1058 ‘ 1059 – منحة المنعم في شرح صحيح مسلم ( جمع شروح )
شارك أحمد بن علي وأحمد بن خالد وعمر الشبلي وأسامة
بالتعاون مع مجموعات السلام 1، 2، 3 والاستفادة والمدارسة.
بإشراف سيف بن محمد بن دورة الكعبي
(بحوث شرعية يبحثها طلاب علم إمارتيون بالتعاون مع إخوانهم من بلاد شتى، نسأل الله أن تكون في ميزان حسنات مؤسس دولة الإمارات زايد الخير آل نهيان صاحب الأيادي البيضاء رحمه الله ورفع درجته في عليين ووالديهم ووالدينا وأن يبارك في ذرياتهم وذرياتنا).
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
——-‘——-‘——–‘
صحيح مسلم
١٠٥٨ – وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: مِنَ السُّنَّةِ إذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ البِكْرَ عَلَى الثَّيِّبِ أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا، ثُمَّ قَسَمَ، وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا، ثُمَّ قَسَمَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.
١٠٥٩ – وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا تَزَوَّجَهَا أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا، وَقَالَ: «إنَّهُ لَيْسَ بِك عَلَى أَهْلِك هَوَانٌ، إنْ شِئْت سَبَّعْت لَكِ وَإِنْ سَبَّعْت لَكِ سَبَّعْت لِنِسَائِي». رَوَاهُ مُسْلِمٌ
——–
الفرق بين البكر والثيب معروف . قال العراقي رحمه الله في “طرح التثريب” (7/ 10): ” الْبِكْرُ هِيَ الْجَارِيَةُ الْبَاقِيَةُ عَلَى حَالَتِهَا الْأُولَى، وَالثَّيِّبُ الْمَرْأَةُ الَّتِي دَخَلَ بِهَا الزَّوْجُ ” انتهى . قال أبو عبد الله البابرتي الحنفي رحمه الله في “العناية شرح الهداية” (3/ 270) ” الْبِكْرُ هِيَ الَّتِي يَكُونُ مُصِيبُهَا أَوَّلَ مُصِيبٍ ” انتهى .
ثانيا : قوله في الحديث : (إِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ البِكْرَ عَلَى الثَّيِّبِ أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا) وقوله أيضا : (وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ عَلَى البِكْرِ أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلاَثًا) ، لا مفهوم له . بمعنى : أن الزوجة الجديدة إذا كانت بكرا : فلها الحق في سبعة أيام ، سواء كانت الزوجة التي عنده قبلها ثيبا ، أم تزوجها بكرا . فإذا كانت الزوجة الجديدة ثيبا فلها الحق في ثلاثة أيام ، سواء كانت الزوجة القديمة ثيبا أم بكرا. وقد ترجم الإمام البخاري في صحيحه : “باب : إذا تزوج الثيب على البكر” . قال السندي رحمه الله : ” قوله : (إذا تزوج الرجل البكر على الثيب) . وقوله : إذا تزوج الثيب على البكر ، أي : على من تزوجها بكراً ، وعلى من هي باقية على بكارتها ، فإذا كان حكم الثيب على البكر هو هذا ، كان على الثيب بالأولى ، والله تعالى أعلم اهـ ” حاشيته على البخاري (3/177) . وينظر : “الفجر الساطع على الصحيح الجامع” (7/107) .
وقد صرح بذلك غير واحد من أهل العلم : قال البجيرمي في حاشيته على المنهج (12/416) الشاملة : ”قَوْلُهُ : (إذا تزوج البكر عَلَى الثَّيِّبِ) وَالثَّيِّبُ لَيْسَتْ بِقَيْدٍ بَلْ مِثْلُهَا الْبِكْرُ … قَوْلُهُ : (وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ عَلَى الْبِكْرِ) لَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ مِثْلُهَا الثَّيِّبُ” انتهى . ومثله في “حاشية الجمل” (4/284) أيضا . وينظر أيضا : “أسهل المدارك شرح إرشاد
السالك” (1/97) . ويؤيد هذا : أن بعض ألفاظ الحديث جاءت مطلقة ، ففي لفظ البخاري (4812) قَالَ أنس رضي الله عنه : (السُّنَّةُ إِذَا تَزَوَّجَ الْبِكْرَ أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا ، وَإِذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا) . . قال إسحاق بن منصور الكوسج ، في مسائله للإمامين : أحمد ، وإسحاق بن راهويه : ” قُلْتُ : إذا تزوج البكرَ على الثيبِ ، أو الثيبَ على البكرِ ؟ قَالَ : يُقيم عند البكرِ سبعًا ثم يدور ، وعند الثيبِ ثلاثًا ثم يدورُ . قَالَ إسحاق : كمَا قَالَ .” مسائل أحمد وإسحاق (1/356) .
