاف فى ذلك عن السلف الحجاج بن أرطاة، ومحمد بن إسحاق. قال أبو يوسف القاضى: كان الحجاج بن أرطاة يقول: ليس طلاق الثلاث بشىء، وكان ابن إسحاق يقول: ترد الثلاث إلى واحدة. واحتجوا فى ذلك بما رواه ابن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: طلق ركانة بن يزيد امرأته ثلاثًا فى مجلس واحد، فحزن عليها حزنًا شديدًا، فسأله النبى، عليه السلام: (كيف طلقتها؟) ، قال: ثلاثًا فى مجلس واحد، قال: (إنما تلك واحدة، فارتجعها إن شئت) ، فارتجعها. وروى ابن جريج، عن ابن طاوس، عن أبيه، أن أبا الصهباء قال لابن عباس: ألم تعلم أن الثلاث كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأبى بكر، وصدرًا من خلافة عمر ترد إلى الواحدة؟ قال: نعم. قال الطحاوى: هذان حديثان منكران قد خالفهما ما هو أولى منهما، روى سعيد ابن جبير، ومجاهد، ومالك بن الحارث، ومحمد بن إياس بن البكير، والنعمان بن أبى عياش، كلهم عن ابن عباس فيمن طلق امرأته ثلاثًا أنه قد عصى ربه، وبانت منه امرأته ولا ينكحها إلا بعد زوج، روى هذا عن عمر، وعلى، وابن مسعود، وابن عمر، وأبى هريرة، وعمران بن حصين، ذكر ذلك الطحاوى بالأسانيد عنهم….
[شرح صحيح البخاري لابن بطال 7/ 390]
قال الخطابي:
طلاق الثلاث في مرة واحدة واقع لازم عند كافة الفقهاء. وقد شذ الحجاج بن أرَطَاة وابن مقاتل فَقَالَا: لا يقع، وتعلَّقا في ذلك بمثل هذا الخبر وبما قلناه إنّه وقع في بعض الطرق “أن ابن عمر طلقها ثلاثا في الحيض وأنه لم يحتسب به” (24). وبما وقع في حديث رُكانَة: “أنه طلقها ثلاثا وأمره صلى الله عليه وسلم بمراجعتها”، والرد على هؤلاء قوله تعالى: {وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا} (25) يعني أن المطلق قد يحدث له ندم فلا يمكنه تلافيه لوقوع البينونة فلو كانت الثلاث لا تقع أصلاً لَم يكن طلاق يبتدأ يقع إلا رجعيا فلا معنى للندم…
[المعلم بفوائد مسلم 2/ 191]
قال النووي:
هَذَا الْحَدِيثِ وَهُوَ مَعْدُودٌ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمُشْكَلَةِ وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ يَقَعُ الثَّلَاثُ وَقَالَ طَاوُسٌ وَبَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ لَا يَقَعُ بِذَلِكَ إِلَّا وَاحِدَةً وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرَطْأَةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ وَالْمَشْهُورُ عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَأَةَ أَنَّهُ لَا يَقَعُ بِهِ شَيْءٌ وهو قول بن مُقَاتِلٍ وَرِوَايَةٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ…
[شرح النووي على مسلم 10/ 70]
قال البسام:
* قرار مجلس كبار العلماء بشأن مسألة الطلاق الثلاث بلفظ واحد: رقم (18) وتاريخ 12/ 11/ 1393 هـ:
قال مجلس هيئة كبار العلماء: بَحْث مسألة الطلاق الثلاث بلفظٍ واحدٍ، وبعد الدراسة وتداول الرأي، واستعراض الأقوال التي قيلت فيها، ومناقشة ما على كل قولٍ، توصَّل المجلس بالأكثرية إلى اختيار القول بوقوع الطلاق الثلاث بلفظ واحدٍ ثلاثًا، وخالف من أعضاء المجلس خمسة وهم:
الشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ عبد الرزاق عفيفي، والشيخ عبد الله خياط، والشيخ راشد بن خنين، والشيخ محمد بن جبير.
فهؤلاء الخمسة لهم وجهة نظر نصّها ما يلي:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله وآله وبعد:
فنرى أن الطلاق الثلاث بلفظٍ واحدٍ طلقةٌ واحدة.
وقال محرِّره: وجاء كل واحد من الفريقين بأدلته وما يراه.
