143 ، 149) فتح ذي النعم بالبدر الأتم شرح صحيح مسلم
مجموعة أحمد بن علي ومحمد البلوشي وعدنان البلوشي وعمر الشبلي وأحمد بن خالد وأسامة الحميري
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وأن يبارك في ذرياتهم وذرياتنا)
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
جاء في صحيح الإمام مسلم رحمه الله من (٥٦) – (كِتَابُ: الإيمان)، (10) – (بَابُ مَنْ لَقِيَ اللهَ بِالْإِيمَانِ وَهُوَ غَيْرُ شَاكٍّ فِيهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ وَحَرُمَ عَلَى النَّارِ”)
وقال الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى:
[١٤٣] (٢٦) – (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، كِلَاهُمَا عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ – قَالَ أَبُو بَكْرٍ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ – عَنْ خالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ حُمْرَانَ، عَنْ عُثْمَانَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ – ﷺ – «مَنْ مَاتَ، وَهُوَ يَعْلَمُ أنَّهُ لَا إِلهَ إلَّا اللهُ، دَخَلَ الْجَنَّةَ»).
[١٤٤] (٢٧) – (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الْمُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّل، حَدَّثنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ، عَنِ الْوَلِيدِ أَبِي بِشْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ حُمْرَانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَثْمَانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ – ﷺ – يَقُولُ: مِثْلَهُ، سَوَاءً).
[١٤٥] (…) – (حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ النَّضرِ بْنِ أَبِي النَّضْر، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو النَّضْر، هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِم، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ الْأَشْجَعِيُّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ أَبِي صَالِح، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ – ﷺ – فِي مَسِيرٍ، قَالَ: فَنَفِدَتْ أَزْوَادُ الْقَوْم، «قالَ: حَتَّى هَمَّ بِنَحْرِ بَعْضِ حَمَائِلِهِمْ، قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ الله، لَوْ جَمَعْتَ مَا بَقِيَ مِنْ أَزْوَادِ الْقَوْم، فَدَعَوْتَ اللهَ عَلَيْهَا، قَالَ: فَفَعَلَ، قَالَ: فَجَاءَ ذُو الْبُرِّ بِبُرِّه، وَذُو التَّمْرِ بِتَمْرِه، قَالَ: وَقَالَ مُجَاهِدٌ: وَذُو النَّوَاةِ بِنَوَاهُ، قُلْتُ: وَمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ بِالنَّوَى؟ قَالَ: كَانُوا يَمُصُّونَهُ، وَيَشْرَبُونَ عَلَيْهِ الْمَاءَ، قَالَ: فَدَعَا عَلَيْهَا، حَتَّى مَلَأَ الْقَوْمُ أَزْوِدَتَهُمْ، قَالَ: فَقَالَ عِنْدَ ذَلِكَ: »أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ الله، لَا يَلْقَى اللهَ بِهِمَا عَبْدٌ، غَيْرَ شَاكٍّ فِيهِمَا، إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ«).
[١٤٦] (٢٨) – (حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ عُثْمَانَ، وَأَبُو كُرَيْبٍ، مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ جَمِيعًا، مَنْ أَبِي مُعَاوَيةَ، قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ: حَذَثنا أَبُو مُعَاوَيةَ، عَنِ الْأَعْمَش، مَنْ أَبِي صَالِح، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَوْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ – شَكَّ الْأَعْمَشُ – قَالَ: لَمَّا كَانَ غزْوَةُ تَبُوكَ، أَصَابَ النَّاسَ مَجَاعَةٌ، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، لَوْ أَذِنْتَ لَنَا، فَنَحَرْنَا نَوَاضِحَنَا، فَأَكَلْنَا وَادَّهَنَّا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ – ﷺ -: «افْعَلُوا»، قَالَ: فَجَاء عُمَرُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنْ فَعَلْتَ قَلَّ الظَّهْرُ، وَلَكِنْ ادْعُهُمْ بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ، ثُمَّ ادْع اللهَ لَهمْ عَلَيْهَا بِالْبَرَكَة، لَعَلَّ اللهَ أَنْ يَجْعَلَ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ – ﷺ -: «نَعَمْ»، قَالَ: فَدَعَا بِنِطَعٍ، فَبَسطَهُ، ثمَّ دَعَا بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ، قَالَ: فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِكَفِّ ذُرَةٍ، قَالَ: وَيَجِيءُ الآخَرُ بِكَفِّ تَمْرٍ، قَالَ: وَيَجِيءُ الآخَرُ بِكِسْرَةٍ، حَتَّى اجْتَمَعَ عَلَى النِّطَعِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ يَسِيرٌ، قَالَ: فَدَعَا رَسُولُ اللهِ – ﷺ – عَلَيْهِ بِالْبَرَكَة، ثُمَّ قَالَ: «خُذُوا أَوْعِيَتِكُمْ»، قَالَ: فَأَخَذُوا فِي أَوْعِيَتِهِمْ، حَتَّى مَا تَرَكُوا فِي الْعَسْكَرِ وِعَاءً إِلا مَلَؤُوهُ، قَالَ: فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، وَفَضَلَتْ فَضْلَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ – ﷺ -: «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ الله، لَا يَلْقَى اللهَ بِهِمَا عَبْدُ، غَيْرَ شَاكٍّ، فَيُحْجَبَ عَنِ الْجَنَّةِ»).
[١٤٧] (٢٩) – (حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ رَشَيْدٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ – يَعْنِي ابْنَ مُسْلِمٍ – عَنِ ابْنِ جَابِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَيْرُ بْنُ هَانِئٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي جُنَادَةُ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ، حَدَّثَنَا عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِت، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ – ﷺ -: «مَنْ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللهِ وَابْنُ أَمَتِه، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ، وَرُوحٌ مِنْهُ، وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ، وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ اللهُ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ»).
[١٤٨] (٣٠) – (وحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا مُبَشِّرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ عُمَيْرِ بْنِ هَانِئٍ، فِي هَذَا الإِسْنَادِ بِمِثْلِه، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ، عَلَى مَا كَانَ مِنْ عَمَلٍ»، وَلَمْ يَذْكُرْ: «مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ»).
[١٤٩] (…) – (حَدَّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ، عَنِ الصُّنَابِحِيِّ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِت، أَنَّهُ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَيْه، وَهُوَ فِي الْمَوْت، فَبَكَيْتُ، فَقَالَ: مَهْلًا، لِمَ تَبْكِي؟ فَوَالله، لَئِنْ اسْتُشْهِدْتُ لأَشْهَدَنَّ لَكَ، وَلَئِنْ شُفِّعْتُ لأَشْفَعَنَّ لَكَ، وَلَئِنِ اسْتَطَعْتُ لأَنفَعَنَّكَ، ثُمَّ قَالَ: وَاللهِ مَا مِنْ حَدِيثٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ – ﷺ – لَكُمْ فِيهِ خَيْرٌ، إِلا حَدَّثْتُكُمُوهُ، إِلا حَدِيثًا وَاحِدًا، وَسَوْفَ أُحَدِّثُكُمُوهُ الْيَوْمَ، وَقَدْ أُحِيطَ بِنَفْسِي، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ – ﷺ – يَقُولُ: «مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ النَّارَ»).