——
قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:
إن كانت بكرا أقام عندها سبعة أيام وإن كانت ثيبا أقام عندها ثلاثة أيام البكر يقيم عندها سبعا لسببين أولا أن رغبة الإنسان في البكر أقوى من رغبته في الثيب فأمهل له في الأمر حتى يقضي نهمته وثانيا أن البكر لم تستأنس بالرجال دليل ذلك قول أنس بن مالك رضي الله عنه ” من السنة إذا تزوج البكر على الثيب أقام عنده سبعا وإن تزوج الثيب أقام عندها ثلاثا ”
السؤال الثاني لماذا خصت البكر بسبعة أيام لماذا لم تجعل أربعة عشر يوما أو خمسة أيام؟ الحكمة من ذلك والله أعلم أنه سبعة أيام تدور عليها أيام الأسبوع
إذا قال قائل لماذا يسبّع للبواقي إذا اختارت الثيب سبعا ؟نقول لأنها لما اختارت السبع بطل حقها الأول وهو ثلاثة أيام وإلا فمقتضى الحال إذا اختارت التسبيع فإنه يربع للبواقي لأنه إذا اختارت التسبيع ثلاثة أيام من حقها والزائد أربعة يجعلها للبواقي كل واحدة أربعة أيام لكن نقول لما اختارت السبع كأنها أسقطت حقها الأول فإذا أسقطت حقها الأول صارت أخذت سبعة أيام فنعطي الأخريات سبعة أيام
بتصرف: كتاب النكاح-13a
وفي فتاوى اللجنة الدائمة :
السؤال الخامس من الفتوى رقم (٥٧٤١)
س٥: العريس مع زوجته أسبوعا مع البكر، ومع الثيب ثلاثا، لا يخرج لصلاة الجماعة، هل هو في السنة حتى عدم الخروج للصلاة؟
ج٥: إذا تزوج بكرا أقام عندها سبعا ثم قسم، وإن كانت
ثيبا أقام عندها ثلاثا، فإن أحبت أن يقيم عندها سبعا فعل وقضاهن للبواقي، والأصل في ذلك: ما روى أبو قلابة عن أنس رضي الله عنه، قال: «من السنة إذا تزوج الرجل البكر على الثيب أقام عندها سبعا وقسم، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثا ثم قسم، قال أبو قلابة: لو شئت لقلت: إن أنسا رفعه إلى النبي ﷺ (١)» . متفق عليه ولفظه للبخاري. وما روته أم سلمة رضي الله عنها، «أن النبي ﷺ لما تزوجها أقام عندها ثلاثا وقال: إنه ليس بك هوان على أهلك، فإن شئت سبعة لك وإن سبعت لك سبعت لنسائي (٢)» رواه مسلم. ولا يجوز لمن تزوج بكرا أو ثيبا أن يتأخر عن صلاة الجماعة في المسجد بحجة أنه متزوج؛ لعدم الدليل على ذلك، وليس في الحديثين المذكورين ما يقتضي ذلك. وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
قال الصنعاني :
دَلَّ مَا تَقَدَّمَ عَلَى اسْتِحْقَاقِ الْبِكْرِ، وَالثَّيِّبِ مَا ذَكَرَ مِنْ الْعَدَدِ، وَدَلَّتْ الْأَحَادِيثُ عَلَى أَنَّهُ إذَا تَعَدَّى الزَّوْجُ الْمُدَّةَ الْمَقْدِرَةَ بِرِضَا الْمَرْأَةِ سَقَطَ حَقُّهَا مِنْ الْإِيثَارِ، وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ لِذَلِكَ، وَأَمَّا إذَا كَانَ بِغَيْرِ رِضَاهَا فَحَقُّهَا ثَابِتٌ، وَهُوَ مَفْهُومُ قَوْلِهِ ﷺ إنْ شِئْت،
سبل السلام شرح بلوغ المرام – ط الحديث ٣/٢٣٩ — الصنعاني (ت ١١٨٢)
——
قال الاتيوبي :
(المسألة الرابعة): في اختلاف أهل العلم فيما تستحقّه كلّ من البكر والثيّب من إقامة الزوج عندها عقب الزفاف:
قال العلّامة ابن قُدامة رحمه الله: متى تزوج صاحب النسوة امرأة جديدةً قَطَع الدَّوْر وأقام عندها سبعًا، إن كانت بكرًا، ولا يقضيها للباقيات، وإن كانت ثيبًا أقام عندها ثلاثًا، ولا يقضيها، إلا أن تشاء هي أن يقيم عندها سبعًا، فإنه يقيمها عندها، ويقضي الجميع للباقيات.
