(108 ) فتح ذي النعم بالبدر الأتم شرح صحيح مسلم
مجموعة: أحمد بن علي، ومحمد البلوشي واسامة وعمر الشبلي وأحمد بن خالد
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة
بإشراف: سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وأن يبارك في ذرياتهم وذرياتنا)
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
جاء في صحيح الإمام مسلم رحمه الله من (٥٦) – (كِتَابُ: الإيمان)، “(٢) – (بَابُ: بَيَانِ الصَّلَوَاتِ الَّتي هِيَ أَحَدُ أَرْكَانِ الإِسلَامِ)”.
[١٠٨] (١١) – (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ جَمِيلِ بْنِ طَرِيفِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الثَّقَفِيُّ، عَنْ مَالكِ بْنِ أَنَسٍ، فِيمَا قُرِئَ عَلَيْه، عَنْ أبِي سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيه، أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ الله، يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ، ثَاثِرُ الرَّأْس، نَسْمَعُ دَوِيَّ صَوْتِه، وَلَا نَفْقَهُ مَا يَقُولُ، حَتَّى دَنَا مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنْ الْإِسْلَام، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: “خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ”، فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ؟ قَالَ: “لَا، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ، وَصِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ”، فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ فَقَالَ: “لَا، إِلَّا أَنْ تَطَّوّع»، وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ الزَّكَاةَ، فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: “لَا، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ”، قَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ، وَهُوَ يَقُولُ: وَاللهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا، وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: “أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ”).
[١٠٩] (…) – (حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ جَمِيعًا، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ، عَنِ أَبِي سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيه، عَن طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ الله، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ بِهَذَا الْحَدِيث، نَحْوَ حَدِيثِ مَالِكٍ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَفلَحَ وَأَبِيه، إِنْ صَدَقَ»، أَوْ «دَخَلَ الْجَنَّةَ وَأَبِيه، إِنْ صَدَقَ»).
==========
أولاً: شرح الحديث، وبيان مفرداته:
وقال الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى: “(٢) – (بَابُ: بَيَانِ الصَّلَوَاتِ الَّتي هِيَ أَحَدُ أَرْكَانِ الإِسلَامِ)”.
وقال الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى:
[١٠٨] (١١) – الحديث
شرح الحديث:
(يَقُولُ: جَاءَ رَجُل إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ)، قيل: إن هذا الرجل هو ضِمَام بن ثعلبة الذي سمّاه البخاري في حديث أنس رضي الله عنه المذكور بعد هذا، وإن الحديثين حديث واحد، قال القرطبّي رحمه الله تعالى: وهذا فيه بُعد؛ لاختلاف مساقهما، وتباين الأسئلة فيهما، ولزيادة الحجّ في حديث أنسّ رضي الله عنه، ويَبعُد الجمع بينهما، فالأولى أن يقال: هما حديثان مختلفان، وكذلك القول في كلّ ما يَرِد من الأحاديث التي فيها الأسئلة المختلفة، كحديث أبي أيوب وجابر وغيرهما مما يُذكَر بعد هذا، وقد رام بعض العلماء الجمع بينها، وزَعَم أنَّها كلّها حديث واحد، فادّعى فَرَطًا، وتكلّف شَطَطًا، من غير ضرورة نقليّة ولا عقليّة. انتهى كلام القرطبيّ [«المفهم» ١/ ١٥٧].
(مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ) متعلّق بصفة لـ «رجل»، و«النَّجْدُ» – بفتح النون، وسكون الجيم -: المرتفع من الأرض والْغَوْرُ: المنخفِضُ منها، وهما بحكم العرف جهتان مخصوصتان [«المفهم» ١/ ١٥٧].
وقال الفيوميّ رحمه الله تعالى: «النَّجْدُ»: ما ارتفع من الأرض، والجمعُ نُجُود، مثلُ فَلْسٍ وفُلُوس، وبالواحد سُمّي بلادٌ معروفة من ديار العرب مما يَلي العِرَاقَ، وليست من الحجاز، وإن كانت من جَزِيرة العرب، قال في «التهذيب»: كلُّ ما وراء الْخَنْدق الذي خَنْدَقه كسرى على سواد العراق، فهو نَجْدٌ إلى أن تَمِيل إلى الحرّة، فإذا مِلتَ إليها فأنت في الحِجَاز، وقال الصَّغَاني: كلُّ ما ارتفع من تِهَامةَ إلى أرض العراق فهو نَجْدٌ. انتهى كلام الفيّوميّ [«المصباح المنير» ٢/ ٥٩٣].