==========
تنبيه :
(خذوا في أوعيتكم) كل المصادر بإثبات ( في ) مائة وثمانية وعشرين مصدرا منها طبعات لصحيح مسلم وبعضها كتب مسندة وكتب متون وكتب شروح
بينما (خذوا أوعيتكم) باسقاط ( في) لم أجدها إلا عند الاتيوبي في البحر المحيط متن صحيح مسلم المقصود بالشرح
بينما في شرحه البحر المحيط قال : (خُذُوا فِي أَوْعِيَتِكُمْ)
وكذلك كتاب دراسات نقدية في الروايات المروية في شخصية عمر اسقط ( في )
وكتاب
نزهة الأفكار في شرح قرة الأبصار كذلك اسقطها
فتبين أن هناك سقط حرف ( في ) في طبعة الاتيوبي
أولاً: شرح الحديث، وبيان مفرداته:
قال الحافظ النووي رحمة الله عليه: ” بَابُ مَنْ لَقِيَ اللهَ بِالْإِيمَانِ وَهُوَ غَيْرُ شَاكٍّ فِيهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ وَحَرُمَ عَلَى النَّارِ”.
واختار الإتيوبي في تبوب الأحاديث: “(١٠) – (بَابٌ: مَنْ مَاتَ عَلَى التَّوْحِيدِ دَخَلَ الْجَنَّةَ)”.
قال الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى:
[١٤٣] (٢٦) -الحديث
شرح الحديث:
(عَنْ حُمْرَانَ) – بضمّ الحاء المهملة، وسكون الميم – ابن أبان (عَنْ عُثْمَانَ) بن عفّان – رضي الله عنه -، أنه (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ – ﷺ -: «مَنْ مَاتَ») «من» يحتمل أن تكون شرطيّة، وأن تكون موصولة مبتدأ، وجوابها، أو الخبر، قوله: «دخل» (وَهُوَ) الواو وللحال، أي والحال أَنّه (يَعْلَمُ أنهُ)
والجملة المفسّرة هنا هي قوله: (لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ)، أي: لا معبود بحق إلا الله سبحانه وتعالى، (دَخَلَ الْجَنَّةَ) قال بعض المحقّقين: لا شكّ أن الإقرار باللسان ركن من أركان الإيمان في حقّ القادر عليه، فمن علم أن لا إله إلا الله، ولكنه أبي أن يقرّ بذلك بلسانه مع القدرة على النطق، فليس بمؤمن، فمثل هذا الحديث يجب حمله على العاجز عن النطق؛ لخرس، أو مرض، أو عدم مُهلة. انتهى.
وقال القرطبيّ رحمه الله تعالى في «المفهم»: حقيقة العلم هي وُضُوح أمر ما، وانكشافه على غايته، بحيث لا يبقى له بعد ذلك غاية في الوضوح، ولا شكّ في
أن من كانت معرفته بالله تعالى ورسوله كذلك، كان في أعلى درجات الجنّة، وهذه الحالة هي حالة النبيين والصّدّيقين، ولا يلزم فيمن لم يكن كذلك أن لا يدخُل الجنّة، فإن من اعتقد الحقّ، وصدّق به تصديقًا جازمًا لا شكّ فيه ولا ريب دخل الجنّة، كما قدّمناه، وكما دلّ عليه قوله – ﷺ – في حديث أبي هريرة – رضي الله عنه -: «من لَقِي الله، وهو يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله غير شاكّ فيهما دخل الجنّة»، وكما قال: «من كان آخر قوله: لا إله إلا الله دخل الجنّة»، فحاصل هذين الحديثين أن من لقي الله تعالى، وهو موصوف بالحالة الأولى والثانية دخل الجنّة، غير أن هناك فرقًا بين الدرجتين كما بين الحالتين، كما صرّحت به الآيات الواضحات، كقوله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: ١١]، انتهى [«المفهم» ١/ ١٩٦ – ١٩٧].
وسيأتي البحث في هذا مستوفًى في المسائل – إن شاء الله تعالى -. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
وحديث عثمان – رضي الله عنه – هذا مما تفرّد به المصنّف، فلم يُخرجه البخاريّ.
وقال الإمام مسلم بن الحجاج رحمة الله عليه:
[١٤٥] (…) – الحديث
شرح الحديث:
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) – رضي الله عنه – أنه (قَالَ: كنّا مَعَ النَّبِيِّ – ﷺ – فِي مَسِيرٍ) قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: «الْمَسِير»: السير، يريد به السفر. انتهى.
وفي رواية الأعمش الآتية: «لَمّا كان غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة …»، فتبين بها أن ذلك المسير كان في غزوة تبوك.
(أَزْوَادُ الْقَوْمِ) بالرفع على الفاعليّة، و«الأَزْوَادُ» بالفتح: جمع زاب، وهو طعامُ المسافر المتّخذ لسفره (قَالَ) أبو هريرة – رضي الله عنه – (حَتَّى هَمَّ) الظاهر أن الضمير للنبيِّ – ﷺ -، وهو الذي يقتضيه صنيع القرطبيّ في «المفهم»، ويكون المعنى حتى هَمَّ النبيّ – ﷺ – أن يأمرهم بنحر بعض حمائلهم؛ ليستعينوا بذلك على دفع الجوع، ويحتمل أن يكون الضمير للقوم باعتبار أن لفظه مفرد، ويؤيّد هذا قوله في الرواية التالية: «قالوا: يا رسول الله لو أذنت لنا، فنحرنا نواضحنا».
قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: كان هذا الهمّ من النبيّ – ﷺ – بحكم النظر المصلحيّ، لا بالوحي، إلا ترى كيف عَرَض عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – عليه مصلحة أخرى، ظهر للنبيّ – ﷺ – رُجحانها، فوافقه عليها، وعمل بها [«المفهم» ١/ ١٩٨].
(بِنَحْرِ بَعْضِ حَمَائِلِهِمْ) يعني ما يَحمل أثقالهم، واحدتها حَمُولةٌ – بفتح الحاء – ومنه قوله تعالى: ﴿حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ [الأنعام: ١٤٢]، وهي الإبل التي تُحمَل عليها الأثقال، وتُسمّى رواحل؛ لأنَّها يُرحل عليها، وتُسمّى نواضح إذا استُقي عليها، والبعير ناضح، والناقة ناضحة، قاله أبو عبيد [«إكمال المعلم» ١/ ٢٣١ و«المفهم» ١/ ١٩٧].
وقال النوويّ رحمه الله تعالى: قوله «حمائلهم»: رُوِيَ بالحاء المهملة، وبالجيم، وقد نَقَلَ جماعة من الشُّرّاح الوجهين، لكن اختلفوا في الراجح منهما، فممن نَقَلَ الوجهين صاحب «التحرير»، والشيخ أبو عمرو بن الصلاح وغيرهما، واختار صاحب «التحرير» الجيم، وجزم القاضي عياض بالحاء، ولم يذكر غيرها، قال الشيخ أبو عمرو رحمه الله تعالى: وكلاهما صحيح، فهو بالحاء جمع حَمُولة – بفتح الحاء – وهي الإبل التي تُحْمَلُ، وبالجيم جمع جِمَالة – بكسرها – جمع جَمَل، ونظيره حَجَرٌ وحِجَارة، والجمل هو الذكر، دون الناقة. هكذا نقله النوويّ [«شرح مسلم» ١/ ٢٢٣].