[توضيح الأحكام من بلوغ المرام 5/ 497]
قال الإتيوبي:
قال الجامع عفا الله عنه: لقد أحسن الشيخ الشنقيطيّ رحمه الله في تحقيق هذه المسألة، واستوعب البحث فيها من جميع الجوانب، فأجاد وأفاد.
وخلاصته ترجيح مذهب الجمهور في أن من قال لامرأته أنت طالق ثلاثًا تبين منه امرأته، ولا تحلّ له إلا بعد زوج آخر، وقد كنت رجّحت فيما كتبته في “شرح النسائيّ” قول من قال: إنها تقع واحدة، ثم ترجّح لديّ الآن أن مذهب الجمهور هو الصحيح؛ لقوّة حججهم، كما عرفته مما سبق، فللَّه سبحانه وتعالى الحمد والمنّة، وله الفضل والنعمة، وهو أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج 26/ 89]
—–
وفي فتح العلام:
مسألة [١]: هل الجمع لثلاث تطليقات في طهر لم يمسها فيه طلاق مباح أو بدعة؟
- من أهل العلم من قال: إنه طلاق غير محرم. وهو مذهب الشافعي، وأبي ثور، وأحمد في رواية، وهو قول ابن سيرين، والشعبي، ونقله ابن سيرين عن عبدالرحمن بن عوف، وهو منقطع كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (٥/ ١١)، وقال بذلك ابن حزم كما في «المحلى» (١٩٥٣).
واستدلوا على ذلك بحديث عويمر العجلاني لَمَّا لاعن امرأته، قال: كذبت عليها يا رسول الله، إن أمسكتها. فطلَّقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. متفق عليه ، ولم ينكر عليه النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.
وفي حديث عائشة رضي الله عنها أنَّ امرأة رفاعة قالت: يا رسول الله، إنَّ رفاعة طلقني فَبَتَّ طلاقي. متفق عليه.
وفي حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها أن زوجها أرسل إليها بثلاث تطليقات. أخرجه مسلم (١٤٨٠)؛ ولأنه جاز تفريقه، فيجوز جمعه.
- وقال جماعة من أهل العلم: هو طلاق محرم، وبدعة. وهو قول مالك، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية، ونقل عن جماعةٍ من الصحابة، منهم: عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، وغيرهم رضي الله عنهم. (٣) وقال به من التابعين: الحسن، والزهري وغيرهما.
واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنّ
وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ إلى قوله: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١]، وقوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] الآيات.
واستدلوا على ذلك بحديث محمود بن لبيد الذي في الكتاب، ولأنه ضرر وإضرار بنفسه، وامرأته.
وحديث المتلاعنين غير لازم؛ لأنَّ الفرقة لم تقع بالطلاق؛ فإنها وقعت بمجرد لعانهما، وعند الشافعي بمجرد لعان الزوج، والطلاق بعده طلاقٌ بعد انفساخ النكاح.
وحديث امرأة رفاعة قد جاء في بعض ألفاظه أنه طلقها آخر ثلاث تطليقات، وكذا حديث فاطمة بنت قيس في بعض ألفاظه أنه أرسل إليها بتطليقة كانت بقيت من طلاقها.
والقول الثاني هو الراجح، والله أعلم.
انظر: «المغني» (١٠/ ٣٣١ – ٣٣٣) «زاد المعاد» (٥/ ٢٤٣ – ٢٤٥، ٢٥٢).
تنبيه : قوله ( ونقل عن جماعةٍ من الصحابة، منهم: عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، وغيرهم رضي الله عنهم)
كلها آثار ثابتة، أسانيدها صحيحة؛ إلا أثر علي رضي الله عنه فله عند ابن منصور طريقان، أحدهما فيه انقطاع بين الحكم بن عتيبة وعلي، والثاني: فيه مبهمان. انظر: «سنن ابن منصور» (٢/ ٢٦١ -)، «مصنف ابن أبي شيبة» (٥/ ١١ -).
[٨ / ٤٦٩]
مسألة [٢]: إذا طلق امرأته ثلاثًا، فهل يقع ذلك؟
- أكثر أهل العلم على وقوع الطلاق البائن، فتقع ثلاث تطليقات، ولا تحل بعد ذلك حتى تنكح زوجًا غيره، لا فرق في ذلك بين قبل الدخول وبعده.
واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، فكما يجوز الجمع بين الاثنتين؛ يجوز بين الثلاث.
واستدلوا على ذلك بحديث سهل بن سعد في قصة المتلاعنين، وبحديث فاطمة بنت قيس المتقدم، وكذا حديث امرأة رفاعة.
واستدلوا على ذلك بحديث محمود بن لبيد، وقالوا: الظاهر أنه أجازها، ولم ينقل أنه قال: إنما هي واحدة.
واستدلوا على ذلك بحديث ركانة الذي فيه أنه طلق امرأته البتة، فاستحلفه أنه ما أراد إلا واحدة. يدل على أنه لو قصد ثلاثًا ما أعادها إليه.
واستدلوا بالآيات التي فيها ذكر الطلاق مطلقًا.
واستدلوا على ذلك بحديث علي عند الدارقطني (٤/ ٢٠)، أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «من طلَّق البتة؛ ألزمناه ثلاثًا، لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره»، وهو حديث ضعيفٌ، فيه إسماعيل بن أمية القرشي، وهو ضعيف، وفي إسناده مجاهيل.
واستدلوا بحديث معاذ بن جبل رضي الله عنه عند الدارقطني (٤/ ٢٠) بنحو حديث علي رضي الله عنه، وفيه أيضًا إسماعيل بن أمية، وهو ضعيف.
وصحَّ هذا القول عن ابن عباس، وابن مسعود، وعمر بن الخطاب، وابن عمر وغيرهم رضي الله عنهم، كما تقدم.
- والقول الثاني في هذه المسألة من ذهب إلى أنه يقع واحدة رجعية، وهذا القول ثابت عن ابن عباس رضي الله عنهما، وقال به ابن إسحاق. قال ابن القيم: وهو قول طاوس، وعكرمة، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية.
ورجَّحه ابن القيم، ثم الشوكاني، والصنعاني، وقال به نفر يسير من أصحاب مالك، وأبي حنيفة، وأحمد، وهو قول داود.
واستدل هؤلاء بحديث ابن عباس رضي الله عنهما الذي ذُكر في الباب، وفي «صحيح مسلم» أيضًا من طريق طاوس أنَّ أبا الصهباء قال لابن عباس: أتعلم إنما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأبي بكر، وثلاثًا من إمارة عمر؟ قال ابن عباس: نعم.
وعنده أيضًا بلفظ: ألم يكن الطلاق الثلاث على عهد رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأبي بكر واحدة؟ فقال: قد كان ذلك، فلما كان في عهد عمر تتابع الناس في الطلاق، فأجازه عليهم.
واستدلوا أيضًا بحديث ابن عباس في طلاق ركانة امرأته ثلاثًا، فقال رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «هي واحدة»، وقالوا: هو طلاق بدعة، والبدعة مردودة: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد».
- وذهب بعض أهل العلم إلى أنه يفرق بين المدخول بها وغيرها، فتقع الثلاث في المدخول بها، وأما غير المدخول بها فتقع واحدة، قال ابن القيم: هذا قول جماعة من أصحاب ابن عباس، وهو مذهب إسحاق بن راهويه فيما حكاه عنه
محمد بن نصر المروزي في كتاب «اختلاف العلماء».
واستدل لهم بما رواه أبو داود (٢١٩٩) من طريق: أيوب عن غير واحد، عن طاوس، أنَّ رجلًا يُقال له: أبو الصهباء كان كثير السؤال لابن عباس، قال: أما علمت أنَّ الرجل كان إذا طلَّق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة؟ قال ابن عباس: بلى، كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وأبي بكر، وعمر صدرًا من إمارته، فلما رأى أنَّ الناس قد تتابعوا فيهن قال: أجيزوهن عليهم. وفي إسناده رجلٌ مبهم؛ فهو ضعيفٌ، ولأنَّ أصحاب طاوس الثقات رووه عنه بدون ذكر «قبل أن يدخل بها» منهم: إبراهيم ابن ميسرة، وعبد الله بن طاوس، وهما ثقتان، فالرواية المذكورة ضعيفة إن لم تكن منكرة، وقد ضعفها الإمام الألباني رحمه الله كما في «ضعيف أبي داود».