قال القرطبيّ رحمه الله تعالى: معنى «ثائر الرأس»: منتَفِشُ الشعر، مرتفِعُهُ، ومنه ثارت الفتنة، وهذه صفة أهل البادية غالبًا. انتهى [«المفهم» ١/ ١٥٧].
(دَوِيَّ صَوْتِهِ) أي: بعده في الهواء، ومعناه شدّة صوتٍ لا يُفهَمُ، قاله النوويّ [«شرح النوويّ» ١/ ١٦٦].
(هُوَ يَسْأَلُ عَنْ الْإِسْلَامِ)، أي: فرائضه التي فُرِضت على من وحّد الله تعالى، وصدّق رسوله ﷺ، ولهذا لم يَذكُر فيه الشهادتين؛ لأنه ﷺ عَلِمَ أن الرجل يسأل عن شرائع الإسلام،
ويُمكن أنه سأل عن حقيقة الإسلام، وقد ذكر له الشهادتين، فلم يسمعها طلحة رضي الله عنه لبعد موضعه منه، وهذا القول أمثل وأجمع، قاله الطيبيّ.
وقال في «الفتح»: قوله: «فإذا هو يسأل عن الإسلام»: أي عن شرائع الإسلام، ويحتمل أنه سأل عن حقيقة الإسلام، وإنما لم يذكر له الشهادة؛ لأنه عَلِمَ أنه يعلمها، أو عَلِمَ أنه إنما يسأل عن الشرائع الفعلية، أو ذَكَرَها ولم ينقلها الراوي؛ لشهرتها،
وإنما لم يَذكُر الحج إما لأنه لم يكن فُرِضَ بَعْدُ، أو الراوي اختصره، ويؤيد هذا الثاني ما أخرجه البخاريّ في «الصيام» من طريق إسماعيل بن جعفر، عن أبي سهيل، في هذا الحديث قال: «فأخبره رسول الله ﷺ بشرائع الإسلام»، فدَخَل فيه باقي المفروضات، بل والمندوبات. انتهى [«الفتح» ١/ ١٣١].
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ)
وفي رواية للبخاريّ من طريق إسماعيل بن جعفر، عن أبي سُهيل أنه قال في سؤاله: أخبرني ماذا فرض الله علي من الصلاة؟ فقال: “الصلوات الخمس”، فتبين بهذا مطابقة الجواب للسؤال، ويستفاد من قوله: «في اليوم والليلة»: أنه لا يجب شيء من الصلوات في كلّ يوم وليلة غير الخمس، خلافًا لمن أوجب الوتر، أو ركعتي الفجر، أو صلاة الضحى، أو صلاة العيد، أو الركعتين بعد المغرب. [«الفتح» ١/ ١٣٢].
(فَقَالَ) أي: الرجل المذكور (هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ؟) “هل” للاستفهام، و”غيرها” بالرفع مبتدأ، و”عليّ” خبره (قَالَ) ﷺ (»لَا)، أي: لا فرضَ عليك غيرها (إِلَّا أنْ تَطَّوَّعَ) استثناء من قوله: «لا»،
وقد اختُلف في هذا الاستثناء، فقيل: متّصلٌ، وقيل: منقطع، فمن قال بالأول: قال: يجب الإتمام بالشروع في التطوّع، ومن قال بالثاني قال: لا يجب، وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة – إن شاء الله تعالى -.
وفيه ردٌّ على الإصطخريّ من الشافعيّة في قوله بفرضيّة صلاة العيدين على الكفاية، وعلى الحنفية في قولهم بوجوب الوتر.
(وَصِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ) برفع «صيام»، (إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ”، وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ الزَّكَاةَ)، وفي رواية البخاريّ: “قال: و«ذكره له إلخ»، أي: قال الراوي، وهو طلحة بن عُبَيْدِ الله رضي الله عنه: وذكر النبيّ ﷺ لذلك الرجل الزكاة.
وإنما قال: «وذكر إلخ»، لعله نسي ما نصّ عليه الرسول ﷺ والتبس عليه، فأتى بهذه الصيغة المحتملة، وفي رواية أبي داود: «وذكر له ﷺ الصدقة»، والمراد منها الزكاة أيضًا كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ الآية [التوبة: ٦٠]، وهذا يؤذن بأن مراعاة الألفاظ هو الأولى في الرواية، فإذا التبس على الراوي لفظه أشار إلى ما ينبئ عنه كما فعل الراوي هنا.