رُوي ذلك عن أنس، وبه قال الشعبيّ، والنخعيّ، ومالكٌ والشافعيّ، وإسحاق، وأبو عبيد، وابن المنذر.
ورُوِي عن سعيد بن المسيِّب، والحسن، وخِلاس بن عمرو، ونافع مولى ابن عمر: للبكر ثلاث، وللثيب ليلتان، ونحوه قال الأوزاعيّ.
وقال الحكم، وحماد، وأصحاب الرأي: لا فضل للجديدة في القَسْم، فإن أقام عندها شيئًا قضاه للباقيات؛ لأنه فضّلها بمدة، فوجب قضاؤها، كما لو أقام عند الثيب سبعًا. انتهى (١).
وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ رحمه الله: وأما اختلاف الفقهاء، وذِكر أقوالهم في هذا الباب، فقال مالك، والشافعيّ، وأصحابهما، والطبريّ: يقيم عند البكر سبعًا، وعند الثيب ثلاثًا، فإن كانت له امرأة أخرى غير الذي تزوج، فإنه يَقْسِم بينهما بعد أن تمضي أيام التي تزوج، ولا يقيم عندها ثلاثًا.
وقال ابن القاسم، عن مالك: مقامه عند البكر سبعًا، وعند الثيب ثلاثًا، إذا كان له امرأة أخرى واجبٌ، وقال ابن عبد الحكم، عن مالك: ذلك مستحبٌّ، وليس بواجب.
وقال الأوزاعيّ: مضت السنة أن يجلس في بيت البكر سبعًا، وعند الثيب ثلاثًا، وإن تزوج بكرًا، وله امرأة أخرى فإن للبكر ثلاثًا، ثم يُقْسِم، وإن تزوج الثيب، وله امرأة كان لها ليلتان.
وقال سفيان الثوريّ: إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها ليلتين، ثم قسم بينهما، قال: وقد سمعنا حديثًا آخر، قال: يقيم مع البكر سبعًا، ومع الثيب ثلاثًا.
وقال أبو حنيفة، وأصحابه: الْقَسْم بينهما، سواءٌ البكر والثيب، ولا يقيم عند الواحدة إلا كما يقيم عند الأخرى.
وقال محمد بن الحسن: إن الحرمة لهما سواءٌ، ولم يكن رسول الله ﷺ يؤثر واحدة عن الأخرى، واحتجَّ بحديث هذا الباب: «إن سبّعت لك سبّعت لنسائي، وإن شئتِ ثَلَّثت، ودُرْت»، يعني بمثل ذلك.
واحتجوا أيضًا بقوله ﷺ: «من كانت له زوجتان، ومال إلى إحداهما جاء يوم القيامة، وشقه مائل».
قال أبو عمر: عن التابعين في هذا الباب من الاختلاف كالذي بين أئمة الفتوى فقهاء الأمصار، وما ذهب إليه مالك، والشافعيّ، فهو الذي وردت به الآثار المرفوعة، وهو الصواب – إن شاء الله -.
قال ابن حزم رحمه الله: واحتج من ذهب إلى قول الحسن، وابن المسيب بخبر رويناه من طريق عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، ومحمد بن إسحاق قالا جميعًا: قال رسول الله ﷺ: «للبكر ثلاث».
قال: وهو مرسل لا حجة فيه؛ فسقط هذا القول. اهـ
قلتُ: بل هو معضل، وفيه عنعنة ابن جريج.
- وذهب الحكم، وحماد، وأبو حنيفة وأصحابه إلى أنه لا فضل للجديدة، ويقسم لها كغيرها.
