101 – فتح ذي النعم بالبدر الأتم شرح صحيح مسلم
باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان
وقال الآمدي في «أبكار الأفكار»: ذهب أبو هاشم من المعتزلة، إلى أن من لا يعرف الله بالدليل، فهو كافر؛ لأن ضد المعرفة النكرةُ، والنكرة كفرٌ، قال: وأصحابنا مجمعون على خلافه، وإنما اختلفوا فيما إذا كان الاعتقاد موافقًا، لكن عن غير دليل، فمنهم من قال: إن صاحبه مؤمن عاصٍ بترك النظر الواجب، ومنهم من اكتفى بمجرد الاعتقاد الموافق، وإن لم يكن عن دليل، وسماه علمًا، وعلى هذا فلا يلزم من حصول المعرفة بهذا الطريق، وجوب النظر، وقال غيره: من منع التقليد، وأوجب الاستدلال، لم يرد التعمق في طرق المتكلمين، بل اكتفى بما لا يخلو عنه من نشأ بين المسلمين، من الاستدلال بالمصنوع على الصانع، وغايته أنه يحصل في الذهن، مقدمات ضرورية، تتألف تألفًا صحيحًا، وتنتج العلم، لكنه لو سُئل كيف حصل له ذلك: ما اهتدى للتعبير به، وقيل: الأصل في هذا كله المنع من التقليد، في أصول الدين، وقد انفصل بعض الأئمة عن ذلك، بأن المراد بالتقليد أخذ قول الغير بغير حجة، ومن قامت عليه حجة بثبوت النبوة، حتى حصل له القطع بها، فمهما سمعه من النبي ﷺ، كان مقطوعًا عنده بصدقه، فإذا اعتقده لم يكن مقلدًا؛ لأنه لم يأخذ بقول غيره بغير حجة، وهذا مستند السلف قاطبة، في الأخذ بما ثبت عندهم من آيات القرآن، وأحاديث النبي ﷺ، فيما يتعلق بهذا الباب، فآمنوا بالمحكم من ذلك، وفوّضوا أمر المتشابه منه إلى ربهم، وإنما قال من قال: إن مذهب الخلف أحكم بالنسبة إلى الرد على من لم يثبت النبوة، فيحتاج من يريد رجوعه إلى الحق أن يقيم عليه الأدلة إلى أن يُذعن فيسلم، أو يعاند فيهلك، بخلاف المؤمن، فإنه لا يحتاج في أصل إيمانه إلى ذلك، وليس سبب الأول إلا جعل الأصل عدم الإيمان، فلزم إيجاب النظر المؤدي إلى المعرفة، وإلا فطريق السلف أسهل من هذا، كما تقدم إيضاحه من الرجوع إلى ما دلت عليه النصوص، حتى يحتاج إلى ما ذكر من إقامة الحجة على من ليس بمؤمن، فاختلط الأمر على من اشترط ذلك، والله المستعان.
قال الإتيوبي عفا الله تعالى عنه: رَدّ من لم يُثبِتِ النبوّة لا يكون بما سلكه المتكلّمون من النظر، وإنما يكون بما جاء عن رسول الله ﷺ، واقتدى به في ذلك أصحابه رضي الله عنهم ومن تبعهم بإحسان، من إقامة الحجة على من لم يُثبت نبوته ﷺ، فليس هذا النفي جديدًا في الأمة، وإنما هو من أول ما جاء الإسلام، فقد قال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ الآية [الرعد: ٤٣]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١)﴾ الآية [الفرقان: ٤١]، إلى غير ذلك من الآيات، فالطريق الذي سلكه ﷺ في إقناع هؤلاء ونحوهم، وإلزامهم الحجج القاهرة لهم، هو الطريق الصحيح، وأما طريق المتكلمين، فضلالٌ مبين، فتنبّه لهذا هداني الله وإياك إلى الصراط المستقيم.
واحتج بعض من أوجب الاستدلال، باتفاقهم على ذم التقليد، وذكروا الآيات، والأحاديث الواردة في ذم التقليد، وبأن كل أحد قبل الاستدلال، لا يدري أيّ الأمرين هو الهدى؟ وبأن كل ما لا يصح إلا بالدليل، فهو دعوى لا يُعْمَل بها، وبأن العلم اعتقاد الشيء على ما هو عليه، من ضرورة، أو استدلال، وكل ما لم يكن علمًا فهو جهل، ومن لم يكن عالمًا فهو ضالّ.
والجواب عن الأول أن المذموم من التقليد أخذ قول الغير بغير حجة، وهذا ليس منه حكم رسول الله ﷺ، فإن الله أوجب اتباعه في كل ما يقول، وليس العمل فيما أمر به، أو نهى عنه داخلًا تحت التقليد المذموم اتفاقًا، وأما من دونه، ممن اتبعه في قول قاله، واعتقد أنه لو لم يقله لم يقل هو به، فهو المقلّد المذموم، بخلاف ما لو اعتقد ذلك في خبر الله تعالى ورسوله ﷺ، فإنه يكون ممدوحًا.
وأما احتجاجهم بأن أحدًا لا يدري قبل الاستدلال، أيّ الأمرين هو الهدى، فليس بمسلم، بل من الناس من تطمئن نفسه، وينشرح صدره للإسلام من أول وهلة، ومنهم من يتوقف على الاستدلال، فالذي ذكروه هم أهل الشق الثاني، فيجب عليه النظر ليقي نفسه النار؛ لقوله تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦]، ويجب على كل من استرشده أن يرشده، ويبرهن له الحق، وعلى هذا مضى السلف الصالح، من عهد النبي ﷺ وبعده.
وأما من استقرت نفسه إلى تصديق الرسول، ولم تنازعه نفسه إلى طلب دليل، توفيقًا من الله وتيسيرًا، فهم الذين قال الله في حقهم: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ الآية [الحجرات: ٧]، وقال: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ الآية [الأنعام: ١٢٥]، وليس هؤلاء مقلدين لآبائهم، ولا لرؤسائهم، لأنهم لو كَفَر آباؤهم، أو رؤساؤهم لم يتابعوهم، بل يجدون النفرة عن كل من سمعوا عنه ما يخالف الشريعة، وأما الآيات والأحاديث، فإنما وردت في حق الكفار، الذين اتبعوا من نُهُوا عن اتباعه، وتركوا اتباع من أُمِروا باتباعه، وإنما كلفهم الله الإتيان ببرهان على دعواهم، بخلاف المؤمنين، فلم يَرِد قط أنه أسقط اتباعهم حتى يأتوا بالبرهان، وكل من خالف الله ورسوله، فلا برهان له أصلًا، وإنما كلف الإتيان بالبرهان، تبكيتًا وتعجيزًا، وأما من اتبع الرسول ﷺ فيما جاء به، فقد اتبع الحق الذي أمر به، وقامت البراهين على صحته، سواء علم هو بتوجيه ذلك البرهان، أم لا.