وفي رواية للبخاريّ: قال: أخبرني بما فَرَضَ الله عليّ من الزكاة، قال: فأخبره رسول ﷺ بشرائع الإسلام”.
فتضمنت هذه الرواية أن في القصة أشياءَ أُجمِلَت، منها بيانُ نُصُبِ الزكاة، فإنها لم تُفَسَّر في الروايتين، وكذا أسماء الصلوات، وكأن السبب فيه شُهْرة ذلك عندهم، أو القصد من القصة بيانُ أن المتمسك بالفرائض نَاجٍ، وإن لم يَفْعَلِ النوافل. قاله في «الفتح» [«الفتح» ١/ ١٣٢].
(فَقَالَ) الرجل (هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟)، أي: هل يجب عليّ أداء شيء من المال غير الزكاة؟ (قَالَ) ﷺ «(لَا، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ»، قَالَ) الراوي، وهو طلحة رضي الله عنه، كما أسلفته آنفًا (فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وهو يقول وَاللهِ) وفي رواية للبخاريّ في «الصيام»: «فقال: والذي أكرمك»، وفيه: جواز الحلف في الأمر المهمّ
وفي رواية إسماعيل بن جعفر عند البخاريّ في «الصوم» بلفظ «ولا أنقُصُ مما فرض الله على شيئًا».
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَفْلَحَ» أي: فاز، وظَفِرَ
[«عمدة القاري» ١/ ٢٦٦].
وحديث طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه هذا متّفق عليه.
قال الإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى:
[١٠٩] (…) -الحديث
وقوله ﷺ: (أفلح وأبيه، إن صدق)
قال النوويّ رحمه الله تعالى: هذا مما جرت عادتهم أن يسألوا عن الجواب عنه، مع قوله ﷺ: «من كان حالفًا، فَلْيَحْلِف بالله»، وقوله ﷺ: «إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم».
وجوابه:
أن قوله ﷺ: «أفلح وأبيه»، ليس هو حَلِفًا، إنما هو كلمة جرت عادة العرب أن تُدخِلها في كلامها غير قاصدة بها حقيقةَ الحلف، كما جَرَى على لسانها عَقْرَى حَلْقَى، وما أشبه ذلك، والنهيُ إنما وَرَدَ فيمن قصد الحلف؛ لما فيه من إعظام المحلوف به، ومضاهاته به الله سبحانه وتعالى، قال النوويّ رحمه الله تعالى: فهذا هو الجواب المرضيّ.
وقيل: يحتمل أن يكون هذا قبل النهي عن الحلف بغير الله تعالى، أو فيه إضمار اسم الربّ، كأنه قال: ورب أبيه، وقيل: هو خاصّ، ويحتاج إلى دليل.
وحَكَى السهيليُّ عن بعض مشايخه أنه قال: هو تصحيف، وإنما كان «والله»، فقُصِرت اللَّامان، واستنكر القرطبي هذا، وقال: إنه يَخْرِمُ الثقة بالروايات الصحيحة.
وغَفَلَ القرافيّ، فادَّعَى أن الرواية بلفظ «وأبيه» لم تصحّ؛ لأنَّها ليست في «الموطإ»، وكأنه لم يَرْتَضِ الجوابَ، فعَدَلَ إلى ردّ الخبر، وهو صحيحٌ لا مِرْيَةَ فيه، وأقوى الأجوبة الأولان.
وقال ابن بطال: دَلّ قوله: «أفلح إن صدق»، على أنه إن لم يَصْدُق فيما التزم لا يفلح، وهذا بخلاف قول المرجئة.
[فإن قيل]: كيف أثبت له الفلاح بمجرد ما ذُكِر، مع أنه لم يَذكُر المنهيات؟
أجاب ابن بطال باحتمال أن يكون ذلك وَقَعَ قبل ورود فرائض النهي.
قال الحافظ: وهو عجيب منه؛ لأنه جَزَم بأن السائل ضمام، وأَقْدَم ما قيل فيه أنه وَفَد سنة خمس، وقيل: بعد ذلك، وقد كان أكثر المنهيات واقعًا قبل ذلك.
والصواب أن ذلك داخل في عموم قوله: «فأخبره بشرائع الإسلام»، كما أشرنا إليه.