(قَالَ) أبو هريرة – رضي الله عنه – (فَقَالَ عُمَرُ) أي بعد أن أذن لهم النبيّ – ﷺ – في أن ينحروا بعض حمائلهم (يَا رَسُولَ الله، لَوْ جَمَعْتَ) «لو» هنا للعرض، نحو قولك: لو تَنْزِل عندنا، فتصيبَ خيرًا، ويحتمل أن تكون للتمنّي، كقولك: لو تأتيني، فتحدِّثَني، أي أتمنّى ذلك، ويحتمل أن تكون للشرط، ويقدَّر جوابها «لكان خيرًا».
وفي الرواية التالية: «فجاء عمر، فقال: يا رسول الله إن فعلتَ قلّ الظهر، ولكن ادعهم بفضل أزوادهم …»
(قَالَ: فَجَاءَ ذُو الْبُرِّ بِبُرِّهِ) «البُرّ» بضمّ الموحّدة، وتشديد الراء: الْقَمْحُ، والواحدة: بُرّةٌ [«المصباح» ص ١٤٣]
(وَقَالَ مُجَاهِدٌ: وَذُو النَّوَاةِ بِنَوَاهُ) يعني أن مجاهدًا زاد في روايته لهذا الحديث قوله: «وذو النواة بنواه»، ولم أجد رواية مجاهد هذه.
(قُلْتُ) الظاهر أن القائل هو طلحة، كسابقه (وَمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ بِالنَّوَى؟) أي: أيَّ شيء يستفيدون بإحضارهم النوى (قَالَ: كَانُوا يَمَصُّونَهُ) – بفتح الميم – هذه هي اللغة الفصيحة المشهورة … قاله النوويّ في «شرحه» [«شرح مسلم» ١/ ٢٢٣ – ٢٢٤]… وتوسع الاتيوبي هنا وقال
[وراجع: «الفتح الودوديّ في حاشية المكوديّ» ٢/ ٨٣٩]
وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى: قوله: «أزودتهم» كذا الرواية فيه في جميع أصول شيوخنا، و«الأزودة» غير الأوعية، كما قال في الحديث الآخر: «أوعيتهم»، ولعلّه «مَزَاودهم»، أو سمّى الأوعية بما فيها، كما سُمِّيت الأسقية «رَوَايَا» بحامليها، وإنما الرَّوَايَا الإبلُ التي تحملها، وسُمّيت النساء ظعائن باسم الهودج التي حُمِلت فيها. انتهى [«إكمال المعلم» ١/ ٢٢٩ – ٢٣٠].
وقرر ذلك ايضا القرطبي [“المفهم”، ١١/ ١٩٨].
وقال أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى: «الأَزْوِدَة: جمع زاد، وهي لا تُمْلأُ، إنما تُمْلأُ بها أوعيتُهَا، قال: ووجهه عندي أن يكون المراد حتى ملأ القوم أوعية أزودتهم، فحُذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه،
قال: فاعلم ذلك، فإنه حرف مشكلٌ، لَمْ أرهم شرحوه إلَّا ما كان من القاضي عياض، فإنه ذكر فيه أنه يحتمل أنه سَمَّى الأوعية بما فيها، كما سُمّيت الأسقية رَوَايَا بحاملها، وإنما الروايا الإبل التي تحملها، وسُمِّيت النساء ظعائن باسم الْهَوَادج التي حُمِلت فيها، وما قاله غير مسلَّم، وتسمية رَوَايَا من توليد العامّة، والأمر في الظعائن على العكس مما ذكره، فإن صفة الظَّعْن للنساء بالأصالة. انتهى كلام ابن الصلاح [«صيانة صحيح مسلم» ص ١٨٠ – ١٨١].
قال الإتيوبي عفا الله تعالى عنه: تعقّب ابن الصلاح على القاضي عياض فيه نظر لا يخفي، فإن ما قاله قد أثبته أهل اللغة، فراجع «القاموس»، و«شرحه»، و«لسان العرب».
والحاصل أن تأويل القاضي ليس ببعيد، فتبصّر، والله تعالى أعلم.
(قَالَ) أبو هريرة – رضي الله عنه – (فَقَالَ) – ﷺ – (عِنْدَ ذَلِكَ) أي عند معاينته ظهور البركة على ما دعا فيه بالبركة من بقيّة الأزواد («أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ الله، لَا يَلْقَى اللهَ بِهِمَا) أي بكلمتي الشهادة المذكورتين (عَبْدُ، غَيْرَ شَاكٍّ فِيهِمَا) بنصب »غير« على الحال (إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ»).
قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: ظاهر هذا الحديث أن من لَقِي الله تعالى، وهو يشهد أن لا إله إلَّا الله دخل الجَنَّة، ولا يدخل النار، وهذا صحيحٌ فيمن لقي الله تعالى بريئًا من الكبائر، فأما من لقي الله تعالى مرتكب كبيرة، ولم يَتُبْ منها، فهو في مشيئة الله تعالى التي دلّ عليها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وقد جاءت الأحاديث الكثيرة الصحيحة المفيدة بكثرتها حصول العلم القطعيّ أن طائفة كثيرة من أهل التوحيد يدخلون النار، ثم يخرجون منها بالشفاعة، أو بالقبضة يَقْبِضُهَا الله تعالى التي وردت في الحديث الصحيح كما سيأتي في أحاديث الشفاعة – إن شاء الله تعالى – أو بما شاء الله تعالى، فدلّ ذلك على أن الحديث المتقدم ليس على ظاهره، فيتعيّن تأويله، ولأهل العلم فيه تأويلان:
[أحدهما]: أن هذا العموم يُراد به الخصوص ممن يعفو الله تعالى عنه من أهل الكبائر، ممن يشاء الله تعالى أن يَغفِر له؛ ابتداءً من غير توبة كانت منهم، ولا سبب يقتضي ذلك، غير محض كرم الله تعالى وفضله، كما دلّ عليه قوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، وهذا على مذهب أهل السنّة والجماعة، خلافًا للمبتدعة المانعين تفضّل الله تعالى بذلك، وهو مذهبٌ مردود بالأدلّة العقليّة والنقليّة.
[وثانيهما]: أنهم لا يُحجبون عن الجنّة بعد الخروج من النار، وتكون فائدته الأخبار بخلود كلّ من دخل الجَنَّة فيها، وأنه لا يُحجب عنها، ولا عن شيء من نعيمها. انتهى [«المفهم» ١/ ١٩٩ – ٢٠٠].
وقد تقدّم تمام البحث في هذا قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
وحديث أبي هريرة – رضي الله عنه – هذا تفرّد به المصنّف رحمه الله تعالى [أي عن البخاريّ رحمه الله تعالى].