وقول من قال منهم: إن الله ذكر الاستدلال، وأمر به مُسَلَّم، لكن هو فعل حسن مندوب لكل من أطاقه، وواجب على كل من لم تسكن نفسه إلى التصديق، كما تقدم تقريره. وبالله التوفيق.
وقال غيره: قول من قال: طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أحكم، ليس بمستقيم؛ لأنه ظن أن طريقة السلف مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث، من غير فقه في ذلك، وأن طريقة الخلف، هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها، بأنواع المجازات، فجمع هذا القائل بين الجهل بطريقة السلف، والدعوى في طريقة الخلف، وليس الأمر كما ظن، بل السلف في غاية المعرفة بما يليق بالله تعالى، وفي غاية التعظيم له، والخضوع لأمره، والتسليم لمراده، وليس من سلك طريق الخلف واثقًا بأن الذي يتأوله هو المراد، ولا يمكنه القطع بصحة تأويله، وأما قولهم في العلم، فزادوا في التعريف: عن ضرورة، أو استدلال، وتعريف العلم انتهى عند قوله: «عليه»، فإن أبوا إلا الزيادة، فليزدادوا: «عن تيسير الله له ذلك، وخلقه ذلك المعتقد في قلبه»، وإلا فالذي زادوه هو محل النزاع، فلا دلالة فيه، وبالله التوفيق.
وقال أبو المظفر بن السمعاني رحمه الله: تعقب بعض أهل الكلام قول من قال: إن السلف من الصحابة والتابعين، لم يعتنوا بإيراد دلائل العقل في التوحيد، بأنهم لم يشتغلوا بالتعريفات في أحكام الحوادث، وقد قبل الفقهاء ذلك، واستحسنوه، فَدَوَّنوه في كتبهم، فكذلك علم الكلام، ويمتاز علم الكلام، بأنه يتضمن الردّ على الملحدين، وأهل الأهواء، وبه تزول الشبهة عن أهل الزيغ، ويثبت اليقين لأهل الحق، وقد علم الكل أن الكتاب لم تعلم حقيته، والنبي ﷺ لم يثبت صدقه، إلا بأدلة العقل.
وأجاب:
أما أوّلًا، فإن الشارع والسلف الصالح نَهَوا عن الابتداع، وأَمَرُوا بالاتباع، وصح عن السلف أنهم نَهَوْا عن علم الكلام، وعدُّوه ذريعة للشك والارتياب، وأما الفروع فلم يثبت عن أحد منهم النهي عنها، إلا من ترك النص الصحيح، وقدم عليه القياس، وأما من اتبع النص، وقاس عليه، فلا يحفظ عن أحد من أئمة السلف إنكار ذلك؛ لأن الحوادث في المعاملات لا تنقضي، وبالناس حاجة إلى معرفة الحكم، فمن ثَمَّ تواردوا على استحباب الاشتغال بذلك، بخلاف علم الكلام.
وأما ثانيًا: فإن الدين كمل؛ لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣]، فإذا كان أكمله وأتمه، وتلقاه الصحابة عن النبي ﷺ، واعتقده من تلقى عنهم، واطمأنت به نفوسهم، فأيُّ حاجة بهم إلى تحكيم العقول، والرجوع إلى قضاياها، وجعلها أصلًا، والنصوص الصحيحة الصريحة تُعرَض عليها، فتارة يُعْمَلُ بمضمونها، وتارة تحرف عن مواضعها؛ لتوافق العقول، وإذا كان الدين قد كَمُل فلا تكون الزيادة فيه إلا نقصانًا في المعنى، مثل زيادة أصبع في اليد، فإنها تنقص قيمة العبد الذي يقع به ذلك.
وقد توسط بعض المتكلمين، فقال: لا يكفي التقليد، بل لا بد من دليل ينشرح به الصدر، وتحصل به الطمأنينة العلمية، ولا يشترط أن يكون بطريق الصناعة الكلامية، بل يكفي في حق كل أحد بحسب ما يقتضيه فهمه. انتهى.
والذي تقدم ذكره من تقليد النصوص، كافٍ في هذا القدر.
وقال بعضهم: المطلوب من كل أحد التصديق الجزميّ، الذي لا ريب معه بوجود الله تعالى، والإيمان برسله، وبما جاؤوا به، كيفما حصل، وبأي طريق إليه يوصل، ولو كان عن تقليد محض، إذا سلم من التزلزل.
وقال القرطبي رحمه الله: هذا الذي عليه أئمة الفتوى، ومن قبلهم من أئمة السلف، واحتج بعضهم بما تقدم من القول في أصل الفطرة، وبما تواتر عن النبي ﷺ، ثم الصحابة أنهم حكموا بإسلام من أسلم من جفاة العرب، ممن كان يعبد الأوثان، فقبلوا منهم الإقرار بالشهادتين، والتزام أحكام الإسلام، من غير إلزام بتعلم الأدلة، وإن كان كثير منهم إنما أسلم لوجود دليل مّا، فأسلم بسبب وضوحه له، فالكثير منهم قد أسلموا طوعًا من غير تقدم استدلال، بل بمجرد ما كان عندهم من أخبار أهل الكتاب، بأن نبيًّا سيبعث، وينتصر على من خالفه، فلما ظهرت لهم العلامات في محمد ﷺ، بادروا إلى الإسلام، وصدّقوه في كل شيء قاله ودعاهم إليه، من الصلاة، والزكاة، وغيرهما، وكثير منهم كان يؤذن له في الرجوع إلى معاشه، من رعاية الغنم وغيرها، وكانت أنوار النبوة وبركاتها تشملهم، فلا يزالون يزدادون إيمانًا ويقينًا.