[فإن قيل]: فكيف أقرّه على حلفه، وقد وَرَد النكير على من حلف أن لا يفعل خيرًا؟
[أجيب]: بأن ذلك مختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، وهذا جارٍ على الأصل بأنه لا إثم على غير تارك الفرائض، فهو مفلحٌ، وإن كان غيره أكثر فلاحًا منه.
… [«الفتح» ١/ ١٣٣].
قال الإتيوبي عفا الله تعالى: أقرب التأويلات عندي الاحتمال الأول، فتأمّله، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب”. [البحر المحيط الثجاج، (1/ 201 – 223)، بتصرف].
[تنبيه]:
سبق الكلام على مسألة الحلف في فتح الاحد الصمد شرح الصحيح المسند (176).
ثانيًا: فقه الحديث (أحكام ومسائل وملحقات):
القسم الأول: ما يتعلق بألفاظ ومعنى الحديث:
(المسألة الأولى ):
(اعلم): أنه لم يأت في هذا الحديث ذكرُ الحجّ، ولا جاء ذكره في حديث جبريل عليه السلام من رواية أبي هريرة رضي الله عنه، وكذا في غير هذا من هذه الأحاديث لم يُذكَر في بعضها الصوم، ولم يُذكَر في بعضها الزكاة، وذَكَر في بعضها صلَة الرحم، وفي بعضها أداء الخمس، ولم يقع في بعضها ذكرُ الإيمان، فتفاوتت هذه الأحاديث في عدد خصال الإيمان زيادةً ونقصًا، وإثباتًا وحذفًا.
وقد أجاب القاضي عياض وغيره رحمهم الله تعالى عنها بجوابٍ، لَخّصَهُ الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى، وهَذَّبَهُ،
فقال: ليس هذا باختلافٍ صادرٍ من رسول الله ﷺ، بل هو من تفاوت الرواة في الحفظ والضبط،
ألا ترى أن حديث النعمان بن قَوْقَل الآتي قريبًا، اختَلَفَتِ الروايات في خصاله بالزيادة والنقصان، مع أن راوي الجميع راوٍ واحدٌ، وهو جابر بن عبد الله رضي الله عنهما في قضية واحدة، ثم إن ذلك لا يمنع من إيراد الجميع في الصحيح، لما عُرِف في مسألة زيادة الثقة، من أَنَّا نَقْبَلُها. هذا آخر كلام الشيخ ابن الصلاح، وهو – كما قال النوويّ – تقرير حسن والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الثانيه ):
اختُلف في الاستثناء المذكور في قوله: «إلَّا أن تَطّوّع»، هل هو استثناء منقطع، أو متصل
قال الإتيوبي عفا الله تعالى عنه: الذي يترجّح عندي أن من شَرَعَ في نفل الصلاة يلزمه إتمامه؛ لقول الله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]، وأما إذا أفسده، فليس عليه القضاء، لعدم دليل يدلّ على ذلك، وأما من شَرَع في نفل الصوم فله الفطر، لما تقدّم أنه ﷺ كان ينوي صومًا، ثم يُفطر، ولحديث الجويرية رضي الله عنهما المتقدّم، ولا يجب عليه القضاء، لما رواه البخاريّ من حديث أبي جُحيفة رضي الله عنه قال: “آخى النبيّ ﷺ بين سلمان وبين أبي الدرداء، فزار سلمان أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء مُتَبَذِّلةً، فقال لها: ما شأنك؟ قال: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا، فجاء أبو الدرداء، فصنع له طعامًا، فقال: كلّ، فإني صائم، فقال: ما أنا بآكل حتى تأكل، فأكل … الحديث، فقد استحسن ﷺ فعل سلمان، ولم يُلزم أبا الدرداء بالقضاء.
وأما الأحاديث التي تدلّ على أنه ﷺ أمر بالقضاء يومًا مكانه فكلّها ضعيفة، لا تقوم بها الحجة…
[البحر المحيط الثجاج].
(المسألة الثالثه ):
تكلم عبد الرحمن المعلمي اليماني (ت ١٣٨٦) رحمة الله عليه عن حقيقة القسم وأضربه، وقال في أثناء ذلك: فراجعه
وأما قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «وأبيك لتنبَّأنَّه»، فأصل الحديث: «عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله، أيُّ الصدقة أعظم أجرًا؟ فقال: أما وأبيك لتنبَّأنَّه: أن تَصدَّقَ وأنت صحيحٌ شحيحٌ ….» [صحيح مسلمٍ، كتاب الزكاة، باب بيان أن أفضل الصدقة صدقة الصحيح الشحيح، ٣/ ٩٣ – ٩٤، ح ١٠٣٢ (٩٣)].