(مسألة): في بيان استدراك الإمام الدارقطنيّ رحمه الله تعالى على إسناد هذا الحديث.
راجع جواب الأئمة في شرح الاتيوبي
[البحر المحيط الثجاج]
—
قال الإمام مسلم بن الحجاج رحمة الله عليه:
[١٤٦] (٢٨) -الحديث
شرح الحديث:
و«تَبُوك» – بفتح التاء، وضمّ الباء – هي طرف الشام، من جهة القبلة، وبينها وبين المدينة نحو أربعة عشر مرحلة، وبينها وبين دمشق إحدى عشرة مرحلةً، وكانت غزوة النبيّ – ﷺ – تبوك سنة تسع من الهجرة، ومنها راسل عظماء الروم «وجاء إليه – ﷺ – من جاء، وهي آخر غزواته بنفسه، قال الأزهريّ: أقام النبيّ – ﷺ – بتبوك بضعة عشر يومًا، والمشهور ترك صرف تبوك؛ للتأنيث والعلَميّة، قاله النوويّ في »تهذيبه« [»تهذيب الأسماء واللغات” ٣/ ٤٣].
وقال الفيّوميّ: باكتِ الناقةُ تَبُوكُ بَوْكًا: سَمِنَت، فهي بائك، بغير هاء، وبهذا المضارع سُمِّيت غَزْوة تبوك؛ لأن النبيّ – ﷺ – غَزَاها في شهر رجب سنة تسع، فصالح أهلها على الجزية من غير قتال، فكانت خالية من البُؤس، فأشبهت الناقة التي ليس بها هُزَالٌ، ثم سُمّيت البقعة تبوك بذلك، وهو موضع من بادية الشام، قريب من مدين الذين بعثَ اللهُ تعالى إليهم شعيبًا – عليه السلام -. انتهى [«المصباح المنير» ١/ ٦٦].
وذكر المرتضى في «التاج» أنه اختُلف في وزن تبوك، ووجه تسميتها، قال الأزهريّ: فإن كانت التاء أصليّةً، فلا أدري مم اشتقاق تبوك، وإن كانت للتأنيث في المضارع، فهي من باكت تبوك، ثم قال: وقد يكون تبوك على تَفْعول. انتهى [«تاج العروس من جواهر القاموس» ٧/ ١١٣].
[تنبيه]: قيل: سبب غزوة تبوك هو ما رواه البيهقي في «دلائل النبوّة» عن الحاكم، عن أحمد بن عبد البربار العُطَارديّ، عن يونس بن بكرٍ، عن عبد الحميد بن بَهْرَام، عن شَهْر بن حَوْشَب، عن عبد الرَّحمن بن غَنْم، أن اليهود أتوا رسول الله – ﷺ – يومًا فقالوا: يا أبا القاسم، إن كنت صادقًا أنك نبيّ، فالْحَقْ بالشام، فإن الشام أرض المحشر، وأرض الأنبياء، فَصدَّق ما قالوا، فغزا غزوة تبوك، لا يريد إلَّا الشام، فلما بلغ تبوك أنزل الله آيات من سورة بني إسرائيل، بعد ما خُتِمَت السورة: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا﴾ [الإسراء: ٧٦]، فأمره الله بالرجوع إلى المدينة، وقال: «فيها محياك ومماتك، ومنها تُبْعَث».
قال الحافظ ابن كثير: وفي هذا الإسناد نظر، والأظهر أن هذا ليس بصحيح، فإن النبيّ – ﷺ – لَمْ يغز تبوك عن قول اليهود، وإنما غزاها امتثالًا لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣]، ولقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩]، وغزاها لِيَقْتَصَّ ويَنْتَقِمَ ممن قَتَلَ أهلُ مؤتة من أصحابه، والله أعلم، ولو صَحَّ هذا لَحُمِل عليه الحديث الذي رواه الوليد بن مسلم، عن عُفَير بن معدان، عن سُلَيم بن عامر، عن أبي أمامة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – ﷺ -: «أُنزل القرآن في ثلاثة أمكنة: مكة، والمدينة، والشام»، قال الوليد: يعني بيت المقدس، وتفسير الشام بتبوك أحسن مما قال الوليد: إنه بيت المقدس. انتهى كلام ابن كثير [«تفسير ابن كثير» ٣/ ٥٤]، وهو تحقيق حسنٌ، والله تعالى أعلم.
وقولهم: «لو أذنت لنا»، من أحسن آداب خطاب الكبار .
وفيه أنه لا ينبغي لأهل العسكر من الْغُزَاة أن يُضَيِّعُوا دوابهم التي يستعينون بها في القتال بغير إذن الإمام، ولا يأذن لهم إلَّا إذا رأى مصلحةً، أو خاف مفسدةً ظاهرةً. والله تعالى أعلم [«شرح النووي» ١/ ٢٢٥].
(فَنَحَرْنَا نَوَاضِحَنَا) النواضحُ: من الإبل التي يُسْتَقَى عليها، قال أبو عبيد: الذَّكَر منها ناضح، والأُنثى ناضحة، وقال الفيّوميّ: ونَضَحَ البعير الماءَ: حمله من نهر، أو بئر؛ لسقي الزرع، فهو ناضحٌ، والأنثى ناضحةٌ بالهاء، سُمّي ناضحًا؛ لأنه يَنْضَحُ العطشَ، أي يَبُلّهُ بالماء الذي يحمله، هذا أصله، ثم استُعمل الناضح في كلّ بعير، وإن لَمْ يحمل الماء، والجمع نواضح. انتهى [«المصباح المنير» ٢/ ٦٠٩ – ٦١٠].
(فَأَكَلْنَا وَادِّهَنِّا) قال صاحب «التحرير»: ليس مقصودهم ما هو المعروف من الادِّهَان، وإنما معناه اتَّخَذنا دُهْنًا من شُحُومها. انتهى.
وقال النوويّ في «شرحه»: المرادـ «الظهْرِ» هنا: الدَّوَابُّ، سُمِّيت ظهرًا؛ لكونها يُركَبُ على ظهرها، أو لكونها يُستَظهر، ويُستعان بها على السفر.
وفيه جواز الإشارة على الأئمة والرؤساء، وأن للمفضول أن يشير عليهم بخلاف ما رأوه، إذا ظهرت مصلحته عنده، وأن يشير عليه بإبطال ما أَمَرُوا بفعله [«شرح مسلم» ١/ ٢٢٥].
(قَالَ) الراوي (فَدَعَا) – ﷺ – «(بِنِطَعٍ) فيه أربع لغات مشهورة: أشهرُها كسر النون مع فتح الطاء، والثانية فتحهمَا، والثالثة فتح النون مع إسكان الطاء، والرابعة كسر النون مع إسكان الطاء، وهو الْمُتَّخذ من الأَدِيم معووف، والجمع: أَنْطَاع، ونُطُوعٌ [راجع: «المصباح» ٢/ ٦١١ و«شرح النووي» ١/ ٢٢٥].