وقال أبو المظفر ابن السمعاني أيضًا ما مُلَخَّصه: إن العقل لا يوجب شيئًا، ولا يحرم شيئًا، ولا حظ له في شيء من ذلك، ولو لم يرد الشرع بحكم، ما وجب على أحد شيء؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، وقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، وغير ذلك من الآيات، فمن زعم أن دعوة رسول الله ﷺ، إنما كانت لبيان الفروع، لزمه أن يجعل العقل هو الداعي إلى الله دون الرسول، ويلزمه أن وجود الرسول وعدمه بالنسبة إلى الدعاء إلى الله سواء، وكفى بهذا ضلالًا، ونحن لا ننكر أن العقل يرشد إلى التوحيد، وإنما ننكر أنه يستقل بإيجاب ذلك، حتى لا يصح إسلام إلا بطريقه، مع قطع النظر عن السمعيات؛ لكون ذلك خلاف ما دلت عليه آيات الكتاب، والأحاديث الصحيحة، التي تواترت، ولو بالطريق المعنويّ، ولو كان كما يقول أولئك، لبطلت السمعيات، التي لا مجال للعقل فيها، أو أكثرها، بل يجب الإيمان بما ثبت من السمعيات، فإن عقلناه فبتوفيق الله، وإلا اكتفينا باعتقاد حقيته، على وفق مراد الله سبحانه وتعالى. انتهى.
ويؤيد كلامه ما أخرجه أبو داود، عن ابن عباس، أن رجلًا قال لرسول الله ﷺ: أَنْشُدُك الله، آلله أرسلك أنّ نشهد أن لا إله إلا الله، وأن ندع اللَّات والعزَّى، قال: نعم، فأسلم، وأصله في «الصحيحين» في قصة ضمام بن ثعلبة، وفي حديث عمرو بن عَبَسَةَ عند مسلم أنه أتى النبي ﷺ فقال: ما أنت؟ قال: «نبي الله»، قلت: آلله أرسلك؟ قال: «نعم»، قلت: بأي شيء؟ قال: «أوحد الله لا أشرك به شيئًا …» الحديث، وفي حديث أسامة بن زيد، في قصة قتله الذي قال: لا إله إلا الله، فأنكر عليه النبي ﷺ، وحديث المقداد في معناه، وكلاهما في «الصحيح»، وفي كتب النبي ﷺ إلى هرقل وكسرى، وغيرهما من الملوك، يدعوهم إلى التوحيد، إلى غير ذلك من الأخبار المتواترة التواتر المعنوي، الدال على أنه ﷺ لم يزد في دعائه المشركين، على أن يؤمنوا بالله وحده، ويصدقوه فيما جاء به عنه، فمن فعل ذلك قَبِلَ منه، سواء كان إذعانه عن تقدم نظر، أم لا، ومن توقف منهم، نَبَّهَه حينئذ على النظر، أو أقام عليه الحجة إلى أن يُذعِن أو يستمرّ على عناده.
وقال البيهقي في «كتاب الاعتقاد»: سلك بعض أئمتنا في إثبات الصانع، وحدوث العالم طريق الاستدلال، بمعجزات الرسالة، فإنها أصل في وجوب قبول ما دعا إليه النبي ﷺ، وعلى هذا الوجه وقع إيمان الذين استجابوا للرسل، ثم ذكر قصة النجاشي، وقول جعفر بن أبي طالب له: بعث الله إلينا رسولًا، نعرف صدقه، فدعانا إلى الله، وتلا علينا تنزيلًا من الله، لا يشبهه شيء، فصدقناه، وعرفنا أن الذي جاء به الحق … الحديث بطوله، وقد أخرجه ابن خزيمة في «كتاب الزكاة» من «صحيحه» من رواية ابن إسحاق، وحاله معروفة، وحديثه في درجة الحسن.
قال البيهقي: فاستدلوا بإعجاز القرآن على صدق النبي، فآمنوا بما جاء به، من إثبات الصانع، ووحدانيته، وحدوث العالم، وغير ذلك، مما جاء به الرسول ﷺ في القرآن وغيره، واكتفاء غالب من أسلم بمثل ذلك مشهور في الأخبار، فوجب تصديقه في كل شيء ثبت عنه بطريق السمع، ولا يكون ذلك تقليدًا، بل هو اتباع. والله أعلم.
وقد استدل من اشترط النظر بالآيات، والأحاديث الواردة في ذلك، ولا حجة فيها؛ لأن من لم يشترط النظر لم ينكر أصل النظر، وإنما أنكر توقف الإيمان على وجود النظر، بالطرق الكلامية، إذ لا يلزم من الترغيب في النظر، جعله شرطًا.
واستدل بعضهم بأن التقليد لا يفيد العلم، إذ لو أفاده لكان العلم حاصلًا، لمن قلد في قدم العالم، ولمن قلد في حدوثه، وهو محال لإفضائه إلى الجمع بين النقيضين، وهذا إنما يتأتى في تقليد غير النبي ﷺ، وأما تقليده ﷺ، فيما أخبر به عن ربه، فلا يتناقض أصلًا.
واعتذر بعضهم عن اكتفاء النبي ﷺ، والصحابة بإسلام من أسلم من الأعراب، من غير نظر، بأن ذلك كان لضرورة المبادئ، وأما بعد تقرر الإسلام، وشهرته، فيجب العمل بالأدلة، ولا يخفى ضعف هذا الاعتذار.
والعجب أن من اشترط ذلك من أهل الكلام، ينكرون التقليد، وهم أول داعٍ إليه، حتى استقر في الأذهان، أن من أنكر قاعدة من القواعد التي أصلوها، فهو مبتدع، ولو لم يفهمها، ولم يعرف مأحذها، وهذا هو محض التقليد، فآل أمرهم إلى تكفير من قلد الرسول عليه الصلاة والسلام، في معرفة الله تعالى، والقولِ بإيمان من قلدهم، وكفى بهذا ضلالًا، وما مَثَلهم إلا كما قال بعض السلف: إنهم كمثل قوم كانوا سَفرًا، فوقعوا في فلاة، ليس فيها ما يقوم به البدن، من المأكول والمشروب، ورأوا فيها طرقًا شتى، فانقسموا قسمين: فقسم وجدوا من قال لهم: أنا عارف بهذه الطرق، وطريق النجاة منها واحدة، فاتبعوني فيها، تنجوا، فتبعوه فنجوا، وتخلفت عنه طائفة، فأقاموا، إلى أن وقفوا على أمارة ظهر لهم أن في العمل بها النجاة، فعملوا بها فنجوا، وقسم هجموا بغير مرشد ولا أمارة فهلكوا، فليس نجاة من اتبع المرشد بدون نجاة من أخذ بالأمارة، إن لم تكن أولى منها.