وقالوا: إنَّ غير المدخول بها تَبِيْنُ بقوله (طالق)، فَذِكْرُ الثلاث يصادفها وهي بائن؛ فتلغوا وأما المدخول بها فتصادفها وهي غير بائن؛ فتقع، ونقل صاحب «المغني» هذا القول عن عطاء، وطاوس، وسعيد بن جبير، وجابر بن زيد.
- وذهب بعض المبتدعة إلى عدم وقوع الطلاق مطلقًا، لا واحدة ولا ثلاثًا، وهذا قول الرافضة، وقول إبراهيم بن عُليَّه، وهشام بن الحكم الرافضي.
قال الشوكاني رحمه الله: وبه قال أبو عبيدة، وبعض أهل الظاهر، وحجتهم أنه طلاق مبتدع؛ فلا يقع. والجواب أنَّ المبتدع هو الزيادة على الطلقة الواحدة. اهـ
وقد أجاب الجمهور على حديث ابن عباس رضي الله عنهما بأجوبة عديدة:
أحدها: تضعيف الحديث بأنَّ طاوسًا شذَّ فيه، ولم يذكر ذلك غيره، قال أحمد عند أن سأله الأثرم عن حديث ابن عباس رضي الله عنهما بأي شيء تدفعه؟ فقال: أدفعه برواية الناس عن ابن عباس من وجوه خلافه.
وقال البيهقي رحمه الله في «سننه»: أخرجه مسلم، وتركه البخاري، وأظنه تركه لمخالفته سائر الروايات عن ابن عباس … . وساق الروايات.
ثم قال: فهذه رواية سعيد بن جبير، وعطاء بن أبي رباح، ومجاهد، وعكرمة، وعمرو بن دينار، ومالك بن الحارث، ومحمد بن إياس بن بكير كلهم عن ابن عباس أنه أجاز الثلاث وأمضاهن، قال ابن المنذر: فغير جائز أن نظن بابن عباس أنه يحفظ عن النبي ﷺ شيئًا ثم يُفتي بخلافه. اهـ
ونقل ابن رجب عن الجوزجاني أنه قال: هو حديث شاذ. ونقل عن إسماعيل القاضي أنه قال في «أحكام القرآن»: طاوس مع فضله وصلاحه يروي أشياء منكرة، منها هذا الحديث.
الثاني: أنَّ الحديث منسوخ؛ ولذلك لم يقل به ابن عباس؛ لأنه علم في ذلك ناسخًا، قاله الشافعي، وأيَّده البيهقي بما أخرجه أبو داود من طريق: يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان الرجل إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها وإن طلقها ثلاثًا، فنسخ ذلك، وقال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾.
الثالث: أنه ورد في صورة خاصة، قال ابن سريج: يشبه أن يكون ورد في تكرير اللفظ، كأن يقول: (أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق)، وكانوا قبلُ على سلامة صدروهم يُقبل منهم أنهم أرادوا التوكيد، فلما كثر الناس في زمان عمر، وكثر الخداع؛ حمل عمر اللفظ على ظاهر التكرار، وأمضاه عليهم، وهذا القول ارتضاه القرطبي، وقال النووي: هو أصح الأجوبة.
الرابع: أنَّ المقصود بالحديث «كان الطلاق الذي يوقعه المطلق الآن ثلاثًا، يوقعه على عهد رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وأبي بكر واحدة» فهو إخبار عن الواقع لا عن المشروع، بمعنى أنهم كانوا يطلقون واحدة ثم صاروا في عهد عمر يطلقون ثلاثًا.
الخامس: ليس في الحديث أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- هو الذي كان يجعل الثلاث واحدةً، ولا أنه علم بذلك، فأقره.
السادس: أنَّ المقصود بالحديث طلاق (البتة)، فكان يقبل قولهم أنهم أرادوا واحدة، فَلمَّا كان عمر جعلها ثلاثًا؟
قال أبو عبد الله غفر اللهُ لهُ: الراجح هو القول الثاني؛ لصحة دليله، وهو حديث نصٌّ في المسألة.
وأما أدلة الجمهور فالجواب عنها كما يلي:
أولا: قولهم (آيات الطلاق تعم من أوقعها متفرقة ومجموعة).