(فَبَسَطَهُ، ثُمَّ دَعَا بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ، قَالَ) الراوي (فَجَعَلَ) أي شرع (الرَّجُلُ يَجِيءُ بِكَفِّ ذُرة) أي بمقدار ما يملأ كفّه، وفيه إشارة إلى قلّته، و»الذّرَة«بضم الذال المعجمة، وفتح الراء المخفّفة: حبّ معروف،
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ – ﷺ -) اعترافًا بفضل الله تعالى، وبيانًا للناس أنه بمحض فضله، وأنه لا دخل له في ذلك، وإنما هو رسول مبلّغ عن الله – سبحانه وتعالى -، فاستجاب الله تعالى دعوته، وأنزل له البركة في ذلك الطعام تصديقًا لكونه رسوله بالحقّ (أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنِّي رَسُولُ الله، لَا يَلْقَى اللهَ بِهِمَا) أي بهاتين الكلمتين (عَبْد) حال كونه (غَيْرَ شَاكٍّ) في مدلولهما (فَيُحْجَبَ عَنِ الْجَنَّةِ) انتهى [«المفهم» ١/ ١٩٨ – ١٩٩ بزيادة].
وتخريج الحديث، وبيان المسائل المتعلّقة به تقدّما في الحديث الماضي. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وقال الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى:
[١٤٧] (٢٩) -الحديث
شرح الحديث:
(عَنْ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ) أنه قال: (حَدَّثَنَا عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ) الأنصاريّ – رضي الله عنه – (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ – ﷺ -: «مَنْ») شرطيّةٌ مبتدأ جوابها «أدخله الله إلخ»، أو موصولة مبتدأ خبره الجملة المذكورة (قَالَ: أَشْهَدُ) أي من تكلّم بها، عارفًا لمعناها، عاملًا بمقتضاها باطنًا وظاهرًا، فلا بدّ في الشهادتين من العلم واليقين، والعمل بمدلولهما، كما قال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]، وقال: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦]، أما النطق بها من غير معرفة معناها، ولا يقين، ولا عمل بما تقتضيه، من البراءة من الشرك، وإخلاص القول والعمل، فغير نافع بالإجماع [راجع: «فتح المجيد شرح كتاب التوحيد» ص ٥٨]
[تنبيه]: قال الوزير أبو المظفر رحمه الله تعالى في «الإفصاح»: قوله: «شهادة أن لا إله إلَّا الله» يقتضي أن يكون الشاهد عالِمًا بأنه لا إله إلَّا الله، كما قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]، قال: واسم «الله» مرتفع بعد «إلَّا» من حيث إنه الواجب له الإلهيّة، فلا يستحقها غيره – سبحانه وتعالى -، قال: وجملة الفائدة في ذلك أن تعلم أن هذه الكلمة مشتملة على الكفر بالطاغوت، والإيمان بالله، فإنك لَمَّا نَفَيتَ الإلهيَّة، وأثبت الإيجاب لله – سبحانه وتعالى – كنت ممن كفر بالطاغوت، وآمن بالله.
وقال ابن القيّم رحمه الله تعالى في «المبدائع» ردًّا لقول من قال: إن المستثنى مُخرج من المستثنى منه، قال: بل هو مخرج من المستثنى منه وحكمه، فلا يكون داخلًا في المستثني، إذ لو كان كذلك لَمْ يدخل الرجل في الإسلام بقوله: «لا إله إلَّا الله»؛ لأنه لَمْ يُثبت الإلهيّة لله تعالى، وهذه أعظم كلمة تضمّنت بالوضع نفي الإلهيّة عمّا سوى الله، وإثباتها له بوصف الاختصاص، فدلالتها على إثبات إلهيّته أعظم من دلالة قولنا: «الله إله»، ولا يستريب أحدٌ في هذا البتّة. انتهى.
وقال أيضًا: «الإله» هو الذي تألهه القلوب محبّةً وإجلالًا وإنابةً، وإكرامًا وتعظيمًا، وذُلًّا وخضوعًا، وخوفًا ورجاءً، وتوكّلًا.
وقال شيخ الإسلام: «الإله» هو المعبود المطاع، فإن الإله هو المألوه، والمألوه هو الذي يستحقّ أن يُعبَد، وكونه يستحقّ أن يُعبد هو بما اتّصف به من الصفات التي تستلزم أن يكون هو المحبوب غاية الحبّ، المخضوع له غاية الخضوع، قال: فإن الإله هو المحبوب المعبود الذي تُؤَلِّهُهُ القلوب بحبها، وتخضع له، وتذلّ له، وتخافه وترجوه، وتُنيب إليه في شدائدها، وتدعوه في مهمّاتها، وتتوكّل عليه في مصالحها وتلجأ إليه، وتطمئنّ بذكره، وتسكن إلى حبّه، وليس ذلك إلَّا اللهُ وحده، ولهذا كانت «لا إله إلَّا الله» أصدق الكلام، وكان أهلها أهل الله وحزبه، والمنكرون لها أعداءه، وأهل غضبه ونقمته، فإذا صحّت صحّ بها كلّ مسألة وحال وذوق، وإذا لَمْ يُصحّحها العبد، فالفساد لازم له في علومه وأعماله. انتهى.
وقال ابن رجب: «الإله» هو الذي يُطاع فلا يُعصى هيبةً له وإجلالًا، ومحبَّةً وخوفًا ورجاء، وتَوَكُّلًا عليه، وسؤالًا منه، ودعاءً له، ولا يصلح هذا كلّه إلَّا لله – عز وجل -، فمن أشرك مخلوقًا في شيء من هذه الأمور التي هي من خصائص الإلهيّة كان ذلك قدحًا في إخلاصه في قوله: «لا إله إلَّا الله»، وكان فيه من عبوديّة المخلوق، بحسب ما فيه من ذلك. انتهى [نقل هذا كلّه في: «فتح المجيد شرح كتاب التوحيد» ص ٦٠ – ٦١].
(وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) أي وشهِدَ بذلك، وهو معطوف على «أن لا إله إلَّا الله»، وهذان الوصفان أخصّ أوصاف النبيّ – ﷺ -، ولذا وصفه الله تعالى بالعبوديّة في أسمى المقام، فقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: ١].
قوله (وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللهِ وَابْنُ أَمَتِهِ)، أي خلافًا لما يعتقده النصارى أنه ابن الله، أو ثالث ثلاثة، تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا، ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ [المؤمنون: ٩١].
فلا بدَّ للمكلف أن يشهد أن عيسى عبد الله ورسوله على علم ويقين بأنه مملوك لله، خلقه من أنثى بلا ذكر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩)﴾ [آل عمران: ٥٩]، فليس ربًّا ولا إلهًا، قال تعالى: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣) ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤) مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥) وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦)﴾ [مريم: ٢٩ – ٣٦]، وقال: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا (١٧٢)﴾ الآية [النساء: ١٧٢].
ولا بدّ أيضًا أن يشهد ببطلان قول أعدائه اليهود: إنه ولد بغيّ، لعنهم الله تعالى، فلا يصحّ إسلام أحد علم ما يقولونه حتى يتبرّأ من قول الطائفتين جميعًا في عيسى – عليه السلام -، ويعتقد ما قاله الله تعالى فيه: إنه عبد الله ورسوله.