قال الحافظ: ونَقَلْتُ من جزء الحافظ صلاح الدين العلائي: يمكن أن يُفَصَّل، فيقال: من لا له أهلية لفهم شيء من الأدلة أصلًا، وحصل له اليقين التام بالمطلوب، إما بنشأته على ذلك، أو لنور يقذفه الله في قلبه، فإنه يكتفى منه بذلك، ومن فيه أهلية لفهم الأدلة، لم يكتف منه إلا بالإيمان عن دليل، ومع ذلك فدليل كل أحد بحسبه، وتكفي الأدلة المجملة، التي تحصل بأدنى نظر، ومن حصلت عنده شبهة وجب عليه التعلم إلى أن تزول عنه، قال فبهذا يحصل الجمع بين كلام الطائفة المتوسطة.
قال الإتيوبي عفا الله تعالى عنه: هذا الجمع لا حاجة لنا إليه أصلًا؛ لأن إيجاب النظر على أيّ أحد قولٌ بلا دليلٌ، فتنبّه.
قال: وأما من غلا، فقال: لا يكفي إيمان المقلد، فلا يلتفت إليه، لما يلزم منه من القول بعدم إيمان أكثر المسلمين، وكذا من غلا أيضًا، فقال: لا يجوز النظر في الأدلة؛ لما يلزم منه من أن أكابر السلف لم يكونوا من أهل النظر. انتهى ملخصًا [اجع: «فتح» ١٤/ ٢٩٦ – ٣٠٣].
قال الإتيوبي عفا الله تعالى عنه: قوله: «لما يلزم منه من أن أكابر السلف إلخ»: هذا هو الواقع، فلم يُنقل من الصحابة، فمن بعدهم أنهم استعملوا شيئًا من أدلة المتكلّمين، فمن ادّعى ذلك فقد افترى عليهم، بل السلف الذين حدث في عصرهم علم الكلام، كالشافعيّ، وأحمد، وغيرهما قد أنكروه، وحرّموه، ونفّروا الناس عنه، فأين السلف الذين تعلّموا علم الكلام، فكانوا من أهل النظر، حاشا وكلّا، ثم حاشا وكلّا.
والحاصل أن الحقّ الذي لا محيد عنه، ولا يجوز لأحد أن يخالفه، أن الإيمان هو معرفة الله تعالى، ومعرفة رسوله ﷺ عن طريق النقل، لا عن طريق علم الكلام، فمن أبي هذا فهو ضالٌّ مضلّ، اللهمّ أرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨].
هذا ما أردت نقله من كلام المحققين، وإنما أطلت في النقول؛ لما رأيت من انهماك كثير ممن ينتسب إلى العلم بتصويب آراء الخلف المخالفة لهدي رسول الله ﷺ الذي أتى ليهدي الناس إلى ربهم بأقوم طريق وأحسنه، وأبينه وأسهله وأيسره، وما ذاك إلا لبعدهم عما كان عليه السلف من التحذير عن بدع المتكلمين، وحثّهم الناس بالتمسّك بهدي الكتاب والسنة الذي بهما الكفاية في هداية الخلق أجمعين، رزقنا الله تعالى التمسّك بهما، والاكتفاء بهديهما، إنه سميع قريب مجيب الدعوات، والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في حكم القدريّة، ونحوهم من أهل الأهواء.
قد حقّق شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله تعالى هذا الموضوع تحقيقًا بالغًا أحببت إيراده هنا لكونه مستوعبًا شرح مذاهبهم، وحكم أهل العلم في كلّ طائفة منهم:
سئل رحمه الله عن قوله ﷺ: «تفترق أمتي ثلاثة وسبعين فرقة» ما الفِرَق؟ وما معتقد كلّ فرقة من هذه الصنوف؟
فأجاب رحمه الله تعالى:
الحمد لله، الحديث صحيح مشهور في السنن والمسانيد، كسنن أبي داود، والترمذيّ، والنسائيّ، وغيرهم، ولفظه: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقةً كلها في النار إلا واحدةً، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدةً، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقةً كلها في النار إلا واحدة»، وفي لفظ: «على ثلاث وسبعين ملّةً»، وفي رواية: قالوا: يا رسول الله من الفرقة الناجية؟ قال: «من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي»، وفي رواية قال: «هي الجماعة، يد الله على الجماعة».
ولهذا وَصَفَ الفرقةَ الناجيةَ بأنها أهل السنّة والجماعة، وهم الجمهور الأكبر، والسواد الأعظم.
وأما الفِرَقُ الباقية، فإنهم أهل الشذوذ، والتفرّق، والبدع، والأهواء، ولا تبلغ الفرقة من هؤلاء قريبًا من مبلغ الفرقة الناجية فضلًا عن أن تكون بقدرها، بل قد تكون الفرقة منها في غاية القلّة، وشعار هذه الفِرَق مفارقة الكتاب والسنّة والإجماع، فمن قال بالكتاب والسنة والإجماع كان من أهل السنة والجماعة.
وأما تعيين هذه الفِرَق، فقد صنّف الناس فيهم مصنّفات، وذكروهم في كتب المقالات، لكن الجزم بأن هذه الفرقة الموصوفة [كتب في الهامش: ما نصّه: كلمة لم تظهر] هي إحدى الثنتين والسبعين لا بدّ له من دليل، فإن الله حرّم القول بلا علم عمومًا، وحرّم القول عليه بلا علم خصوصًا، فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ [الأعراف: ٣٣]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (١٦٩)﴾ [البقرة: ١٦٨ – ١٦٩]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦]، وأيضًا فكثير من الناس يخبر عن هذه الفرق بحكم الظنّ والهوى، فيجعل طائفته، والمنتسبة إلى متبوعه الموالية له هم أهل السنّة والجماعة، ويجعل من خالفها أهل البدع، وهذا ضلال مبين، فإن أهل الحقّ والسنة لا يكون متبوعهم إلا رسول الله ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى، ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم: ٤]، فهو الذي يجب تصديقه في كل ما أخبر، وطاعته في كل ما أمر، وليست هذه المنزلة لغيره من الأئمة، بل كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويُترك إلا رسول الله ﷺ، فمن جعل شخصًا من الأشخاص غير رسول الله ﷺ من أحبه ووافقه كان من أهل السنة والجماعة، ومن خالفه كان من أهل البدع والفرقة – كما يوجد ذلك في الطوائف من أتباع أئمة في الكلام في الدين، وغير ذلك – كان من أهل البدع والضلال والتفرّق.