واستدلوا بالأدلة الواردة في وجوب العدل بين الزوجات، وقولهم باطل، وأدلتهم مخصوصة، وبالله التوفيق.
قال أبو عمر: لما قال رسول الله ﷺ: «للبكر سبع، وللثيب ثلاث» دَلّ على أن ذلك حقّ من حقوقها، فمحال أن يحاسبا بذلك، وعند أكثر العلماء ذلك واجب لهما، كان عند الرجل زوجة أم لا؛ لقوله ﷺ: «إذا تزوج البكر أقام عندها سبعًا، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثًا»، ولم يخصّ من له زوجة ممن لا زوجة له.
وقد اختلفوا في المقام المذكور، هل هو من حقوق الزوجة على الزوج، أو من حقوق الزوج على سائر نسائه؟
فقالت طائفة: هو حقّ للمرأة، إن شاءت طالبت به، وإن شاءت تركته.
وقال آخرون: هو من حقّ الزوج، إن شاء أقام عندها، وإن شاء لم يُقِم، فإن أقام عندها، ففيه من الاختلاف ما ذكرنا، وإن لم يقم عندها إلا ليلةً دار، وكذلك إن أقام ثلاثًا دار على ما ذكرنا من اختلاف الفقهاء.
فالقول عندي أولى باختيار رسول الله ﷺ أن ذلك حقّ؛ لقوله: «للبكر سبع، وللثيب ثلاثٌ»، وقوله: «من تزوج بكرًا أقام عندها سبعًا، وعند الثيب ثلاثًا، وبالله تعالى التوفيق. انتهى (١)
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي اختاره الإمام ابن عبد البرّ رحمه الله من العمل بما دلّت عليه أحاديث الباب، وهو أن من تزوّج بكرًا، أقام عندها سبعًا، ومن تزوّج ثيّبًا أقام عندها ثلاثًا، إلا أن تشاء التسبيع، فيسبّع لها، ثم يحاسبها بالتسبيع لزوجاته، هو الصواب الذي لا شكّ فيه؛ لأنه نصّ الرسول ﷺ، ولا كلام ونقاش معه ﷺ، فتبصّر بالإنصاف، ولا تسلك مسلك التقليد والانحراف، وراجع ما كتبه أبو محمد بن حزم رحمه الله في المسألة في كتابه»المحلّى«(٢)، فقد ناقش المخالفين بأشدّ أسلوب، وأفحمه للخصوم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
قال العباد في شرح سنن أبي داود :
فإذا زاد على الثلاث وأتى بالسبع لها فإنه يسبع لسائر نسائه.
ولا شك أن الحظ والأولى لها أن يقيم عندها ثلاثًا ثم يرجع إليها بعد فترة قريبة، بخلاف ما إذا سبع لها، فإنه لا يأتيها إلا بعد مدة طويلة، فإذا كان عنده زوجتان فسيأتيها بعد أسبوعين، وإذا كان عنده ثلاث فسيأتيها بعد ثلاثة أسابيع، فكونه يقيم عندها ثلاثًا ثم يقسم لا شك أن هذا أولى لها من أن يسبع لها ثم تطول عليها المدة، فلا يرجع إليها إلا بعد مدة طويلة.
وقوله: [(ليس بك على أهلك هوان)].
يعني: أنت عزيزة، أي: ليست هينة عند أهلها ولا عنده صلى الله عليه وسلم ، ولكن الحكم هو هكذا، فإن أرادت أن تقف عند الثلاث فإنه يبدأ بالقسمة ويرجع إليها، ولكنه لا يقسم لهن ثلاثًا، فبعد أن يجلس عندها ثلاثًا يبدأ بالقسمة يومًا يومًا، لكنه إذا تجاوز الثلاث إلى السبع فإنه يسبع للنساء بالقسمة.
شرح سنن أبي داود للعباد ٢٤٤/١٣
قال الاتيوبي :
(مسألة ): في اختلاف أهل العلم هل هذا الحقّ المذكور من التسبيع والتثليث حقّ للزوج، أم للزوجة الجديدة؟
قال النوويّ رحمه الله: اختلفوا في ذلك، ومذهبنا، ومذهب الجمهور، أنه حقّ لها، وقال بعض المالكية: حقّ له على بقية نسائه، واختلفوا في اختصاصه بمن له زوجات غير الجديدة، قال ابن عبد البر: جمهور العلماء على أن ذلك حقّ للمرأة بسبب الزفاف، سواء كان عنده زوجة، أم لا؟؛ لعموم الحديث: «إذا تزوج البكر أقام عندها سبعًا، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثًا»، فلم يخص من لم يكن له زوجة.