وقد علمت من تفسيرنا للحديثين والأثر عن أبي بكر أننا نرى أن لفظ الأب [٧١٨] مقحم فيها كما هو مقحم في الأبيات المارَّة، وكأنَّ الباعث على الإقحام أنَّ واو القسم لا تدخل على الضمير فتوصل إليه بإقحام لفظ الأب، وباعث آخر معنوي، وهو تبعيد إيهام التعظيم؛ فإنه يتوهم تعظيم المخاطبين؛ لأنهم مسلمون، بخلاف آبائهم المشركين، والله أعلم.
وهناك أجوبة أخرى عن الحديثين، منها: الطعن في زيادة «وأبيه» في الأول، وزيادة «أما وأبيك لتنبأنه» في الثاني بتفرد بعض الرواة بهما.
وفي مسند أحمد: ثنا إسماعيل [هو ابن عُليَّة]، ثنا يحيى بن أبي كثير، عن أبي إسحاق [كذا في الأصل وفي أكثر نسخ المسند، والصواب: يحيى بن أبي إسحاق. ….. الحديث وفيه قال: «ناولني الذراع»، فقال: يا رسول الله، إنما هما ذراعان، فقال: «وأبيك، لو سكتَّ ما زلتُ أناوَلُ منها ذراعًا ما دعوتُ به»، فقال سالم: أمَّا هذه فلا، سمعت عبد الله بن عمر يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «إن الله تبارك وتعالى ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم» (٣).
بقي أنه قد جاء في كلام الصحابة وغيرهم «لعمري»، وهي على المشهور بمعنى: أقسم بحياتي، فيكون قسمًا بغير الله تعالى.
أقول: لأهل اللغة اضطرابٌ كثير في هذه الكلمة، وحاصله أن العَمر بالفتح يأتي بمعنى الدِّين، وبمعنى العبادة، ويمكن أن يكون المعنيان واحدًا، وبمعنى الحياة لغة في العُمر بضم العين، والضم أشهر، ولم يأت قولهم: لعمرك إلا بالفتح، وهذا مما يضعف تفسيره بالحياة.
ولا حاجة للإطالة، بل نقول: إنَّ ما صح عمَّن يُعْتَدُّ بقوله من الصحابة وغيرهم من قولهم: لعمري ولعَمرك، فالظاهر أنهم رأوا العَمر بمعنى العبادة، ثم قصدوا به المعبود، من باب إطلاق المصدر على اسم المفعول، كقولهم: فلان عدل رضى، أي: مرضي.
فأما قولهم: (لعمر الله) فإن صح عمن يُعْتَدُّ بقوله فكأنه قصد بالعَمر البقاء، كما يقوله بعض أهل اللغة، وبقاء الله صفة له، فلا يكون القَسَمُ بها قسمًا بغير الله.
ثم رأيت هذا المعنى؛ فقد ترجم له البخاري: «باب قول الرجل: لعمر الله، قال ابن عباس: لعمرك: لعيشك»، ثم ذكر ما قاله أسيد بن حضير في حديث الإفك: «لعمر الله لنقتلنه» [البخاريّ، كتاب الأيمان والنذور، باب قول الرجل: لعمر الله، ٨/ ١٣٥، ح ٦٦٦٢].
وعن مالك: لا يعجبني الحلف بذلك ….
وقال الشافعي وإسحاق: لا تكون يمينًا إلا بالنية [روضة الطالبين ١١/ ١٦]؛ لأنه يطلق على العلم، وعلى الحق، وقد يراد بالعلم المعلوم، وبالحق ما أوجبه الله ….
وأجابوا عن الآية: أن يقسم [في فتح الباري: بأن لله أن يقسم] من خلقه بما شاء وليس ذلك لهم، لثبوت النهي عن الحلف بغير الله ….» [فتح الباري ١١/ ٤٣٨].
وأما قولهم: عَمْرك الله، فعَمْر بمعنى العبادة أو التعمير، أي: اعتقاد البقاء، وهو من باب المناشدة، كأنه قال: أنشدك بعبادتك الله أو باعتقادك بقاءه، وهذه المناشدة ليست من القَسَمِ في شيء، والله أعلم.
فأما الآية فلا مانع من أن يكون العَمْر فيها بمعنى الحياة، وقد أقسم الله تعالى في كتابه بكثير من المخلوقات كما علمت. والله أعلم. [رفع الاشتباه عن معنى العبادة والإله – ضمن «آثار المعلمي»، (3/ 1004 – 1018)].