وبهذا يتبيّن أن أحقّ الناس بأن تكون هي الفرقة الناجية أهل الحديث والسنة الذين ليس لهم متبوع يتعصبون له إلا رسول الله ﷺ، وهم أعلم الناس بأقواله وأحواله، وأعظمهم تمييزًا بين صحيحها وسقيمها، وأئمتهم فقهاء فيها، وأهل معرفة بمعانيها، واتباعها، تصديقًا، وعملًا، وحبًّا، وموالاة لمن والاها، ومعاداةً لمن عاداها، الذين يروون [هكذا النسخة، ولعله «يردّون» بالدال، فليحرر] المقالات المجملة إلى ما جاء به من الكتاب والحكمة، فلا ينصبون مقالة ويجعلونها من أصول دينهم، وجُمَلِ كلامهم إن لم تكن ثابتة فيما جاء به الرسول ﷺ، بل يجعلون ما بُعث به الرسول ﷺ من الكتاب والحكمة هو الأصل الذي يعتقدونه، ويعتمدون عليه، وما تنازع فيه الناس من مسائل الصفات والقدر والوعيد والأسماء والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك يردّونه إلى الله ورسوله ﷺ، ويُفسّرون الألفاظ المجملة التي تنازع فيها أهل الفرق والاختلاف، فما كان معانيها موافقًا للكتاب والسنة أثبتوه، وما كان مخالفًا للكتاب والسنة أبطلوه، ولا يتبعون الظنّ، وما تَهوَى الأنفس، فإن اتّباع الظنّ جهل، واتّباع هوى النفس بغير هدى من الله ظلم، وجماعُ الشرّ الجهل والظلم، قال الله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢] إلى آخر السورة، وذكر التوبة لعلمه سبحانه وتعالى أنه لا بدّ لكل إنسان من أن يكون فيه جهل وظلم، ثم يتوب الله على من يشاء، فلا يزال العبد المؤمن دائمًا يتبتن له من الحقّ ما كان جاهلًا به، ويرجع عن عمل كان ظالمًا فيه، وأدناه ظلمه لنفسه، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [الحديد: ٩]، وقال تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [إبراهيم: ١].
ومما ينبغي أيضًا أن يُعرف أن الطوائف المنتسبة إلى متبوعين في أصول الدين والكلام على درجات، منهم من يكون قد خالف السنة في أصول عظيمة، ومنهم من يكون إنما خالف السنة في أمور دقيقة.
ومن يكون قد ردّ على غيره من الطوائف الذين هم أبعد عن السنة منه فيكون محمودًا فيما ردّه من الباطل، وقاله من الحقّ، لكن يكون قد جاوز العدل في ردّه بحيث جحد بعض الحقّ، وقال بعض الباطل، فيكون قد ردّ بدعةً كبيرة ببدعة أخفّ منها، وردّ باطلًا بباطل أخفّ منه [كان في النسخة: «وردّ بالبالطل باطلًا بباطل أخف منه»، وهو غلط، فتنبّه]، وهذه حال أكثر أهل الكلام المنتسبين إلى السنة والجماعة، ومثل هؤلاء إذا لم يجعلوا ما ابتدعوه قولًا يفارقون به جماعة المسلمين، يوالون عليه، ويعادون عليه كان من نوع الخطأ، والله سبحانه وتعالى يغفر للمؤمنين خطأهم في مثل ذلك، ولهذا وقع في مثل هذا كثير من سلف الأمة وأئمتها، لهم مقالات قالوها باجتهاد، وهي تخالف ما ثبت في الكتاب والسنّة، بخلاف من والى موافقه، وعادى مخالفه، وفرّق بين جماعة المسلمين، وكفّر، وفسّق مخالفه دون موافقه في مسائل الآراء والاجتهادات، واستحلّ قتال مخالفه دون موافقه، فهؤلاء من أهل التفرّق والاختلاف.
ولهذا كان أول من فارق جماعة المسلمين من أهل البدع الخوارج المارقون، وقد صحّ الحديث في الخوارج عن النبيّ ﷺ من عشرة أوجه، خرّجها مسلم في «صحيحه»، وخرّج البخاريّ منها غير وجه، وقد قاتلهم أصحاب النبيّ ﷺ مع أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، فلم يختلفوا في قتالهم كما اختلفوا في قتال الفتنة يوم الجمل وصفّين؛ إذ كانوا في ذلك ثلاثة أصناف: صنف قاتلوا مع هؤلاء، وصنف قاتلوا مع هؤلاء، وصنف أمسكوا عن القتال وقعدوا، وجاءت النصوص بترجيح هذه الحال.
فالخوارج لَمّا فأرقوا جماعة المسلمين، وكفّروهم، واستحلّوا قتالهم جاءت السنّة بما جاء فيهم، كقول النبيّ ﷺ: «يَحقِر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرأون القرآن لا يُجاوز حناجرهم، يَمرُقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرَّمِيّة، أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرًا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة».
وقد كان أولهم خرج على عهد رسول الله ﷺ، فلما رأى قسمة النبي ﷺ قال: يا محمد اعدِل، فإنك لم تعدل، فقال له النبي ﷺ: «لقد خبتُ وخسرتُ إن لم أعدل»، فقال له بعض أصحابه: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، فقال: «إنه يخرُج من ضِئضئ هذا أقوامٌ يَحقِر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم …» الحديث.
فكان مبدأ البدع هو الطعن في السنة بالظنّ والهوى، كما طعن إبليس في أمر ربه برأيه وهواه.
وأما تعيين الفِرَق الهالكة، فأقدم من بلغنا أنه تكلّم في تضليلهم يوسف بن أسباط، ثم عبد الله بن المبارك، وهما إمامان جليلان من أجلاء أئمة المسلمين قالا: أصول البدع أربعة: الروافض، والخوارج، والقدريّة، والمرجئة، فقيل لابن المبارك: والجهميّة؟ فأجاب بأن أولئك ليسوا من أمة محمد، وكان يقول: إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى، ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهميّة.
وهذا الذي قاله اتّبعه عليه طائفة من العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم، قالوا: إن الجهميّة كفّار، فلا يدخلون في الاثنين والسبعين فرقة، كما لا يدخل فيهم المنافقون الذين يُبطنون الكفر، ويُظهرون الإسلام، وهم الزنادقة.
وقال آخرون من أصحاب أحمد وغيرهم: بل الجهميّة داخلون في الاثنين والسبعين فرقةً، وجعلوا أصول البدعٍ خمسةً، فعلى قول هؤلاء يكون كلّ طائفة من المبتدعة الخمسة اثنا عشر فرقة، وعلى قول الأولين يكون كل طائفة من المبتدعة الأربعة ثمانية عشر فرقة.