قال ابن القيم رحمه الله: وغاية ما تمسكتم به إطلاق القرآن للفظ الطلاق، وذلك
لا يعم جائزه ومحرمه، كما لا يدخل تحته طلاق الحائض، وطلاق الموطوءة في طهرها، ومعلوم أنَّ القرآن لم يدل على جواز كل طلاق حتى تُحَمِّلُوه ما لا يطيقه، وإنما دل على أحكام الطلاق، والمبين عن الله عز وجل بيَّن حلاله وحرامه. وأما حديث الملاعن فأجابوا عنه بأنَّ الطلاق في ذلك الحين لغوٌ؛ لأنَّ الفرقة قد حصلت في اللعان، وقد بين ابن عباس أنَّ النبي ﷺ كان لا ينفذ هذا الطلاق. اهـ
وأما حديث امرأة رفاعة القرظي ففي بعض الروايات أنه طلقها آخر ثلاث تطليقات، وهي رواية في «الصحيح»، وكذلك حديث فاطمة بنت قيس كما تقدم في المسألة السابقة.
وأما حديثهم في قصة ركانة؛ فضعيفٌ كما بينا، وكذا أحاديثهم الأخرى.
وأما ما ذكروه عن حديث ابن عباس، فالجواب عنه كما يلي:
الأول: تضعيفهم الحديث.
قال ابن القيم رحمه الله: هذا المسلك من أضعف المسالك؛ إذ لم يعرف أحد من الحفاظ قَدَحَ في هذا الحديث، ولا ضعَّفه، وكما قيل للإمام أحمد: بأي شيء ترد حديث ابن عباس؟ فقال: برواية الناس عنه خلافه. ولم يرده بتضعيف، ولا قدح في صحته، ولا سبيل إلى ذلك؛ لأنَّ رواته كلهم أئمةٌ حُفَّاظٌ، وكون البخاري لم يخرج هذا الحديث في «صحيحه» ليس دليلًا على كونه مضطربًا غير صالح للاستدلال.
قلتُ: ومن حكم عليه بالشذوذ، كالجوزجاني وإسماعيل القاضي ليسوا
بمرتبة مسلم، وكذا الدارقطني؛ فإنه لم يذكره في «التتبع» ولا غيره من الحفاظ المتقدمين ثم إن ابن عباس قد صحَّ عنه القول بما يوافق هذا الحديث، فالقول الذي يوافق الحديث أولى، ولعله كان يقول بأحد القولين فرجع إلى الآخر، والله أعلم.
الثاني: دعوى النسخ.
تحتاج إلى دليل يثبت ذلك، وأما حديث عكرمة عن ابن عباس فليس فيه حجة، فإنما فيه أنَّ الرجل كان يطلق امرأته، ويراجعها بغير عدد، فنسخ ذلك، وقصر على ثلاث فيها تنقطع الرجعة، فأين ذلك في الإلزام بالثلاث بفم واحد؟
ثم كيف يستمر العمل بالمنسوخ إلى عهد عمر مع حاجة الناس إليه؛ لكونه مما يتعلق بالفروج؟!!
الثالث: حمل الحديث على تكرار اللفظ.
لا يساعده سياق الحديث، وهذا الذي أولوا فيه الحديث لم يتغير الحكم فيه بوفاة رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ولا يختلف على عهده وعهد خلفائه، ومن ينويه في قصد التأكيد لا يفرق بين بَرٍّ وفاجر، وصادق وكاذب، بل يرده إلى نيته، وكذلك من لا يقبله في الحكم، لا يقبله مطلقًا، برًّا كان أو فاجرًا.
الرابع: حملهم الحديث على المعنى المذكور.
باطلٌ لا تساعده ألفاظ الحديث.
الخامس: أنه ليس في الحديث أنَّ النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- هو الذي كان يجعل الثلاث واحدة.