(المسألة الرابعة ): الفتاوى:
والقول بأن لفظة (وأبيه) شاذة هو أحسن من غيره، من جهة أن عدم ذكرها متفق مع الروايات الأخرى التي فيها النهي عن الحلف بالآباء.”. [شرح سنن أبي داود للعباد].
القسم الثاني: حكم الصلاة
(المسألة الأولى): أهمية وحكم الصلاة
(المطلب الأول) حُكمُ الصَّلاةِ:
الصلواتُ الخمسُ فرضُ عينٍ على كلِّ مُسلمٍ مكلَّفٍ.
الأدلَّة:
أوَّلًا: من الكِتاب
1- قول الله تعالى: وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ [الأنعام: 72]
2- قوله تعالى: حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى [البقرة: 238]
3- قوله تعالى: وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ [هود: 114]
والآياتُ في هذا كثيرةٌ معلومةٌ.
ثانيًا: من السُّنَّة
1- عن طلحةَ بنِ عُبَيدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْه، قال: ((جاءَ رجلٌ إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من أهلِ نَجدٍ ثائرَ الرَّأسِ، يُسمَعُ دَويُّ صوتِه ولا يُفقَهُ ما يَقولُ، حتى دَنَا، فإذا هو يسألُ عن الإسلامِ، فقال رسولُ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: خمسُ صلواتٍ في اليومِ واللَّيلةِ، فقال: هل عليَّ غيرُها؟ قال: لا، إلَّا أنْ تَطوَّعَ.. )) [رواه البخاري (46)، ومسلم (11)].
2- عن ابنِ عبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهما: ((أنَّ رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لَمَّا بعَثَ معاذًا رَضِيَ اللهُ عَنْه إلى اليمنِ، قال: إنَّك تَقْدَمُ على قومٍ أهلِ كتابٍ؛ فليكُنْ أوَّلَ ما تدعوهم إليه عبادةُ اللهِ، فإذا عَرَفوا اللهَ، فأخبِرْهم أنَّ اللهَ قد فرَضَ عليهم خمسَ صلواتٍ في يومِهم وليلتِهم، فإذا فَعَلوا، فأخبِرْهم أنَّ اللهَ فرضَ عليهم زكاةً من أموالِهم وتُردُّ على فُقرائِهم، فإذا أطاعوا بها، فخُذْ منهم، وتوقَّ كرائمَ أموالِ النَّاسِ )) [رواه البخاري (1458)، ومسلم (19)].
ثالثًا: من الإجماع:
نقَل الإجماعَ على فرضيَّة الصَّلاةِ: ابنُ حزمٍ ، وابنُ رُشدٍ ، والنوويُّ ، وابنُ تَيميَّة رحمهم الله تعالى.
قال ابنُ حزمٍ: (لا خِلافَ من أحدٍ من الأمَّة في أنَّ الصلواتِ الخمسَ فرضٌ). ((المحلى)) (2/4).
قال ابنُ رُشدٍ: (أمَّا وجوبُها فبيِّنٌ من الكتابِ والسُّنَّة والإجماعِ). ((بداية المجتهد)) (1/89).
قال النوويُّ: (أجمعتِ الأمَّة على أنَّ الصلواتِ الخمسَ فرضُ عين). ((المجموع)) (3/3).
قال ابنُ تيميَّة: (إنَّ مَن لم يعتقدْ وجوبَ الصَّلوات الخَمْس والزكاة المفروضة، وصيامِ شَهر رمضان، وحجِّ البيت العتيق، ولا يُحرِّم ما حرَّم اللهُ ورسولُه من الفواحش، والظُّلْم والشِّرْك والإفك: فهو كافرٌ مرتدٌّ يُستتابُ، فإن تابَ وإلَّا قُتِل باتِّفاق أئمَّة المسلمين… ويجب أن يُصلِّي الصلواتِ الخمسَ باتِّفاق العلماء). ((مجموع الفتاوى)) (35/106).
(المطلب الثاني): أهمية الصلاة:
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة صلاته، فإن وجدت تامة كتبت تامة، وإن كان انتقص منها شيء، قال: انظروا هل تجدون له من تطوع يُكمِّل له ما ضيع من فريضة من تطوعه، ثم سائر الأعمال تجري على حسب ذلك». أخرجه النسائي وابن ماجه [صحيح / أخرجه النسائي برقم (٥٦٤) صحيح سنن النسائي رقم (٤٥٢). وأخرجه ابن ماجه برقم (١٤٢٥)، صحيح سنن ابن ماجه رقم (٨٢٤)].