وهذا ينبني على أصل آخر، وهو تكفير أهل البدع، فمن أخرج الجهميّة منهم لم يُكفّرهم، فإنه لا يكفر سائر أهل البدع، بل يجعلهم من أهل الوعيد بمنزلة الفسّاق والعُصاة، ويجعل قوله: «هم في النار» مثل ما جاء في سائر الذنوب، مثل أكل مال اليتيم وغيره، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ الآية [النساء: ١٠].
ومن أدخلهم فيهم، فهم على قولين:
منهم من يكفّرهم كلهم، وهذا إنما قاله بعض المتأخرين المنتسبين إلى الأئمة أو المتكلّمين، وأما السلف والأئمة فلم يتنازعوا في عدم تكفير المرجئة والشيعة المفضِّلَة، ونحو ذلك، ولم تختلف نصوص أحمد في أنه لا يكفّر هؤلاء، وإن كان من أصحابه من حَكَى في تكفير جميع أهل البدع من هؤلاء وغيرهم خلافًا عنه، أو في مذهبه حتى أطلق بعضهم تخليد هؤلاء وغيرهم، وهذا غلط على مذهبه، وعلى الشريعة.
ومنهم من لم يكفّر أحدًا من هؤلاء إلحاقًا لأهل البدع بأهل المعاصي، قالوا: فكما أن من أصول أهل السنة والجماعة أنهم لا يكفّرون أحدًا بذنب، فكذلك لا يكفّرون أحدًا ببدعة. والمأثور عن السلف، والأئمة إطلاق أقوال بتكفير الجهميّة المحضة الذين يُنكرون الصفات، وحقيقة قولهم: إن الله لا يتكلم، ولا يُرَى، ولا يباين الخلق، ولا له علم، ولا قدرة، ولا سمغ، ولا بصرٌ، ولا حياةٌ، بل القرآن مخلوقٌ، وأهل الجنّة لا يرونه كما لا يراه أهل النار، وأمثال هذه المقالات.
وأما الخوارج، والروافض، ففي تكفيرهم نزاعٌ وتردّد عن أحمد وغيرهم.
وأما القدريّة الذين يَنفُون الكتابة والعلم، فكفّروهم، ولم يكفّروا من أثبت العلم، ولم يُثبت خلق الأفعال.
وفصل الخطاب في هذا الباب بذكر أصلين:
[أحدهما]: أن يعلم أن الكافر في نفس الأمر من أهل الصلاة لا يكون إلا منافقًا، فإن الله منذ بعث محمدًا ﷺ، وأنزل عليه القرآن، وهاجر إلى المدينة صار الناس ثلاثة أصناف: مؤمن به، وكافرٌ به مظهر الكفر، ومنافقٌ مستخف بالكفر، ولهذا ذكر الله هذه الأصناف الثلاثة في أول سورة البقرة، ذكر أربع آيات في نعت المؤمنين، وآيتين في الكفّار، وبضع عشرة آيةً في المنافقين، وقد ذكر الله الكفّار والمنافقين في غير موضع من القرآن، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب: ١]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٤٠]، وقوله: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحديد: ١٥]، وعطفهم على الكفّار ليميّزهم عنهم بإظهار الإسلام، وإلا فهم في الباطن شرّ من الكفّار، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥]، وكما قال: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية [التوبة: ٨٤]، وكما قال: ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ (٥٣) وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (٥٤)﴾ [التوبة: ٥٣ – ٥٤].
وإذا كان كذلك فأهل البدع فيهم المنافق الزنديق فهذا كافر، ويكثر هذا في الروافض والجهميّة، فإن رؤساءهم كانوا منافقين زنادقة، وأول من ابتدع الرفض كان منافقًا، وكذلك التجهّم، فإن أصله زندقة ونفاق، ولهذا كان الزنادقة المنافقون من القرامطة الباطنيّة المتفلسفة، وأمثالهم يميلون إلى الرافضة والجهمية لقربهم منهم.
ومن أهل البدع من يكون فيه إيمان باطنًا وظاهرًا، لكن فيه جهل وظلم حتى أخطأ ما أخطأ من السنة، فهذا ليس بكافر ولا منافق، ثم قد يكون منه عدوان وظلم يكون به فاسقًا أو عاصيًا، وقد يكون مخطئًا متأولًا مغفورًا له خطؤه، وقد يكون مع ذلك معه من الإيمان والتقوى ما يكون معه من ولاية الله بقدر إيمانه وتقواه، فهذا أحد الأصلين.
[والأصل الثاني]: أن المقالة تكون كفرًا، كجحد وجوب الصلاة والزكاة والصيام والحجّ، وتحليل الزنا والخمر والميسر، ونكاح ذوات المحارم، ثم القائل بها قد يكون بحيث لم يبلغه الخطاب، وكذا [“هكذا النسخة، ولعل الصواب: «وهذا»، فليحرّر”] لا يكفر به جاحده، كمن هو حديث عهد بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة لم تبلغه شرائع الإسلام، فهذا لا يُحكم بكفره، بجحد شيء مما أنزل على الرسول ﷺ إذا لم يعلم أنه أُنزل على الرسول ﷺ.
ومقالات الجهميّة هي من هذا النوع، فإنها جحد لما هو الربّ تعالى عليه، ولما أنزل الله على رسوله، وتُغلّظ مقالاتهم من ثلاثة أوجه:
[أحدهما]: أن النصوص المخالفة لقولهم في الكتاب والسنّة والإجماع كثيرة جدًّا مشهورة، وإنما يردّونها بالتحريف.
[الثاني]: أن حقيقة قولهم تعطيل الصانع، وإن كان منهم من لا يَعلَم أن قولهم مستلزم تعطيل الصانع، فكما أن أصل الإيمان الإقرار بالله، فأصل الكفر الإنكار لله.
[الثالث]: أنهم يخالفون ما اتّفقت عليه الملل كلّها، وأهل الفطر السليمة كلها، لكن مع هذا قد يخفى كثير من مقالاتهم على كثير من أهل الإيمان حتى يظنّ أن الحقّ معهم؛ لما يوردونه من الشبهات، ويكون أولئك المؤمنون مؤمنين بالله ورسوله باطنًا وظاهرًا، وإنما التبس عليهم واشتبه هذا كما التبس على غيرهم من أصناف المبتدعة، فهؤلاء ليسوا كفّارًا قطعًا، بل قد يكون منهم الفاسق والعاصي، وقد يكون منهم المخطئ المغفور له، وقد يكون معه من الإيمان والتقوى ما يكون معه به من ولاية الله بقدر إيمانه وتقواه.