وقالت طائفة: الحديثُ فيمن له زوجة، أو زوجات، غير هذه؛ لأن من لا زوجة له، فهو مقيم مع هذه كل دهره، مؤنس لها، متمتع بها، مستمتعة به بلا قاطع، بخلاف من له زوجات، فإنه جُعلت هذه الأيام للجديدة؛ تأنيسًا لها متصلًا؛ لتستقرّ عشرتها له، وتذهب حِشمتها ووحشتها منه، ويقضي كل واحد منهما لذّته من صاحبه، ولا ينقطع بالدوران على غيرها.
ورجح القاضي عياض هذا القول، وبه جزم البغويّ من أصحاب الشافعيّ في «فتاويه»، فقال: إنما يثبت هذا الحق للجديدة، إذا كان عنده أخرى يبيت عندها، فإن لم تكن أخرى، أو كان لا يبيت عندها لم يثبت للجديدة حقّ الزفاف، كما لا يلزمه أن يبيت عند زوجاته ابتداء.
قال النوويّ: والأول أقوى، وهو المختار؛ لعموم الحديث. انتهى كلام النوويّ رحمه الله (١).
قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي أن ما رجحه القاضي عياض، من تقييده بمن له زوجة أخرى هو الأقرب؛ لما سيأتي من حديث أنس رضي الله عنه: «إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعًا. . .» الحديث، فقيّده بمن تزوج على زوجته، ومفهومه أن من لم يتزوج على زوجته ليس عليه التسبيع، ولا التثليث، وأما الروايات التي فيها الإطلاق فَتُحمل على هذه الرواية المقيّدة، فافهم، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
[تنبيه]: قال في «الفتح»: يُكرَه أن يتأخر في السبع أو الثلاث عن الصلاة، وسائر أعمال البرّ التي كان يفعلها. نصّ عليه الشافعيّ، وقال الرافعيّ: هذا في النهار، وأما في الليل فلا؛ لأن المندوب لا يترك له الواجب، وقد قال الأصحاب: يسوّي بين الزوجات في الخروج إلى الجماعة، وفي سائر أعمال البرّ، فيخرج في ليالي الكلّ، أو لا يخرج أصلًا، فإن خصّص حرُم عليه، وعدُّوا هذا من الأعذار في ترك الجماعة.
وقال ابن دقيق العيد: أفرط بعض الفقهاء، فجعل مُقامه عندها عذرًا في إسقاط الجمعة، وبالغ في التشنيع.
وأجيب بأنه قياس قول من يقول: بوجوب المقام عندها، وهو قول الشافعية، ورواه ابن قاسم عن مالك، وعنه يستحبّ، وهو وجه للشافعية، فعلى الأصح يتعارض عنده الواجبان، فيقدَّم حقّ الآدميّ، فليس بشنيع، وإن كان مرجوحًا. انتهى (١).
قال الشوكانيّ رحمه الله: ولا يخفى أن مثل هذا لا يُرَدّ به على تشنيع ابن دقيق العيد؛ لأنه شنَّع على القائل كائنًا من كان، وهو قولٌ شنيعٌ، كما ذكر، فكيف يجاب عنه بأن هذا قد قال به فلان وفلان؟ اللهم إلا أن يكون ابن دقيق العيد موافقًا في وجوب المقام بلا استثناء. انتهى كلام الشوكانيّ رحمه الله (٢).
قال الجامع عفا الله عنه: ما أحقّ التشنيع والتقبيح على هذا القول المهين، فما ذكره الرافعيّ عجيب، فإنه مخالف للنصوص الصحيحة الكثير في إيجاب صلاة الجمعة، والجماعة، على الإطلاق، فلا يوجد نصّ يُخرج المتزوج عن ذلك، وأيضًا فإن الرافعيّ شافعيّ، وقائم في نصرة مذهبه، وهذا مخالف لنصّ الشافعيّ، كما سبق آنفًا، إن هذا لشيء عجيب.