(المطلب الثالث): عدد الصلوات المفروضة:
فرض الله الصلاة ليلة الإسراء على رسوله ﷺ بدون واسطة قبل الهجرة بسنة، وفرضها الله سبحانه خمسين صلاة في اليوم والليلة على كل مسلم، وهذا يدل على أهميتها، وعلى محبة الله لها، ثم خففت فجعلها الله سبحانه خمسًا في العمل وخمسين في الأجر فضلًا منه ورحمة.
* الصلوات المفروضة في اليوم والليلة على كل مسلم ومسلمة خمس صلوات، وهي: الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر.
(المسألة الثانية): حُكمُ تارك الصَّلاةِ:
(المطلب الأول): حكم تارك الصلاة جحدا لوجوبها:
من ترك الصلاة جاحدا لوجوبها، فقد كفر.
الدليل من الإجماع:
نقل الإجماع على ذلك: ابن تيمية: (أما تارك الصلاة، فهذا إن لم يكن معتقدا لوجوبها، فهو كافر بالنص والإجماع). ((مجموع الفتاوى)) (22/40).
(المطلب الثاني): حكم تارك الصلاة بالكلية تهاونا وكسلا:
قال ابن تيمية: (فأما من كان مصرا على تركها لا يصلي قط، ويموت على هذا الإصرار والترك فهذا لا يكون مسلما؛ لكن أكثر الناس يصلون تارة، ويتركونها تارة، فهؤلاء ليسوا يحافظون عليها، وهؤلاء تحت الوعيد، وهم الذين جاء فيهم الحديث الذي في السنن؛ حديث عبادة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((خمس صلوات كتبهن الله على العباد في اليوم والليلة؛ من حافظ عليهن كان له عهد عند الله أن يدخله الجنة، ومن لم يحافظ عليهن لم يكن له عهد عند الله؛ إن شاء عذبه وإن شاء غفر لهـ))، فالمحافظ عليها الذي يصليها في مواقيتها كما أمر الله تعالى؛ والذي يؤخرها أحيانا عن وقتها، أو يترك واجباتها؛ فهذا تحت مشيئة الله تعالى، وقد يكون لهذا نوافل يكمل بها فرائضه، كما جاء في الحديث). ((الفتاوى الكبرى)) (2/24).
قال ابن القيم: (أما تركها بالكلية فإنه لا يقبل معه عمل، كما لا يقبل مع الشرك عمل؛ فإن الصلاة عمود الإسلام كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم، وسائر الشرائع كالأطناب والأوتاد ونحوها, وإذا لم يكن للفسطاط عمود لم ينتفع بشيء من أجزائه، فقبول سائر الأعمال موقوف على قبول الصلاة, فإذا ردت ردت عليه سائر الأعمال, وقد تقدم الدليل على ذلك). ((الصلاة وأحكام تاركها)) (ص: 64).
(المطلب الثالث): عقوبة تارك الصلاة، والآثار المترتبة على جاحد الصلاة أو تاركها:
تارك الصلاة يقتل، وهو مذهب الجمهور [على خلاف بين أصحاب هذا القول: هل يقتل ردة أو حدا؟
فالمالكية والشافعية على أنه يقتل حدا، والحنابلة على أنه يقتل كفرا. ينظر: ((المجموع)) للنووي (3/16)، ((الذخيرة)) للقرافي (2/483)، ((حاشية الدسوقي)) (1/190)، ((الإنصاف)) للمرداوي (1/287)]: المالكية [((الكافي)) لابن عبد البر (2/1092)، وينظر: ((المغني)) لابن قدامة (2/329)].
قال ابن تيمية: (تارك الصلاة مستحق للعقوبة حتى يصلي باتفاق المسلمين). ((مجموع الفتاوى)) (22/277).
وقال أيضا: (فالواجب على ولي الأمر أن يأمر بالصلوات المكتوبات جميع من يقدر على أمره، ويعاقب التارك بإجماع المسلمين). ((مجموع الفتاوى)) (28/307).
رابعًا: فوائد الحديث:
١ – (منها): “بيان أن الصلاة أحد أركان الإسلام، وأنها خمس صلوات في اليوم والليلة، قال النوويّ رحمه الله تعالى: في هذا الحديث أن الصلاة التي هي ركن من أركان الإسلام التي أُطلقت في باقي الأحاديث هي الصلوات الخمس، وأنها في كلّ يوم وليلة على كلِّ مُكَلَّفٍ بها، وقوله: «بها» احترازٌ من الحائض والنفساء، فإنها مُكَلَّفةٌ بأحكام الشرع إلَّا الصلاة، وما أُلحق بها، مما هو مُقَرَّرٌ في كتب الفقه، انتهى [«شرح مسلم» ١/ ١٦٨].
٢ – (ومنها): أن وجوب صلاة الليل منسوخ في حق الأمة، وهذا مُجْمَعٌ عليه، واختَلَفَ قول الشافعيّ رحمه الله تعالى في نسخه في حق رسول الله ﷺ، والأصح نسخه.
٣ – (ومنها): أن صلاة الوتر ليست بواجبة، وأن صلاة العيد أيضًا ليست بواجبة، وهذا مذهب الجماهير،
وذهب أبو حنيفة رحمه الله، وطائفة إلى وجوب الوتر، وذهب أبو سعيد الإصطخريّ من أصحاب الشافعيّ إلى أن صلاة العيد فرض كفاية، وكذا لا تجب ركعتا الفجر، ولا صلاة الضحى، ولا الركعتان بعد المغرب، كما قيل بكلّ، فهذا الحديث ردّ عليهم جميعًا.
٤ – (ومنها): أن الصوم ركنٌ من أركان الإسلام، وأنه في السنة شهر واحد، وهو شهر رمضان وأنه لا يجب صوم عاشوراء ولا غيره، سوى رمضان، وهذا مجمع عليه،
واختَلَفَ العلماء، هل كان صوم عاشوراء واجبًا قبل إيجاب رمضان أم كان الأمر به ندبًا، وهما وجهان لأصحاب الشافعيّ، أظهرهما لم يكن واجبًا، والثاني كان واجبًا، وبه قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى، وهو الصحيح، وسيأتي تمام البحث فيه في موضعه – إن شاء الله تعالى -.
٥ – (ومنها): أن الزكاة ركن من أركان الإسلام، وأنه ليس في المال حقّ سوى الزكاة على من ملك نصابًا، وتمّ عليه الحول.
٦ – (ومنها): بيان استحباب السفر والارتحال من بلد إلى بلد؛ لأجل تعلم علم الدين، وسؤال أهل العلم.
٧ – (ومنها): جواز الحلف في الأمر المهمّ، وإن لم يُستحلف، حيث إن هذا الرجل قال بحضرة النبيّ ﷺ: “والله لا أزيد على هذا إلخ”، فلم يُنكر عليه النبيّ ﷺ ذلك.
٨ – (ومنها): الاكتفاء في إيمان الشخص بالاعتقاد الجازم من غير نظر، ولا استدلال، خلاف ما قرّره علماء الكلام من وجوب النظر والاستدلال، وهو مذهب باطلٌ، مخالف لما جاء به النبيّ ﷺ، ودلّت عليه النصوص.
وقول العيني – بعد ذكره ما ذُكر -: لكن يحتمل أن ذلك صحّ عنده بالدليل، وإنما أشكلت عليه الإحكام، فمما لا يُلتفت إليه، فالصواب في المسألة أن وجوب النظر والاستدلال على طريقة المتكلّمين مما لا دليل عليه في الشرع، بل هو من محدثات الأمور، ومن الضلال، وقد أشبعت الكلام في هذا في منظومتي المسمّاة بـ «التحفة المرضيّة»، وشرحها، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
٩ – (ومنها): أن في قوله ﷺ: «أفلح إن صدق» دليلٌ على أنه إن لم يصدُق فيما التزم لا يُفلح، ففيه ردّ على المرجئة القائلين: لا تضرّ المعاصي مع الإيمان، وإن ترك الأعمال.
١٠ – (ومنها): أن من أتى بالخصال المذكورة، وواظب عليها صار مفلحًا.
١١ – (ومنها): أن فيه استعمال الصدق في الخبر المستقبل، وقال ابن قتيبة: الكذب مخالفة الخبر في الماضي، والخلف مخالفته في المستقبل، فيجب على هذا أن يكون الصدق في الخبر الماضي، والوفاء في المستقبل، وفي هذا الحديث ما يرُدُّ عليه، مع قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥] [راجع: «عمدة القاري» ١/ ٢٦٩]. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب”. [البحر المحيط الثجاج، (1/ 213 – 215)].