وأصل قول أهل السنة الذي فارقوا به الخوارج والجهميّة والمعتزلة والمرجئة أن الإيمان يتفاضل ويتبغض، كما قال النبيّ ﷺ: «يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرّة من إيمان»، وحينئذٍ فتتفاضل ولاية الله، وتتبعّض بحسب ذلك.
وإذا عُرف أصل البدع، فأصل قول الخوارج أنهم يكفّرون بالذنب، ويعتقدون ذنبًا ما ليس بذنب، ويرون اتّباع الكتاب دون السنّة التي تخالف ظاهر الكتاب، وإن كانت متواترةً، ويكفرون من خالفهم، ويستحلّون منه لارتداده عندهم ما لا يستحلّونه من الكافر الأصليّ، كما قال النبيّ ﷺ فيهم: «يقتلون أهل الإسلام، ويدَعُون أهل الأوثان»، ولهذا كفّروا عثمان وعليًّا وشيعتهما، وكفّروا أهل صفّين الطائفتين في نحو ذلك من المقالات الخبيثة.
وأصل قول الرافضة أن النبيّ ﷺ نصّ على عليّ نصًّا قاطعًا للعذر، وأنه إمام معصوم، ومن خالفه كفر، وأن المهاجرين والأنصار كتموا النصّ، وكفروا با لإمام المعصوم، واتّبعوا أهواءهم، وبدّلوا الدين، وغيّروا الشريعة، وظلموا، واعتدوا، بل كفروا إلا نفرًا قليلًا، إما بضعه عشر، أو أكثر، ثم يقولون: إن أبا بكر وعمر ونحوهما ما زالا منافقين، وقد يقولون: بل آمنوا، ثم كفروا، وأكثرهم يكفّر من خالف قولهم، ويُسمّون أنفسهم المؤمنين، ومن خالفهم كفّارًا، ويجعلون مدائن الإسلام التي لا تُظهَر فيها أقوالهم دار رِدّة أسوأ حالًا من مدائن المشركين والنصارى، ولهذا يوالون اليهود والنصارى والمشركين على بعض جمهور المسلمين، ومعاداتهم ومحاربتهم، كما عُرف من موالاتهم الكفار المشركين على جمهور المسلمين، ومن موالاتهم الإفرنج النصارى على جمهور المسلمين، ومن موالاتهم اليهود على جمهور المسلمين.
ومنهم ظهرت أمهات الزندقة والنفاق، كزندقة القرامطة الباطنة وأمثالهم، ولا ريب أنهم أبعد طوائف المبتدعة عن الكتاب والسنّة، ولهذا كانوا هم المشهورين عند العامة بالمخالفة للسنة، فجمهور العامة لا تعرف ضدّ السنيّ إلا الرافضيّ، فإذا قال أحدهم: أنا سنّيّ، فإنما معناه لست رافضيّا، ولا ريب أنهم شرّ من الخوارج، لكن الخوارج كان لهم في مبدئ الإسلام سيف على أهل الجماعة، وموالاتهم الكفّار أعظم من سيوف الخوارج، فإن القرامطة والإسماعيليّة ونحوهم من أهل المحاربة لأهل الجماعة، وهم منتسبون إليهم، وأما الخوارج فهم معروفون بالصدق، والروافض معروفون بالكذب، والخوارج مَرَقُوا من الإسلام، وهؤلاء نابذوا الإسلام.
وأما القدريّة المحضة، فهم خير من هؤلاء بكثير، وأقرب إلى الكتاب والسنّة، لكن المعتزلة وغيرهم من القدريّة هم جهميّة أيضًا، وقد يكفّرون من خالفهم، ويستحلّون دماء المسلمين، فيقربون من أولئك.
وأما المرجئة فليسوا من هذه البدع المغلّظة، بل قد دخل في قولهم طوائف من أهل الفقه والعبادة، وما كانوا يُعَدُّون إلا من أهل السنّة حتى تغلظ أمرهم بما زادوه من الأقوال المغلّظة.
ولَمّا كان قد نُسب إلى الإرجاء والتفضيل قوم مشاهير متَّبَعون تكلّم أئمة السنة المشاهير في ذمّ المرجئة المفضّلة تنفيرًا عن مقالتهم، كقول سفيان الثوريّ: مَن قدّم عليًّا على أبي بكر والشيخين فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار، وما أدري يصعد له إلى الله عمل مع ذلك، ونحو هذا القول، قاله لما نُسب إلى تقديم عليّ بعضُ أئمة الكوفيين، وكذلك قول أيوب السختيانيّ: من قدّم عليًّا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار، قاله لما بلغه ذلك عن بعض أئمة الكوفيين، وقد روي أنه رجع عن ذلك، وكذلك قول الثوريّ ومالك والشافعيّ وغيرهم في ذمّ المرجئة لما نُسب إلى الإرجاء بعض المشهورين.
وكلام الإمام أحمد في هذا الباب جارٍ على كلام من تقدّم من أئمة الهدى، ليس له قولٌ ابتدعه، ولكن أظهر السنة وبيّنها، وذبّ عنها، وبيّن حال مخالفيها، وجاهد عليها، وصبر على الأذى فيها لَمّا أُظهرت الأهواء والبدع، وقد قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾ [السجدة: ٢٤]، فالصبر واليقين بهما تنال الإمامة في الدين، فلما قام بذلك قُرنت باسمه الإمامة في السنة ما شُهر به، وصار متبوعًا لمن بعده، كما كان تابعًا لمن قبله.
وإلا فالسنّة هي ما تلقَّاه الصحابة عن رسول الله ﷺ، وتلقّاه عنهم التابعون ثم تابعوهم إلى يوم القيامة، وإن كان بعض الأئمة بها أعلم، وعليها أصبر. والله سبحانه وتعالى أعلم وأحكم. انتهى كلام شيخ الإسلام رحمه الله [راجع: «مجموع الفتاوى» ٣/ ٣٤٥ – ٣٥٨].
قال الإتيوبي عفا الله تعالى عنه: كلام شيخ الإسلام هذا تحقيق نفيس، وبحث أنيس، فتمسّك به، فإنك لا تجده مجموعًا محقّقًا في كلام غيره. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا ونعم الوكيل. [البحر المحيط الثجاج (1/ 119 – 160)].