قال ابن القيم رحمه الله في «الزاد»: يُقَالَ: سُبْحَانَك هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ أَنْ يَسْتَمِرّ هَذَا
الْجَعْلُ الْحَرَامُ الْمُتَضَمّنُ لِتَغْيِيرِ شَرْعِ الله، وَدِينِهِ، وَإِبَاحَةُ الْفَرْجِ لِمَنْ هُوَ عَلَيْهِ حَرَامٌ، وَتَحْرِيمُهُ عَلَى مَنْ هُوَ عَلَيْهِ حَلَالٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ وَأَصْحَابِهِ خَيْرِ الْخَلْقِ، وَهُمْ يَفْعَلُونَهُ وَلَا يَعْلَمُونَهُ، وَلَا يَعْلَمُهُ هُوَ، وَالْوَحْيُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ وَهُوَ يُقِرّهُمْ عَلَيْهِ، فَهَبْ أَنّ رَسُولَ الله ﷺ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُهُ، وَكَانَ الصّحَابَةُ يَعْلَمُونَهُ وَيُبَدّلُونَ دِينَهُ وَشَرْعَهُ، وَاَلله يَعْلَمُ ذَلِكَ وَلَا يُوحِيهِ إلَى رَسُولِهِ وَلَا يُعْلِمُهُ بِهِ، ثُمّ يَتَوَفّى الله رَسُولَهُ ﷺ وَالْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ.
قال: وَتَالله، لَوْ كَانَ جَعْلُ الثّلَاثِ وَاحِدَةً خَطَأً مَحْضًا؛ لَكَانَ أَسْهَلَ مِنْ هَذَا الْخَطَأِ الّذِي ارْتَكَبْتُمُوهُ، وَالتّأْوِيلِ الّذِي تَأَوّلْتُمُوهُ، وَلَوْ تَرَكْتُمْ الْمَسْأَلَةَ بِهَيْئَتِهَا؛ لَكَانَ أَقْوَى لِشَأْنِهَا مِنْ هَذِهِ الْأَدِلّةِ وَالْأَجْوِبَةِ. اهـ
السادس: قولهم: إنَّ المقصود بالحديث طلاق ألبتة.
هذا التأويل يخالف ألفاظ الحديث ولا يساعده لفظ الحديث من قريب أو بعيد.
وقد رجَّح القول الثاني شيخنا الإمام مقبل الوادعي رحمه الله، وهو ترجيح الإمام ابن عثيمين، والإمام ابن باز رحمة الله عليهما. ( والألباني ).
وأحسن مرجع لهذه المسألة هوكتاب ابن القيم رحمه الله «إغاثة اللهفان» فقد
تناول المسألة بتوسع من كل جانب (١/ ٤٢٥ – ٤٩٥).
تنبيه: مثل الخلاف السابق أن يقول: (أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق) وأن يقول: (طالق، وطالق، وطالق) أو يقول: (أنت طالق، ثم طالق، ثم طالق) أو يقول: (أنت طالق) ثم يقول: (أنت طالق) ثم يقول: (أنت طالق) أو (أنت طالق عشرًا) أو (مائة) ونحو ذلك من العبارات. قال ذلك شيخ الإسلام رحمه الله (٣٣/ ٧ – ٨) (٣٣/ ٧٢).
ويُستثنى من ذلك ما إذا أراد بتكراره ثلاثًا التأكيد، لا التطليق ثلاثًا؛ فإنه يقع واحدة عند أكثر أهل العلم، وصحَّ عن الثوري أنه قال: تقضى عليه بثلاث. وهو قول الشافعي.
تنبيه آخر: لو طلقها الثانية قبل الرجعة؛ فالأمر فيه كالخلاف السابق حتى ولو كان في طهر آخر.
__________
انظر: «المغني» (١٠/ ٣٣٤) «حاشية المسند» (٥/ ٦٢ – ٦٣) «البيان» (١٠/ ٨٠ -) «زاد المعاد» (٥/ ٢٤٧ – ٢٧٠) «الفتح» (٥٢٥٩) «أعلام الموقعين» (٣/ ٤٥ -) «نيل الأوطار» (٤/ ٣٥٦ -) «تهذيب السنن» (٣/ ١٢٥ – ١٣٠) «إغاثة اللهفان» (١/ ٤٢٥ -) «مجموع الفتاوى» (٣٣/ ٧ – ١٦، ٧١ – ٧٣، ٨١) «سنن ابن منصور» (١/ ٢٦١ -) «المحلى» (١٩٥٣) «مصنف ابن أبي شيبة» (٥/ ١١ -) «مصنف عبدالرزاق» (٦/ ٣٩٠ -) «سنن البيهقي» (٧/ ٣٣٣ -) «الداقطني» (٤/ ٥ -) رسالة «الطلاق الثلاث بلفظ واحد» لمحمد إشفاق السلفي.
و انظر: «مجموع الفتاوى» (٣٢/ ٣١١ -) (٣٣/ ٦٧).
[٨ / ٤٧٩]