وقوله: (وَكَلِمَتُهُ) قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: سُمّي عيسى – عليه السلام – كلمةً؛ لأنه كان بكلمة الله، قيل: هي قوله: «كن»، فكان، وقيل: هي الرسالة التي جاء بها الملك لأمه مبشّرًا به عن أمر الله، كما ذكره في كتابه، وقال ابن عبّاس في: الكلمة اسم عيسى. انتهى [«إكمال المعلم» ١/ ٢٣٣].
وقال النوويّ: سُمّي كلمةً؛ لأنه كان بكلمة «كن» فحسب، من غير أب بخلاف غيره من بني آدم، وقال الهرويّ: سُمِّي كلمة؛ لأنه كان عن الكلمة، فسمي بها، كما يقال للمطر: رحمةٌ. انتهى [«شرح مسلم» ١/ ٢٢٧].
وقال في «الفتح»: وقوله: «وكلمته»: إشارة إلى أنه حجة الله على عباده، أبدعه من غير أب، وأنطقه في غير أوانه، وأحيا الموتى على يده، وقيل: سُمِّي كلمة الله؛ لأنه أوجده بقوله: «كن»، فلما كان بكلامه سُمِّي به، كما يقال: سيف الله، وأسد الله، وقيل: لَمّا قال في صغره: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم: ٣٠] [«الفتح» ٦/ ٥٤٧].
وقال القرطبيّ: اختُلف في وصف عيسى عليه السلام بكونه كلمة، فقيل: لأنه تكوَّن بكلمة «كن» من غير أب، وقيل: لأن الملك جاء أمَّه بكلمة البشارة به عن أمر الله تعالى، وهذان القولان أشبه ما قيل: في ذلك. انتهى [«المفهم» ١/ ٢٠٠].
(أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ) أي أوصلها إليها، وحصلها فيها [«الكاشف» ٢/ ٤٨١]، وقيل: معنى «ألقاها»، أي أعلمها بها، يقال: ألقيتُ عليك كلمة: أي أعلمتك بها، قاله القاضي عياض [«إكمال المعلم» ١/ ٢٣٣].
وأصل الإلقاء طرح الشيء حيث تلقاه، ثم استُعمل في كلّ طرح، ويقال: ألقيتُ إليك قولًا، وسلامًا، وكلامًا، ومودّةً، وألقى الله الشيء في القلب: قذفه، وألقى القرآن: أوحى به، وأنزله [راجع: «المفردات» للراغب ص ٤٥٣، و«تاج العروس شرح القاموس» ١٠/ ٣٣٠ – ٣٣١].
وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١]، أي إنما هو عبد من عباد الله، وخلق من خلقه، قال له: كن فكان، ورسول من رسله، وكلمته القاها إلى مريم، أي: خلقه بالكلمة التي أرسل بها جبريل – عليه السلام – إلى مريم، فنفخ فيها من روحه بإذن ربّه – عز وجل -، فكان عيسى بإذنه – عز وجل -، فهو ناشئ عن الكلمة التي قال له: ﴿كُنْ﴾ البقرة: ١١٧، فكان، والروح التي أرسل بها هو جبريل – عليه السلام -، وكانت تلك النفخة التي نَفَخَها في جيب دِرْعها، فَنَزَلت حتى وَلَجَت فرجها بِمَنْزِلة لقاح الأب والأم، والجميع مخلوق لله – عز وجل -، ولهذا قيل لعيسى: إنه كلمة الله، وروح منه؛ لأنه لَمْ يكن له أبُ تَوَلَّدَ منه، وإنما هو ناشئ عن الكلمة التي قال له بها كن فكان، والروحِ التي أَرسل بها جبريل – عليه السلام -.
قال: وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان الواسطيّ، قال: سمعت شاذ بن يحيى، يقول في قول الله: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١]، قال: ليس الكلمةُ صارت عيسى، ولكن بالكلمة صار عيسى، قال ابن كثير: وهذا أحسن مما ادّعاه ابن جرير في قوله: ﴿أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ [النساء: ١٧١]: أي أعلمها بها، كما زعمه في قوله: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٤٥]: أي يُعْلمك بكلمة منه، ويَجْعَلُ ذلك كقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص: ٨٦]، بل الصحيح أنَّها الكلمة التي جاء بها جبريل إلى مريم، فَنَفَخَ فيها بإذن الله، فكان عيسى – عليه السلام -.
قال: فقوله في الآية والحديث: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١]، كقوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣]: أي من خلقه، ومن عنده، وليست «من» للتبعيض، كما تقوله النصارى – عليهم لعائن الله المتتابعة بل هي لابتداء الغاية، كما في الآية الأخرى، وقد قال مجاهد في قوله: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١]: أي ورسول منه، وقال غيره: ومحبة منه، والأظهر الأول، وهو أنه مخلوق من رُوح مخلوقة، وأضيفت الروح إلى الله على وجه التشريف، كما أضيفت الناقة، والبيت إلى الله في قوله: ﴿هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٧٣]، وفي قوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [الحج: ٢٦]، وكما وَرَدَ في الحديث الصحيح: «فأدخل على ربي في داره»، أضافها إليه إضافة تشريف، وهذا كله من قبيل واحد، ونمط واحد [«تفسير ابن كثير» ص ٣٧٤]. انتهى كلام ابن كثير رحمه الله تعالى، وهو تحقيقٌ نفيس، والله تعالى أعلم.
[تنبيه]: قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: المضاف إلى الله تعالى إذا كان معنى لا يقوم بنفسه، ولا بغيره من المخلوقات وجب أن يكون صفة لله تعالى قائمة به، وامتنع أن تكون إضافته إضافة مخلوق مربوب، وإذا كان المضاف عينًا قائمة بنفسها، كعيسى وجبريل – عليه السلام – وأرواح بني آدم امتنع أن تكون صفة لله تعالى؛ لأن ما قام بنفسه لا يكون صفة لغيره، لكن الأعيان المضافة إلى الله تعالى على وجهين:
[أحدهما]: أن تضاف إليه؛ لكونه خلقها وأبدعها، فهذا شاملٌ لجميع المخلوقات، كقولهم: سماء الله، وأرض الله، فجميع المخلوقين عبيد الله، وجميع المال مال الله.
[الوجه الثاني]: أن يُضاف إليه لما خصّه به من معنى يُحبّه، ويأمر به، ويرضاه، كما خصّ البيت العتيق بعبادة فيه لا تكون في غيره، وكما يقال في مال الخمس والفيء: هو مال الله تعالى ورسوله – ﷺ -، ومن هذا الوجه، فعباد الله هم الذين عبَدُوه، وأطاعوا أمره، فهذه إضافة تتضمّن ألوهيّته، وشرعه، ودينه، وتلك إضافة تتضمّن ربوبيته وخَلْقه. انتهى ملخّصًا [راجع: «فتح المجيد» ص ٦٦ – ٦٧].