رابعًا: فوائد الحديث:
١ – (منها): ما ساقه المصنّف رحمه الله تعالى من أجله، وهو بيان شرح الإسلام، والإيمان، والإحسان، وغير ذلك، ولذا يَصْلُح، أن يقال هذا الحديث أُمُّ السنة؛ لما تضمنه من جُمَل علم السنة، كما سُمّيت الفاتحة أم الكتاب؛ لِمَا تضمّنته من جُمل معاني القرآن. قاله القرطبيّ، وقال الطيبي: لهذه النكتة استفتح به البغوي، كتابيه «المصابيح»، و«شرح السنة»؛ اقتداء بالقرآن في افتتاحه بالفاتحة؛ لأنها تضمنت علوم القرآن إجمالًا.
وقال القاضي عياض: قد اشتمل هذا الحديث، على جميع وظائف العبادات، الظاهرة والباطنة، من عقود الإيمان، ابتداءً، وحالًا، ومآلًا، ومن أعمال الجوارح، ومن إخلاص السرائر، والتحفظ من آفات الأعمال، حتى إن علوم الشريعة كلها راجعة إليه، ومتشعبة منه. قال: وعلى هذا الحديث، وأقسامه الثلاثة، ألّفنا كتابنا الذي سمّيناه بـ«المقاصد الحسان فيما يلزم الإنسان»، إذ لا يشذّ شيء من الواجبات، والسنن، والرغائب، والمحظورات، والمكروهات عن أقسامه الثلاثة. انتهى.
٢ – (ومنها): ما قاله القاضي عياض رحمه الله: في جملة هذا الحديث إنكار صدر هذه الأمة مقالة أهل القدر، وأنها محدثةٌ وبدعة، كما جاء في الحديث: أول من تكلم به معبد بالبصرة.
٣ – (ومنها): أن فيه فَزَعَ السلف في الأمور الطارئة عليهم في الدين إلى ما عند أصحاب النبيّ ﷺ؛ إذ هم الذين أُمرنا بالاقتداء بهم، ولمَا عندهم عنه ﷺ في ذلك من علم وأثر، ولهذا نَقَل مالك رحمه الله في «جامعه» من قول الصحابة رضي الله عنهم في هذا ما نَقَل.
٤ – (ومنها): أن فيه دليلًا على استحباب تحسين الثياب والهيئة، والنظافة عند الدخول على العلماء والفضلاء والملوك، فإن جبريل عليه السلام أتى معلّمًا للناس، كما أخبر به النبيّ ﷺ، فيكون تعليمه بحاله ومقاله.
٥ – (ومنها): ابتداء الداخل بالسلام على جميع من دخل عليه، وإقباله على رأس القوم، فإنه قال: السلام عليكم، فعمّ، ثم قال: يا محمد، فخصّ [«المفهم» ١/ ١٣٨ – ١٣٩].
٦ – (ومنها): أن فيه أن المَلَكَ يجوز أن يتمثل لغير النبي ﷺ، فيراه، ويتكلم بحضرته، وهو يسمع، وقد ثبت عن عمران بن حصين رضي الله تعالى عنهما أنه كان يسمع كلام الملائكة.
٧ – (ومنها): أن فيه دليلًا على أن الله تعالى مكّن الملائكة من أن يتمثّلوا فيما شاؤوا من صُور بني آدم، كما نصّ الله عز وجل على ذلك في قوله تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧]، وقد كان جبريل عليه السلام يتمثّل للنبيّ ﷺ في صورة دحية بن خليفة الكلبيّ رضي الله عنه، وقد كان لجبريل صورة خاصّة، خُلق عليها، لم يره النبيّ ﷺ عليها غير مرّتين، كما صحّ الحديث بذلك (١).
٨ – (ومنها): جواز الاستئذان في القرب من الإمام مرارًا، وإن كان الإمام في موضع مأذون في دخوله.
٩ – (ومنها): ترك الاكتفاء بالاستئذان مرّة، أو مرّتين على جهة التعظيم، والاحترام.
١٠ – (ومنها): جواز اختصاص العالم بموضع مرتفع من المسجد، إذا دعت الحاجة إلى ذلك، لضرورة التعليم، أو غيره؛ لما يأتي في حديث الباب التالي: «فبنينا له دكّانًا من طين، كان يجلس عليه».
١١ – (ومنها): أنه ينبغي لمن حضر مجلس العالم إذا علم بأهل المجلس حاجةً إلى مسألة، لا يسألون عنها، أن يسأل هو عنها؛ ليحصل الجواب للجميع.
١٢ – (ومنها): أنه ينبغي للعالم أن يرفق بالسائل، ويُدنيه منه؛ ليتمكّن من سؤاله، غير هائب، ولا منقبض، وأنه ينبغي للسائل أن يرفق في سؤاله.
١٣ – (ومنها): أنه ينبغي للعالم إذا سئل عما لا يعلم، أن يصرح بأنه لا يعلمه، ولا يكون في ذلك نقص من مرتبته، بل يكون ذلك دليلًا على مزيد ورعه. قاله النوويّ رحمه الله تعالى.
١٤ – (ومنها): ما قاله القرطبي رحمه الله تعالى: مقصود هذا السؤال كَفُّ السامعين عن السؤال، عن وقت الساعة؛ لأنهم قد أكثروا السؤال عنها، كما ورد في كثير من الآيات، والأحاديث، فلما حصل الجواب بما ذُكر هنا، حصل اليأس من معرفتها، بخلاف الأسئلة الماضية، فإن المراد بها استخراج الأجوبة، ليتعلمها السامعون، ويعملوا بها، ونبه بهذه الأسئلة على تفصيل ما يمكن معرفته، مما لا يمكن.
١٥ – (ومنها): ما قاله ابن الْمُنَيِّر رحمه الله تعالى: في قوله: «يعلمكم دينكم»، دلالة على أن السؤال الحسن، يُسَمَّى علمًا وتعليمًا؛ لأن جبريل عليه السلام. [«المفهم» ١/ ١٥٢].
لم يصدر منه سوى السؤال، ومع ذلك فقد سماه النبيّ ﷺ معلمًا، وقد اشتهر قولهم: «حُسنُ السؤال نصف العلم»، ويمكن أن يؤخذ من هذا الحديث؛ لأن الفائدة فيه انْبَنَتْ على السؤال والجواب معًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. [البحر المحيط الثجاج].