قال الإمام ابن حزم رحمه الله في معرض الردّ على هذا القول: وأما التخلف عن صلاة الجماعة، فقد ذكرناه في «كتاب الصلاة» من ديواننا هذا – يعني «الْمُحَلّى» – وغيره: إيجاب رسول الله ﷺ ذلك، وتوعّده بحرق بيوت المتخلفين عنها لغير عذر، وقد تزوج ﷺ وأصحابه، فما منهم من أحد تخلف في التسبيع، والتثليث عن صلاة الجماعة والجمعة، وإنما هي ضلالة أحدثها الشيطان. انتهى كلام ابن حزم رحمه الله (١)، وهو كلام نفيس جدًّا.
والحاصل أن التخلّف عن صلاة الجمعة، والجماعة لمن تزوّج متعلّلًا بهذا التسبيع والتثليث، لَمِنْ تسويل الشيطان، ومما يدعو إليه حزبه؛ ليكونوا من أصحاب الضلال، فليحذر المسلم كل الحذر عن الاعتماد على مثل هذه الفتاوى الماجنة، فإنها عين الضلالة والمهانة، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
البحر المحيط الثجاج في شرح صحيح الإمام مسلم بن الحجاج ٢٥/٧٣٤-٧٤٠
——
مسائل أخرى من فتح العلام شرح بلوغ المرام :
مسألة [٣]: إذا كان له امرأة فتزوج أخرى، ثم أراد السفر قبل أن يتم حق الجديدة؟
قال ابن قدامة رحمه الله في «المغني» (١٠/ ٢٥٥): إذَا كَانَتْ لَهُ امْرَأَةٌ، فَتَزَوَّجَ أُخْرَى، وَأَرَادَ السَّفَرَ بِهِمَا جَمِيعًا؛ قَسَمَ لِلْجَدِيدَةِ سَبْعًا إنْ كَانَتْ بِكْرًا، وَثَلَاثًا إنْ كَانَتْ ثَيِّبًا، ثُمَّ يَقْسِمُ بَعْدَ ذَلِكَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْقَدِيمَةِ. وَإِنْ أَرَادَ السَّفَرَ بِإِحْدَاهُمَا؛ أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا؛ فَإِنْ خَرَجَتْ قُرْعَةُ الْجَدِيدَةِ، سَافَرَ بِهَا مَعَهُ، وَدَخَلَ حَقُّ الْعَقْدِ فِي قَسْمِ السَّفَرِ؛ لِأَنَّهُ نَوْعُ قَسْمٍ. وَإِنْ وَقَعَتْ الْقُرْعَةُ لِلْأُخْرَى؛ سَافَرَ بِهَا، فَإِذَا حَضَرَ؛ قَضَى لِلْجَدِيدَةِ حَقَّ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ سَافَرَ بَعْدَ وُجُوبِهِ عَلَيْهِ.
قال: وَإِنْ تَزَوَّجَ اثْنَتَيْنِ، وَعَزَمَ عَلَى السَّفَرِ، أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا، فَسَافَرَ بِاَلَّتِي تَخْرُجُ لَهَا الْقُرْعَةُ، وَيَدْخُلُ حَقُّ الْعَقْدِ فِي قَسْمِ السَّفَرِ، فَإِذَا قَدِمَ؛ قَضَى لِلثَّانِيَةِ حَقَّ الْعَقْدِ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ وَجَبَ لَهَا قَبْلَ سَفَرِهِ لَمْ يُؤَدِّهِ إلَيْهَا، فَلَزِمَهُ قَضَاؤُهُ، كَمَا لَوْ لَمْ يُسَافِرْ بِالْأُخْرَى مَعَهُ. وَالثَّانِي: لَا يَقْضِيهِ؛ لِئَلَّا يَكُونَ تَفْضِيلًا لَهَا عَلَى الَّتِي سَافَرَ بِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ لِلْمُسَافِرَةِ مِنْ الْإِيوَاءِ، وَالسَّكَنِ، وَالْمَبِيتِ عِنْدَهَا، مِثْلُ مَا يَحْصُلُ فِي الْحَضَرِ، فَيَكُونُ مَيْلًا، فَيَتَعَذَّرُ قَضَاؤُهُ.