وقوله: (وَرُوحٌ مِنْهُ)، قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: سُمِّي عيسى – عليه السلام – «روح الله»، و«روح منه»؛ لأنه حَدَث من نفخة جبريل – عليه السلام -، فنسبه الله إليه؛ لأنه كان عن أمره، وسُمّي النفخ رُوحًا؛ لأنه ريحٌ يخرُج من الروح، قاله مكيّ، وفي هذه العبارة مسامحة، وقيل: روح منه: حياة منه، وقيل: رحمةٌ منه، والروح: الرحمة، كما قال فيه: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا﴾ [مريم: ٢١]، وقيل: روح منه: برهان لمن اتّبعه، وقيل: لأنه لَمْ يكن من أب، كما في آدم: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩]، وإنما كان جعل الروح فيه بلا واسطة، قاله الحربيّ [«إكمال المعلم» ١/ ٢٣٣ – ٢٣٥].
وقيل: و«روح منه»، أي مخلوقة من عنده، وعلى هذا يكون إضافتها إليه إضافة تشريف، كناقة الله، وبيت الله، وإلا فالعالم له – سبحانه وتعالى -، ومن عنده [«شرح النووي» ١/ ٢٢٧].
وقال في «الفتح»: سمّاه بالروح؛ لأجل ما أقدره الله عليه من إحياء الموتي، وقيل: لكونه ذا روح، وُجِد من غير جزء من ذي روح [«الفتح» ٦/ ٥٤٧ – ٥٤٨].
وقال القرطبيّ: سمّي عيسى – عليه السلام -، روح الله؛ لأنه حَدَثَ عن نفخة الملك، وإضافته إلى الله تعالى؛ لأن ذلك النفخ كان عن أمره وقدره، وسُمّي النفخ روحًا؛ لأنه ريح يخرُج من الروح، وقيل: سُمّي بذلك؛ لأنه روح لمن اتّبعه، وقيل: لأنه تعالى خَلَقَ فيه الروح من غير واسطة أب، كما قال تعالى في آدم – عليه السلام -: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩].
[فائدة]: ذكر الطيبيّ أنه روي أن عظيمًا من النصارى سمع قارئًا يقرأ ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١]، قال: أفغير هذا دين النصارى؟ يعني هذا يدلّ على أن عيسى – عليه السلام – بعض منه، فأجاب علي بن الحسين بن واقد صاحب «كتاب النظائر»: أن الله تعالى يقول أيضًا: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣]، فلو أريد بقوله: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١] بعض منه، وجزءٌ منه لكان قوله هنا: ﴿جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] معناه بعض منه، أو جزء منه، فأسلم النصرانيّ.
ومعنى الآية أنه تعالى سخّر هذه الأشياء كائنةً منه، وحاصلةً من عنده، يعني أنه مكوّنها، ومُوجِدها بقدرته وحكمته، ثم سخّرها لخلقه. انتهى [«الكاشف عن حقائق السنن» ٢/ ٤٨٠].
(وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ) أي الجَنَّة التي أخبر بها الله تعالى في كتابه أنه أعدّها للمتّقين، فقال: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)﴾ [آل عمران: ١٣٣]، وقال: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)﴾ [الحديد: ٢١] حقّ، أي ثابتة لا شكّ فيها، (وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ)، أي: وأن النار التي أخبر بها في كتابه أنه أعدّها للكافرين، فقال: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٤]، كذلك ثابتةٌ.
وقال الطيبي رحمه الله تعالى: لعله – ﷺ – إنما ذكر الجنّة والنار، وأخبر عنهما بقوله: «حقّ»، وهو مصدرٌ للمبالغة في حقّيّته، وأنهما عين الحق، كقولك: زيد عَدْلٌ؛ تعريضًا بالزنادقة، ومن يُنكر دار الثواب ودار العقاب. انتهى [«الكاشف عن حقائق السنن» ٢/ ٤٨٠].
(أَدْخَلَهُ اللهُ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ)، قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: ظاهر هذا يقتضي أن قول هذه الكلمات يقتضي دخولَ الجَنَّة، والتخييرَ في أبوابها، وذلك بخلاف ظاهر حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – الآتي في «كتاب الزكاة»، فإنه فيه ما يقتضي أن كلّ من كان من أهل الجنّة إنما يدخل من الباب المعيَّن للعمل الذي كان يعمله الداخل غالبًا…
قال: والتوفيق أنّ كلَّ من يدخل الجَنَّة مُخَيَّر في الدخول من أيّ باب شاء، غير أنه إذا عُرِضَ عليه الأفضل في حقّه، دخل منه مُختارًا للدخول منه، من غير جبر عليه، ولا منع له من الدخول من غيره، ولذلك قال أبو بكر – رضي الله عنه -: ما على من يُدعَى من تلك الأبواب من ضرورة. انتهى [«المفهم» ١/ ٢٠١].
وقال الحافظ بعد ذكر كلام القرطبيّ: ويحتمل أن يكون فاعل «شاء» هو الله تعالى، والمعنى أن الله يوفقه لعملٍ يُدخله برحمة الله من الباب الْمُعَدّ لعامل ذلك العمل. انتهى [«الفتح» ٦/ ٥٤٨].
وتوجيه القرطبي أقرب، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
وحديث عبادة بن الصامت – رضي الله عنه – هذا متّفقٌ عليه.
وقال الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى:
[١٤٨] (٣٠) – (وحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، حَدَّثَنَا مُبَشِّرُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ عُمَيْرِ بْنِ هَانِئٍ، فِي هَذَا الإِسْنَادِ بِمِثْلِه، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ، عَلَى مَا كَانَ مِنْ عَمَلٍ»، وَلَمْ يَذْكُرْ: «مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ»).
وقوله: (بِمِثْلِهِ) أي بمثل الإسناد الماضي، وهو عن عمير بن هانيء، عن جنادة بن أبي أميّة، عن عبادة بن الصامت – رضي الله عنه -.
وقوله: (غَيْرَ أنهُ قَالَ إلخ) الضمير للأوزاعيّ، ويحتمل أن يكون لشيخه أحمد بن إبراهيم، يعني أنه قال في آخر متن الحديث: «عَلَى مَا كَانَ مِنْ عَمَلٍ، بدل قوله:»مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ«.
ولفظ البخاريّ: «من العمل» بالتعريف، قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: أي يدخله الجنّة، ولا بُدّ، سواء كان عمله صالحًا، أو سيّئًا، وذلك بأن يَغفِرَ له السيّءَ بسبب هذه الأقوال، أو يُرْبِيَ ثوابها على ذلك العمل السيّيء، وكلُّ ذلك يحصُلُ – إن شاء الله – لمن مات على تلك الأقوال، إما مع السلامة المطلقة، وإما بعد المؤاخذة بالكبائر على ما قرّرناه آنفًا. انتهى [«المفهم» ١/ ٢٠١].
وقال في «الفتح»: معنى قوله: «على ما كان عليه من العمل»: أي من صلاح، أو فساد، لكن أهل التوحيد لا بُدّ لهم من دخول الجَنَّة، ويحتمل أن يكون معنى قوله: «على ما كان من العمل»: أي يَدْخُل أهل الجَنَّة الجَنَّة على حسب أعمال كُلٍّ منهم في الدرجات. انتهى وقال القاضي البيضاويّ في قوله: «على ما كان عليه من العمل»، دليلٌ على المعتزلة في مقامين:
[أحدهما]: أن العاصي من أهل القبلة لا يُخَلَّد في النار؛ لعموم قوله: «من قال: أشْهَدُ أن لا إله إلَّا الله إلخ».
[وثانيهما]: أنه تعالى يعفو عن السيّئات قبل التوبة، واستيفاء العقوبة؛ لأن قوله: «على ما كان من عمل» حال من قوله: «أدخله الله الجَنَّة»، كما في قولك: رأيت فلانًا على أكل، أي آكلًا، ولا شكّ أن العمل غير حاصل، بل الحاصل حال إدخاله استحقاق ما يُناسب عمله من الثواب والعقاب، ولا يُتصوّر ذلك في حقّ العاصي الذي مات قبل التوبة إلَّا إذا أُدخل قبل استيفاء العقوبة.
[فإن قلت]: ما ذكرت يستدعي أن لا يدخل أحدٌ النار من العصاة.
[قلت]: اللازم منه عموم العفو، وهو لا يستلزم عدم دخول النار؛ لجواز أن يعفو عن بعضهم بعد الدخول، وقبل استيفاء العذاب، وليس بحتم عندنا أن يدخل النار أحدٌ، بل العفو عن الجميع بموجب وعده حيث قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨ – ١١٦]، وقال: ﴿يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] مرجُوٌّ.
قال الطيبي: أقول: إن التعريف في «العمل» للعهد، والإشارة به إلى الكبائر، والدليل عليه قوله: «وإن زنى وإن سرق» في حديث أبي ذرّ – رضي الله عنه – الآتي، انتهى كلام الطيبيّ [«الكاشف عن حقائق السنن» ٢/ ٤٨١ – ٤٨٢]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وقال الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى:
[١٤٩] (…) -الحديث
شرح الحديث:
(عَنِ الصُّنَابحِيِّ) – بضم الصاد المهملة – عبد الرَّحمن بن عُسَيلة (عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ) – رضي الله عنه – (أَنَّهُ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَيْهِ)، قال النوويّ رحمه الله تعالى: هذا كثير يقع مثله، وفيه صنعةٌ حسنةٌ، وتقديره: عن الصُّنابحيّ أنه حَدَّثَ عن عبادة بحديث، قال فيه: دَخلتُ عليه ….انتهى كلام النوويّ رحمه الله تعالى، وهو تحقيقٌ مفيد.
(فَبَكَيْتُ) الأظهر أنه لذكره القدوم على الله تعالى؛ لأنه المناسب لتسليته بما ذُكر. انتهى [«شرح الأبيّ» ١/ ١١٩ – ١٢٠].
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: بل الأظهر بكناؤه تأسّفًا على ما فقده من الانتفاع به، ولما رآه من كرب الموت عليه، والله تعالى أعلم.
قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: ليس فيه نهيٌ عن البكاء، لأن النهي إنما وقع بعد الوجوب والموت، وفي بكاء بصفة مخصوصة، تأتي مفسَّرة – إن شاء الله – في «الجنائز»، انتهى [«إكمال المعلم» ١/ ٢٣٥].
قال الإتيوبي عفا الله تعالى عنه: أشار القاضي بهذا إلى حديث جابر بن عَتِيك – رضي الله عنه – أن رسول الله – ﷺ – جاء يعود عبد الله بن ثابت، فوجده قد غُلِب، فصاح به رسول الله – ﷺ – فلم يُجِبه، فاسترجع رسول الله – ﷺ – وقال: غُلِبنا عليك يا أبا الربيع، فصاح النسوة وبَكَيْنَ، فجعل ابن عتيك يُسَكِّتهن، فقال رسول الله – ﷺ -: «دَعْهُنّ، فإذا وجب، فلا تَبْكِيَنّ باكية»، قالوا: وما الوجوب يا رسول الله؟ قال: الموت … الحديث [حديث صحيح أخرجه مالك في «الموطّإ» ١/ ٢٣٣ وأحمد في «مسنده» رقم (٢٢٦٣٣) وأبو داود (٢٧٠٤) والنسائيّ (١٨٢٣) والحاكم في «المستدرك» ١/ ٣٥٢ وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبيّ].
والحاصل أن الجمهور على جواز البكاء قبل الموت، والأولى تركه بعد الموت، وهذا الحكم خاصّ بجريان الدمع من أثر الرحمة وحزن القلب، دون ندب ونياحة والله تعالى أعلم.
(لِمَ تَبْكِي؟ فَوَالله، لَئِنِ اسْتُشْهِدْتُ) بالبناء للمفعول، أي طُلب منّي أن أَشْهَدَ (لأَشْهَدَنَّ لَكَ) أي بكونك من أهل الخير والصلاح (وَلَئِنِ شُفِّعْتُ) بالبناء للمفعول أيضًا: أي قُبِلت شفاعتي (لأَشْفَعَنَّ لَكَ، وَلَئِنِ اسْتَطَعْتُ) بحذف المفعول بدليل ما بعده، أي النفعَ لك (لأَنْفَعَنَّكَ، ثُمَّ قَالَ) عبادة – رضي الله عنه – (وَاللهِ مَا مِنْ حَدِيثٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ – ﷺ -، لَكُمْ فِيهِ خَيْرٌ إِلَّا حَدَّثْتُكُمُوهُ)، قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: فيه دليل على أنه كَتَمَ ما خَشِيَ عليهم المضرّة فيه والفتنة، مما لا يحتمله عقل كلّ واحد، وذلك فيما ليس تحته عَمَلٌ، ولا فيه حَدٌّ من حدود الشريعة، قال: ومثل هذا عن الصحابة – رضي الله عنهم – كثيرٌ في ترك الحديث بما ليس تحته عَمَل، ولا تدعو إليه ضرورة، أو لا تحتمله عقول العامة، أو خُشِيت مضرته على قائله، أو سامعه، لا سيما ما يتعلق بأخبار المنافقين والإمارة، وتعيين أقوام وُصِفُوا بأوصاف غير مستحسنة، وذم آخرين ولعنهم. انتهى [»إكمال المعلم” ١/ ٢٣٥ – ٢٣٦].
(إِلَّا حَدِيثًا وَاحِدًا، وَسَوْفَ أُحَدِّثُكُمُوهُ الْيَوْمَ، وَقَدْ أُحِيطَ بِنَفْسِي)، يعني قَرُبْتُ من الموت، وأيست من النجاة والحياة، قال صاحب «التحرير»: أصلُ الكلمة في الرجل يجتمع عليه أعداؤه، فيقصدونه، فيأخذون عليه جميع الجوانب، بحيث لا يبقى له في الخلاص مَطْمَعٌ، فيقال: أحاطوا به، أي أطافوا به من جوانبه، ومقصوده قَرُبَ موتي.
(سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ – ﷺ – يَقُولُ: «مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلهَ إِلا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ النَّارَ) أي منعه من دخولها، وهو بمعنى الحديث الماضي:»أدخله الله الجَنَّة«، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
وحديث عبادة بن الصامت – رضي الله عنه – هذا من أفراد المصنّف، لَمْ يُخرجه البخاريّ. [البحر المحيط الثجاج، بتصرف].