قال: فَإِنْ قَدِمَ مِنْ سَفَرِهِ قَبْلَ مُضِيِّ مُدَّةٍ يَنْقَضِي فِيهَا حَقُّ عَقْدِ الْأُولَى؛ أَتَمَّهُ فِي الْحَضَرِ، وَقَضَى لِلْحَاضِرَةِ مِثْلَهُ، وَجْهًا وَاحِدًا، وَفِيمَا زَادَ الْوَجْهَانِ. وَيَحْتَمِلُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى وَجْهًا ثَالِثًا، وَهُوَ أَنْ يَسْتَأْنِفَ قَضَاءَ حَقِّ الْعَقْدِ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، وَلَا يَحْتَسِبُ عَلَى الْمُسَافِرَةِ بِمُدَّةِ سَفَرِهَا، كَمَا لَا يَحْتَسِبُ بِهِ عَلَيْهَا فِيمَا عَدَا حَقِّ
الْعَقْدِ. وَهَذَا أَقْرَبُ إلَى الصَّوَابِ مِنْ إسْقَاطِ حَقِّ الْعَقْدِ الْوَاجِبِ بِالشَّرْعِ بِغَيْرِ مُسْقِطٍ. اهـ
قلتُ: وما استَقْرَبَهُ ابنُ قدامة هو الظاهر، والله أعلم.
مسألة [٥]: إذا كان عنده امرأتان، فقسم للأولى ثم تزوج أخرى في الليلة الثانية قبل أن يقسم للأخرى؟
قال ابن قدامة رحمه الله في «المغني» (١٠/ ٢٥٨): وَإِذَا كَانَتْ عِنْدَهُ امْرَأَتَانِ، فَبَاتَ عِنْدَ إحْدَاهُمَا لَيْلَةً، ثُمَّ تَزَوَّجَ ثَالِثَةً قَبْلَ لَيْلَةِ الثَّانِيَةِ، قَدَّمَ الْمَزْفُوفَةَ بِلَيَالِيِهَا؛ لِأَنَّ حَقَّهَا آكَدُ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِالْعَقْدِ، وَحَقُّ الثَّانِيَةِ ثَبَتَ بِفِعْلِهِ، فَإِذَا قَضَى حَقَّ الْجَدِيدَةِ، بَدَأَ بِالثَّانِيَةِ، فَوَفَّاهَا لَيْلَتَهَا، ثُمَّ يَبِيتُ عِنْدَ الْجَدِيدَةِ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ الْقَسْمَ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ إذَا وَفَّى الثَّانِيَةَ لَيْلَتَهَا، بَاتَ عِنْدَ الْجَدِيدَةِ نِصْفَ لَيْلَةٍ، ثُمَّ يَبْتَدِئُ الْقَسْمَ؛ لِأَنَّ اللَّيْلَةَ الَّتِي يُوَفِّيهَا لِلثَّانِيَةِ نِصْفُهَا مِنْ حَقِّهَا وَنِصْفُهَا مِنْ حَقِّ الْأُخْرَى، فَيَثْبُتُ لِلْجَدِيدَةِ فِي مُقَابَلَةِ ذَلِكَ نِصْفُ لَيْلَةٍ بِإِزَاءِ مَا حَصَلَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ ضَرَّتَيْهَا.
وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَحْتَاجُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِنَفْسِهِ فِي نِصْفِ لَيْلَةٍ، وَفِيهِ حَرَجٌ؛ فَإِنَّهُ رُبَّمَا لَا يَجِدُ مَكَانًا يَنْفَرِدُ فِيهِ، أَوْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْخُرُوجِ إلَيْهِ فِي نِصْفِ اللَّيْلَةِ، أَوْ الْمَجِيءِ مِنْهُ، وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْبِدَايَةِ بِهَا بَعْدَ الثَّانِيَةِ وَفَاءٌ بِحَقِّهَا بِدُونِ هَذَا الْحَرَجِ؛ فَيَكُونُ أَوْلَى إنْ شَاءَ الله. اهـ
[فتح العلام جـ8 صـ400-405]
التزام الاتيان بعمره فيما يسمى شهر عسل بدعة :
سئل الشيخ ابن عثيمين: ما رأيكم فيمن يقول: بدلًا من هذا أذهب أنا وإياها إلى العمرة ونأخذ عمرة؟ نقول: هذا زَيْن شَيْن؛ لأن الظاهر أن أصلها مأخوذ من غير المسلمين؛ لأننا ما عهدنا هذا في أزمان العلماء السابقين، ولا في عهد السلف، ولا تَكَلَّم عليها أهل العلم، فيكون هذا متلقًّى من غير المسلمين، هذا من وجه.
من وجه آخر: أخشى أنه إذا طال بالناس زمان أن يجعلوا الزواج سببًا لمشروعية العمرة، ثم يُقال: يُسَنّ لكل من تزوج أن يعتمر! فنُحْدِث للعبادة سببًا غير شرعي، وهذا مُشْكِل؛ لأن الناس إذا طال بهم الزمن تتغير الأحوال ويُنْسَى الأول، فلهذا نقول: اجعل شهر العسل في حجرتك في بيتك، واجعل العسل دهرًا لا شهرًا، واحمد الله على العافية.
طالب: إن كان قصده من السفر (…) سواء بمكة أو بالمدينة يكون قصده ينفرد بها مدة من الزمن يعرف طباعها ما هو بهذا غرض (…).
الشيخ: ما يخالف، هذا لا بأس، يعني إذا كان الرجل يريد أن يختبر زوجته وطبائعها، أو يريد أن يجعل ذلك تمهيدًا لانفراده عن أهله مثلًا، فهذا لا بأس به، لكن لا أحب أن يقرنه بأيام الزواج فيُظَنّ أنه لهذا السبب، مثلًا يمضي أسبوعين ثلاثة أربعة، بعد أن يمضي الشهر كله يروح.
الشرح الصوتي لزاد المستقنع – ابن عثيمين ١/٦٨٢٢
قال الاتيوبي :
(المسألة الثالثة): في فوائده:
١ – (منها): بيان قدر ما تستحقّه البكر، والثيّب من إقامة الزوج عندها عقب الزفاف، وهو أن للبكر سبع ليال، وللثيّب ثلاث ليال.
٢ – (ومنها): بيان ما كان عليه النبيّ ﷺ، من حسن العشرة والملاطفة مع أهله، حيث قال لها: «ليس بك على أهلك هوان».
٣ – (ومنها): بيان استحباب ملاطفة الأهل والعيال، وغيرهم، وتقريب الحقّ من فهم المخاطب؛ ليرجع إليه.
٤ – (ومنها): بيان أنه ينبغي اللطف والرفق بمن يُخْشَى منه كراهية الحقّ، حتى يتبيّن له وجه ترجيحه، فيرجع إليه (١).
٥ – (ومنها): بيان العدل بين الزوجات.
٦ – (ومنها): بيان أن حقّ الزِّفَاف ثابت للمزفوفة، وتُقَدَّم به على غيرها، فإن كانت بكرًا كان لها سبع ليال بأيامها بلا قضاء، وإن كانت ثَيِّبًا كان لها الخيار، إن شاءت سبعًا، ويَقضي السبعَ لباقي النساء، وإن شاءت ثلاثًا، ولا يقضي، وهذا مذهب الجمهور، وهو الصحيح؛ لأنه الذي ثبتت فيه هذه الأحاديث الصحيحة، وسيأتي بيان الاختلاف في المسألة التالية – إن شاء الله تعالى -.
[تنبيه]: قال في «الفتح»: وتجب الموالاة في السبع، وفي الثلاث، فلو فَرّق لم يُحْسَب على الراجح؛ لأن الْحِشْمة (٢) لا تزول به، ثم لا فرق في ذلك بين الحرة والأمة، وقيل: هي على النصف من الحرة، ويجبر الكسر. انتهى (١).
٧ – (ومنها): ما قاله الحافظ أبو عمر بن عبد البرّ رحمه الله: هذا الحديث: «إن سبّعت لك، سبّعت لنسائي»، فإنه لا يقول به مالك، ولا أصحابه، وهذا مما تركوه من رواية أهل المدينة؛ لحديث بصريّ (٢).
وقال أيضًا: من قال بحديث هذا الباب يقول: إن أقام عند البكر، أو الثيب سبعًا، أقام عند سائر نسائه سبعًا سبعًا، وإن أقام عندها ثلاثًا، أقام عند كل واحدة ثلاثًا ثلاثًا، فتأولوا في قوله ﷺ: «وإن شئت ثلَّثتُ، ودُرْت»، أي درت ثلاثًا ثلاثًا، وهو قول الكوفيين، وفي هذا الباب عجب؛ لأنه صار فيه أهل الكوفة إلى ما رواه أهل المدينة، وصار أهل المدينة إلى ما رواه أهل البصرة. انتهى (٣)، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب